المانع الأدبي

المانع الأدبي

الأصل في حفظ الحقوق الكتابة، فلا خلاف أنها أفضل السبل لمنع الخلاف ما بين الأفراد، أما الوسائل الأخرى غير الكتابة فلا يتم اللجوء إليها إلا في أضيق الحدود وفي نصاب معين، ومع ذلك فقد سمح التشريع الأردني للمتعاقدين الإثبات بالشهادة ما يمكن إثباته بالكتابة، تلك الحالة التي يكون فيها مانع أدبي قد حال بين المتعاقد وبين إثبات حقه بالكتابة، ما هو المانع الأدبي؟، وما هو نطاق تطبيقه في التشريع الأردني؟، هذا ما سنتعرف على ذلك من خلال النقاط الأتية:

أولًا: تعريف المانع الأدبي

ثانيًا: القرابة المعتبرة كسبب للمانع الأدبي

ثالثًا: النتائج المترتبة على تطبيق المانع الأدبي

خامسًا: التعقيب على نطاق المانع الأدبي

سادسًا: تطبيقات قضائية

سابعًا: خاتمة

أولًا: تعريف المانع الأدبي

نصت المادة (30/2) من قانون البينات الأردني على ( إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي أو إذا كان العرف والعادة لا يقضيان بربطها بسند ……..تعتبر مانعاً أدبیا القرابة بین الزوجین أو ما بین الأصول والفروع أو ما بین الحواشي إلى الدرجة الثالثة أو ما بین أحد الزوجین وأبوي الزوج الآخر.)

ولقد عرف البعض المانع الأدبي على أنه تبادل الثقة بين أطراف، تلك الثقة جعلت من الصعب مطالبتهم لبعضهم البعض للسندات الكتابية، تلك الثقة نشأت عن طريق روابط قرابة الدم أو النسب أو الروابط النفسية، وهو أيضًا عرف بأنه استحالة الحصول على سند كتابي نسبيًا، أي إنه متعلق بشخص معين.[1]

– والرأي عندنا:

المانع الأدبي هو عبارة التخفيف من عبء الإثبات عن طريق إحلال شهادة الشهود كوسيلة للإثبات محل الكتابة، فيما بين أشخاص تربطهم صلات معينة، تلك الصلات المعتبرة للخفيف من عبء الإثبات محددة حصرًا من خلال نصوص القانون ولا يجوز الاجتهاد فيها.

ثانيًا: القرابة المعتبرة كسبب للمانع الأدبي

رأينا كيف جعل المشرع الأردني لبعض الصلات اعتبار في الإثبات، ولكن وكما قلنا إن تلك الحالات التي يجوز التخفيف فيها من عبء الإثبات مذكورة على سبيل الحصر كما هو مبين بالمادة 30/2 من قانون البينات الأردني.

وذلك على عكس ما جاءت به بع التشريعات مثل التشريع المصري والذي لم يقصر حالات المانع الأدبي في أنماط معينة، ولكنه ترك العنان للقاضي يكيفها حسب ملابسات القضية، وفي ذلك نصت لمادة (63/أ) على ( يجوز كذلك الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بدليل كتابي: (أ‌) إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي.) ولقد جاءت كذلك مبادئ محكمة النقض المصرية.

إن المادة ٦٣ من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨ وقد أجازت الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بدليل كتابي متى وجد مانع أدبى يحول دون الحصول على هذا الدليل فإنها ولم تضع لهذا المانع قيوداً يكون تقدير قيامه وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض من الأمور التي يستقل بها قاضى الموضوع إذ يقوم على اعتبارات أدبية ترجع إلى الظروف التي انعقد فيها التصرف أو لحقته أو العلاقة التي تربط بين طرفيه وقت انعقاده إذا كان من شأن هذه العلاقة أو تلك الظروف أن تمنع الشخص أدبياً من الحصول على دليل كتابي ومن ثم يكون هذا المانع خاصا ذاتياً لا عاما موضوعياً وإذا كانت صلة القربى والزوجية قد تحول أو لا تحول دون الحصول على دليل كتابي بحسب ظروف الحال التي تقدرها محكمة الموضوع فإن هناك صلات غيرها تكون مانعا أدبياً من الحصول على الكتابة كصلة الجوار بل إن مجرد العادة أو مركز الشخص الاجتماعي قد يكون مانعاً من الحصول على سند مكتوب.[2]

وقبل البدء في بيان درجات القرابة الداخلة في هذا الاستثناء يجب أولًا أن نعرف كيف يتم حساب درجة القرابة، وفي ذلك نصت المادة (36) من القانون المدني الأردني على ( يراعى في حساب درجة القرابة المباشرة اعتبار كل فرع درجة عند الصعود للأصل بخروج هذا الأصل. وعند حساب درجة القرابة غير المباشرة تعد الدرجات صعودا من الفرع للأصل المشترك ثم نزولا منه إلى الفرع الآخر وكل فرع فيما عدا الأصل المشترك يعتبر درجة.)

ومن خلال تطبيق تلك المادة سنتعرف على درجات القرابة التي تعتبر مانع أدبي.

1- قرابة الدم

قرابة الدم هي التي تكون مترتبة على عملية الولادة دون تدخل الإنسان فيها، فهي تثبت للفرد منذ ولادته، وهيا منقسمة إلى علاقة الأصل بالفرع والعكس، وعلاقة الفرد بالحواشي.

أ- قرابة الدرجة الأولى

قرابة الدرجة الأولى هي قرابة الأب والأم والأبن والأبنة، والحكمة من المانع الأدبي للدرجة الأولى هو أن الأب هو أصل الولد، والولد هو فرعه، فمن غير اللائق أن يطلب الولد من أبيه أن يكتب له سند بالدين، وكذلك الأب قد يستحي أن يضع أبنه موضع الشك في أمانته ويطلب منه التوقيع على سند دين.

ب- قرابة الدرجة الثانية

بتطبيق قاعدة حساب القرابة نجد أن من يقعون في تلك الدرجة هم الأخ والأخت والجد والجدة والحفيد، وحيث أن هؤلاء من الصعب في الوضع الطبيعي أن يطلب أي منهم من الأخر سند مكتوب لحفظ دين، فقد جعل المشرع الأردني تلك الدرجة من الموانع التي يمكن الاستعاضة بالشهادة بدلًا من الكتابة للإثبات.

ج- قرابة الدرجة الثالثة

المدرجون في الدرجة الثالثة للقرابة هم العم والعمة والخاص والخالة وولد الأخ وولد الأخت، ونجد أن أساس إكرام هؤلاء هو قرابتهم للشخص عن طريق الأب، أو الأم، أو الأخ، أو الأخت، والمانع الأدبي في تلك الدرجة راجعة إلى الروابط الأسرة لمن هم أعلى منهم درجة، لذا فقد أخذ المشرع الأردني ذلك موضع الاعتبار.

2- قرابة النسب

قرابة النسب هي عبارة عن قرابة نشأتها راجعة إلى رابطة الزوجية، فهي رابطة لا تلزم واقعة الولادة، وفي مجال مقالنا الذي نحن بصدده في تلك السطور يهمنا الحديث عن النوعين التي ذكرتهم المادة 30 من قانون البينات الأردني وهما:

أ- رابطة الزوجية

جعلت المادة 30 من القانون البينات الأردني رابطة الزوجية مانع أدبي للأخذ بالكتابة في الإثبات، والعلة من ذكر لا تخفى على واع حيث إن الرابطة الزوجية تخلق كيان جديدًا في المجتمع، هذا الكيان يكون أساسه الثقة المتبادلة بين الزوجين، تلك الثقة يمكن خرقها إذا ما تعنت أحد الزوجان في أخذ سند كتابي لحفظ حقه، خاصة إن كان غير مفطن لأن ذلك لا ينقص من الثقة شيئًا خاصة أن الشريعة الإسلامية قد أقرت للزوجة ذمة مالية خاصة عن زوجها.

ب- رابطة المصاهرة بالنسبة لوالدي الزوج أو الزوجة

المشرع الأردني قد جعل قرابة المصاهرة سببًا لوجود المانع الأدبي لأخذ سند كتابي، وجعل ذلك مقتصر على والد وولدة الطرف الأخر في العلاقة الزوجية دون باقي الأصهار، ويرجع ذلك إلى صلة الدم التي تربط هؤلاء بطرف الزوجية الأخر حيث يعدا صفوة القرابة من الدرجة الأولى.

ثالثًا: النتائج المترتبة على تطبيق المانع الأدبي

1- جواز الإثبات بالشهادة فيما لا يجوز إثباته إلا بالكتابة

الأصل أنه لا يجوز الإثبات إلا بالكتابة في الالتزامات التعاقدية، وفي ذلك نصت المادة (28/1/أ) من قانون البينات الأردني على ( إذا كان الالتزام التعاقدي في غیر المواد التجاریة تزید قیمته على مئة دینار أو كان غیر محدد القیمة فلا تجوز الشھادة في إثبات وجود الالتزام أو البراءة منه ما لم یوجد اتفاق أو نص یقضي بغیر ذلك.)، وخروجًا على هذا الأصل فإن المادة 30 من القانون البينات الأردني جعلت شهادة الشهود صالحة للإثبات فيما يزيد عن مئة دينار في حالة المانع الأدبي وذلك في الحالات التي تم بيانها بصدر المقال.

2- إتباع المانع الأدبي في القضايا الجزائية للمانع المثار في القضايا المدنية التابعة لها

إذا كان المانع الأدبي أصله في قضية مدنية فإن أحكامها تنتقل إلى القضية الجزائية المرتبطة بها، فإذا لم يستخدم أي من أطراف القضية المدنية المانع الأدبي فلا يمكن الالتجاء إليه في القضية الجزائية التابعة لها. وذلك جاء بالحكم رقم 1291 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية الصادر بتاريخ 10/6/2021 حيث جاء فيه (وفي ذلك نجد أن المشتكي (المستدعي) كان قد تقدم بدعوى حقوقية بمواجهة المشتكى عليه لدى محكمة بداية حقوق عمان يطالبه فيها بمبلغ (20453) ديناراً للأسباب الواردة في لائحة دعواه وحصر المشتكي (المدعي) بيناته باليمين الحاسمة التي طلب توجيهها للمدعى عليه مقترحاً صيغة لتلك اليمين وبعد أن أقرت المحكمة صيغة اليمين الحاسمة قام المدعى عليه بحلفها ولم يتقدم المدعي لدى محكمة بداية الحقوق بأي طلب لسماع البينة الشخصية لإثبات انشغال ذمة المدعى عليه بالمبلغ المدعى به استناداً لأحكام المادة (30) من قانون البينات على أساس وجود مانع أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي وحيث إن الأمر كذلك فإن البينة المقبولة قانوناً لإثبات كذب اليمين هي المقررة قانوناً أي لا بد أن تكون بدليل كتابي أو باعتراف من المشتكى عليه ولا يجوز بالتالي إثبات كذب اليمين إلا بالطرق التي كان من المتوجب اتباعها لدى المحكمة المدنية وهذا ما استقر عليه اجتهاد محكمتنا ولا يجوز التحجج بالمانع الأدبي أمام المحكمة الجزائية طالما لم يتم سلوك هذا الطريق أمام المحكمة المدنية وعليه فإن قرار محكمة البداية بصفتها الاستئنافية القاضي بفسخ قرار محكمة صلح الجزاء وإعلان عدم مسؤولية المشتكى عليه يتفق وأحكام القانون ولا يوجد به أية مخالفة قانونية مما يتعين معه رد السبب موضوع الطلب.)

رابعًا: موانع تطبيع المانع الأدبي

1- اعتياد التعامل بالسندات الكتابية

لقد رسخت محكمة التمييز من خلال أحكامها مبدأ مضمونه أن سابقة تحرير أشخاص تربطهم صلة قرابة سند كتابي لواقعة معينة تعد سابقة يمنع بعدها التمسك بالمانع الأدبي، وجاء ذلك بالحكم رقم 812 لسنة 2012 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 15/4/2012 حيث جاء فيه (وعن السبب الثاني : وحاصله تخطئة الحكم المطعون فيه بعدم السماح للمدعية بتقديم البينة الشخصية لإثبات أصل الحق لوجود مانع أدبي بينهما وهي علاقة الزوجية عند تحرير الكمبيالة. وفي ذلك نجد أن الاجتهاد القضائي استقر على أن تحرير سند الكمبيالة بين الزوجين يعني انتفاء الثقة المتبادلة بينهما وينفي وجود المانع الأدبي (تمييز حقوق رقم 205/64 ورقم 372/65 ورقم 307/75) . وحيث إن تحرير الكمبيالة بين طرفي هذه الدعوى أثناء الحياة الزوجية ينفي وجود المانع الأدبي ولا يشكل مبرراً للسماح للمدعية بتقديم بيناتها الشخصية استناداً لهذا المانع مما يتعين معه رد هذا السبب.)

2- فقدان الثقة المانع لاستخدام المانع الأدبي

كذلك أرست محكمة التمييز مبدأ أخر في أن فقدان الثقة قد يكون مانع للأخذ بالمانع الأدبي، وذلك لأن تلك العداوة من الطبيعي أن تمنع إتمام تلك المعاملات دون سند كتابي، وفي ذلك جاء بالحكم رقم 138 لسنة 1959 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 1/1/1959 حيث جاء فيه (2. لا تقبل البينة الشخصية لإثبات الدين الذي ادعاه المميز على والدته لان ربط المعاملة بسند دليل على فقدان الثقة بينه وبين والدته ، وبذلك ينتفي عدم وجود المانع الأدبي الذي يبرر قبول البينة الشخصية في المعاملات بين الأقارب.)

– والرأي عندنا أنه لا يمكن اعتبار الحالتين السابقتين قاعدتين ثابتتين، ذلك لأن طبيعة العلاقات الأسرة تتسم بالتقلب سواءً فيما بين الزوجين أو فيما بين الشخص وأقاربه، ومثل تلك الثوابت القضائية تساعد على اتساع الجفاء الأسرى، لذا فقلد كان لازمًا على المشرع الأردني أ يضع بعين الاعتبار أن كتابة السند الكتابة فيما بين من بينهم مانع أدبي لا يعني تخليهم عن هذا المانع، فقد يكون هذا الموقف ناتج عن خلافات أسرية ليس من الجيد التوسع فيها.

3- تقادم المانع الأدبي

نصت المادة (449) من القانون المدني الأردني على ( لا ينقضي الحق بمرور الزمان، ولكن لا تسمع الدعوى به على المنكر بانقضاء خمس عشرة سنة بدون عذر شرعي مع مراعاة ما وردت فيه أحكام خاصة.)، ومع عدم وجود نص خاص يحكم تقادم المانع الأدبي فإنه يتم الرجوع للأصل وأنه يسقط بالتقادم الطويل 15 سنة، ويرجع في إيقاف تلك المدة المتبع بالقانون المدني الأردني والذي جاء بالمادة (457) والتي نصت على ( 1- يقف مرور الزمان المانع من سماع الدعوى كلما وجد عذر شرعي يتعذر معه المطالبة بالحق. – 2 ولا تحسب مدة – قيام العذر في المدة المقررة.)

خامسًا: التعقيب على نطاق المانع الأدبي

لا أحد يختلف أن ما أمرنا به التشريع الإسلامي أن تكون معاملتنا مكتوبة ضمانًا للحقوق وتفاديًا للوقوع تحت رحمة من خربة ذممهم وأحلوا أكل حقوق الناس بالباطل، ولكن وإن كانت تلك هي القاعدة ليست الشرعية فقط ولكن كذلك القانونية ولكننا في النهاية بشر ليس من الضروري أن نجمع مجامع العلوم الشرعية والقانونية، والأولى أن توافق التشريعات القانونية ما يألفه الناس وتعارفوا عليه، فعلى سبيل المثال في بعض المناطق قد تكون روابط أولاد العمومة أقوى من رابطة الأخوة نفسها في مكان أخر فكل تلك الروابط نسبية تختلف باختلاف المكان والزمان والأشخاص، ومن هذا المنطلق يمكن التعقيب على نطاق المانع الأدبي من خلال النقاط الأتية:

1- نطاق المانع الأدبي من حيث الأشخاص

المشرع الأردني عندما عدد الأشخاص الذي يتم إعمال المانع الأدبي في المعاملات الخاصة بهم أغفل بعض الجزئيات التي يمكن أن توضع محل الاعتبار وسنناقشها من خلال النقاط الآتية:

أ- إغفال درجات قرابة محل اعتبار

لقد أخذ فقهاء القانون على التشريع الأردني أنه أغفل الدرجة الرابعة من القرابة، ذلك لأن تلك الدرجة يوجد بها أشخاص مثل أبناء العم وأبناء الخال قد يرتبط الإنسان بروابط تمنع التمسك بكتابة السندات.

ب- قصر المانع الأدبي للأصهار على والدي الزوجين

الرأي عندنا أن المشرع الأردني قد جانبه الصواب حينما قصر المانع الأدبي من جهة الأصهار على والدي الطرف أطراف العلاقة الزوجية، لذلك لأن أشخاص مثل أخو الزوج أو الزوجة قد يمنع المانع الأدبي تجاههم من كتابة السندات، فنجد أن النص قد جاء مخصص للعام والذي جاء ب المادة (37) من القانون المدني والتي نصت على ( يعتبر أقارب احد الزوجين في نفس القرابة والدرجة بالنسبة إلى الزوج الأخر.)، فالمادة 30 من قانون البينات الأردني قد نصت على أن المانع الأدبي يمتد للأقارب حتى الدرجة الثالثة والذي يمتد بموجب المادة 37 من القانون المدني لغير والدي الزوجين إلا أنه عاد وخصص العام وقصر المانع الأدبي على والدي الزوجين فقط.

ج- إغفال الأشخاص ذوات الشوكة

الواقع العملي قد يفرض أن يكون الملزم بكتابة السند الكتابي ذا شوكة على صاحب الحق كأن يكون رب عمله مثلًا، مثل تلك الحالة قد يمنع المانع الأدبي العامل أن يطالب صاحب العمل بكتابة هذا السند الكتابي، وعليه فقد كان لزمًا على المشرع الأردني وضع ذلك في الاعتبار.

2- نطاق المانع الأدبي من حيث المعاملات

الرأي عندنا أن المعاملات التي يقوم بها الإنسان في حياته اليومية يمكن تقسيمها إلى ثلاث أنواع سنطرحها من خلال النقاط التالية مع بيان أثر ذلك التقسيم على المانع الأدبي:

أ- معاملات إنسانية بحتة

نقصد بالمعاملات الإنسانية البحتة هي تلك المعاملات التي يقدم عليها الإنسان ليس لاعتبارات مادية، ولكن لدافع إنساني بحت في مواجهة شخص على درجة قرابة تسمح بعدم مطالبته بسند كتابي يثبت هذا التعامل، وذلك بمراعاة ما طرحناه في نطاق المانع الأدبي من حيث الأشخاص.

فعلى سبيل المثال إذا أقرض شخص أخت زوجته مبلغ من المال لإتمام عرسها بدافع مساعدتها لأنها أخت زوجته ولم يكتب بهذا المبلغ سند، فهل من المعقول أن يحرم من ماله؟، إن مثل هذه المعاملات لابد أن يعيد المشرع الأردني النظر إليها فلا يمكن أن تكون محل مواد قانونية جامدة تحلها من المشاعر التي غلفت بها.

 وتلك المعاملات لا غضاضة في التوسع في نطاقها من حيث الأشخاص، حيث إنها في غالب الأمر تكون ذات دوافع إنسانية ولا تكون مبالغ كبيرة.

ب- معاملات ربحية بحته

نقصد بالمعاملات الربحية البحتة تلك المعاملات التي تكون منذ نشأتها القصد منها الربح، ومجال الحديث هنا هو المعاملات التي لا تدخل في نطاق الأعمال التجارية حيث إن تلك الأعمال لها من القوانين ما ينظمها، وإنما نقصد المعاملات البسيطة بين الأفراد.

فعلى سبيل المثال قد يشارك أحد الأبناء والده بمبلغ من المال في تربية الحيوانات، في هذا المثال لا يمكن أن يأخذ الولد من أبيه سندًا يضمن حقه.

وفي هذه الحالة يمكن التضييق من نطاق المانع الأدبي من حيث الأشخاص، ذلك لأن العادة في المعاملات التي يكون فيها هدف ربحي أن تكون مكتوبة.

سادسًا: تطبيقات قضائية

1- بخصوص المانع الأدبي المترتب على رابطة الزوجية

وعن السبب السادس ومفاده تخطئة محكمة الاستئناف حينما اعتبرت أن هناك رابطة تعاقدية بين المميزة والمميز ضدها الأولى ( الشركة العربية لخدمات البث الإذاعي والتلفزيوني ) وهي شخص معنوي لا تنسحب عليه أحكام الرابطة الزوجية التي ينطبق عليها المانع الأدبي للحصول على دليل كتابي .وفي ذلك نجد أن المدعية الأولى / المميز ضدها الأولى هي شركة ذات مسؤولية محدودة ولها ذمة مالية مستقلة عن المدعي الثاني محمد فخري محمد العجلوني وبالتالي فإن أية علاقة مادية أو مالية فيما بينهما وبين المدعى عليها ( المميزة ) بفرض الثبوت لا ينطبق عليها المانع الأدبي التي تدعيه الشركة ( المميز ضدها الأولى ) مستندة بذلك إلى أحكام المادة (457 ) مدني.[3]

2- بخصوص المانع الأدبي المترتب على رابطة القرابة من الدم (الأخوة)

وحيث إن الثابت بأن المدعي والمدعى عليه هما شقيقان فإن العلاقة التي تربطهما هي علاقة قرابة من الدرجة الثانية حسب أحكام المادتين ( 36 و 37 ) من القانون المدني وبالتالي فإن ذلك يشكل مانعاً أدبياً موقفاً لمرور الزمن المانع من سماع الدعوى طبقاً لأحكام المادة ( 30/2) من قانون البينات وإن العلاقة التي تربطهما تعتبر عذراً شرعياً يوقف سير مرور الزمن على مطالبة الأخ لأخيه الأمر الذي ينبني عليه إن إقامة المدعي لدعواه هذه باعتبار أن المدعي معذور من المطالبة بحقوقه لوجود المانع الأدبي والذي يشكل معذرة مشروعة توقف التقادم كما لا تحسب مدة العذر الشرعي من المدة المقررة للتقادم وفق أحكام المادة ( 457) من القانون المدني وعلى هذا استقر اجتهاد محكمة التمييز ( ت / ح 4457 /2005 تاريخ 11/7/2006 ).[4]

سابعًا: خاتمة

رأينا في هذا المقال كيف تناول المشرع الأردني المانع الأدبي كأحد الأسباب التي يمكن التغاضي من خلالها على اشتراط الكتابة للإثبات، ولقد وضحنا كيف أن المشرع الأردني قد جانبه الصواب عندما حصر حالات المانع الأدبي في أنماط محددة وأنه كان من الأولى أن ينهج نهج المشرع المصري حينما جعل سلطة تقدير المانع الأدبي للقاضي للاعتبارات التي أوضحناها بهذا المقال لنسبية الأشخاص والمعاملات.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

[1] قاسم، الدكتور محمد حسين، (بدون سنة) قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، منشورات الحلبي الحقوقية، صـ823

[2] الطعن رقم ١٦٥١٨ لسنة ٨٥ قضائية الدوائر المدنية – جلسة ٢٠١٦/١٢/١٥

[3] الحكم رقم 558 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2020-03-17

[4] الحكم رقم 5685 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2018-10-18

Scroll to Top