انتهاء عقد الوكالة
يعتبر عقد الوكالة من العقود التي أولت التشريعات المدنية في جميع الدول اهتماما كبيرا بها ويرجع ذلك الاهتمام إلى مدى أهمية عقد الوكالة وكثرة التعامل به بين الأفراد وما يترتب على هذا التعامل من مشكلات عملية وآثار خطيرة خاصة في حالة رغبة أحد أطراف العقد بإنهاء الوكالة بإرادته المنفردة وما قد يترتب من ضرر على الطرف الآخر، وكذلك في حالة وفاة أحد أطراف عقد الوكالة، وبيانا لذلك سوف نتطرق في هذا المقال إلى حالات انتهاء عقد الوكالة وأسبابها وما يتعلق بها من أحكام على التفصيل الآتي:
ثالثا: أسباب انتهاء عقد الوكالة:
رابعا: انتهاء عقد الوكالة لأسباب ترجع للقواعد العامة:
خامسا: انتهاء عقد الوكالة لأسباب خاصة متعلقة بعقد الوكالة:
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن انتهاء عقد الوكالة:
أولاً: تعريف عقد الوكالة:
عرفت (المادة 833) من القانون المدني الأردني عقد الوكالة بأنه: (عقد يقيم الموكل بمقتضاه شخصا آخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم)، وعرفته (المادة 699) من القانون المدني المصري بأنه: (عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل بأن يقوم بعمل قانوني لحساب الموكل).
ثانيا: خصائص عقد الوكالة:
1- عقد الوكالة من العقود الرضائية التي يشترط في انعقادها مقابلة الإيجاب لقبول من الطرف الآخر.
2- عقد الوكالة عقد تبرع من حيث الأصل لا يقابله عوض، والإنسان في الأصل يلجأ إلى من يثق فيه من أهله وأصدقائه لتوكيله في قضاء حاجته بدون مقابل نظرا لثقته فيهم، إلا أنه مع التطور الحاصل داخل المجتمعات وزيادة العلاقات الاقتصادية وتنوع الخبرات بين الأفراد في مجالات شتى، ظهر عقد الوكالة في مواضع كثيرة بمظهر عقود المعاوضة أي أن يتفق الطرفان على أن تكون الوكالة بمقابل أجر متفق عليه بين طرفي العقد.[1]
3- عقد الوكالة عقد ملزم لطرفي العقد ويظهر ذلك بشكل واضح إذا كانت الوكالة بمقابل أجر، حيث يلتزم الوكيل بأداء العمل الذي وكل به، ويلتزم الموكل بأداء الأجر المتفق عليه، وأيضا قد تكون الوكالة ملزمة للجانبين حتى لو لم يكن فيها اتفاق على أجر مقابل الوكالة، كأن يلتزم الموكل بأن يدفع للوكيل ما أنفقه من مال لتنفيذ موضوع الوكالة، ويجب أن نشير أنه في الوكالة قد يكون الالتزام على أحد الأطراف دون الطرف الآخر، فقد تكون الالتزامات تقع على الوكيل وحده إذا لم تكن في مقابل أجر ولم ينفق الوكيل شيء لتنفيذ موضوع عقد الوكالة فلا يكون على الموكل أي التزام.[2]
4- يكون محل عقد الوكالة هو التصرف القانوني الذي يقوم به الوكيل لصالح الموكل، وهذا ما يفرق بين عقد الوكالة وغيره، مثل عقد العمل وعقد المقاولة، فالوكالة ينصب المحل فيها على التصرف القانوني وليس على القيام بعمل مادي.
5- يقوم الوكيل بعمل لحساب الموكل، فالوكيل ينوب عن الموكل ويتكلم باسمه، ويصير كل تعامل من الوكيل مع الآخرين بموجب التوكيل، ينصرف أثره ويلتزم به الموكل نفسه فإذا نتج عن عمل الوكيل ديناً دون خطأ من الوكيل فإن الملتزم به هو الموكل وليس الوكيل.[3]
ثالثا: أسباب انتهاء عقد الوكالة:
عقد الوكالة قد ينتهي لأسباب ترجع إلى القواعد العامة مثل أن يقوم الوكيل بإتمام ما وكل به، أو أن ينقضي الميعاد المحدد لانتهاء الوكالة، وسواء كان الوكيل أتم ما تقتضيه الوكالة أولا، أو أن يطرأ على التصرف القانوني موضوع الوكالة عارضا، يجعل من المستحيل تنفيذه، وقد تنتهي الوكالة لأسباب خاصة متعلقة بعقد الوكالة ذاته مثل انتهاء الوكالة بموت الوكيل، أو موت الموكل، أو انتهائها بقيام الوكيل بعزل الموكل، أو تنحي الوكيل عن أداء الوكالة وأحكامها.
وقد نصت (المادة 628) من القانون المدني الأردني على حالات انتهاء الوكالة بقولها: (تنتهي الوكالة:
- بإتمام العمل الموكل به.
- بانتهاء الأجل المحدد لها.
- بوفاة الموكل أو بخروجه عن الأهلية إلا إذا تعلق بالوكالة حق الغير.
- بوفاة الوكيل أو بخروجه عن الأهلية ولو تعلق بالوكالة حق الغير، غير أن الوارث أو الوصي إذا علم بالوكالة وتوافرت فيه الأهلية فعليه أن يخطر الموكل بالوفاة وأن يتخذ من التدابير ما تقتضيه الحال لمصلحة الموكل).
رابعا: انتهاء عقد الوكالة لأسباب ترجع للقواعد العامة:
الحالة الأولى: تنفيذ العمل الموكل به الوكيل:
وهذا السبب لانتهاء الوكالة بديهي، فقيام الوكيل بتنفيذ العمل الذي وكل به يجعل من استمرار الوكالة أمر لا فائدة منه، وإذا حدث خلاف بين الموكل والوكيل على انتهاء الوكالة بأداء العمل، فللقاضي سلطة تقديرية في تقدير عما إذا كان العمل تم تنفيذه فتنتهي الوكالة، أم لم يكتمل تنفيذه فلا ينتهي عقد الوكالة، وأكثر ما يحدث هذا الخلاف إذا ما كانت الوكالة بمقابل أجر فقد يريد الوكيل إثبات تمام العمل الموكل به للحصول على الأجر المتفق عليه، إلا أن الموكل ينازع في تمامه وفي هذه الحالة يفصل القضاء بينهما، وكما تنتهي الوكالة بإتمام العمل بشكل ناجح قد تنتهي الوكالة بالفشل في أداء العمل محل الوكالة ،وفي هذه الحالة يحاول الموكل إثبات فشل الوكيل بالقيام بما وكل به حتى يضمن عدم رجوع الوكيل عليه بالمطالبة بالأجر إذا كانت الوكالة بالأجر والفيصل في إثبات ذلك هو القضاء.[4]
الحالة الثانية: انقضاء ميعاد الوكالة:
وفي هذه الحالة يكون الموكل قد أسند للوكيل القيام بإدارة عمل ما لمدة معينة، بحيث إذا انتهت المدة المحددة في عقد الوكالة انتهت الوكالة وعادت الإدارة إلى المالك الوكيل، فهنا الوكالة لا تقوم على إنجاز عمل بحيث إذا تم إنجازه تنتهي الوكالة، بل الأمر هنا متعلق بالإدارة لمدة معينة متفق عليها وهي في هذه الحالة عقداً زمنيا مثل عقد الإيجار فتنتهي بمجرد انقضاء الميعاد المتفق عليه بين الوكيل والموكل، ويترتب على ذلك إذا انقضى الميعاد المحدد للوكالة ولم يتوقف الوكيل عن مباشرة الوكالة ولم يعترض الموكل على ذلك فهذا يعني تمديد عقد الوكالة واعتبار ذلك موافقة ضمنيه من الطرفان على تمديد الوكالة، كالتجديد الضمني الذي يحصل في عقد الإيجار بسكوت طرفية والاستمرار في استعمال العين المؤجرة.[5]
وإذا كانت الوكالة غير محددة المدة تحديدا معينا، بل محددة بحدوث أمر ما كأن يوكل شخص آخر في أدارة عمله حتى يعود من السفر ففي هذه الحالة ينتهي عقد الوكالة بعودة الوكيل من السفر ويكون يوم عودته هو ميعاد انقضاء الأجل وانتهاء عقد الوكالة، كذلك لو اتفق الطرفان على أن تكون الوكالة طيلة حياة أحدهما فلا تنتهي الوكالة إلا بوفاة أحدهما ويصبح يوم وفاة أحدهما هو يوم انتهاء عقد الوكالة.[6]
الحالة الثالثة: انتهاء الوكالة قبل التنفيذ:
قد تنتهي الوكالة قبل تنفيذ العمل القانوني محل عقد الوكالة وذلك بسبب استحالة تنفيذه، أو إفلاس أو نقص أهلية أحد الطرفين على النحو الآتي:
أ- انتهاء الوكالة لاستحالة التنفيذ:
تنتهي الوكالة إذا طرأ على محل التنفيذ سببا، أو عارضا أجنبيا يجعل من المستحيل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في عقد الوكالة، والاستحالة في هذه الحالة قد تكون مادية وقد تكون قانونية، فالاستحالة المادية أن يكون الوكيل قد وكل الموكل في بيع شيء يملكه كسيارة أو منزل إلا أن الشيء الموكل في بيعه هلك بسبب أجنبي، كأن تكون السيارة احترقت، أو المنزل تم هدمه بفعل زلزال، أو لأي سبب لا يرجع إلى الوكيل.
والاستحالة القانونية التي تقتضي انتهاء عقد الوكالة لعدم إمكانية تنفيذه، كأن يوضع الشي محل الوكالة تحت الحراسة القضائية، أو يحجز لدين على الوكيل، أو يصدر قرار بنزع ملكيته للمنفعة العامة، وأي سبب يرجع إلى القانون يجعل تنفيذ اتفاق عقد الوكالة مستحيلا.
ب- الإفلاس ونقص أهلية أحد طرفي عقد الوكالة:
ورغم أن الإفلاس كسبب من أسباب انتهاء الوكالة لم تنص عليها (المادة 628) من التقنين المدني الأردني إلا أنه يتفق مع ما تقتضيه القواعد العامة، فإذا أفلس الموكل وتم إعلان إفلاسه قانونا، انقطعت علاقته بأمواله وأصبحت أمواله تحت يد الأمين على التفليسة، ولا يجوز له التصرف فيها مما يستتبع عدم تمكن الوكيل من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في عقد الوكالة، كذلك إذا كان الموكل هو الذي تم إعلان إفلاسه، وتم غل يده عن ملكه، ولا يختلف الحكم إذا أشهر إعسار أي منهما فتنتهي أيضا الوكالة، وإذا أفلس الموكل فللوكيل المطالبة بإنهاء الوكالة وكذلك لدائن الموكل إلا أنه لا يجوز للموكل نفسه المطالبة بإنهاء الوكالة لإفلاسه وكذلك إذا أفلس الوكيل فللموكل أن يطلب إنهاء الوكالة ولا يجوز للوكيل نفسه طلب إنهاء الوكالة لإفلاسه، أو إعساره فحق إنهاء الوكالة يكون للطرف الذي لم يفلس أو يعسر.
وتنتهي الوكالة أيضا إذا لحق بأحد أطراف عقد الوكالة عارض من عوارض الأهلية، كالعته، والجنون لأنهما يمنعان من التصرف في أموالهما، فإذا حجر على أي منهما ينتهي عقد الوكالة، ولذلك يجب أن تتوفر ألأهلية في طرفي عقد الوكالة عند انعقاد العقد ومدة سريانة، فإذا انتفت الأهلية عن أحدهما خلال مدة العقد ينتهي العقد لعجز أي منهما عن أداء ما يلتزم به في عقد الوكالة، فالوكيل المحجور عليه لسفه أو عته أو جنون، حجر عليه لعدم تمكنه التصرف في ماله بشكل مستقيم فمن باب أولى منعه من أن يتصرف في أموال غيره.
وقد يكون الحجر على الموكل لا يمنعه من توكيل غيره فإذا كان الموكل قد أذن له في إدارة أمواله جاز له إبرام عقد الوكالة ابتداء وجاز استمرار عقد الوكالة بعد الحجر عليه طالما كان مأذونا له في الإدارة، وفي هذه الحالة يلتزم الوكيل بأداء العمل الموكل به ولا يجوز له التمسك بانتهاء عقد الوكالة للحجر على الموكل، وعلى العكس إذا تم الحجر على الوكيل فلا يجوز له مباشرة الوكالة، أو الاستمرار فيها وينتهي عقد الوكالة بالحجر عليه، حتى لو كان أهلا للقيام بالتصرف الذي وكل إليه.[7]
الحالة الرابعة: تحقق الشرط الفاسخ:
تنتهي الوكالة فسخاً إذا اتفق الطرفان في عقد الوكالة على شرط فاسخ، بحيث إذا وقع الشرط الفاسخ من أحد الطرفين كان للطرف المقرر الشرط الفاسخ لصالحه المطالبة بإنهاء عقد الوكالة.
خامسا: انتهاء عقد الوكالة لأسباب خاصة متعلقة بعقد الوكالة:
والمقصود بالأسباب الخاصة لانتهاء عقد الوكالة هي الأسباب المتعلقة بالاعتبار الشخصي لطرفي عقد الوكالة: الوكيل والموكل، وهذه الأسباب تتمثل في وفاة الوكيل، أو الموكل وعزل الوكيل للموكل، أو تنحي الموكل عن الوكالة على التوضيح الآتي:
1- وفاة الوكيل:
تطبيقا للاعتبار الشخصي لعقد الوكالة وأن الموكل يختار الوكيل لأسباب تتعلق بشخصيته وخبرته الشخصية، مما يترتب عليه انتهاء عقد الوكالة بوفاة الوكيل، ولا يمكن لورثة الوكيل أن يطلبوا حلولهم محل مورثهم في عقد الوكالة إلا إذا وافق الموكل على ذلك، ولكن في هذه الحالة يكون حلولهم ليس استمرارا لعقد الوكالة المنتهي بل بعقد وكالة جديدة، إلا إذا كان الطرفان قد اتفقوا على ذلك صراحة في عقد الوكالة فيجوز أن يحل الورثة محل الوكيل المتوفي، وإذا كان الوكيل شخصا اعتباريا فلا تنتهي الوكالة بوفاة أحد أفرادها بل تنتهي الوكالة في حالة حل الشركة أو تصفيتها.
ويثار تساءل عما إذا تعدد الوكلاء ومات أحدهم؟
في هذه الحالة يجب أن نفرق بين أمرين:
الأمر الأول: إذا كان من الممكن أن يستقل باقي الوكلاء الذين على قيد الحياة بتنفيذ عقد الوكالة، وفي هذه الحالة ينتهي عقد الوكالة بالنسبة للوكيل الذي توفى فقط، ويظل العقد ساري بالنسبة لباقي الوكلاء، ولا يجوز في هذه الحالة للموكل المطالبة بإنهاء عقد الوكالة لوفاة أحد الوكلاء.
الأمر الثاني: إذا كان العمل المنصب عليه عقد الوكالة لا يمكن تنفيذه بوفاة أحد الوكلاء، أو كان عقد الوكالة أشترط فيه أن يتم تنفيذه من جميع الوكلاء فينتهي العقد بوفاة أحدهم، ففي هذه الحالة ينتهي عقد الوكالة بالنسبة لجميع الوكلاء.
ويجب الإشارة إلى أن انتهاء عقد الوكالة بالوفاة ليس من النظام العام، وبالتالي يجوز الاتفاق على ما يخالف هذا الحكم، اتفاقا صريحا بحيث يقرر الطرفان في العقد عدم انتهاء عقد الوكالة بوفاة الوكيل، وانتقال الوكالة بعد وفاته إلى ورثته.
كما أن (المادة 862) من القانون المدني الأردني ألزمت ورثة الوكيل المتوفي إذا كانوا على علم بعقد الوكالة، أن يخطروا الموكل على وجه السرعة بوفاة الوكيل، وأن يلتزموا باتخاذ التدابير والاحتياطات اللازمة، التي تحفظ مصلحة الموكل.
2- وفاة الموكل:
تنتهي الوكالة بوفاة الموكل، حتى لو كانت الوكالة تبرعا من الوكيل، ذلك لأنه بوفاة الموكل انتقلت تركته إلى ورثته، وانقطعت علاقته بها وإذا كان الموكل شخص معنويا مثل أن يكون شركة فتنتهي الوكالة بحلها، إلا أنه لا تنتهي الوكالة إلا بتمام الحل وليس بمجرد السير في إجراءات الحل، أو التصفية، وإذا كانت الوكالة غير قابلة للتجزئة بين الموكلين فتنتهي بوفاة أحدهم، أما إذا كانت قابلة للتجزئة فتنتهي الوكالة بالنسبة للطرف الذي توفى فقط.
ويجب أن نشير إلى أنه يشترط علم الوكيل بوفاة الموكل حتى تنتهي الوكالة، ومع ذلك إذا كان في إنهاء الوكالة مباشرة بمجرد علم الوكيل بوفاة الموكل ضررا قد يلحق بمال الموكل المتوفي فيجوز أن تسري الوكالة حتى يزول احتمالية وقوع الضرر، وإذا تعاقد الوكيل لصالح الموكل وبعد وفاة الموكل دون أن يكون الوكيل على علم بوفاته وبحسن نية من الغير، كان التصرف الصادر من الوكيل صحيحا وانصرف أثرة إلى ورثة الموكل، كما يجب التأكيد على أن انتهاء عقد الوكالة بوفاة الموكل لا يختلف عن إنهائها بوفاة الوكيل من أنهما ليسا من النظام العام وبالتالي يجوز الاتفاق على ما يخالف ذلك، فإذا اتفق الوكيل والموكل على استمرار عقد الوكالة حتى بعد وفاة الموكل، كان اتفاقهما جائزا خاصة إذا كانت الوكالة مقررة لمصلحة الوكيل، أو مصلحة غيره كاستيفاء دين للموكل، أو قبض ثمن شيء باعه الوكيل وسداد دين شخص آخر دائن للموكل.
وقد تبدأ الوكالة بوفاة الموكل وهذه الحالة أشار لها الدكتور السنهوري وذكر لها مثالا (إذا وكل شخصا آخر في نشر وثائق معينة بعد موته أو إقامة نصب تذكاري له أو سداد دين عنه والوكالة هنا تأخذ شكل الوصية).[8]
3- تنحي الوكيل عن الوكالة:
تنتهي الوكالة إذا ما قرر الوكيل التنحي عن الوكالة، ويجوز للوكيل أن يتنازل عن الوكالة دون أن يمنعه مانع إذا كانت الوكالة تبرعا منه، ولم ينتج عن تنحيه ضررا للموكل فإن كانت الوكالة في مقابل عوض، يلتزم الوكيل بدفع تعويض للموكل عن الأضرار التي تسببها جراء تنحيه عن الوكالة دون سبب مقبول.
ومع ذلك لا يجوز للوكيل التنازل عن الوكالة إذا كان المقصود من الوكالة تحقيق مصلحة لأجنبي، فقد يكون المقصود من عقد الوكالة أن يقوم الوكيل ببيع عقارا ملكاً للموكل، وأن يسدد به دينا لشخص آخر دائن للموكل، ففي هذه الحالة لا يجوز للوكيل التنحي عن الوكالة إلا بعد تنفيذ العقد حفاظا، على حق الأجنبي ومصالحه ومع ذلك قد يكون هناك عذرا مبررا للوكيل في التنحي عن الوكالة وفي هذه الحالة يشترط لصحة تنازله عن الوكالة أن يقوم بإعلان الأجنبي برغبته في التنحي عن الوكالة، حتى يقوم الأجنبي باتخاذ ما يلزم لحفظ حقه لدى المدين (الموكل ).
أما إذا كانت الوكالة لمصلحة الوكيل نفسه فيجوز له التنحي عن الوكالة دون شرط ولا قيد، ويشترط أيضا لصحة تنحي الوكيل إعلام الموكل، فلا ينتج التنحي أثره إلا من الوقت الذي يتصل علم الموكل فيه برغبة الوكيل بالتنحي، وحق الوكيل في التنحي من النظام العام وبالتالي لا يجوز الاتفاق في عقد الوكالة على عدم جواز تنحي الوكيل عن الوكالة باعتبار أن ذلك الشرط مخالف للنظام العام.
4- عزل الوكيل:
وينتهي عقد الوكالة بأن يقوم الموكل بعزل وتنحية الوكيل عن أداء الوكالة، ذلك لأن الوكالة لا تقوم إلا عن طريق الموكل، ولأداء مصلحته الخاصة، وبالتالي إذا شعر الموكل أن مصلحته لم تعد تحتاج إلى الوكالة لقضائها، جاز له عزل الوكيل بإرادته المنفردة.
وقد يقوم الموكل بقصر أعمال الوكيل على جزء مما أتفق عليه في عقد الوكالة، وإخراج بعض الأعمال عن عقد الوكالة، وهذا ما يمسي بالعزل الجزئي للوكيل، كأن تكون الوكالة في بيع وقبض الثمن لسيارة الموكل ثم يقصر الموكل عمل الوكيل على بيع السيارة فقط.
كما قد يكون عزل الوكيل صراحة أو ضمنا يفهم من واقع الحال، كأن يوكل الموكل وكيلا آخر للقيام بالعمل أو أن يقوم بأداء بنفسه، ويشترط لنفاذ عزل الموكل للوكيل أن يعلن الموكل الوكيل بعزله، ولا ينتج العزل أثره إلا بعد علم الوكيل بعزله، فإن صدر من الوكيل تصرفا بناء على الوكالة قبل اتصال علمه بعزله وكان التصرف لصالح الغير حسن النية، كان هذا التصرف صحيحا ومنتجا لأثره في مواجهة الموكل، وإذا صدر من الوكيل تصرف بعد علمه بعزله من الوكالة وكان التصرف لصالح الغير الذي لا يعلم بانتهاء الوكالة مما يعني توافر حسن النية في الغير المتصرف لصالحة، ينتج عن ذلك صحة التصرف الذي قام به الوكيل المعزول تطبيقا لقواعد الوكالة الظاهرة .
وإذا تعدد الموكلون وقام أحدهم بعزل الوكيل فيجب التفرقة بين أمرين:
الأمر الأول: إذا كانت الوكالة يمكن تجزئتها بحيث يكون من الممكن للوكيل القيام بأعمال الوكالة بالنسبة لباقي الموكلين الذي لم يقوموا بعزله، في هذه الحالة لأي كون العزل منتجا أثره إلا بالنسبة للموكل الذي عزل الوكيل.
الأمر الثاني: أن تكون الوكالة لا تقبل التجزئة ولا يمكن القيام بأعمال الوكالة إلا بكون كل الموكلين ماضون في الوكالة، لفي هذه الحالة تنتهي الوكالة بالنسبة لجميع الموكلين، ويكون عزل أحدهم للوكيل منتجا أثره على جميع الموكلين وتنتهي الوكالة بالعزل، وجواز العزل من الوكالة هو الأصل ومن النظام العام ولا يجوز الاتفاق على مخالفته.
ورغم كون العزل من حق الموكل وله أن يقوم به بإرادته المنفردة من حيث الأصل، إلا أن هذا الحق قد قيده القانون فهناك حالتين يكون الموكل مقيد في حقه بعزل الوكيل، وذلك إما بتعويض الوكيل، أو بعدم تمكنه من عزله أصلا على التفصيل الآتي:
الحالة الأولى: إذا كانت الوكالة بأجر فإن حق الوكيل في العزل يبقى موجودا وممكنا، إلا أنه مقيد بقيد أن يكون العزل قد تم في وقت مناسب وبوجود مبرر وعذر مقبول يكفي لعزل الوكيل، فإن تخلف الشرطان، أو أحدهما صح عزل الموكل للوكيل، لكن يكون من حق الوكيل الرجوع على الموكل ومطالبته له بالتعويض نظرا لتعسفه في استعمال حقه، ويقع عبء إثبات تعسف الموكل في العزل على الوكيل، حتى يثبت الخطأ الذي وقع من الموكل سواء بعزله في وقت غير مناسب أو بعذر غير مقبول.
الحالة الثانية: إذا كانت الوكالة مقررة لصالح الوكيل أو لصالح أجنبي فلا يجوز للموكل أن يقوم بعزل الوكيل بإرادته المنفردة، وفي هذه الحالة لا يكون حق الموكل مقيدا فقط بل يسقط حقه في عزل الوكيل، ولا ينتج أثره من الأساس ذلك لأن عقد الوكالة في هذه الحالة لا يكون مقررا لتنفيذ مصلحته فقط بل لتنفيذ مصلحة الوكيل، أو لتنفيذ مصلحة الغير، وقد نصت (المادة 863) من القانون المدني الأردني على أن: (للموكل أن يعزل وكيله متى أراد إلا إذا تعلق بالوكالة حق للغير أو كانت قد صدرت لصالح الوكيل فإنه لا يجوز للموكل أن ينهيها أو يقيدها دون موافقة من صدرت لصالحه).
وسنتطرق إلى الحالتين على التفصيل الآتي:
أ- إذا كانت الوكالة صادرة لصالح الوكيل:
ويقصد بكون الوكالة صادرة لصالح الوكيل، أن يترتب على تنفيذ الوكالة مصلحة شخصية للوكيل فإذا كان الوكيل في الأصل هو أحد الشركاء في المال على الشيوع فإلى جانب كونه وكيلا إلا أنه مستفيد مباشرا من الوكالة، باعتباره أحد الملاك على الشيوع.
وبناء على ذلك فليس من حق الموكل في الوكالة الصادرة لصالح الوكيل، أن يقوم بعزل الوكيل أو تقييد وكالته إلا برضا الوكيل وإجازته، فإن قام الموكل بعزل الوكيل كان تصرفه غير منتجا لأثره وللوكيل اللجوء للقضاء بطلب بطلان عزله من قبل الموكل كون الوكالة مقررة لصالح الوكيل.[9]
ب- إذا تعلق بالوكالة حق للغير:
والمقصود بالغير في عقد الوكالة هو كل أجنبي عن عقد الوكالة، فعقد الوكالة له طرفان الوكيل والموكل، وعلى ذلك يكون أي شخص غير الوكيل، أو الموكل من الغير، وأجنبي عن العقد، وإذا كان عقد الوكالة متعلقا بحق هذا الغير، أو الأجنبي فلا يجوز للموكل أن يقوم بعزل الوكيل، وصورة هذا الحق للغير أن يكون الموكل قد أوكل الوكيل ببيع شيء ما وأن يعطي ثمنه للغير سدادا لدينه على الموكل، فرغم أن الغير ليس ممثل في عقد الوكالة إلا أنه يترتب له مصلحة بنفاذ عقد الوكالة وتمامه.
و قد قرر المشرع الأردني في القانون المعدل لأحكام الأموال غير المنقولة رقم (51) لسنة 1958م في (المادة 16) منه على أنه: “إذا كنت الوكالة مقررة لصالح الغير على بيع أو إفراغ أموال غير منقولة، وتم التصديق عليها من كتاب العدل داخل المملكة أو من قناصل المملكة في الخارج، تنفذ في خلال مدة لا تزيد عن سنة حتى ولو قام الموكل بعزل الوكيل”، ويظهر من هذه الحالة أنها متعلقة بالأموال الغير منقولة وأن القانون جعل مدة السنة لتحصين التوكيل من أن يقوم الوكيل بإلغائه لمدة سنة من وقت التصديق عليه، ولا ينتج عزل الموكل للوكيل أثره خلال هذه المدة.
سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن انتهاء عقد الوكالة:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4757 لسنة 2019 ما يلي:
أن رفع اسم أحد المحامين الوكلاء من سجل المحامين المزاولين إلى سجل المحامين غير المزاولين، يترتب عليه انتهاء الوكالة من جهة المحامي الذي صدر قرار برفع اسمه فقط لانتهاء صفته كمحامٍ عملاً بنص المادة (7) من قانون نقابة المحامين، أما بالنسبة للوكلاء الآخرين الذين ما زالوا مسجلين في سجل المحامين المزاولين، فإن وكالتهم لا تنتهي وتبقى صفتهم كمحامين يمثلون الموكل بموجب تلك الوكالة قائمة ومنتجة لآثارها.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1149 لسنة 2017 ما يلي:
إن المستفاد من أحكام المادة (863) سالفة الإشارة أنه للموكل أن يعزل وكيله متى أراد إلا إذا تعلق بالوكالة حق للغير أو إذا صدرت الوكالة لصالح الوكيل فإنه لا يجوز للموكل أن ينهيها أو يقيدها دون موافقة من صدرت لصالحه وبما إن هذه الوكالة منظمة بمقتضى أحكام المادة (863) من القانون المدني فهي صحيحة ويتفق تنظيمها مع أحكام المادة (11) من القانون المعدل للأموال غير المنقولة رقم (51 لسنة 1958).
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] أكتم الخوالي، العقود المدنية الصلح والهبة والوكالة، الطبعة الأولى، 1957، ص 189.
[2] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء السابع، طبعة 1989، ص 465 وما بعدها.
[3] محمد كامل مرسي، شرح القانون المدني، العقود المسماة، الوكالة، منشأة المعارف للنشر، 2005 م، ص 466 وما بعدها.
[4] السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، ص 650.
[5] السنهوري المرجع السابق، ص 651
[7] السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، ص 654.
[8] – السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، ص 659.
[9] عبد الرحيم أبو قمر ا- الوكالة غير القابلة للعزل – بحث مقدم للمعهد القضائي الأردني – عمان سنة 1994 – ص 37

