المسؤولية التقصيرية للمحامي
المحاماة رفقة القضاء هما عِرض كل أمة ورأس مفاخرها، فيقاس تقدم كل أمة بالنظر إلى أحكام القضاء فيها، ورفعة شأن كل من يعمل في هذا الحقل، فهما صوت الحق، وناقوس الحرية، وميزان العدل فيها، لذا فقد أحيطت المحاماة بسياج من الالتزامات والضوابط شأن كل رسالة يحيا ويموت في سبيلها كل صاحب فضيلة.
وسوف نناقش في هذا المقال مسؤولية المحامي عن الخطأ المهني وذلك على النحو التالي:
خامساً: المسؤولية التعاقدية والتقصيرية للمحامي:
سادساً: مسوغات تحقق مسؤولية المحامي:
سابعاً: حالة تواطؤ المحامي مع خصم موكله:
ثامناً : مسؤولية الموكل عما تضمنته صحيفة الدعوى أو مذكرة محاميه:
تاسعاً: التعويض في حالة ثبوت الخطأ:
أولاً: ماهية المحاماة:
أوضحت المادة (6) من قانون نقابة المحامين الأردني رقم 11 لسنة 1972 وتعديلاته أن: ” المحامون هم من أعوان القضاء الذين اتخذوا مهنة لهم تقديم المساعدة القضائية والقانونية لمن يطلبها لقاء أجر ويشمل ذلك:
- التوكل عن الغير للادعاء بالحقوق والدفاع عنها:
- لدى كافة المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها عدا المحاكم الشرعية.
- لدى المحكمين ودوائر النيابة العامة والحكام الإداريين والضابطة العدلية.
- لدى كافة الجهات الإدارية والمؤسسات العامة والخاصة.
- تنظيم العقود والقيام بالإجراءات التي يستلزمها ذلك.
- تقديم الاستشارات القانونية “.
وقد تضمن قانون نقابة المحامين الأردنية ضمن طياته الشروط الواجب توافرها فيمن يعمل محامياً، وضوابط ذلك، وما يجب على المحامي القيام به في سبيل أداء عمله والحفاظ على هيبة وقدسية مهنته، وكذلك الابتعاد عما ينال من صورته وكرامته.
ثانياً: حقوق المحامي:
1- الحق في اختيار الأسلوب المناسب في عمله:
نصت المادة (39) من قانون نقابة المحامين الأردني على أنه: ” للمحامي أن يسلك الطريق التي يراها ناجحة في الدفاع عن موكله ولا يكون مسؤولاً عما يورده في مرافعاته كتابة أو شفاها مما يستلزمه حق الدفاع، كما لا يكون مسؤولاً عن الاستشارات التي يعطيها عن حسن نية “.
الأصل في الوكالة أنها توجب على الوكيل الالتزام بتعليمات الموكل وعدم مخالفتها والعمل ضمن حدود الوكالة، لذا فإن حق المحامي في اختيار الطريق المناسب لعمله وسلوك الطريق الملائم من واقع معرفته وتحضير دفاعه وإبداء طلباته في الدعوى دون أن يكون ملزماً بإتباع رأي أو وجهة نظر موكله أو تبني فكرته عن الدعوى مدنية كانت أو جنائية استثناء من الأصل العام، ولا سلطان عليه في ذلك إلا لضميره والقانون.
2- الحق في الأتعاب :
تنص المادة (45) من قانون نقابة المحامين على أنه: ” للمحامي الحق في تقاضي بدل أتعاب عما قام به من أعمال ضمن نطاق مهنته كما له الحق في استيفاء النفقات التي دفعها في سبيل القضية التي وكل بها “.
كما نصت المادة (46) من القانون ذاته على أنه:
” 1. يتقاضى المحامي أتعابه وفق العقد المعقود بينه وبين الموكل على أن لا يتجاوز بدل هذه الأتعاب 25% من القيمة الحقيقية للمتنازع عليه إلا في أحوال استثنائية يعود أمر تقديرها إلى مجلس النقابة.
- إذا لم تحدد أتعاب المحامي باتفاق خطي صريح تحدد اللجان المختصة في النقابة هذه الأتعاب بعد دعوة الطرفين ويراعى في التحديد جهد المحامي وأهمية القضية وأي عوامل أخرى ذات علاقة .
- إذا تفرع عن الدعوى موضوع الاتفاق دعاوى غير ملحوظة حق للمحامي أن يطالب بدل أتعاب عنها.
- على المحكمة بناء على طلب الخصم أن تحكم على خصمه بأتعاب المحاماة ويعود لها تحديد مقدارها على أن لا تقل في المرحلة الابتدائية عن 5% من قيمة المحكوم به وأن لا تزيد على 1000 دينار في أي دعوى مهما بلغت قيمة المحكوم به فيها، وأن لا تزيد أتعاب المحاماة في المرحلة الاستئنافية عن نصف ما تحكم به المحكمة الابتدائية “.
ويمثل العمل بالمحاماة مصدر العيش للمحامي نظراً لما يفرض عليه بموجب قانون نقابة المحامين من عدم الجواز بين العمل بالمحاماة وأي مهنة أخرى حفاظاً على هيبة وكرامة وسمو رسالته بوصفه مدافعاً عن الحق دامغاً للباطل، لذا فإن الوكالة تكون بأجر ولو لم يتفق على ذلك صراحة، ويقدر المحامي أتعابه بالاعتدال دون استغلال أو بخس لحقه مراعياً في ذلك نوع الخصومة وأهمية النزاع وصعوبة موضوعها والوقت الذي تستغرقه والجهد المبذول فيها بحيث لا تقل عن 5% من قيمة النزاع في الدعاوى المدنية ولا تزيد عن 25% ما لم يتفق على غير ذلك.
ويجوز الاتفاق على تعجيل جزء من الأتعاب وتأجيل الأخر، أو تُستأدى على مبالغ دورية، ويلتزم المحامي بالمبلغ المتفق عليه ما لم يستجد أثناء نظر الدعوى أعمال لم يكن في الإمكان توقعها عند الاتفاق.
ثالثاً: واجبات المحامي:
1- التقيد بالسلوك المهني:
على المحامي أن يدافع عن موكله بكل أمانة وإخلاص وهو مسؤول في حالة تجاوزه حدود الوكالة أو خطئه الجسيم وذلك طبقاً لنص المادة (55)من قانون نقابة المحامين.
2- عدم تمثيل المصالح المتضاربة :
أوضحت المادة (5) من لائحة آداب مهنة المحاماة الأردنية أنه: ” على المحامي لدى قبوله أية وكالة أن يكشف إلى الموكل أية علاقة تربطه بالفريق أو الفرقاء الآخرين إن وجدت وأية مصلحة في موضوع الخلاف إذا كان من شأن تلك العلاقة أو المصلحة أن تؤثر في التوكيل، ويعتبر تمثيل المصالح المتعارضة مخالفة مسلكية وأن التزام المحامي بالإخلاص لواجبه تجاه موكله وبعدم إفشاء أسراره أو ما ائتمنه عليه بمقتضى وكالته، يمنعه من قبول أية وكالة أو تكليف عن آخرين في مسائل أو قضايا قد تتعارض مع التزامه المذكور”.
3- المحافظة على سر المهنة :
نصت المادة (35) من لائحة أداب مهنة المحاماة الأردنية على أن: “على المحامي أن يحافظ على أسرار موكله وهو مسؤول تجاهه بالكتمان المطلق ويشمل هذا الواجب العاملين في مكتبه و يستمر ذلك إلى ما بعد انتهاء الوكالة، ولا يجوز للمحامي قبول الوكالة التي ينطوي عليها أو يمكن أن ينطوي عليها إفشاء هذه الأسرار أو استعمالها سواء لمنفعة المحامي أو ضد مصلحة الموكل دون معرفة الموكل وموافقته الخطية حتى لو كان ثمة مصادر أخرى يمكن اللجوء إليها للوصول إلى هذه الأسرار. وعلى المحامي التنحي عن الوكالة حال اكتشافه بأن هذا الواجب يحول دون تنفيذ التزامه كاملا تجاه موكله القديم أو الجديد. أما إذا قدم الموكل شكوى ضد المحامي فإنه يمكن للمحامي أن يكشف عن الحقيقة بالقدر الذي يقتضيه دفع هذه الشكوى”.
ولكن تجدر الإشارة إلى أن نية الموكل المعلنة في ارتكاب جريمة لا تدخل في الأسرار التي يجب على المحامي المحافظة عليها وعلى المحامي أن يكشف عن ذلك بالقدر الذي يؤدي إلى منع ارتكاب الجرم أو بالقدر الذي يحمي الشخص الذي قد يتعرض للأذى.
4- عدم الإضرار بمركز من يدافع عنه:
يظهر ذلك الواجب جلياً في وجوب محافظة المحامي على المستندات التي تخص موكله، وعدم التخلي عنه في أي من مراحل الدعوى فيلتزم بحضور إجراءات التحقيق والاستجواب والمحاكمة وتقديم طلباته وإبداء دفاعه بكل أمانة وإخلاص ونزاهة، كما يلتزم بالطعن على الأحكام في مواعيدها المقررة قانوناً حتى لا يسقط حق موكله في الطعن، ويدخل في نطق ذلك أيضاً عدم القيام بالتنازل عن الوكالة في وقت غير مناسب بما يترتب عليه الإضرار بالعميل.
رابعاً: طبيعة التزام المحامي:
من المستقر عليه أن التزام المحامي هو التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة فقد نصت المادة (841) من القانون المدني الأردني على أن:
- على الوكيل أن يبذل في تنفيذ ما وكل به العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة اذا كانت الوكالة بلا اجر .
- وعليه أن يبذل في العناية بها عناية الرجل المعتاد إذا كانت بأجر.
كما نصت المادة (358) من القانون ذاته على أنه:
- إذا كان المطلوب من المدين هو المحافظة على الشيء أو القيام بإدارته أو توخى الحيطة في تنفيذ التزامه فإنه يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود . هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك.
- وفي كل حال يبقى المدين مسؤولا عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم .
ولما كانت الوكالة بين المحامي وموكله قوامها الالتزام ببذل عناية وليس تحقيق نتيجة، وكانت طبيعة العلاقة تحكمها في المسؤولية التعاقدية وليس التقصيرية، فيتوافر الخطأ العقدي في جانب المحامي متى لم يبذل في العناية اللازمة وتسبب ذلك بالضرر للعميل، ويقع على عاتق العميل في هذه الحالة عبء إثبات الخطأ الذي ارتكبه المحامي والضرر ورابطة السببية بينهما.
ولما كان التزام المحامي هو التزام ببذل عناية متعلق بعمل، فإنه يلتزم بتوخي الحيطة في القيام بذلك العمل وأن يقوم به وفقاً للأصول المرعية في مهنته، ويعد المحامي قد وفى بالتزامه إذا قام ببذل العناية التي يبذلها الشخص العادي في هذا الشأن حتى ولو لم تتحقق النتيجة المرجو تحقيقها، ويجوز الاتفاق بين الطرفين على بذل عناية أكبر أو أن يكون الالتزام بتحقيق نتيجة وفي هذه الحالة يتحول الالتزام الأصلي من كونه التزام ببذل عناية إلى التزام بتحقيق نتيجة، كما أنه يجوز كذلك الاتفاق على تخفيف أو بذل عناية أقل وذلك كله ما لم يرتكب المحامي غشاً أو خطأ جسيم، وتنعقد مسؤولية المحامي في حال لم يبذل القدر المطلوب من العناية.
ونظراً لعدم تعلق المسؤولية التعاقدية بالنظام العام، فيجوز للأطراف الاتفاق على تخفيفها أو تشديدها.
ولا يجوز الاتفاق على إعفاء الملتزم ببذل عناية سواء كان محامياً أو طبيب أو غيره من المسؤولية في حالة العمد أو الخطأ الجسيم أو الغش، وفي حال تضمن العقد هذا الشرط، وقع الشرط باطلاً ويظل العقد صحيحاً منتجاً لكافة آثاره في مواجهة طرفيه.
خامساً: المسؤولية التعاقدية والتقصيرية للمحامي:
1- المسؤولية العقدية[1]:
المستقر عليه أن أحكام المسؤولية العقدية غير متعلقة بالنظام العام، ومن ثم يجوز للأفراد الاتفاق على تعديل أحكام تلك المسؤولية، سواء كان ذلك التعديل بالإعفاء كلية أو بالتخفيف منها أو بتشديدها بحيث يتحمل المدين المسؤولية كاملة حتى ولو كان سبب عدم تنفيذ الاتفاق راجع لسبب أجنبي.
ومسؤولية المحامي في الأصل مسؤولية عقدية يشترط توافر عناصرها من خطأ وضرر وعلاقة السببية بينهما حتى يمكن مساءلته استناداً إليها، وذلك إذا ما كان الخطأ الواقع من المحامي بسيطاً أو غير جسيم أو غير عمدي، تأسيساً على أنه بذلك يكون قد ارتكب خطأ عقدي يستوجب المساءلة، أما في حالة الخطأ الجسيم أو الغش فتتحول المسؤولية من مسؤولية عقدية إلى مسؤولية تقصيرية استناداً إلي أنه خالف بذلك نص قانوني وهو ما يفرضه القانون من وجوب التعامل بحسن نية وما يجب أن يسود المعاملات من نزاهة وأمانة وعدم الإهمال الجسيم.
2- المسؤولية التقصيرية[2]:
لما كانت أحكام المسؤولية التقصيرية تتعلق بالنظام العام، فلا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها، ويقع باطلاً كل شرط يقضي بإعفاء المدين عن خطأه التقصيري أياً كان هذا الخطأ، وعلى نقيض ذلك يجوز الاتفاق على تشديد المسؤولية كانعقاد مسؤولية المدين في حال كان الضرر راجعاً لسبب أجنبي وليس خطأه، ويمكن في الحالة الأخيرة الاتفاق على الإعفاء من تشديد المسؤولية أو تخفيفها.
وكما سبق القول تكون أحكام المسؤولية التقصيرية هي الواجبة التطبيق في حالة الغش أو الخطأ الجسيم الواقع من المحامي.
سادساً: مسوغات تحقق مسؤولية المحامي:
تتحقق مسؤولية المحامي بتوافر الخطأ وتحقق الضرر لموكلة وقيام رابطة السببية بينهما وذلك على الوجه التالي:
1- ركن الخطأ :
لم يضع المشرع الأردني تعريفاً للخطأ ولا يمكن انتقاد هذا المسلك منه لكون هذا الأمر لا يمثل خلافاً بين الفقهاء أو القضاء، كما أن التفرقة بين الخطأ العقدي والخطأ التقصيري محل اتفاق بين الجميع، فالخطأ العقدي يتمثل في إخلال المتعاقد بتنفيذ التزامه التعاقدي، يستوي في ذلك أن يكون حسن النية أو سيئها، عمداً أو عن إهمال.
أما الخطأ التقصيري فهو إخلال بالتزام يفرضه القانون عامة وذلك بانحراف المسئول عن السلوك الواجب أو المألوف للشخص العادي.
ويقوم الخطأ العقدي على ركنين أحدهما مادي يتمثل في التعدي والأخر معنوي يتمثل في الإدراك والتمييز، أما الخطأ التقصيري فيقوم بتوافر ركن التعدي فقط دون حاجة لتوافر الإدراك والتمييز، فقد نصت (المادة 256) من القانون المدني الأردني على أنه ” كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر “، هذا وقد خلا قانون نقابة المحامين الأردني من ثمة نص يتعلق بخطأ المحامي أو تكييفه ومن ثم فإنه يخضع في ذلك للقواعد العامة المقررة في القانون المدني، وقد اعتبرته محكمة التمييز الأردنية من قبيل الأخطاء المهنية الناتجة عن الخروج عن المألوف في بذل العناية التي تقتضيها أصول وقواعد المهنة[3].
2- ركن الضرر:
لا يكفي لقيام المسؤولية التعاقدية في جانب المحامي ثبوت وقوع الخطأ من جانبه، بل يجب أن يرتب هذا الخطأ ضرر لموكله بحيث إذا انتفى الضرر حتى ولو ثبت وقوع الخطأ من المحامي سقطت المسؤولية، والضرر قد يكون مادياً وهو الغالب وذلك إذا أصاب الشخص في ماله كترتيب خسارة أو تفويت ربح، وقد يكون معنوياً يصيب الشخص في كرامته أو شعوره أو شرفه كالسب والقذف أو نسبة أمر مشين إليه.
ويشترط في عنصر الضرر أن يكون محقق الوقوع أي أن حدوث الضرر مؤكداً فلا يكفي الضرر الاحتمالي، كما يجب أن يكون الضرر مباشراً بمعنى أنه نتج مباشرة نتيجة عدم تنفيذ الالتزام من جانب المحامي، وتعد هذه المسائل من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة التمييز.
وقضت محكمة التمييز القطرية في حكمها رقم 21لسنة 2006 تمييز مدنى الصدر بتاريخ 21\6\2006 بأنه ” طبقاً للقواعد العامة في المسؤولية العقدية، فإن مسؤولية المحامي تتحقق في حالة تقصيره في أداء واجبه كغيابه عن جلسة المرافعة مما يترتب عليه شطب الدعوى أو تقاعسه عن اتخاذ إجراءات تجديد الدعوى من الشطب فيقضي باعتبارها كأن لم تكن ، فإذا لم تتوافر أو كان المسؤولية العقدية في جانب المحامي انحسر عنه الخطأ الموجب لالتزامه بالتعويض ولئن كان استخلاص محكمة الموضوع الخطأ العقدي الموجب لمسؤولية المحامي موكله ، أو نقبة عنه، وثبوت الضرر الموجب للتعويض، أو عدم ثبوته هو من مسائل الواقع الذي يدخل في سلطتها التقديرية دون ما دام استخلاصها سائغا ، ومستمداً من عناصر الدعوى المطروحة عليها، إلا أن تكييف الفعل المؤسس عليه طلب التعويض بأنه خطأ، أو نفى هذا الوصف عنه هو من مسائل القانون التي يخضع قضاء محكمة الموضوع فيها لرقابة محكمة التمييز والتي تمتد رقابتها إلى تقدير الوقائع فيما يستلزمه التحقيق من صحة استخلاص الخطأ من تلك الوقائع والظروف التي كان لها أثر في تقدير الخطأ واستخلاصه.
3- رابطة السببية:
يشترط إلي جانب وقوع الخطأ وتحقق الضرر أن تتوافر رابطة السببية بينهما بحيث أن يكون الخطأ هو السبب المباشر للضرر الواقع على الموكل ، أما إذا انتفت رابطة السببية وكان حدوث الضرر نتيجة سبب أجنبي فلا تنعقد المسؤولية في حق المحامي.
ويقع على عاتق الموكل إثبات الخطأ الواقع من المحامي ونسبته إليه إلى جانب تحقق الضرر جراء هذا الخطأ وتوافر رابطة السببية بينهما، وفي الواقع العملي عادة ما يستخلص قاضي الموضوع توافر رابطة السببية من أية قرينة قضائية مطروحة أمامه ولا يحتاج إثبات قيام علاقة السببية بين الخطأ والضرر لمجهود من جانب الموكل، ويقع على عاتق المحامي في المقابل للتخلص من المسؤولية نفي أي من هذه العناصر الثلاث في حقه.
سابعاً: حالة تواطؤ المحامي مع خصم موكله:
نصت المادة (54) من قانون نقابة المحامين الأردني على أنه: ” على المحامي أن يتقيد في سلوكه بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة وأن يقوم بجميع الواجبات التي يفرضها عليه هذا القانون وتفرضها عليه أنظمة النقابة وتقاليدها “.
وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية في حكمها رقم 5562 لسنة 64 ق الصادر بجلسة 10/1/2005 أنه: ” بأن الوكالة في الخصومة تقوم على الثقة في المحامي وحسن الظن به فإذا غش موكله وتواطأ مع خصمه فإن مجرد علم الموكل بالدعوى يكون عديم القيمة ولا أثر له في الفترة التي كان فيها أمر هذا الغش خافياً عليه ويولي المحامي ثقته فلا يعتد بحضور المحامي ولا ما صدر عنه من إقرارات”.
ويستخلص من ذلك انه إذا تواطأ الوكيل مع خصم موكله وأقر بتصرف أو قام بإجراء ترتب عليه الإضرار بموكله انحسرت وزالت عنه صفته كوكيل وأصبح في حكم الغير بالنسبة لموكله تأسيساً على أن الغش يبطل كافة التصرفات، ومن ثم يترتب على ذلك بطلان وعدم الاعتداد بأي من التصرفات أو الإقرارات الصادرة من المحامي بالتواطؤ مع خصم موكله ويقع عبء إثبات وجود هذا الغش على عاتق الموكل ويكون له إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات باعتبارها واقعة مادية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن ليس كل قول يصدر عن المحامي أثناء مناولة الدعوى أمام القضاء يعد إقرار قضائي يتمتع بالحجية القانونية، إلا إذا تم ذلك بموجب توكيل خاص من موكله يفوضه في ذلك، وينطبق ذات الأمر على الإقرار غير القضائي، ويكون لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية في موازنة قول المحامي واعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة أو مجرد قرينة أو اعتباره دليلاً كاملاً أو طرحه وعدم التعويل عليه أو الاستناد إليه في حكمها.
ثامناً : مسؤولية الموكل عما تضمنته صحيفة الدعوى أو مذكرة محاميه:
يشترط لتحقق مسؤولية الموكل وفقاً لذلك ،أن تكون الوقائع التي نسبها لخصمه لا يتطلبها الدفاع في النزاع القائم بينهما، كما لو تعلق النزاع بملكية عقار ونسب المدعي للمدعي عليه أمور شائنة كالفجور وسوء الخلق، أما إذا نسب إليه أشياء تتعلق بالدفاع وبموضوع الدعوى كالنصب أو اغتصاب الحيازة فلا تثريب عليه[4].
وكذلك إذا طعن الخصم بتزوير محرر فإن إسناده التزوير لخصمه ونعته بالمزور يعتبر دفاعاً متعلق بالموضوع، ولا يجوز لخصمه مساءلته عن ذلك بعد الفصل في الدعوى والقضاء بصحة الورقة.[5]
والخلاصة في استعمال حق الدفاع والمطالبة بالحق أنه يكون مقيد بالحد اللازم لأخذ الحق والذود عنه ورد طلبات ودفاع الخصم دون أن يتجاوز حدود ذلك، فإن انحرف عن جادة الصواب تلك كان مسئولاً عما أبداه في مواجهة خصمه.
وقد قضت محكمة النقض المصرية[6] في ذلك بأنه: “من المقرر عدم مساءلة الشخص جنائياً عن عمل غيره فلابد لمساءلته أن يكون ممن ساهم في القيام بالعمل المعاقب عليه، فاعلاً أو شريكاً، فإذا كان حقيقة أن الموكل (الطاعن) لا يكتب للمحامي صحيفة الدعوى – التي تضمنت الواقعة التي نسبت للمطعون ضده- إلا أنه بالقطع يمده بكافة المعلومات والبيانات اللازمة لكتابة هذه الصحيفة التي يبدو عمل المحامي فيها هو صياغة قانونية تتفق وصالح الموكل في الأساس، ولا يمكن أن يقال أن المحامي يبتدع الوقائع فيها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن من عدم مسئوليته عما ورد بصحيفة الجنحة المباشرة يكون غير سديد “.
تاسعاً: التعويض في حالة ثبوت الخطأ:
جاءت اجتهادات القضاء الأردني لتبين التعويض وما يدخل في تقديره في حالة ثبوت الخطأ استناداً لأي من نوعي المسؤولية وأوردت في ذلك أنه ومن استقراء النصوص يتضح أن المشرع الأردني وضع معياراً لتقدير التعويض الناشئ عن الإخلال العقدي من أحد أطراق الالتزام إذا لم يحدده العقد أو القانون ويتمثل بتقدير المحكمة للضرر بما يساوي الضرر المادي المحقق (الخسارة اللاحقة) بالدائن فعلياً وبصورة مباشرة نتيجة عدم الوفاء بالالتزام دون شمول الربح الفائت بالتعويض إلا في حالتي الغش والخطأ الجسيم من قبل المدين.
والاجتهاد القضائي لمحكمة التمييز مستقر على أن المطالبة بالأضرار في العلاقة العقدية تحكمها قواعد المسؤولية العقدية باعتبارها مصدر الالتزام بينهما والضمان ينحصر فيها بما يساوي الضرر الواقع فعلاً في حين وقوعه ولا يشمل الربح الفائت والضرر المعنوي طالما لم يثبت الغش أو الخطأ الجسيم وفي حال ثبوت أي منهما تصبح مسؤولية المدين تقصيرية بدلاً من بنائها عقدية.[7]
إعداد المحامي/ رفعت حمدي عبدالغني.
[1] راجع في ذلك المستشار/ أنور طلبة، المطول في شرح القانون المدني، الجزء الرابع، نادي القضاة المصري، طبعة 2010، ص 534.
[2]راجع في ذلك المستشار/ أنور طلبة، المطول في شرح القانون المدني، الجزء العاشر، نادي القضاة المصري، طبعة 2010، ص 539.
[3] راجع في ذلك/ اشرف جهاد وحيد الأحمد، المسئولية المدنية للمحامي عن الخطأ المهني، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، 2010\2011، ص71.
[4] المرجع السابق المستشار/ أنور طلبة، ص333، 334، وانظر موقع المحامي الأردني.
[5] راجع المرجع السابق المستشار/ أنور طلبة، المطول في شرح القانون المدني، الجزء العاشر، ص334.
[6] راجع نقض 15/5/1984 طعن 2789 لسنة 53ق، نقض 28/3/1982 طعن 5446 لسنة 51ق.
[7]حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1906 لسنة 2020 بتاريخ 10\6\2020.

