سقوط الدعوى الجزائية بوفاة المشتكى عليه
إن الدعاوى الجزائية المرفوعة أمام المحاكم المختصة لا بد أن تنقضي بأحد الأسباب التي نص عليها المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته، وإن كان الطريق الطبيعي لإنقضاء الدعوى الجزائية هو بصدور حكم بات في الدعوى، إلا أن القانون قد نص على أسباب اخرى لإنقضاء الدعوى الجزائية، وهذه الأسباب منها العامة ومنها الخاصة، والأسباب العامة هي الحكم البات ووفاة المشتكى عليه والتقادم والعفو العام، أما الأسباب الخاصة فمنها التنازل عن الشكوى وإسقاط الحق الشخصي و الصلح وصفح الفريق المتضرر، وسنتناول الحديث في هذا المقال على سقوط الدعوى الجزائية بوفاة المشتكى عليه سنداً لنص المادة 336 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
المقصود بالدعوى الجزائية
قبل أن نتعرف على إنقضاء الدعوى الجزائية بسقوطها لوفاة المشتكى عليه لا بد أن نتعرف على المقصود بالدعوى الجزائية، فالدعوى الجزائية هي مجموعة من الإجراءات التي تستهدف غاية معينة، وهي الفصل في الخصومة عن طريق الجهة القضائية المختصة [1].
إنقضاء الدعوى الجزائية
كما ذكرنا أن الدعوى الجزائية تنقضي لإسباب عامة وأسباب خاصة، وإن كان الطريق الطبيعي لإنقضاء الدعوى هو صدور حكم بات فيها، إلا أنه هناك أسباب قد تطرأ على الدعوى أثناء النظر فيها أو حتى قبل رفعها إلى المحكمة، فتنقضي بها الدعوى قبل أن تصل إلى غايتها، وتسمى أسباب إنقضاء الدعوى بأسباب السقوط وذلك تمييزاً لها عن السبب الطبيعي لانقضاء الدعوى وهو صدور الحكم البات فيها.
المقصود بوفاة المشتكى عليه
يقصد بوفاة المشتكى عليه هو موته، وبتالي إنتهاء شخصيته القانونية، فالشخصية القانونية للإنسان تبدأ بتمام ولادته حياً وتنتهي بموته، وعليه لا يجوز السير في إجراءات الدعوى الجزائية وحتى المدنية ضد شخص ميت، وإن كانت بعض التشريعات تجيز ذلك كالتشريع الفرنسي القديم، فقد كان يجيز رفع الدعوى الجزائية ضد شخص ميت في بعض الجرائم الخطيرة كالخيانة العظمى، وبعض الجرائم الدينية كالإنتحار[2].
لماذا تسقط الدعوى الجزائية بوفاة المشتكى عليه؟
ذلك لإنتهاء الشخصية القانونية للمشتكى عليه، ولأن المدعى عليه في مثل هذه الدعوى يجب أن يكون شخصاً حياً وواعياً ومسؤولاً جزائياً، فقد نص المشرع الأردني في المادة 336 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن تسقط دعوى الحق العام والعقوبة بوفاة المشتكى عليه، سواءً أكان من جهة تطبيق العقوبة الأصلية أو العقوبة الإضافية أو الفرعية، أيضاً ما ورد في المادة 335 من ذات القانون التي تقضي بأن تسقط دعوى الحق العام بوفاة المشتكى عليه أو بالعفو العام أو بالتقادم.
أثر وقت حدوث الوفاة على الدعوى الجزائية
قد تحدت الوفاة قبل رفع الدعوى الجزائية وفي هذه الحالة يستحيل على النيابة العامة أن تحرك دعوى الحق العام ضده، أما حدثت الوفاة بعد رفع الدعوى الجزائية ضد المشتكى عليه، فالمحكمة تحكم بإسقاطها إذا لم يصدر حكم فيها بعد، أما إذا كان قد صدر حكم في الدعوى لكن لم يكتسب الدرجة القطعية يمحى الحكم ويعتبر كأن لم يكن، أما إذا حدثت الوفاة وكان قد صدر حكم قطعي بالدعوى الجزائية فالوفاة لا تؤثر على الدعوى الجزائية فقد إنقضت بصدور حكم بات إلا أنها تؤثر على العقوبة فتسقطها لوفاة المحكوم عليه.
هل تستطيع النيابة العامة إدخال ورثة المشتكى عليه في الدعوى؟
لا، إن غاية النيابة العامة من إدخال ورثة المشتكى على المتوفي في الدعوى هي للحكم عليهم بمصاريفها، إلا أن المشرع لم يسمح للنيابة العامة بذلك فلا تستطيع إخال ورثة المشتكى عليه لإنقضاء العقوبات المالية بوفاة المشتكى عليه لسقوط الدعوى الجزائية [3].
ما الحكمة من عدم الحكم بمصاريف الدعوى في حال سقوط الدعوى الجزائية لوفاة المشتكى عليه؟
ذلك أن الحكم بإبقاء مصاريف الدعوى هو دليل ضمني على إدانة المشتكى عليه.
هل يجوز الطعن في الحكم غير المبرم الصادر بحق المشتكى عليه المتوفى؟
لا يجوز للنيابة العامة أو الورثة الطعن بالحكم الصادر وأن تقدموا بأي طعن فإن هذا الطعن غير مقبول لان الحكم في حالة وفاة المشتكى عليه يكون بحكم المنعدم، فلا يكون هناك مجال لإعادة النظر فيه.
أثر وفاة المشتكى عليه على دعوى الحق الشخصي
لا أثر لوفاة المشتكى عليه على دعوى الحق الشخصي، إذ يبقى للمتضرر من الجريمة حق إقامة دعوى بالحق الشخصي وبالتعويض على ورثة المتوفى لدى المحكمة المدنية، كما تنص على ذلك المادة 336/3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
أثر وفاة المشتكى عليه على شركائه في الجريمة
إن وفاة المشتكى عليه لا أثر لها على باقي الشركاء، فلا تسقط الدعوى الجزائية إلا بالنسبة للمتهم المتوفى فقط، أما الشركاء الآخرون تبقى إجراءات الدعوى الجزائية مستمرة ضدهم، باستثناء جريمة الزنا إذ يلاحق الزاني والزانية معاً، فإذا سقطت الدعوى الجزائية عن أحدهم تسقط عن الآخر
الخظا في وفاة المشتكى عليه
إذا تبين أن المشتكى عليه حي يرزق بعد أن سقطت الدعوى الجزائية لوفاته، فهنا تكون المحكمة قد وقعت في خطأ مادي متعلق بالوقائع، ويتم إصلاح هذا الخطأ عن طريق الطعن بالحكم بالطرق العادية إذا كان ذلك ممكناً، وإلا يتم الرجوع إلى المحكمة التي أصدرت الحكم لتتدارك خطأها، فتعيد النظر في الدعوى، لأن قضاء هذه المحكمة بإسقاط الدعوى لوفاة المتهم، ليس فصلاً في الخصومة بين طرفين بقدر ما هو إعلان من جانب المحكمة بأنها لا تستطيع السير في الدعوى لوفاة المتهم، فتقف فيها عند هذا الحد[4].
ماذا لو أصدرت المحكمة حكماً بإدانة المشتكى عليه رغم وفاته؟
على المحكمة في هذه الحالة العدول عن حكمها، والقضاء بإنقضاء الدعوى الجزائية لوفاة المتهم المحكوم عليه، وحتى لو اكتسب الحكم الدرجة القطعية، لأن هذا الحكم يعتبر منعدماً ولا يرتب أي أثر بالنسبة لإنهاء الخصومة.
هل يجوز للورثة في هذه الحالة الطعن بالحكم؟
هناك رأي يجيز للورثة الطعن بالحكم أمام المحكمة التي أصدرته للعدول عنه، ورأي أخر بأنه لا يجيز للمحكمة أن تلغي حكمها، طالما لا يوجد نص في القانون يجيز هذا الإلغاء بالإضافة إلى أنه لا يتصور إلغاء حكم منعدم، لأن مثل هذا الحكم الذي يقضي بإدانة متهم بعد وفاته يعتبر ساقطاً بقوة القانون، ودون الحاجة لتقرير ذلك بحكم قضائي[5] .
من إجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بسقوط الدعوى الجزائية بوفاة المشتكى عليه
الحكم رقم 701 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
وجدت المحكمة بأن المشرع قد حدد أسباب سقوط دعوى الحق العام في المادة (47) من قانون العقوبات ومنها الوفاة، وكذلك بينت المادة (336) من قانون أصول المحاكمات الجزائية بأن الأثر القانوني المترتب على ثبوت وفاة المشتكى عليه أو المتهم هو إسقاط دعوى الحق العام وبالرجوع إلى بينات الدعوى فقد ثبت للمحكمة وفاة المتهم محمد من خلال المشروحات الصادرة عن صفحة الأحوال المدنية المتاحة على برنامج ميزان الإلكتروني مما يقتضي والحالة هذه إسقاط دعوى الحق العام المقامة ضده للوفاة.
الحكم رقم 2780 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
وبالتطبيق القانوني وجدت المحكمة ابتداءً وبالنسبة للمتهم أن المتهم أحمد قد انتقل إلى رحمة الله تعالى في محافظة عمان بتاريخ 9/2/2020 كما هو ثابت من كتاب دائرة الأحوال المدنية والجوازات رقم (قضايا/4453) تاريخ 26/2/2020 المحفوظ في ملف الدعوى الأمر الذي يستوجب وفقاً لأحكام المادة (336) من قانون أصول المحاكمات الجزائية إسقاط دعوى الحق العام بمواجهة المتهم أحمد عن الجرم المسند إليه للوفاة.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص.
[2] د. حسن صادق المرصفاوي، المرصفاوي في أصول الإجراءات الجنائية، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1998،175.
[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية
[4] د. حسن صادق المرصفاوي، مرجع سابق، ص 180.
[5] د، فوزية عبد الستار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، الطبعة الأولى، 1993، ص 186.

