حق التقدم
القواعد العامة تقضي بأن جميع أموال المدين تضمن الوفاء بكامل ديونه، إلا أن هناك بعض من هؤلاء الدائنين من ذوي التأمينات العينية والتي تخولهم حقوقاً تجعلهم في مركز قانوني أفضل من الدائنين العاديين، حيث أن التأمين العيني – كقاعدة عامة – يخول صاحبه سلطتي التتبع والتقدم.
وحق التقدم يعني أنه يكون للدائن صاحب التأمين العيني أن يقتضي حقه من المدين بالأولوية على باقي الدائنين العاديين والتاليين له في المرتبة، وبذلك هو يتوقى أن يدخل مع هؤلاء الدائنين قسمة غرماء حال عدم كفاية أموال المدين للوفاء بديونه.
ثانياً: نطاق حق التقدم ووعائه:
ثالثاً: مرتبة الدائن المرتهن حال التزاحم:
رابعاً: نزول الدائن المرتهن عن مرتبته:
أولاً: معنى حق التقدم:
حق التقدم يعني أن يكون للدائن صاحب التأمين العيني حق استيفاء حقه بالأفضلية على الدائنين العاديين والتاليين له في المرتبة، وهذا ما تؤكده (المادة 1348) من القانون المدني الأردني والتي تنص على أن: (تؤدى ديون الدائنين المرتهنين رهناً تامينياً من ثمن العقار المرهون أو من المال الذي حل محله طبقاً لمرتبة كل منهم ولو كانوا قد اجروا القيد في يوم واحد وذلك بعد حسم ما انفق في هذا الشأن في الدوائر المختصة).
ومن ثم فهذا يعني أن الدائنين أصحاب الحقوق العينية التبعية التي تخول لهم حق التقدم لا يتزاحمون مع الدائنين العاديين، بل أن الدائنين أصحاب الحقوق العينية يكون لك منهم مرتبة تخول له حق الحصول على حقه بالأسبقية على غيره من الدائنين الأخرين التاليين لهم في المرتبة.
ثانياً: نطاق حق التقدم ووعائه:
نعني بنطاق حق التقدم الحقوق التي يستوفيها الدائن المرتهن بالتقدم على باقي الدائنين العاديين والتاليين له في المرتبة، وهذه الحقوق هي التي وردت في عقد الرهن وتم تسجيلها وقيدها وفقاً لأحكام القانون، وهذا ما نصت عليه (المادة 1346) من القانون المدني الأردني بقولها: (يقتصر أثر الرهن التأميني على المبلغ المحدد في سند الرهن والثابت في دائرة التسجيل ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك.
ويُضاف إلى ذلك أيضاً مصروفات العقد والتسجيل، وذلك ما قررته (المادة 1351) من القانون المدني بقولها: (يترتب على قيد الرهن إدخال مصروفات العقد والتسجيل ضمنياً في دين الرهن ومرتبته).
مع ملاحظة أن مصروفات محو القيد أو إلغاء محو القيد لا تدخل ضمن وعاء حق التقدم إلا إذا تم النص على ذلك صراحة.[1]
والدائن المرتهن يباشر حق التقدم على ثمن العقار المرهون وملحقاته حال بيع العقار لعدم قيام المدين بالوفاء بما عليه من دين، وهذه الملحقات تضم العقارات بالتخصيص وحقوق الارتفاق والثمار بعد أن تلتحق بالعقار المرهون، وفي حالة حلول مال معين محل أحد تلك الملحقات فإن للدائن المرتهن الحق في أن يستوفي دينه بالأفضلية على هذا المال تطبيقاً لقواعد الحلول العيني.
فتطبيقاً لقاعدة الحلول العيني تنص (المادة 1056) من القانون المدني المصري على أن: (يستوفي الدائنون المرتهنون حقوقهم قبل الدائنين العاديين من ثمن العقار المرهون، أو من المال الذي حلّ محل هذا العقار، بحسب مرتبة كل منهم ولو كانوا قد أجروا القيد في يوم واحد).
وأيضاً ما ورد (بالمادة 1049) من ذات القانون والتي نصت على أن: (إذا هلك العقار المرهون أو تلف لأي سبب كان، انتقل الرهن بمرتبته إلى الحق الذي يترتب على ذلك كالتعويض أو مبلغ التأمين أو الثمن الذي يقرر مقابل نزع ملكيته للمنفعة العامة).
ثالثاً: مرتبة الدائن المرتهن حال التزاحم:
للدائن المرتهن الحق في التقدم على الدائنين العاديين والتاليين له في المرتبة لاستيفاء حقه من ثمن العقار المرهون وملحقاته، ومن ثم فإنه لا يتصور وجود تزاحم بين الدائن المرتهن والدائن العادي، ذلك أن الدائن المرتهن يُفضل دائماً على الدائن العادي طالما كان الرهن نافذا في مواجهته.
أما إذا حدث تزاحم بين دائنين مرتهنين – أو أكثر – فتكون الأولوية لصاحب الأولوية في تسجيل الرهن، حيث يتم تحديد المرتبة من تاريخ تسجيل الرهن في دائرة التسجيل، وهذا ما نصت على (المادة 1350) من القانون المدني بقولها: (تعتبر مرتبة الرهن التاميني من تاريخ تسجيله في دائرة التسجيل، ويحتفظ بمرتبته حتى يقيد بدائرة التسجيل ما يدل على انقضائه).
وهذا أيضاً ما تقرره محكمة النقض المصرية في حكمها رقم ٥٢٥٠ لسنة ٦٤ قضائية والتي قضت فيه بأن: (المقرر في قضاء محكمة النقض أن النص في المواد ١٠٣٠ ، ١٠٥٣ / ١، ١٠٥٤ من القانون المدني وفى المادة ١٢ من قانون تنظيم الشهر العقاري رقم ١١٤ لسنة ١٩٤٦ مفاده أن الحقوق العينية العقارية التبعية – ومنها حق الرهن الرسمي وحق الرهن الحيازي – يجب شهرها، فإذا لم يقيد الدائن المرتهن حق رهنه لم يكن هذا الرهن حجة على الغير، لا من حيث التقدم بالنسبة إلى الدائنين ذوى الحقوق العينية العقارية التبعية على العقار المرهون أو الدائنين العاديين ولا من حيث التتبع بالنسبة إلى من انتقلت إليه ملكية العقار المرهون، وأنه إذا تنازع الدائن المرتهن رهناً رسمياً مع الغير وكان هذا الغير قد قيد أو سجل حقه – سواء كان حقاً عينياً أصلياً أو تبعياً – قبل أن يقيد الدائن المرتهن حقه، فقد فاته حق تتبع العقار المرهون في يد من انتقلت إليه الملكية إذ يتقدم عليه الغير الذى قيد حقه قبل قيد الرهن الرسمي).
ولكن تدق المشكلة حال تزاحم دائنين مرتهنين سجلا رهنهم في ذات اليوم، فما هو حكم القانون في هذه الحالة؟
ورد حكم هذه الحالة بموجب (المادة 1348/2) من القانون المدني والتي نصت على أن: (وتحدد هذه المرتبة بالرقم التتابعي للقيود فاذا تقدم أشخاص متعددون في وقت واحد لقيد رهونهم ضد مدين واحد وعلى عقار واحد فيكون قيد هذه الرهون تحت رقم واحد ويعتبر هؤلاء الدائنون عند التوزيع في مرتبة واحدة).
يتضح إذن من نص المادة السابقة أن العبرة في الأسبقية هي بيوم التسجيل، فكل الدائنين المسجلين لرهونهم في ذات اليوم يكون لهم ذات المرتبة، بغض النظر عن تاريخ نشوء دين كل منهم.
وهذا الأمر ينطبق أيضاً على صاحب حق الرهن الحيازي أو حق الامتياز أو حق الاختصاص، فتكون العبرة بتحديد مرتبة أي منهم بتاريخ التسجيل، بحث يكون لصاحب حق الرهن التأميني أن يتقدم على صاحب حق الرهن الحيازي إذا كان سابقاً عليه في تسجيل رهنه.
وفي حالة تزاحم أكثر من دائن قام بتسجيل رهنه في ذات اليوم فيحل التزاحم في هذه الحالة بأن يقتسموا ديونهم قسمة غرماء، ذلك أن المشرع الأردني اعتبر أن جميعهم لهم ذات المرتبة فلا يفضل أحدهم على الأخر.
والواقع أن هذا الموقف المتبع من المشرع الأردني مغاير لنظيره المصري، الذي اعتبر أن الدائن يكون سابقاً على غيره من الدائنين أصحاب الحقوق العينية التبعية بأسبقية القيد بغض النظر عن فارق التوقيت بينهم، بحيث إذا قيد شخصان رهونهم في ذات اليوم ولكن كان أحدهم سابقاً على الأخر ببضع لحظات لكان حق الأفضلية من نصيب من سبق في تسجيل رهنه، وهذا ما تقرره (المادة 1057) من القانون المدني المصري والتي نصت على أن: (تحسب مرتبة الرهن من وقت قيده، ولو كان الدين المضمون بالرهن معلّقاً على شرط أو كان ديناً مستقبلاً أو احتمالياً).
قيد الرهن لدين مستقبل:
قد يكون هناك دين مستقبل أو احتمالي ولكن يتفق الطرفان على أن يكون هذا الدين مضمون برهن، ففي هذه الحالة إذا تم قيد الرهن فإن ذلك من شأنه أن يجعل للدائن مرتبة رهن وفقاً لوقت التسجيل حتى ولو تحقق الدين في المستقبل،[2] وهذا ما تؤكده (المادة 1057) من القانون المدني المصري بنصها على أن: (تحسب مرتبة الرهن من وقت قيده، ولو كان الدين المضمون بالرهن معلّقاً على شرط أو كان ديناً مستقبلاً أو احتمالياً).
فهذا الحكم ينطبق على الدين المعلق على شرط ولكن اتفق الطرفان على تقرير رهن من أجل ضمان الوفاء به، إلا أنه في هذه الحالة يتعين أن نفرق بين الدين المعلق على شرط واقف والدين المعلق على شرط فاسخ:
أ- الدين المعلق على شرط فاسخ:
الواقع أن الدين المعلق على شرط فاسخ هو دين محقق قائم ولكنه مهدد بالزوال، ومن ثم فإذا كان الدين مضموناً برهن تأميني وتم قيده فإن ذلك من شأنه أن يحدد للدائن مرتبته في استيفاء حقه بالأفضلية على باقي الدائنين العاديين والتاليين له في المرتبة.
إلا أن هذا الدين يظل مهدد بالزوال حال تحقق الشرط، بحيث أنه إذا تحقق الشرط الفاسخ فإن ذلك من شأنه أن يلغي وجود الدين بأثر رجعي مما يترتب عليه زوال الرهن بأثر رجعي، ذلك أن عقد الرهن – أو التأمينات العينية بصفة عامة – هو من العقود التبعية والتي تكون تابعة لعقد الدين الأصلي، ويترتب على زوال هذا الدين أن يزول الرهن بالتبعية.
ب- الدين المعلق على شرط واقف:
الدين المعلق على شرط واقف هو دين احتمالي قد ينشأ في ذمة المدين وقد لا ينشأ، فإذا تحقق الشرط الواقف أدى ذلك إلى نشأة الدين في ذمة المدين، أما إذا تخلف الشرط فيؤدي ذلك إلى انتهاء العلاقة بين المتعاقدين.
ولكن قد يتفق المتعاقدين على أن ينشئا رهناً ضماناً لدين معلق على شرط واقف قبل تحقق الشرط، في هذه الحالة يكون عقد الرهن صحيح منتجاً لكافة آثاره سارياً في مواجهة الغير منذ تاريخ قيده وفقاً لأحكام القانون، وتتحدد مرتبة الدائن في هذه الحالة بتاريخ قيد الرهن حتى قبل تحقق الشرط الواقف.
فإن تحقق الشرط الواقف في تاريخ لاحق فإن ذلك ليس له أثر على مرتبة الدائن المرتهن التي تحددت منذ لحظة قيد الرهن بغض النظر عن تاريخ تحقق الدين في ذمة المدين حتى ولو تحقق في وقت لاحق لتسجيل الرهن.
رابعاً: نزول الدائن المرتهن عن مرتبته:
يحق للدائن المرتهن أن ينزل عن مرتبته لدائن مرتهن آخر وذلك بموجب (المادة 1349) من القانون المدني والتي نصت على أن: (يجوز للدائن المرتهن أن ينزل عن مرتبة رهنه بمقدار دينه لدائن مرتهن آخر على ذات العقار المرهون).
ولكن في هذا المقام يتعين علينا أن نفرق بين التنازل عن المرتبة والتنازل عن الرهن ذاته:
1- التنازل عن مرتبة الرهن:
ويحصل ذلك عندما يتنازل الدائن المرتهن عن مرتبة رهنه لمصلحة دائن مرتهن آخر لنفس العقار تال له في المرتبة،[3] ويترتب على ذلك أن المتنازل إليه يحل محل المتنازل في مرتبته في حدود ما للمتنازل من دين في حق المدين، ويجوز أن يُتمسك في مواجهة المتنازل إليه بكافة الدفوع التي كان من الممكن التمسك بها في مواجهة المتنازل.
وهذا ما يؤكده القانون المصري بموجب (المادة 1059) من القانون المدني والتي نصت على أن: (للدائن المرتهن أن ينزل عن مرتبة رهنه في حدود الدين المضمون بهذا الرهن لمصلحة دائن آخر له رهن مقيّد على نفس العقار، ويجوز التمسّك قبل هذا الدائن الآخر بجميع أوجه الدفع التي يجوز التمسّك بها قبل الدائن الأول، عدا ما كان منها متعلّقاً بانقضاء حق هذا الدائن الأول إذا كان هذا الانقضاء لاحقاً للتنازل عن المرتبة).
وتجدر الإشارة إلى أن النزول عن المرتبة لا يكون إلا لدائن مرتهن أخر صاحب مرتبة متأخرة، ومن ثم فلا يجوز أن يتم النزول عن المرتبة لدائن عادي، لأن الفرض هنا هو مجرد النزول عن المرتبة مع بقاء الدائن مرتهن ولكن في مرتبة متأخرة.
وفي حالة إذا قرر أحد الدائنين المتقدمين في المرتبة النزول عن المرتبة لدائن متأخر، فهذا النزول قد يكون بمقابل وقد يكون تبرعياً، ولكن في جميع الأحوال يتعين أن لا يترتب على هذا النزول إضراراً بالدائنين أصحاب المرتبة الوسطة بين المتنازل والمتنازل إليه، لذلك جعل المشرع حدود التنازل قاصرة على دين المتنازل فقط، ومن ثم فإذا كان للمتنازل دين يُقدر بألف دينار وكان للمتنازل إليه دين يُقدر بألفي دينار، فإن المتنازل إليه لن يستفيد بالمرتبة المتقدمة إلا في حدود الألف دينار لعدم الإضرار بأصحاب المرتبة الوسطى.
2- التنازل عن الرهن ذاته:
يستطيع الدائن المرتهن أن يتنازل عن رهنه للغير بموجب طريقتين وهما:
أ- حوال الحق للدين المضمون:
فإذا قرر الدائن المرتهن أن يحول حقه في الدين المضمون إلى شخص أخر فإن ذلك من شأنه أن ينقل هذا الحق إلى المحال إليه بما لهذا الحق من توابع وما يضمنه من تأمينات وما يرد عليه من دفوع، ومن ثم فإن هذا الحق ينتقل إلى المحال إليه مضموناً بالرهن حيث يحل المحال إليه محل المحيل في حق الرهن بحيث يكون للمحال إليه ذات مرتبة المحيل.
ب- الوفاء مع الحلول:
حيث قد يتفق الدائن المرتهن مع أحد الأشخاص على أن يقوم الأخير بوفاء الدين إلى الدائن المرتهن ويحل محله في مواجهة المدين، ويكون للموفي في هذه الحالة أن يحل محل الموفي له في الدين بما يضمنه من تأمينات، ومن ثم يكون – أيضاً – له ذات مرتبة الرهن في هذه الحالة، بحيث يستطيع أن يتقاضى ما قام بدفعه بالتقدم على باقي الدائنين العاديين والتاليين له في المرتبة.
خاتمة:
تبين إذن أن حق التقدم هو أحد الحقوق التي تخولها التأمينات العينية وعلى رأسها الرهن التأميني، بحيث يكون لصاحب حق التقدم أن يستوفي دينه بالأسبقية على باقي الدائنين العاديين والتاليين له في المرتبة.
ومرتبة الأفضلية تحدد وفقاً لتاريخ قيد الحق العيني التبعي، إلا أن هناك بعض من هذه الحقوق التي قرر المشرع أنها تكون سابقة على غيرها من الحقوق العينية التبيعة الأخرى.
وهذا ما تؤكده محكمة استئناف عمان عندما قررت أن الدائن صاحب حق الامتياز الخاص يكون له أفضلية في الحصول على حقه بالأسبقية على الدائن صاحب حق الامتياز العام، وهذا ما تقرر في حكمها رقم 15942 لسنة 2014 والتي قضت فيه بأن: (وبرجوعها إلى قرار تفسير القوانين رقم (1) لسنة (2007) والمتعلق بحق الامتياز فيما إذا كانت الأولوية عند سداد الدين المضمون بامتياز خاص مع الدين المضمون بامتياز عام وحيث انتهى قرار ديوان تفسير القوانين بأنه عند التنازع بالأسبقية بين الدين المضمون بامتياز خاص على مال معين للمدين وبين دين يتمتع بامتياز عام على أموال المدين تكون الأولوية في الاستيفاء للدائن صاحب حق الامتياز الخاص، وحيث أن المستأنف هو صاحب حق امتياز خاص على الدين المضمون والذي تقرر بيعه بالمزاد العلني وبعد أن اتبعت دائرة التنفيذ الإجراءات القانونية في بيع العقار موضوع الدين المضمون ورست المزايدة على المستأنف فإن المستأنف صاحب حق الامتياز الخاص هو الأولى في الاستيفاء من باقي أصحاب الديون الأخرى).
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، التأمينات العينية والشخصية، 2016، دار الجامعة الجديدة، ص 116.
[2] أنظر الأستاذ الدكتور/ سمير عبد السيد تناغو، التأمينات الشخصية والعينية، 1996، منشأة المعارف، ص 137.
[3] دعاء ناجح داود سالم، الرهن التأميني في قانون الملكية العقارية الأردني، 2020، ص37.

