ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يُقاس عليه
يُعد القياس أحد مصادر الشريعة الإسلامية والذي يأتي في الترتيب بعد القرآن والسنة والإجماع، وهو يعني إعطاء الفرع حكم الأصل لاتحادهما في العلة، فالأحكام الشرعية تبنى على علل وأسباب تدور جميعها في نطاق جلب المصالح ودرء المفاسد، إلا أن هناك بعض الأحكام التي انطوت عليها الشريعة الإسلامية لا يجوز القياس عليها نظراً لأنها بنيت على اعتبارات خاصة بحيث تستعصي على أن يكون لمثل الواقعة الوارد بها الحكم مثيل.
وفي مقالنا الحالي سنبين بداية ما هو القياس ثم نورد بعد ذلك بيان قاعدة ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يُقاس عليه وذلك على النحو التالي:
ثالثاً: مفهوم قاعدة ثبت على خلاف القياس:
رابعاً: أنواع الأحكام التي لا يُقاس عليها:
أولاً: تعريف القياس:
القياس هو عمل المجتهد للوصول إلى الحكم من خلال إلحاق أمر لا نص فيه من الكتاب أو السنة أو الإجماع بأخر منصوص على حكمه، وتطبيق حكمه عليه لاشتراكهما في العلة التي شرع لأجلها الحكم، وعرفه بعض الفقه الآخر بأنه مساواة فرع الأصل في علة الحكم.[1]
فالقياس يعني أن هناك واقعة طرأت على المجتمع الإسلامي لم يرد لها في الكتاب أو السنة أو الإجماع حكماً، ولكنها تنطوي على علة مماثلة لعلة واقعة أخرى وارد لها حكم في تلك المصادر، ومن ثم ففي هذه الحالة يتم إعطاء الواقعة الجديدة ذات حكم الواقعة القديمة لاشتراكهما في ذات العلة.
وذلك مثل جوهر الحشيش الذي لم ينص على حكم تعاطيه لا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، ولكن يقاس حكمه على حكم الخمر نظراً لأنهما مشتركين في العلة وهي إذهاب العقل، ومن ثم يكون حكم تعاطي جوهر الحشيش محرم مثله مثل شرب الخمر.
ومن الأمثلة أيضاً على ثبوت الأحكام بالقياس حرمان الموصي له الذي يقل الموصي من الحصول على ما أوصي به قياساً على حرمان قاتل مورثه من الميراث عملاً بقول رسولنا الكريم ” لا يرث القاتل “.
ثانياً: أركان القياس:
للقياس أربع أركان وهم:
1- الأصل: ويسمي بالمقيس، وهو ما ثبت له حكم في الشرع سواء بالقرآن أو السنة أو الإجماع.
2- حكم الأصل: وهو الحكم الشرعي الخاص بالأصل والذي يراد أن يتم تعديته إلى الفرع.
3- الفرع: وهو ما يمسى بالمقيس عليه، وهو الذي لم يرد له حكم شرعي في القرآن أو السنة أو الإجماع.
4- العلة: وهي الوصف الموجود في الأصل والتي من أجلها تم تشريع الحكم، ولما كانت متحققة في الفرع فإن ذلك من شأنه تسوية الفرع والأصل في ذات الحكم نظراً لكونهما مشتركين في ذات العلة.
ثالثاً: مفهوم قاعدة ثبت على خلاف القياس:
تعني قاعدة ” ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يُقاس عليه ” أن الحكم الشرعي إذا كان ثابتاً بنص القرآن أو السنة أو الإجماع ووارداً معدولاً عن سنن القياس لا يجوز أن يُقاس عليه غيره بأن يثبت مثل ذلك الحكم للغير لعلة جامعة بينهما، وذلك لوجود اعتبارات تشريعية خاصة.[2]
فالثابت على خلاف القياس هو الأمر المختص بحكم خاص يختلف عن نظائره التي تشترك معه في ذات المعنى، ومن ثم فلا يجوز أن يُقاس على هذا الأمر حتى ولو ظهر ما يشترك معه في ذات العلة.
ولقد وردت تلك القاعدة في القانون الأردني بموجب (المادة 221) والتي نصت على أن: (ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه).
رابعاً: أنواع الأحكام التي لا يُقاس عليها:
1- ما ثبت اختصاصه بحكم خاص ولم يعقل فيه معنى التخصيص:
وذلك عندما خص الرسول عليه الصلاة والسلام أبي بردة بجواز التضحية بالعناق، حيث قال ” تجزئ عنه ولا تجزئ عن أحد بعده”، ومن ثم فلا يجوز لأحد من المسلمين بعد ذلك أن يضحي بالعناق.
وكذلك أيضاً ما روي عن رسول الله أن أجاز قبول شهادة خزيمة رضي الله عنه وحدة دون أن يكون معه شاهد أخر، وذلك وفقاً لما ورد عن رسول الله بقوله: ” من شهد له خزيمة فهو حسبه”.
فهذا الحكم خاص – فقط – بخزيمة رضي الله عنه، ومن ثم فلا يجوز أن يُقاس ذلك على غيره من المسلمين مهما بلغت درجة إيمانه لثبوت ذلك لخزيمة على خلاف القياس وأن هذا الحكم خُص به فقط لاعتبارات خاصة وفقاً لما ارتآه الرسول عليه الصلاة والسلام.
ويُعد أيضاً من قبيل ذلك ما اختص به الرسول من عدم جواز الزواج من زوجاته بعد انتقاله للرفيق الأعلى، حيث لا يجوز لأحد أن يتزوج من زوجات النبي بعد وفاته، وهذا الأمر خاص بالرسول فقط، إذ يحل الزواج من الأرملة بعد انقضاء عدتها.
وكذلك أيضاً اختصاص الرسول الكريم بحل الزواج بأكثر من أربعة نساء، فهذا الأمر اختص به الرسول وحده ولا يجوز القياس عليه.
2- ما كان غير معقول المعنى:
وذلك مثل عدد ركعات الصلاة أو أنصبة الزكوات أو مقادير الحدود والكفارات، ذلك أن العلة من تلك الأمور لا يمكن أن يعيها العقل البشري، فهي أحكام تعبدية يجب على كل أمرئ مسلم أن يسلم لها وينفذها سواء أدرك علتها أو لم يدركها.
3- ما لا يوجد له نظير يُقاس عليه وإن كان معقول المعنى:
ويُقصد بذلك الأمور التي تكون لها علل جلية ولكن لا يجوز القياس عليها، مثل قصر الصلاة للمسافر، حيث يتضح حكم قصر الصلاة لعلة مشقة السفر، ولكن لا يجوز للمريض أن يقصر صلاته قياساً على المسافر تعللاً بالاشتراك في ذات العلة وهي الشعور بالمشقة.
4- ما استثني من قاعدة عامة وعقل فيه معنى الاستثناء:
ومثال على ذلك أن الصيام من أركانه الإمساك عن الطعام والشراب ولا يصح إذا أكل المسلم أو شرب وهو صائم، ولكن يُستثنى من ذلك من أكل أو شرب ناسياً غير متعمد وذلك لقول الرسول: ” من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه “.
خامساً: تطبيقات على القاعدة:
1- جواز المزارعة والمساقاة:
إذا نظرنا إلى القواعد العامة في الشريعة الإسلامية لوجدنا عدم جواز المزارعة والمساقاة لأنهما استئجار للمزارع والمساقي ببعض الخارج عن عملهما وهذا منهي عنه، ولكنهما جوزتا لورود الأثر فيهما، فلا يُقاس عليهما غيرهما مما فيه استئجار ببعض الخارج من العمل كعصر الزيتون والسمسم وغزل القطن بجزء من زيته أو شيرجه أو غزله مثلاً.[3]
2- جواز الإجارة:
فالإجارة تنطوي على بيع منافع معدومة، وبيع المعدوم يقع باطلاً، ولكن أجيزت الإجارة لضرورتها والحاجة إليها، ولذلك فلا يصح القياس عليها حيث لا يجوز – مثلاً – إيجار متحدي المنفعة مقايضة.
وفي هذا الصدد تنص (المادة 15) من مجلة الأحكام العدلية على أن: (ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه . (انظر الفقرة الأخيرة من تقرير جمعية المجلة من قوله : وعند الإمام الأعظم … الخ . وانظر المواد 17 و 380 و 388 و 392 فترى فيها أنهم قد جوزوا السلم والاستصناع على غير القياس، وقد جوزوا الإجارة أيضا مع أنها من قبيل بيع المنافع وهي معدومة عند العقد، وبيع المعدوم باطل على ما في المادتين 205 و 197).
3- عدم جواز تأمين منزل المحافظ الذي يعين في وزارة الداخلية:
حيث كان نظام التشكيلات الإدارية ينص على أن يكون للمحافظ علاوة بدل تمثيل ويؤمن له بيت للسكن إلا أن ذلك كان قاصراً على المحافظ الذي يتولى منصب المحافظ في احدى محافظات المملكة أما المحافظ الذي يعين في وزارة الداخلية ليمارس عمله فيها وليس في احدى المحافظات فلا يشمله ذلك الحكم.
وتفسيراً لذلك قيل بأنه: (لا يجوز القياس على هذا الاستثناء لأن ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه، كما وأنه لا يجوز للمفسر أن يتوسع في التفسير على وجه من شانه أن يسد الثغرات التي يعتقد بوجودها في النصوص التشريعية المطلوب تفسيرها، وإلا فقد اضحى عمله هذا تشريعا لا تفسيرا).[4]
4- اختلاف المتبايعين في ثمن السلعة بعد فواتها:
إذا اختلف البائع من المشتري في ثمن السلعة والسلعة ما زالت قائمة فيسوى الخلاف بينها بأنهما يتحالفان ويترادان، وذلك عملاً بقول الرسول أن: ” إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان “.[5]
أما إذا هلكت السلعة وحدث خلاف بين المتبايعان على ثمنها فكان الأمر محل خلاف بين العلماء:
حيث ذهب الإمام الشافعي أنهما يتحالفان ويترادان قياساً على تحالفهما قبل هلاك السلعة، في حيث ذهب الإمام أبي حنيفة والإمام مالك في أشهر رواياته أن المتبايعان في هذه الحالة لا يتحالفان حيث يكون القول للمشتري ذلك أن البائع مدعي والمشتري منكر والقول قول المنكر بيمينه.[6]
ومرجع رأي الإمام أبي حنيفة هو قاعدة أن ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يُقاس عليه حيث أنه لم يساوي بين هلاك السلعة وقيامها.
5- مدة خيار الشرط:
خيار الشرط يعني أن يكون لأي من المتعاقدين الحق في أن يعدل عن إبرام العقد خلال مدة معينة يتم تحديدها وفقاً لما يتفق عليه طرفا التعاقد، ودليل مشروعية هذا الخيار تتضح من قول الرسول الكريم لحبان بن منقذ الأنصاري ” إذا أنت بايعت فقل لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فأرددها على صاحبها “.
إلا أن الفقهاء لم يكن بينهم اتفاق على مدى إمكانية زيادة مدة الخيار عن ثلاث ليال، حيث ذهب الحنفية والشافعية إلى أن المدة لا يجوز أن تزيد على ثلاث ليال، ذلك أن الخيار ثبت على خلاف القياس فيقتصر على محله دون جواز تعديته إلى غيره عملاً بقاعدة ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يُقاس عليه.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن الإمام مالك والإمام أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني والإمام أحمد بن حنبل قد ذهبوا إلى جواز زيادة مدة خيار الشرط عن ثلاث ليال.
6- بيع السلم:
نهت الشريعة الإسلامية عن بيع المعدوم، لقول الرسول الكريم ” لا تبع ما ليس عندك “، إلا أن الفقهاء أجازوا بيع السلم استحساناً وذلك بقولهم ” من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم).
إلا أن هذا الحكم قاصر على تلك الحالة فقط فلا يجوز أن يقاس عليه غيره في بيع المعدوم لأنه ثابت على خلاف القياس.
7- الوصية:
والوصية هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وهي حالة تنقطع فيها حقوق الإنسان في أمواله، وتتعلق حقوق الورثة، وقد شرعت ليتدارك الإنسان ما فاته من أعمال البر في حياته، فلا يجوز أن يقاس عليها تجويز إضافة غيرها من التصرفات إلى ما بعد الموت، كالبيع والإجارة والإعارة بأن يعقدها الشخص في حال حياته مضافة.[7]
8- تطبيق من أحكام القضاء:
حيث قضت محكمة السلط بصفتها الاستئنافية تطبيقاً لتك القاعدة في حكمها رقم 166 لسنة 2021 بأن:
( تجد المحكمة أن الكمبيالات موضوع الدعوى التنفيذية قد تضمنت بمتنها أن الاختصاص المكاني بالنظر بأية دعاوى متعلقة بهذه الكمبيالات ينعقد لجميع محاكم المملكة الأردنية الهاشمية، وحيث أن ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه حسبما جاء بالقاعدة الكلية المنصوص عليها بالمادة (221) من القانون المدني، وحيث أن الاختصاص المكاني بنظر الدعاوى الموضوعية قد ثبت لجميع محاكم المملكة الأردنية الهاشمية على خلاف ما جاء بالقواعد العامة المنظمة للاختصاص المكاني، فغيره لا يقاس عليه بالدعاوى التنفيذية التي يبقى الاختصاص فيها محكوم للمادة (4) من قانون التنفيذ التي عقدت الاختصاص لدائرة التنفيذ المختصة بالدائرة التي توجد في منطقة المحكمة التي أصدرت الحكم أو موطن المحكوم عليه أو موطن المحكوم له أو الدائرة التي تم إنشاء السندات التنفيذية فيها أو التي يكون موطن المدين أو أمواله فيها أو الدائرة التي اشترط الوفاء فيها.
وحيث ثبت لمحكمتنا أن موطن المدين المحكوم عليه هو (عمان- منطقة طارق- حي طبربور) وموطنه الآخر هو (عمان- منطقة الرابية) بموجب مشروحات رسمية صادرة عن مديرية الأمن العام / إدارة الإقامة والحدود، كما ثبت لمحكمتنا عدم انعقاد اختصاص دائرة تنفيذ محكمة السلط الابتدائية بأي من الحالات المنصوص عليها بالمادة (4) من قانون التنفيذ والمذكورة أعلاه، وحيث أن الاختصاص المكاني ليس من النظام العام ولا تثيره المحكمة من تلقاء نفسها، ولا يحكم به إلا في معرض الطلب، وحيث انصب طلب المستأنف على إحالة الدعوى التنفيذية تبعاً للاختصاص المكاني إلى دائرة تنفيذ موطن المحكوم عليه المدين، فإن طلبه موافق للقانون وحيث توصل قاضي التنفيذ لخلاف ذلك فإن قراره جاء مخالفاً للقانون وموجباً للفسخ).
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ رمضان الشرنباصي، أصول الفقه الإسلامي، 2016،دار المطبوعات الجامعية، ص 64.
[2] الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن الكيلاني، قاعدة ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يُقاس عليه، ص7.
[3] أنظر الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، 1938، الطبعة الثانية، دار القلم، ص152.
[4] قرار الديوان الخاص بتفسير القوانين رقم 22/1969.
[5] أنظر د. عبد الرحمن الكيلاني، قاعدة ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يُقاس “دراسة تحليلية”، 2006، ص293.
[6] أنظر د. عبد الرحمن الكيلاني، المرجع السابق/ ص 293.
[7] محمد مصطفى الزحيلي، كتاب القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، ص504.

