دور العرف في تفسير العقد
العقد يمثل التصريح والتعبير عن العلاقة القانونية التي اتجهت إرادة طرفيه إلى إنشائها، ويعد هو الميثاق المنظم لتلك العلاقة وفقاً للضوابط والاشتراطات التي وضعها طرفيه ضمن نصوصه وبنوده، لذلك فإن تطبيق العقد يلزم أن يكون متوافقاً مع ما قصده طرفاه وما اتجهت إرادتيهما إلى ترتيبه عليه من آثار.
إلا أنه في بعض العقود تكون مقاصد طرفيه غير واضحة نتيجة لغموض فيما يتضمنه العقد من عبارات، بحيث يعجز المطلع عليه عن تحديد ما قصد منها، ومتى قام نزاع بشأن هذا العقد يجد القاضي المعروض عليه النزاع صعوبة في تحديد الطرف المخل بالتزاماته وحل ذلك الخلل نتيجة لذلك الغموض، لذلك فقد تم منح القاضي بعض الوسائل التي يمكنه من خلالها تفسير الغموض الذي يشتمل عليه العقد، ومن أهم تلك الوسائل العرف الذي سيكون محل نقاشنا في هذا المقال.
أولاً: المقصود بالعرف
ثانياً: دور العرف في تفسير العقد
ثالثاً: شروط استخدام العرف لتفسير العقد
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
خامساً: الخاتمة
أولاً: المقصود بالعرف
قبل أن نتعرض إلى العرف كوسيلة لتفسير العقد يلزم علينا في البداية أن نتناول ماهية العرف في حد ذاته، لذلك فسوف نستهل حديثنا عن العرف بتحديد المقصود به، موضحين في سياق ذلك العناصر التي يقوم عليها، ثم نتعرض إلى الأنواع التي ينقسم إليها العرف.
1- تعريف العرف
في إطار أصول الفقه عرف فقهاء الإسلام العرف بوجه عام بأنه العادة التي يتبعها الجمهور من الناس في قول أو فعل[1]، وقالوا في ذلك أيضاً أن العرف ما يتكرر استخدامه من قول أو فعل لمدة من الزمن حتى تكتسب صفة الاستقرار لدى الأفراد، فيستقر في نفوسهم وأذهانهم وتعاملاتهم.
اما على صعيد الفقه القانوني فقد عُرف العرف بأكثر من تعريف، فعرفه البعض بأنه اعتياد أفراد مجتمع ما على اتباع سلوك محدد في أمر ما من أمور حياتهم الاجتماعية، بحيث ينشيء ذلك قاعدة يسود الاعتقاد لديهم بأنها تتمتع بالإلزام وتوجب الاحترام قانوناً، وأن مخالفتها تستلزم توقيع جزاء مادي على المخالف، كما عرف أيضاً بأنه اضطراد الناس على اتباع سلوك محدد واعتقادهم أن ذلك السلوك ملزماً لهم فإن لم يلتزموا به رضاءاً يتم إلزامهم به جبراً[2].
ومن مجمل التعاريف المذكورة للعرف يمكننا أن نعرفه في مجال العقود بأنه ما يتواتر عليه أفراد المجتمع من ضوابط وقواعد تتعلق بتنظيم العقود التي يقوموا بإبرامها، وذلك في ظل وجود اعتقاد راسخ لديهم بأنها قد أصبحت تتمتع بالقوة الملزمة التي ترتب على مخالفتها توقيع جزاءات قانونية ومادية.
2- العناصر التي يتشكل منها العرف
إذا ما طالعنا التعريف الذي انتهينا إليه للعرف في مجال العقود سيتبين لنا أن العرف بوجه عام – وليس في مجال العقود فقط – ينبني على دعامتين رئيسيتين وهما العنصر المادي والعنصر المعنوي، وسنوضح كل عنصر منهما في النقاط الآتي بينها.
أ- العنصر الماديً
يقصد بالعنصر المادي السلوك المادي الذي يسلكه الأفراد في شأن مسائل التعاقد، سواء كان هذا السلوك متمثلاً في فعل يتم القيام به أو في قول يتم النطق به[3]، أي أنه يمثل الجانب المادي الظاهر للعرف، ويشترط لقيام هذا العنصر بضع شروط تتمثل في:
- أن يكون السلوك المعتاد متسماً بصفتي العمومية والتجريد، اي أن يكون هذا السلوك عاماً بأن يتبع من قبل الجميع ويقصد بالجميع هنا الغالبية من المعنيين بالمسألة التي جرى بشأنها هذا السلوك المعتاد، وأن يكون تطبيقها على الكافة وليس على أفراد محددين بالذات.
- أن يكون ذلك السلوك المعتاد مستقراً لفترة طويلة من الزمن، وذلك حتى يمكن له أن يكتسب صفة الاعتياد، ويتخذ مكانه في وجدان الأفراد ويترسخ في نفوسهم.
- أن يكون السلوك المعتاد مطرداً، أي أن يتم اتباعه بشكل منتظم يستدل منه على ثبوت اتباعه وانتظام تطبيقه، حيث أن السلوك المعتاد اتباعه لفترة معينة من الزمن ويتم العدول عنه بعد مدة لا يعد بمثابة عرف.
- الا يكون السلوك المعتاد مخالفاً للقانون أو منافياً للنظام العام والآداب، بل يجب أن يكون متوافقاً معها.
ب- العنصر المعنويً
يقصد بالعنصر المعنوي للعرف الاعتقاد الداخلي الراسخ في نفوس ووجدان وذهن الافراد بأن القاعدة التي أنشأها العنصر المادي للعرف تتمتع بقوة إلزامية ولا يجوز مخالفتها، مما يتبين معه أن هذا العنصر يمثل الجانب الغير ملموس للعرف، لكونه يرتبط بالمشاعر والاعتقاد لدى الأفراد، وهو جانب يصعب التحقق من قيامه وهو ما يتم تحديده باستخدام القاضي لسلطته التقديرية في ذلك.
3- أنواع العرف
لا يقتصر العرف على شكل وحيد يظهر عليه، بل هو يظهر في أكثر من صورة وينقسم إلى أكثر من نوع، ويتم تقسيم العرف استناداً إلى أكثر من معيار، وسنتناول في النقاط التالية أهم المعايير التي يتم الاعتماد عليها في تحديد أنواع العرف.
أ- تقسيم العرف استناداً إلى طبيعة العنصر المادي
وفقاً لهذا المعيار يكون تقسيم العرف معتمداً إلى طبيعة عنصره المادي، فهذا العنصر إما أن يتشكل في فعل ما، وإما أن يتشكل في قول ما.
- النوع الأول: العرف الفعلي: ويقصد به العرف المتجسد في صورة تصرف أو فعل اعتاد الأفراد على القيام بها فيما يقوموا بإبرامه من عقود، وذلك بصورة مستمرة حتى بات ذلك التصرف أو الفعل ملزماً لهم في عقودهم، ومن أهم الأمثلة على ذلك ما نص عليه المشرع الأردني بالمادة رقم (59/ب) من قانون الأحوال الشخصية رقم 15 لسنة 2019 من أنه (نفقة الزوجة تشمل الطعام والكسوة والسكنى والتطبيب بالقدر المعروف)، حيث أخذ في تحديد مقدار تلك النفقات بالقدر الذي جرى عليه العرفن وأيضاً ما نص عليه في المادة رقم (499/2) من القانون المدني رقم 43 1976 من أنه (إذا تضمن العقد أو اقتضى العرف إرسال المبيع إلى المشتري فلا يتم التسليم إلا إذا جرى إيصاله إليه ما لم يوجد اتفاق على غير ذلك)، حيث اخذ المشرع بالعرف متى كان قد استقر في البيع على تسليم المبيع للمشتري في موطنه فاعتبر أن التسليم في تلك الحالة يتم وفقاً للعرف.
- النوع الثاني: العرف القولي: ويقصد به ما جرى الناس على اتباعه من لفظ أو قول عند إنمام التعاقد حتى أصبح هذا اللفظ أو القول ملزماً لهم عند التعاقد، كما هو الحال في الاشتراطات التي تتم في العقود والتي جرى العرف على اشتراطها فقد أجازها المشرع الأردني بنص المادة رقم (264/1) من القانون المدني والتي نصت على أنه (يجوز أن يقترن العقد بشرط يؤكد مقتضاه أو يلائمه أو جرى به العرف والعادة).
ب– تقسيم العرف استناداً إلى نطاقه
أما هذا المعيار فيتعرض للعرف بالتقسيم استناداً إلى النطاق الذي يطبق فيه هذا العرف، وهو إما أن يكون عرفاً عام أو عرفاً خاص.
- النوع الأول: العرف العام: ويقصد بهذا النوع العرف الذي يشمل بنطاقه كافة أفراد وأراضي الدولة بلا استثناء، ويتكون هذا النوع من العرف في حالة استقرار جميع الافراد على إقليم الدولة على اتباع سلوك محدد لفترة طويلة تجعله يكتسب صفة الإلزام، ويصبح بمثابة قاعدة قانونية يخضع لها الكافة في جميع أرجاء الدولة.
- النوع الثاني: العرف الخاص: على الجانب الآخر من العرف العام نجد العرف الخاص، وهذا النوع من أنواع العرف يكون إما خاصاً بجزء معين من إقليم الدولة، او بفئة وطائفة معينة من أفراد المجتمع دون غيرهم، ومن أمثلة هذا النوع من العرف هو العرف المهني الذي يخص أصحاب مهنة معينة دون غيرهم.
ثانياً: دور العرف في تفسير العقد
يعتبر العرف وسيلة هامة من وسائل تفسير العقود في حالة غياب النص القانوني الذي يمكن تفسير الغموض الوارد بالعقد وفقاً لها، حيث يلجأ القاضي إلى العرف لتفسير الجوانب التي يشوبها هذا الغموض في العقد، وتتنوع تلك الجوانب وتختلف من عقد إلى آخر، فمنها ما قد يتعلق بما يقصده طرفي التعاقد، ومنها ما يتعلق بتكييف العقد وطبيعته القانونية.
1- دور العرف في تفسير قصد طرفي التعاقد
يعد أهم أوجه استخدام العرف في تفسير العقد هو تفسير العبارات والألفاظ التي استخدمها طرفي العقد لبيان ما كانا يقصداه من خلالها[4]، وقد اعتمد المشرع الأردني العرف كمصدر لتفسير عبارات العقد وذلك فيما نص عليه بالمادة رقم (239/2) من القانون المدني والتي نصت على أنه (أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للالفاظ مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي ان يتوافر من امانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجاري في المعاملات)، ويتخذ العرف أكثر من صورة في شأن تفسيره لقصد المتعاقدين، وتختلف كل صورة من تلك الصور باختلاف طريقته في التفسير، ومن أهم تلك الصور نذكر ما يلي:
أ– التفسير بنقل الدلالة اللفظية
يؤثر العرف السائد بشكل كبير فيما يستخدمه الأفراد من عبارات وألفاظ، حيث نجد في بعض الأحيان أن استخدام لفظ ما يعطي معنى متعارف عليه بينهم خلاف للمعنى الظاهر والحقيقي له، ويتراءى ذلك بجلاء في العرف القولي حينما يستقر القصد على دلالة للعبارة أو اللفظ تختلف عن الدلالة الأصلية لها، وعلى سبيل المثال لذلك ما جرى عليه العمل عرفاً بأن الولد يقصد به الذكر على الرغم من أنه في دلالته الحقيقية يشمل الذكر والأنثى معاً مصداقاً لقوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم)[5]، ففي تفسير لفظ الولد في العقد يكون المقصود به الذكر وفقاً لما جرى عليه العرف.
وبذلك يقوم القاضي المعروض عليه العقد الذي يدور حوله النزاع بتفسير الغموض الوارد بهذا العقد استناداً إلى العرف السائد والذي تم تحرير هذا العقد في ظله، وذلك حتى يستجلي قصد المتعاقدين من الألفاظ والعبارات المستخدمة في العقد والتي تحتمل التأويل أو يحيطها الغموض، فينقل اللفظ من دلالته الحقيقية إلى الدلالة التي قصدها طرفي العقد واتجهت نيتهما إليها، ومثال على ذلك أن يخلو عقد الإيجار من الغرض الذي سيتم استخدام المأجور فيه، واختلف طرفي العقد حول هذا الغرض، فإن القاضي عندئذ يعتمد على العرف السائد عند إبرام العقد لتحديد الغرض الذي يستخدم فيه المأجور وبما يتفق مع طبيعته.
ب– التفسير بتخصيص العام
المقصود بمصطلح “تخصيص العام” هو قصر العام على جانب فقط من مسمياته، أي أن يتم استخدام اللفظ الذي يدل على أكثر من معنى على بعض تلك المعاني دون باقيها، وهذا النوع من التفسير ينطبق على العرف بنوعيه الفعلي والقولي، وعلى سبيل المثال لذلك أن يرد في العقد أن المبيع هو دابة، فعندئذ يفسر القاضي هذا اللفظ العام الذي يطلق على كافة ما يدب على الأرض بناء على العرف السائد في المكان الذي تم إبرام العقد فيه، حيث جرى العرف في بعض الدول على إطلاق مسمى الدابة على الحيوان أو البهائم، بينما جرى العرف في دول أخرى على إطلاق هذا المسمى على الخيل فقط، وأخرى جرى العرف فيها على إطلاقه على الإبل، ففي تلك الحالة يقوم القاضي بالتفسير على أساس تخصيص اللفظ العام – الدابة – إلى معنى واحد فقط من المعاني المتعددة التي يحملها وفقاً للعرف السائد في مكان إبرام العقد.
ج– التفسير بتصريح الكناية أو تكنية الصريح
يقصد باللفظ الصريح اللفظ الذي يظهر به القصد منه ظهوراً واضحاً زائداً، ويكون ذلك الظهور والوضوح للمعنى والقصد من اللفظ ناتجاً عن استقرار استعمال هذا اللفظ بمعناه المعروف لدى الكافة، فاصبح هذا اللفظ مرتبطاً لمن يسمعه بمعنى محدد، فيكون دور العرف في تلك الحالة هو تثبيت اللفظ الصريح على المعنى المقصود منه والثابت لدى الافراد، وعلى سبيل المثال أن يكون العرف السائد في مكان ما قد استقر على أن الطلاق يتم بعبارة “سمحت لك”، فيكون هذا اللفظ مرتباً للطلاق لديهم باعتبارهم يتخذونه في معناه تصريحاً بالطلاق[6]، ويكون ذلك بمثابة تثبيت اللفظ الصريح على الكناية المقصودة منه.
وقد يكون دور العرف معاكساً لذلك بأن يعتمد في تفسير ألفاظ العقد على القصد المستتر وراء اللفظ الصريح للأخذ به دون المعنى الواضح للفظ، فيكون الأخذ باللفظ المستتر أو الكناية وليس باللفظ الصريح، كما هو الحال في قول الرجل لآخر وهبتك ابنتي، فالصريح هنا هو الهبة بينما المعنى المستتر – الكناية – هو الزواج، فيتمثل دور العرف في تفسير العقد هنا في رد اللفظ الصريح إلى كنايته المقصودة.
د– التفسير بنقل اللفظ من حقيقته للمجاز أو العكس
حقيقة اللفظ هي المعنى الأساسي الذي وضع اللفظ للدلالة عليه، أما المجاز فيقصد به أن يتم استخدام اللفظ للدلالة على معنى آخر خلاف المعنى الذي وضع للدلالة عليه، وفي بعض الحالات يكون المجاز هو مجاز عرفي بمعنى أن يكون العرف قد استقر على تفسير لفظ من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي له، بحيث يستقر لديهم ترك المعنى الحقيقي للفظ والتعامل عليه بمعناه المجازي، بحيث يصبح المعنى الحقيقي لديهم لهذا اللفظ هو معناه المجازي.
وعلى سبيل المثال أن يحلف المرء على عدم الأكل من الشجرة، ومن المتعارف عليه أن الشجر لا يؤكل لكونه عبارة عن خشب، فيكون المجاز المقصود هنا هو الأكل من ثمر هذه الشجرة وليس الشجرة ذاتها، فيكون التفسير المجازي هنا هو الذي يعتد به باعتباره المعنى الذي جرى العرف على الأخذ به، بجانب أن الأخذ بالمعنى الحقيقي للفظ يصعب – وإن لم يكن يستحيل – الأخذ به لصعوبة – أو استحالة – تحققه.
2- دور العرف في تكييف طبيعة العقد
يعد تحديد القاضي للتكييف القانوني الصحيح لطبيعة العقد بمثابة أحد أوجه تفسير العقد، لاسيما وأن منح العقد وصفه القانوني السليم يساعده في تحديد النصوص القانونية التي يخضع لها، لذلك فإن القاضي له الاستعانة ببعض الوسائل التي يمكنه من خلالها الوصول إلى التكييف القانوني السليم للعقد المطروح عليه، ومن أهم تلك الوسائل العرف، إلا ان العرف في تلك الحالة لا يعد منشئاً لقواعد قانونية بل مجرد عامل مساعد على عملية تفسير العقد من خلال الاستدلال عن طريقه على القاعدة القانونية الواجبة التطبيق.
ثالثاً: شروط استخدام العرف لتفسير العقد
حتى يمكن للقاضي اللجوء إلى العرف لتنفسير العقد وما يشوبه من غموض فإن ذلك يلزمه توافر بعض الشروط، منها التي استلزمها القانون ومنها التي تطلبها الفقه، فإن أردنا أن نوجز أهمها فسيكون ذلك على النحو التالي:
1- أن يكون هناك غموض بالعقد يستلزم التفسير
وهذا الشرط هو شرطاً منطقياً، ففي ظل انتفاء الغموض ووضوح عبارات ومقاصد أطراف العقد وعدم وجود أي لبس فيها فإن الحاجة إلى اللجوء للعرف لتفسير العقد لا تتحقق، وقد نص المشرع الأردني على ذلك الشرط فيما جاء بالمادة رقم (239/1) من القانون المدني من أنه (إذا كانت عبارات العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين).
2- أن يكون هناك غياب للنص القانوني المفسر
من المتفق عليه أن الأولوية في التفسير تكون للقانون، فإذا تواجد نص قانوني يمكن الاستناد إليه لتفسير الغموض الوارد بالعقد، ولا يجوز في تلك الحالة اللجوء إلى العرف لتفسيره، وعلى سبيل المثال أن يكون هناك من عبارات العقد ما يخص مسالة تنظمها قاعدة آمرة في القانون، فإن التفسير يكون بواسطة إنزال تلك القاعدة الآمرة واعتبار أن المقصد الحقيقي لها هو ما يتفق مع مضمون تلك القاعدة القانونية الآمرة.
وبالتالي فإن العرف لا يتم اللجوء إليه إلا إذا وجد القاضي المعروض عليه العقد أن هناك غموض في عباراته يحول دون قدرته على فهم مقاصد طرفيه، وأنه لا يوجد نص قانوني يمكن الاستناد إليه في تفسير العقد، فعندئذ يكون السبيل المتاح له لتفسير العقد هو العرف.
3- ألا يكون التفسير المستمد من العرف مخالفاً للقانون
يجب أيضاً أن يكون التفسير الذي يتم استخلاصه من خلال تفسير العقد بناء على العرف غير مخالف للقانون، حيث أنه من حيث الأصل لا يجوز أن يتم تضمين العقد أي اتفاق يخالف القانون، وبالتالي فإن تفسير العرف للغموض الوارد بالعقد لا يجب أن يكون في اتجاه مخالف للقانون، بل يجب أن يتم في ظل التزام قوامه أن يكون ما يستخلصه العرف من تفسير العقد متوافقاً مع نصوص ومواد القانون.
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 48 لسنة 1981 والصادر بجلسة 28/2/1981، والمتضمن أنه (يتوجب على المحكمه في سبيل تحديد ما إذا كان سطح المأجور مشمولا بعقد الإيجار أم لا أن تلجأ إلى تفسير عقد الإيجار ذاته فيما إذا كانت عباراته واضحه وإلا فتلجأ إلى معرفه النيه المشتركه للمتعاقدين عن طريق استرشادها أولا: بالعرف الجاري، أي هل جرت العادة أن يعتبر سطح الماجور تابعا له بدون ذكر في العقود أم أن العادة جرت على عكس ذلك، ثانيا: عن طريق الكيفيه التي نفذ فيها المتعاقدان عقدهما).
2- حكم محكمة استئناف حقوق عمان رقم 5786 لسنة 2021 والصادر بجلسة 27/9/2021، والمتضمن أنه (حيث أن المحكمة وبموجب أحكام المادة 239 من القانون المدني تفسره بأن دفع الأقساط اللاحقة وتسليم المركبة إلى المشتري لا يكون إلا بعد قبض البائع (الجهة المستأنفة) للدفعة الواردة في العقد حيث أن هذا التفسير يتفق والعرف الجاري في التعامل في هذا المجال إذ أن تسليم المركبة لا يكون إلا بعد قيام البائع بدفع الدفعة الأولى وبالتالي فإنه ما توصلت إليه محكمة الدرجة الأولى وتفسيرها لقبض الجهة المستأنفة لمبلغ العشرة آلاف دينار وإلزامها بدفعه للمستأنف ضده يكون في محله).
خامساً: الخاتمة
يلعب العرف دوراً هاماً في مجال تفسير العقود، فهو يعد من الأدوات المساعدة التي يستعين بها القاضي المعروض عليه العقد متى كان هناك لبس أو غموض يحيط بعباراته أو بمقاصد المتعاقدين، وذلك متى عجز عن إيجاد تفسير لذلك في إطار القوانين السارية في الدولة.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – مصطفى الزرقا – المدخل الفقهي العام – الطبعة الأولى – دار القلم – سوريا – 1998 – ص782.
[2] – أحمد عشوش وآخر – مبادئ القانون – بدون بلد ودار نشر – 2000 – ص111.
[3] – عبد الباقي البكري وآخر – المدخل لدراسة القانون – الطبعة الثالثة – شركة العاتك – مصر – 2011 – ص139.
[4] – عبد الحكم فودة – إنهاء القوة الملزمة للعقد – دار المطبوعات الجامعية – مصر – 1993 – ص261 وما يليها.
[5] – سورة النساء – الآية رقم (11).
[6] – محمد بن إبراهيم – الاجتهاد والعرف – الطبعة الأولى – دار السلام للطباعة – مصر – 2009 – ص185.

