المسؤولية المدنية عن جناية الحيوان
“جناية العجماء جبار”، تلك الجملة كانت مستهل (المادة 289) من القانون المدني الأردني، وهذا يعني أن فعل العجماء – أي الحيوان – إذا تمخض عنه إحداث ضرر بالغير يرقى إلى حد الجناية كقتله أو جرحه فإن هذا الفعل يكون جباراً أي مهدوراً حيث لا يكون هناك ثمة عقوبة جنائية على أحد.
إلا أن جبار جناية العجماء – أي إهدارها – لا يحول دون تحقق المسؤولية التقصيرية في حق حارس الحيوان والذي يلتزم بدفع تعويض إلى المضرور إذا أثبت الأخير أن حارس الحيوان قصر في حراسته مما أدى إلى إصابته بضرر.
أولاً: على من تقع المسؤولية عن فعل الحيوان:
ثانياً: انتقال الحراسة وانتقال المسؤولية:
رابعاً: الضرر الذي يحدثه الحيوان:
خامساً: نوع المسؤولية التي يتحمل بها حارس الحيوان:
سادساً: طبيعة مسئولية حارس الحيوان:
أولاً: على من تقع المسؤولية عن فعل الحيوان:
نص المشرع الأردني في (المادة 289) من القانون المدني على أن: (جناية العجماء جبار ولكن فعلها الضار مضمون على ذي اليد عليها مالكا كان أو غير مالك اذا قصر أو تعدى)، ومن هذا النص يتجلى لنا أن المسؤولية تقع على ذي اليد على العجماء – أي الحيوان – سواء أكان مالكها أم غيره.
وذي اليد هنا يُقصد به متولي حراسة الحيوان أو من يكون الحيوان تحت حيازته أثناء إحداثه ضرراً للغير، ومن ثم فيكون مسئولاً كل من كان الحيوان تحت سيطرته الفعلية أثناء إحداث الحيوان ضرراً للغير.
والحارس في هذا الصدد قد يكون شخصاً واحداً أو عدة أشخاص طالما توافرت بشأنهم شروط الحراسة[1]، أي طالما كان لهم جميعاً سلطة السيطرة على العجماء والحق في توجيهها والإشراف عليها.
ومن الجدير بالذكر أن هناك ثمة قرينة قانونية مؤداها أن مالك الشيء هو الحارس والمسئول عن هذا الشيء، وعليه فلا يكون هناك ثمة التزام على المضرور إذا رجع على المالك أن يثبت أن الأخير هو حارس العجماء، ولكن يكون للمالك الحق في إثبات أن الحيوان الذي أحدث الضرر لم يكن في حيازته – أو حراسته – لحظة إحداثه ضرراً بالغير، فإذا استطاع أن يثبت ذلك انتفت عنه المسؤولية القانونية وانتقلت إلى من كان الحيوان في حراسته لحظة حدوث الضرر.
وفي هذا الصدد تقضي محكمة صلح حقوق اربد في حكمها رقم 3864 لسنة 2019 بأن: (يُقصد بالحراسة السيطرة الفعلية في التوجيه والرقابة والتصرف في أمره، والأصل أن حارس الحيوان هو المالك سواء كان مالكا له ملكية مفردة أم شائعة كقطيع من الابل أو قطيع من المواشي. ويترتب على ذلك أن لا يكلف المضرور بإثبات أن الحراسة في الأصل للمالك ، بل يجب على المالك إذا أراد دفع المسؤولية عن نفسه إثبات أن الحراسة وقت وقوع الضرر كانت لغيره وإذا لم تنتقل الحراسة من المالك إلى الغير ظل المالك مسؤولا عن فعل الحيوان).
ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن حارس الحيوان يكون مسئولاً عن فعل هذا الحيوان سواء أكانت حيازته له مشروعة أم غير مشروعة، وبناء على ما تقدم فإن الذي يسرق كلباً من الغير ويقوم الكلب بإصابة أحد الأشخاص فإن السارق يكون هو المسئول عن جبر ضرر المضرور في هذه الحالة.
ثانياً: انتقال الحراسة وانتقال المسؤولية:
مما سبق بيانه يتضح أن مناط المسؤولية هو تحقق الحراسة على الحيوان أثناء حدوث الضرر، ومن ثم فإن تلك المسؤولية تنتقل إلى كل شخص انتقلت له حراسة الحيوان وحيازته حتى ولو كان الانتقال بدون سند من القانون أي حتى ولو كانت الحيازة غير مشروعة.
ولكن ماذا لو انتقلت الحراسة إلى شخص تابعاً لمالك الحيوان؟
الواقع أنه في هذه الحالة يظل المسيطر على الحيوان هو المالك، ولما كان التابع لا يكون له ثمة سيطرة فعلية على الحيوان فإن ذلك من شأنه أن يبقي المسؤولية على المالك، وعلى الرغم من ذلك فهناك بعض الحالات التي تنتقل فيها الحراسة إلى التابع مما يؤدي إلى انتقال المسؤولية إليه، ولكن في هذه الحالة سيكون المالك هو المسئول أيضاً عن الأضرار التي يلحقها الحيوان بالغير على أساس قواعد مسئولية المتبوع عن فعل التابع
وتنتقل المسؤولية بانتقال الحيازة إلى المستأجر أو من يتولى رعاية الحيوان، فيكون الطبيب المعالج للحيوان هو المسئول عن التعويضات المترتبة على الأضرار التي أحدثها الحيوان وهو في حراسته وذلك مالم يستبقي المالك لنفسه السيطرة الفعلية على الحيوان.
ثالثاً: المقصود بالحيوان:
من مطالعة (المادة 289) من القانون المدني الأردني سنجد أنها لم تحدد ما هو المقصود بالحيوان، ولما كان مصطلح الحيوان جاء مطلق فإنه يظل على إطلاقه طالما لم يأت ما يقيده، وهو ما يعني أن مصطلح الحيوان في المادة المذكورة يشير إلى كافة أنواع الحيوان سواء أكانت متوحشة أو مستأنسة، وبغض النظر عن كونها طليقة أم مقيدة، وبغض النظر – أيضاً – عن حجمها، ومن ثم فإن مالك النحل – أو حارسه – يكون مسئولاً عن الأضرار التي يحدثها النحل للغير.
إلا أن الحيوان يجب أن يكون مملوكاً لشخص أو عدة أشخاص، أما إذا كان الحيوان غير مملوك لأحد وأحدث ضرر للغير فلا يكون هناك ثمة مسئولية على أحد حتى ولو كان الحيوان متواجد أثناء إحداث الضرر في أرض أحد الأشخاص، وسبب انتفاء المسؤولية عن مالك الأرض في هذه الحالة هو انتفاء السيطرة الفعلية على هذا الحيوان على الرغم من أنه في أرضه.
رابعاً: الضرر الذي يحدثه الحيوان:
حتى تقوم مسئولية حارس الحيوان يجب أن يكون هناك ثمة ضرر وقع على الغير بسبب تعدي الحيوان عليه أو على ما يملك، كأن يحدث الحيوان به جرح أو يتلف له زراعه أو مال مملوكاً له.
ولا يشترط أن يحدث احتكاك مادي بين الحيوان والشيء الذي حدث فيه الضرر، فلو كان الحيوان مفترساً وخرج من المكان المخصص له إلى الطريق العام مفزعاً للناس فنتج عن هذا الفزع اصطدام أحد الأشخاص بغيره أو الأرض فجرح أو مات فإن الضرر في هذه الحالة يكون من فعل الحيوان.[2]
إلا أنه حتى تقوم مسئولية حارس الحيوان يجب ألا يكون الضرر الذي حدث للغير ناتجاً عن فعله، حيث أنه لو أن الغير هو الذي اصطدم بالحيوان أو حاول إيذائه فتمخض عن ذلك أن هاجمه الحيوان فلا يكون هناك ثمة مسئولية على الحارس حيث لا ينسب الضرر في هذه الحالة إلى الحيوان.
خامساً: نوع المسؤولية التي يتحمل بها حارس الحيوان:
ورد في مستهل (المادة 289) من القانون المدني الأردني أن “جناية العجماء جبار”، وبتفسير الجملة السابق بيانها يتجلى لنا أن الجناية التي يرتكبها الحيوان وهو في حراسة أحد الأشخاص تكون “جباراً” أي تكون مُهدرة، وهذا يعني أن حارس الحيوان في هذه الحالة لا تقع عليه ثمة مسئولية جنائية ذلك أن الفعل المرتكب لا يُنسب إلى مالك الحيوان ولكنه ينسب إلى الحيوان ذاته والذي لا يمكن أن يوقع عليه العقاب الجنائي.
ومن ثم فلا يمكن أن يُنسب إلى الحارس ثمة جريمة عن الفعل الذي ارتكبه الحيوان والذي تمخض عنه إحداث ضرراً للغير مهما بلغ جسامة هذا الضرر حتى ولو تمخض عنه وفاة الواقع عليه الضرر لأن جناية العجماء جبار.
وفي هذا الصدد تقضي محكمة بداية جنوب عمان بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم 1917 لسنة 2018 بأن: (موضوع الشكوى وعلى فرض الثبوت يخرج عن اختصاص القضاء الجزائي كون الضرر الناتج المسبب للإيذاء ليس ناتجاً عن فعل المستأنف ضده مباشرة وإنما ناشئ عن فعل غيره ولم يثبت القصد الجرمي بتعمد المستأنف ضده القيام بفعل الإيذاء المقصود بحق الطفل المصاب وعليه تكون مسؤوليته مدنية ناشئة عن حراسة الحيوان وفقاً للمادة 289 من القانون المدني و التي نصت “جناية العجماء جبار, ولكن فعلها الضار مضمون على ذي اليد عليها مالكا كان أو غير مالك اذا قصر أو تعدى”).
إلا أن ذلك لا يعني أنه لا تقوم ثمة مسئولية، لأن هناك من أصيب بضرر ويتعين أن يكون هناك تعويض لجبر هذا الضرر، ولكن تكون المسؤولية في هذه الحالة في نطاق القانون المدني، بحيث يكون حارس الحيوان الذي أحدث ضرر للغير مسئولاً عن تعويض المضرور تعويضاً جابراً لما أصابه من ضرر حال توافرت في شأنه شروط عناصر المسؤولية المدني والتي تتمثل في:
1- أن يكون هناك خطأ من جانب حارس الحيوان، وهذا ما عبر عنه المشرع الأردني بقوله في (المادة 289) بأن: ” ولكن فعلها الضار مضمون على ذي اليد عليها مالكا كان أو غير مالك إذا قصر أو تعدى”.
فيتبين إذن أن الخطأ الذي ينسب إلى جانب حارس الحيوان يتمثل في تقصيره في حراسة حيوانه والذي نجم عنه أنه أصاب الغير بضرر.
2- أن يُصاب الغير بضرر، إذ لا يمكن أن يُسأل حارس الحيوان عن ثمة مسئولية مهما كان مقصراً في حراسة حيوانه طالما لم يُصاب الغير بضرر، لأن قوام المسؤولية المدنية أن يكون هناك ضرر أصاب الغير.
3- أن يكون هناك علاقة سببية بين تقصير حارس الحيوان والضرر الذي أصاب الغير، فإن انتفت علاقة السببية فإن ذلك من شأنه أن يُنفي مسئوليته.
سادساً: طبيعة مسئولية حارس الحيوان:
مسئولية حارس الحيوان في القانون المدني الأردني تقوم على الخطأ واجب الإثبات، ومن ثم يتعين على من يُطالب بتعويض عن الضرر الذي أصابه جراء فعل حيوان مملوك لأحد الأشخاص أن يُثبت أن حارس الحيوان – أو مالكه – قصر في حراسته وأدى ذلك إلى أن أصابه الحيوان بضرر.
فإذا استطاع المضرور أن يُثبت ذلك، كان للحراس إن أردا أن يدفع عن نفسه المسؤولية أن يُثبت أنه قوام بكل واجبات الحيطة والحظر وأنه لم يقصر في حراسة الحيوان الذي كان خاضعاً لسيطرته وقت أن وقع الضرر على المضرور.
وهذا ما تؤكده محكمة صلح حقوق اربد في حكمها رقم 3864 لسنة 2019 والتي قضت فيه بأن: (وتقوم مسؤولية حارس الحيوان في حالة وقوع تقصير وتعدي من الحارس وهو ما يتعين على المضرور إثباته، حيث يجب على من تضرر من فعل الحيوان أن يثبت تقصير حارسه في الرقابة عليه أو تعديه بارتكاب فعل كان سببا في إضرار الحيوان بالغير وليس للمسؤول الحارس حتى يدفع المسؤولية عنه إلا أن يثبت أنه قام بكل واجبات الحراسة ووقع الضرر رغم ذلك).
والواقع أن موقف المشرع الأردني يُخالف ما استقر عليه المشرع المصري والذي جعل مسئولية حارس الحيوان قائمة على الخطأ المفترض، حيث لا يكون على المضرور سوى أن يُثبت أن الضرر الذي أصابه راجعاً إلى فعل حيوان كان في حراسة أحد الأشخاص.
وفي هذا تنص (المادة 176) من القانون المدني المصري على أن: (حارس الحيوان، ولو لم يكن مالكاً له، مسئول عما يحدثه الحيوان من ضرر، ولو ضل الحيوان أو تسرب، ما لم يثبت الحارس أن وقوع الحادث كان بسبب أجنبي لا يدّ له فيه).
ومن هذا النص يتضح لنا أن حارس الحيوان في التشريع المصري لا يستطيع أن يدفع مسئوليته إلا إذا أثبت أن هناك سبباً أجنبياً أدى إلى تمكن الحيوان من إحداث ضرر بالغير، حيث لا يكون له أن يتمسك بأنه اتبع واجبات الحيطة والحظر وأنه لم يقصر في حراسة الحيوان ليدفع مسئوليته وذلك عكس ما قرره المشرع الأردني في أحكامه المتعلقة بالمسؤولية عن جناية الحيوان.
إعداد/ أحمد منصور.
مراجعة وتدقيق/ المحامي سامي العوض.
[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، النظرية العامة للالتزام، 2017، دار الجامعة الجديدة، ص 426.
[2] الأستاذ الدكتور/ سمير تناغو، أحكام الالتزام والإثبات، 2009، مكتبة الوفاء القانونية، ط1، ص290.

