الضرورات تبيح المحظورات
الإسلام دين كامل شامل لا يعتريه قصور أو نقصان، فقد جاء ملبياً لحاجات الفطرة الإنسانية ومنسجماً معها، معالجاً لجميع جوانب حياة الإنسان والتي لا تصلح حياته بدونها، ولهذا راعت الشريعة الإسلامية الحاجات والضرورات والأعذار التي تنزل بالناس، وشرعت لها أحكاماً استثنائية تتناسب معها وقدرتها حق تقدير، بغرض رفع المشقة والحرج على الخلق والتيسير عليهم، فكما قال الله تعالي في ختام آية الطهارة (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج).
وبما أن الضرورة تعد من الأسباب الرئيسية للرخص الشرعية، تقررت القاعدة الشرعية التي مؤداها “الضرورات تبيح المحظورات” لكل ما يتحقق الاضطرار عليه في الحياة، لأجل دفع العنت واتقاء الهلاك، حيث أن تعرض المكلف لحالة من الخطر أو المشقة الشديدة تجعله يخاف على نفسه وعرضه وماله له اعتبار خاص في التشريع، وبناء عليه شرعت الرخص الشرعية للتخفيف من على عاتق المكلفين.
أولاً: التعريف بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
ثانياً: شروط وضوابط قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
ثالثا: حجية وأدلة قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
رابعاً: أثر القاعدة في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة:
خامساً: إعمال الضرورة في إباحة المحظور:
سادساً: أنواع الرخص التي تتخرج عن هذه القاعدة:
سابعاً: تطبيقات قاعدة الضرورات تبيح المحظورات في القانون الأردني وـأحكام محكمة التمييز:
أولاً: التعريف بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
حرمت الشريعة الأفعال المفضية إلى المفاسد، كالوقوع في المحرمات، أو إهمال والواجبات أو الوقوع فيها وإن كانت غير ضارة، فإذا كان في هذه الأفعال مصلحة ترجح على ما تفضي إليه من مفاسد فإن الشارع يبيح ذلك، جلباً للمصلحة الراجحة، فإذا كانت المصلحة تحقق نفعاً أكثر من دفع المفسدة، ففي هذه الحالة درء المفسدة ليس أولى من جلب المصلحة، فهذه القاعدة تمثل جانب من جوانب الموازنة بين المصالح والمفاسد ([1]).
بالإضافة إلى ذلك قد عبر الفقهاء بعبارات كثيرة عن “قاعدة الضرورات تبيح المحظورات” يستخلص منها المعنى العام لهذه القاعدة هو: أن الممنوع شرعاً يباح عند الاضطرار فيرتفع الإثم والمؤاخذة الأخروية عند الله تعالى، وليس ذلك فقط بل قد يرتفع العقاب الجنائي في بعض الحالات، أما بالنسبة للحقوق المالية للآخرين التي ترتبت على فعل المحظور فيجب التعويض عنها فإنها لا تسقط عن المكلف، ومن ذلك قولهم الواجب بالشرع قد يرخص عند الحاجة، والواجبات الشرعية تسقط عند الحاجة، والواجبات تسقط للحاجة، والواجبات كلها تسقط للعجز، والمحظورات كلها لا تباح إلا في حال الاضطرار.([2])
وجدير بالذكر أن قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) تتفرع عن قاعدة “الضرر يزال” وتعد هذه القاعدة الأساسية للضرورة والمستفاد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) بالإضافة إلى قاعدة (المشقة تجلب التيسير) فتتداخل هذه القاعدة مع القاعدة الأساسية للضرورة لتشابههما في الحكم.
ثانياً: شروط وضوابط قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
لكى يصح الأخذ بقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) لا بد من تحقق شروط تطبيقها والتي تضم القواعد الفقهية المنظمة لأحكام الضرورة، وهو ما سنبينه كالتالي([3]).
الشرط الأول: لا بد من قيام الضرورة بالفعل والتحقق منها أو حتى غلبة الظن بحصولها، فلا يجوز أن تبنى حالة الضرورة على توقع أو توهم لحصوله، وما يؤكد ذلك أن جميع الأحكام الشرعية لا التفات فيها إلى الأوهام والظنون والاحتمالات البعيدة وإنما تناط باليقين والظن الغالب، فالرخص لا تناط بالشك.
ولذا ما يدعيه البعض في هذه الأيام الضرورة الاقتصادية التي تبيح وتسمح ببيع الخمور وفتح الملاهي للسياح، والتعامل الربوي، كل ذلك لا يباح من أجله الحرام ولا يعتبر من الضرورات الحقيقية سواء في بلاد الإسلام أو غيرها.
الشرط الثاني: بعد قيام الضرورة والتأكد من وجودها ينبغي أن تكون هذه الضرورة ملجئه بحيث يخشى معها تضييع المصالح الضرورية، وهى حفظ الضروريات الخمس: الدين والنفس العرض، المال، العقل.
الشرط الثالث: لا توجد وسائل من المباحات لدفع الضرر، بحيث لا تكون هناك طريقة لدفع الضرر أمام المضطر إلا المخالفات الشرعية من الأوامر أو النواهي، ومع ذلك إذا كان أمام المضطر وسيلة أخرى غير مخالفة لأوامر الشرع من أجل إزالة الضرر امتنع عليه ارتكاب المحظور، ونستطيع أن نذكر هنا مثال للتوضيح فنجد أنه يجوز التداوي بالنجاسات إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها، فقد أبيح التداوي بها للضرورة لأن مصلحة العافية أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة.
الشرط الرابع: وردت القاعدة عند الفقهاء مقيدة بهذا الشرط ألا وهو، أن يكون الضرر المترتب على حالة الضرورة أعلى من الضرر في المحظور الذى يحل الإقدام عليه، وعلى هذا لا يباح للمضطر الإقدام على فعله إذا كان الضرر في حالة الضرورة أنقص أو مساوياً للضرر المترتب على حالة الضرورة، وبالتالي لا يخضع لأحكام الضرورة، الزنا أو الإكراه بالقتل، لما فيه من المفسدة الراجحة، لأن الاستسلام للقتل أخف مفسدة من الإقدام على قتل مسلم بغير حق.
الشرط الخامس: تقدير الضرورة بقدرها، ومعنى هذا أن يقتصر المضطر فى حالة الضرورة على الحد الأدنى اللازم لدفع الضرر وهو معنى قاعدة (الضرورات تقدر بقدرها).
وعلى هذا لا يأكل المضطر من الميتة إلا على قدر سد الرمق.
ومن استشير في خاطب ذكر مساوئه بالقدر الذى تندفع به الحاجة، وكذلك جرح الشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف فلا يحل الستر عليهم إذا علم منهم ما يقدح في أهليتهم، فيجب جرحهم عند الحاجة، ومن جاز له أن يقتني كلباً للصيد لا يجوز له أن يقتضي زيادة عن حاجته للصيد وذلك لوجوب تقدير الضرورة بقدرها.
ويقاس على ذلك أنه يجوز للطبيب الكشف والنظر واللمس وغير ذلك من دواعي العلاج للحاجة القوية ولدفع الضرورة، فلا يجوز التعدي وترك الضوابط الشرعية، فيجب على الطبيب أن يقتصر النظر إلى العورة عند العلاج على الموضع الذى تدعو الحاجة إلى النظر إليه.
الشرط السادس: يعبر عن هذا الشرط بلفظ إذا زال المانع زال الممتنع لأجله، ومعنى ذلك أن ما جاز فعله بسبب عذر طارئ، فإنه تزول مشروعيته بزوال حال العذر، ومثال على ذلك للتوضيح يبطل التيمم بالقدرة على استعمال المياه، فإذا كان التيمم لعدم وجود الماء بطل بوجوده وإن كان بسبب البرد بطل بزواله، وإن كان لعجزه عن استخدام الماء بسبب المرض بطل بشفائه.
وعليه نقول أن القاعدة هنا تعني أنه إذا زال المانع عاد الممنوع، فكل حكم يعود إلى أصله بزوال الطارئ، فإذا زال الأمر الطارئ عاد الحكم إلى الأصل من الإباحة أو الندب، أو الوجوب.
ويستثنى من هذه القاعدة ما شرع من الحاجيات الكلية تيسيراً وتسهيلاً لمصالح الناس فإن لها صفة الدوام والاستمرار، يستفيد منها المحتاج وغير المحتاج، كالمساقاة والإجارة، والمغارسة وغير ذلك.
الشرط السابع: الاضطرار لا يبطل حق الغير.
ففي بعض الأحوال إن كان الاضطرار يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، وأحياناً أخرى يكون الترخيص في الفعل ولكن مع بقائه محرم، وذلك نجده على سبيل المثال الإكراه على التلفظ بكلمة الكفر، وفي كل الأحوال لا يكون سبباً في إبطال حق الغير، ولهذا إذا لحق الغير ضرر لا بد من تعويضه، فلا يمكن تفاديه في حالة الضرورة، فلو أجبر الطبيب على علاج مريض استحق الأجرة كاملة على قول، لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، أيضاً كما لو قام شخص بأكل طعام شخص آخر بسبب الجوع، وجب دفع تعويضاً له أو رد قيمة ما أخذ، فإنه يضمن قيمته في القيمات ومثله في المثليات.
الشرط الثامن: ما خالف قواعد الشرع لا أثر فيه للضرورة:
نجد أن هذه القاعدة تعد ضابطاً هاماً للقاعدة الرئيسية ( الضرورات تبيح المحظورات) لأن المضطر لا يخالف قواعد الشريعة العامة، ولكنه يخالف بعض من هذه الأحكام، فلا بد على المضطر أن يراعي قواعد ومبادئ الشريعة الإسلامية وأداء الأمانات وتحقيق العدل، فما خالف قواعد الشرع لا أثر فيه.
وعلى هذا من مخالفات الشريعة الإسلامية الصلح الدائم مع اليهود، فالصلح مع الأعداء يتم على أساس التزام الأحكام الإسلامية وقواعد عهد الذمة، والهدنة المؤقتة هي الجائزة في هذه الأحوال والتي يتم تمديدها حسب الضرورة أو الحاجة.
ثالثا: حجية وأدلة قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
1- حجية قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
تعد هذه القاعدة محل احتجاج واستدلال عند الفقهاء جميعاً لذلك تعد إحدى القواعد الفقهية الكبرى، حيث أن الفقهاء يستندون إليها في بناء آرائهم وأقضيتهم، كما يستندون إليها في اجتهاداتهم ويخرجون عليها فروعهم ومسائلهم، فهي المخرج إذا انسدت أبواب الاستدلال والاحتجاج والفيصل عند الحجاج واللجاج في منازعاتهم ويرجعون إليها في الأحوال والظروف التي تعرض لمجتمعاتهم .
وقد جعل الفقهاء من الأسباب التي تجعل قواعد الفقه أغلبية هي الضرورات، حيث قرر الفقهاء أن القواعد الفقهية تستثني منها مواطن الضرورات.
وجدير بالذكر أن هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة (الضرر يزال)، والبعض أدرجها تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير، فهاتين القعدتين تعد من القواعد الخمسة الكبرى، وهذه القواعد محل إجماع عند العلماء.([4]) 1261
2- أدلة قاعدة الضرورات تبيح المحظورات:
سبق وأن ذكرنا أن قاعدة الضرورات تبيح المحظورات قد أدرجها كثير من العلماء في قاعدة “الضرر يزال” والبعض الآخر من العلماء قدر أدرجها في قاعدة “المشقة تجلب التيسير”، فتعد هاتين القاعدتين من القواعد الخمس الكبرى، فهما أصلان مجمع عليهما ومقطوع بهما في الشريعة، يدل على اعتبارهما الإجماع وترجع إلى نصوص كثيرة جزئية من الكتاب والسنة.
وفيما يأتي ذكر بعض من هذه النصوص كالتالي:
من القرآن الكريم:
- قوله تعالى في سورة البقرة: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
- وقوله تعالى في سورة النحل: (إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
- وقوله جل وعلا في سورة الأنعام: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ).
كذلك من أدلتها النصوص التي جاءت برفع المشقة والحرج عن المكلفين، فضلاً عن النصوص التي وردت فيها الرخص للمكلفين باستباحة ما كان محظوراً عليهن في حياتهم، ومن ذلك:
- قوله تعالى في سورة البقرة: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
- قول جل وعلا بسورة المائدة: (ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ).
- وقوله تعالى بسورة البقرة:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).
أما من السنة فكل الأحاديث سواء الفعلية والقولية والتقريرية التي تدل على رفع ودفع الضرر، والترخيص عند الحرج، فكل هذه الأحاديث تبين سماحة ويسر الشريعة ورفع الأغلال عن المكلفين بها، فضلاً عن الأحاديث التي فيها أمر عن التيسير أو نهي عن التشديد.
رابعاً: أثر القاعدة في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة:
أولاً ينبغي بنا أن نوضح التعريف بالقضايا الفقهية المعاصرة، فهي المسائل والموضوعات الفرعية الواقعة في زماننا أي تلك القضايا التي نعيشها في عصرنا حتى لو وقعت في زمن ماض، فضلاً عن ذلك فهي قضايا تقع في ظروف وطوارئ استثنائية وبوقوعها يتحقق الحرج ومن هنا يتحقق ارتباطها بقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، وعلى العكس من ذلك إذا كانت في ظروف عادية لا يصاحبها عسر أو ظروف طارئة فلا تدخل في هذه القاعدة.([5])
وجدير بالذكر أن القضايا العامة التي تقع للجمهور من الناس وليس للفرد لها أولوية الدراسة، لاهتمام الشارع بالمصلحة العامة وعنايته بها.
ومن القضايا المعاصرة التي لقاعدة ” الضرورات تبيح المحظورات ” فيها اثر:
1- إذا عم الحرام قطر بحيث لا يوجد الحلال فيه إلا نادراً، فيجوز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الضرورة، وعلل العلماء ذلك بأنه لو وقف التحليل عند الضروريات لانقطع الناس عن الصنائع والحرف وأدى ذلك إلى ضعف العباد والأسباب التي تقوم بمصالح العباد والبلاد.
فإذا اضطر شخص بعد البحث عن الكسب الحلال إلى العمل في بعض المكاسب ولم يجد، فيجوز العمل للضرورة ويجب عليه الاستمرار في البحث عن الكسب الحلال.
2- إذا احتاجت الدولة للقيام بمصالح البلاد والعباد إلى المال، جاز لها أن توظف على الشركات والمؤسسات والأغنياء والمصارف ما تسد به الحاجة حسب ما تطلبه الحاجة وتقتضيه الضرورة.
3- التسعير: قد تفرض الحاجة أو الضرورة إلى تدخل الدولة لفرض تسعيرة مناسبة للمستهلك أو المنتج في جميع ما يحتاج إليه المجتمع مما تتوقف عليه الحياة من الأدوية والأقوات وما إلى ذلك من المواد الضرورية في حياتنا اليومية، فيجوز للدولة ذلك لأن الضرورات تبيح المحظورات، ووجه ذلك أن الدولة تتدخل لرفع الضرر الناتج عن قيام أصحاب السلع برفع أسعار السلع بالسعر الذى يرونه وهذا محظور في الشريعة الإسلامية لما له من ضرر يلحق بالناس.
4- ومن القضايا المعاصرة: عندما تدعو الضرورة أو الحاجة لتنظيم الدولة حركة التصدير والتوريد والسلع ومثله منع الاحتكار في الضروريات والحاجيات وذلك لدفع الضرر عن الناس، لان الضرورات تبيح المحظورات، وأثر الضرورة في هذه القضية أن إجبار الناس محظور وأن لهم الاختيار في أموالهم وعندما تدعي الضرورة الدولة للتدخل جاز ذلك.
وهذه المسائل عرفت في هذا العصر بقضايا “قيود الملكية الخاصة” وهى مسائل كثيرة يتدخل ولي الأمر في تقييدها وتدور كلها حول تقييد الملكية الخاصة لدفع الضرر العام.
ومن تطبيقات تدخل الدولة في التوريد والتصدير بهدف دفع الضرر والمفسدة وجلب المصلحة، ما جاء لابن نجيم في الأشباه والنظائر، فقد أورد تطبيقاً لقاعدة “تحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام” مسألة التسعير عند تعدي أرباب الطعام في رفع الأسعار، وبيع طعام المحتكر جبراً عليه عند الحاجة وامتناعه عن البيع دفعاً للضرر العام([6])
5- ومن القضايا التي تقع في هذا العصر: تدخل الدولة لإلزام أصحاب الحرف والمهن من الشركات والمؤسسات والصناع والتجار ونحوهم، بأداء مهنهم وحرفهم بالأجور المناسبة والغرض من هذا التدخل هو دفع الضرر عنهم وعن المجتمع، لأنه لا ضرر ولا ضرار، ولأن الضرورات تبيح المحظورات، وقال “ابن تيمية” إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها، ومثل ذلك عنده أصحاب الحرف الأخرى كالفلاحة والحياكة والنساجة وغيرهم، وتشمل هذه القضية أمرين، أولاً: إلزام أصحاب هذه الحرف والمهن بالعمل عند حاجة الناس إلى أعمالهم التي يشتغلونها، أما الأمر الثاني: تحديد الأجرة، وهو ما يسمى “بتسعير الأعمال” كما يسميها ابن تيمية، وذلك لحاجة الناس ومصلحتهم ودفع الضرر العام.
6- والمسائل الطبية تعتبر أيضا من القضايا المعاصرة: إلزام الأطباء ومن في حكمهم بمداواة المرضى وإسعافهم وإجراء العمليات الجراحية اللازمة، وصنع الأدوية وصرفها، وتدخل الطبيب لإسعاف المريض دون الحاجة إلى إذن من المريض أو من ذويه، وكشف العورة عند التداوي، وكشف بعض أسرار المرضى عند الضرورة، كالإخبار عن نتائج التحاليل والأمراض المعدية ونحو ذلك.
ونجد مثل ذلك، قضايا النسب، ونتائج الفحص لراغبي الزواج، والحاجة إلى النفي والإثبات في القضايا الأمنية والجنائية، وتناول مانع الحمل واستعماله عند الحاجة، وتشريح الجثة عند الضرورة لغرض معتبر شرعاً وذلك في الحالات الأمنية والجنائية لمعرفة سبب الاشتباه في الوفاه، ولمعرفة نوع المرض إذا كان وبائي أو معد، والتلقيح الصناعي ونقل الأعضاء ونقل الدم.
فالقول في هذه المسائل مبن على قاعدة ( الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة الضرر يزال، بالإضافة إلى قاعدة يحتمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد).
7- ومن القضايا المعاصرة أيضاً: دخول البيوت بغير إذن أصحابها محظور شرعاً وليس ذلك فقط بل ما في معناها من الممتلكات الخاصة، ويحدد ذلك في حالات معينة إذا دعت الضرورة إليها من أجل القبض على المجرمين والمفسدين وبيوت الخمور والدعارة ونحو ذلك، لأن الضرورات تبيح المحظورات.
8- الهدنة والصلح مع المحاربين وفداء الأسرى حتى لو اضطر الأمر لدفع المال رغبة في دفع الأذى عن البلاد والعباد، مثال ذلك دفع المال للظالم ضرورة اتقاء شره، ودفع رشوة لاستحصال الحق لو لم يجد طريقة أخرى غير ذلك للضرورة.
9- الحجر على المؤسسات والشركات وأصحاب المهن ووسائل الاتصال بالجمهور سواء من القنوات الفضائية أو دور النشر أو الإنترنت وهى الشبكة العنكبوتية، فإذا حصل ضرر من وراء هذه الوسائل أو الشركات أو المؤسسات والأفراد فإنه عند الضرر سواء في دين الناس أو أموالهم يجوز الحجر على هذه المؤسسات ومنعهم من مزاولة نشاطهم دفعاً للضرر العام الذي يحتمل من أجله الضرر الخاص رغم أن الأصل في المنافع الإباحة.
خامساً: إعمال الضرورة في إباحة المحظور:
ذكرنا سابقاً أن قاعدة ” الضرورات تبيح المحظورات” من أعظم القواعد التي تدل على مرونة وسماحة الدين الإسلامي، ففي بعض الحالات الاستثنائية والاضطرارية يستفاد من هذه القاعدة في انقلاب الحرام حلالاً وهى ثابتة بنصوص من الذكر الحكيم منها قول الله تعالى، (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
ونجد من خلال هذه الآية الكريمة أن الاستثناء من التحريم دل على الإباحة، ولك بمقتضي الاضطرار المعبر عن الضرورة، ولكننا نجد هنا إعمال الضرورة في إباحة المحظور إنما يرجع إلى تقديم أهم المصلحتين عند تعارضهما، وقد ذكر العز ابن عبد السلام ( إذا اجتمعت المفاسد المحضة، فإن أمكن درؤها درأنا وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد في الأفسد)([7]).
سادساً: أنواع الرخص التي تخرج عن هذه القاعدة:
النوع الأول: ما دامت حالة الضرورة قائمة، فإن هذا النوع يفيد بإباحة المرخص به أى تغيير حكم ووصف الفعل، وذلك كأكل المضطر للميتة أو الخنزير بغرض دفع الهلاك عند المجاعة، أو إساغة اللقمة عند العطش، ففي بعض الحالات الاستثنائية كالإكراه التام بالقتل أو قطع العضو، يباح التناول، وقد يحرم الامتناع ويصبح واجباً أن تحقق بامتناعه موت المضطر أو قتل ففي هذه الحالة يكون آثما لأنه بامتناعه هذا صار ملقياً بنفسه إلى التهلكة وقد نهى الشرع عن ذلك.
النوع الثاني: هذا النوع يبقى الفعل فيه حراماً ولا تسقط حرمته، لكن رخص في الإقدام عليه للضرورة كالقذف في العرض أو إتلاف مال مسلم، أو نطق كلمة الكفر لكن مع اطمئنان القلب بالإيمان، فمن المعروف أن هذه الأفعال محرمة وأثر الرخصة على هذه الأفعال أنها غيرت حكم الفعل وجعلتها للمؤاخذة فقط، ولم تغير في وصفه أي لم تحرمه.
النوع الثالث: أفعال لا يرخص فيها ولا تعد مباحة لا بالإكراه ولا غير ذلك قطع عضو أو قتل مسلم أو ضرب الوالدين أو الزنا، فنجد أن هذه الأفعال لا يباح من الأساس الإقدام عليها ولا ترفع المؤاخذة ويأثم فاعلها حتى لو أكره على ذلك. ([8])
سابعا: تطبيقات قاعدة الضرورات تبيح المحظورات في القانون الأردني وـأحكام محكمة التمييز:
- تطبيقات قاعدة الضرورات في القانون الأردني:
طبقاً للقانون المدني الأردني فقد نصت المادة (222) منه على أن:
“الضرورات تبيح المحظورات”.
وطبقاً لمجلة الأحكام العدلية، فقد جاء بالمادة (21) منها أن:
“الضرورات تبيح المحظورات، ( هذه المادة تشترك في المعنى مع المواد 17، 18، 26)”
وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للمادة ( 262 ) المادة ( 188 ) أنه:
تعرض هذه المادة لحالة الدفاع الشرعي، ويقصد بالدفاع هنا الدفاع عن النفس والمال، للمدافع وغيره وقد أجاز الشارع ذلك، ففي المهذب للشيرازي ( 2 : 224 – 225 ) من قصده رجل في نفسه أو ماله أو أهله بغير حق فله أن يدفعه لما روى سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قاتل دون أهله أو ماله فقتل فهو شهيد … ولا يجب عليه في شيء من ذلك ضمان … وإن صالت عليه بهيمة فلم تندفع إلا بالقتل فقتلها لم يضمن لأنه إتلاف بدفع جائز فلم يضمن كما لو قصده آدمي فقتله للدفع. وأساس ذلك ما انتهى إليه استقراء الأحكام ونصوص الشارع من إقرار المبدأ القاضي بوجوب اختيار أهون الشرين وأخف الضررين إذا لم تكن عن أحدهما مندوحة ومبدأ وجوب تحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد وأن الضرورات تبيح المحظورات وتقدر بقدرها. ويجب في هذه الأحوال أن يكون الضرر الذي يراد دفعه ضرراً مداهماً وحالاً ولا يمكن دفعه بالالتجاء إلى المحاكم قبل وقوعه ويكفي في ذلك غلبة الظن.
- أحكام محكمة التمييز:
من خلال اطلاعنا على أحكام محكمة التمييز الأردنية، نجد أنها أخذت بتطبيق القاعدة، وهذا ما سنوضحه على النحو التالي،
فقد جاء حكم التحكيم رقم 1477 لسنة 2021 لمحكمة التمييز بصفتها الحقوقية، الصادر بتاريخ 26 / 5 / 2021 فقد قضت بأنه:
وفي ذلك نجد أنه وإن كان الأصل أن تتم جلسات التحكيم مرافعة لتمكين كل من الطرفين من شرح موضوع الدعوى طبقاً لأحكام الفقرة (أ) من المادة (32) من قانون التحكيم إلا أننا نجد من جهة أخرى أن المشرع أجاز لهيئة التحكيم قبول سماع أقوال الشهود باستخدام وسائل الاتصال التكنولوجية طبقاً للفقرة (ح) من المادة المشار إليها أعلاه.
ولما كانت الدعوى التحكيمية تنظر من قبل المحكم خلال فترة انتشار فيروس كورونا فإن الاكتفاء بتقديم المذكرات والبينات بواسطة الوسائل الإلكترونية خشية انتشار الوباء ليس فيه ما يخالف القانون لأن الضرر العام يدفع بالضرر الخاص والضرورات تبيح المحظورات مما يستدعي رد هذا السبب.
وقد جاء بالحكم رقم 2355 لسنة 2021 الصادر من محكمة استئناف إربد، بتاريخ 6 / 6 / 2021 أنه:
…. ” فإن قيام اللجنة الوزارية لإغاثة النازحين بوضع يدها على حصص المدعين بقطعة الأرض بغية إيواء النازحين الفارين أثناء الحروب/ مخيم جرش غزه والتي لازالت آثارها قائمة بوجود النازحين وبما أن السكن من ضرورات الحياة فإن فعلها بوضع يدها تبرره حالة الضرورة بحدود المادة ((222 من القانون المدني الضرورات تبيح المحظورات وحيث أن هذه الحالة لازالت قائمة فإن حق المدعين يتوقف على المطالبة بأجر المثل استناداً للمادة (63) من القانون المدني الأردني الاضطرار لا يبطل حق الغير ومؤدى ذلك فإن المدعى عليها ملزمة ببدل أجر المثل ومن حق المدعين المطالبة بحقوقهم وأن الخصومة منعقدة بين المدعين والجهة المدعى عليها…”.
الخاتمة:
وفي نهاية مقالنا يمكننا أن نستخلص أن قاعدة الضرورات تبيح المحظورات هي قاعدة أصولية فقهية تدل على سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها وأنها جاءت لدرء المفاسد وتحقيق مصالح العباد رحمة بهم فهي الشريعة الخالدة والصالحة لكل زمان ومكان، إلا أنه من الملاحظ في عصرنا الحاضر كثرة الاحتجاج بالضرورة بقصد إباحة المحظور وترك الواجب دون الالتزام بالضوابط الشرعية للقاعدة، فتوسع البعض في فعل بعض المحرمات، وتساهل البعض في تنزيل حالة الضرورة وتطبيقها في غير محلها، والواجب على المسلم الحق التثبت من وقوع الاضطرار عند الضرورة وذلك بتعذر البدائل المباحة، لذا فعليه أن يبذل الجهد في رفع حالة الضرورة وإزالتها ولا يركن إلى الترخص.
إعداد/ بسمة باسم.
[1] أثر قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، الالفي محمد بن جابر، عام 2011، ص75.
[2] جستينة، حنان بنت محمد بن حسين، موازنة الضرورات تبيح المحظورات، عام 2013، ص 407.
[3] ، جستينية، حنان بنت محمد بن حسين، عام ٢٠١٠، انظر ص 857 الى 863 – قاعدة الضرورات تبيح المحظورات: دراسة
[4] أثر قاعدة الضرورات تبيح المحظورات في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة، البصيلي، جبريل بن محمد بن حسن، عام 2010، 1260-
[5]– أثر قاعدة الضرورات تبيح المحظورات في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة، البصيلي، جبريل بن محمد بن حسن، عام ٢٠١٠، ص١٢٨٨، ١٢٨٩، ١٢٩٠، ١٢٩١
[6] أثر قاعدة الضرورات تبيح المحظورات في دراسة القضايا الفقهية المعاصرة، البصيلي، جبريل بن محمد بن حسن، عام 2010- ص 1291-
[7] قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وأثرها على الكليات الخمس، احمد يوسف على بشير، عام 2013، ص 177-
[8] قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وأثرها على الكليات الخمسة، أحمد، يوسف علي البشير، بلال، عثمان ميرغني، عام ٢٠١٣، ص ٨٠

