استجواب المحكمة للخصوم في الدعوى المدنية

استجواب المحكمة للخصوم في الدعوى المدنية

أجاز المشرع وفي طريق المحكمة لإظهار الحقيقة من واقع البينات المقدمة في الدعوى، صلاحيات عديدة تساندها في الركون الى قناعتها في وواقعة محددة ، من ذلك ، فقد منح المشرع المحكمة حق استجواب الخصوم أحدهما أو كليهما ، كسلطة تقديرية تخضع لقناعة المحكمة، فلا يكون الاستجواب حقا للخصوم او وسيلة يستخدمها الخصوم ابتداءً في الإثبات، إنما هو وسيلة متممة تستخدمها المحكمة لاستظهار دليلٍ يساند باقي الأدلة في الدعوى ويتممها.

أولا: مفهوم الاستجواب والمحكمة المختصة به

ثانيا: شروط الاستجواب والغاية المرجوة منه.

ثالثا: اجراءات الاستجواب وكيفيته

رابعا : الاستجواب بناء على طلب الخصوم

خامسا: الاستجواب على وقائع اليمين الحاسمة

سادسا: الاستجواب ومبدأ حياد القاضي

أولا: مفهوم الاستجواب والمحكمة المختصة به

1– مفهوم الاستجواب

يعد الاستجواب أحد صلاحيات المحكمة التقديرية التي منحها إياها القانون ، بحيث  تلجأ له المحكمة إظهارا للحقيقة وذلك عند ميلها الى قناعة محددة في الدعوى ، ويعوزها دليلٌ تستظهره  من ذلك الاستجواب لتركن الى تلك القناعة وتصل به الى الحقيقة ، فيكون الاستجواب وسيلة مساندة للمحكمة لا منشئة ، فلا تلجأ المحكمة الى الاستجواب اذا توافرت الأدلة الكافية لإظهار الحقيقة ، وكذلك لا يجوز اللجوء الى استجواب الخصوم ابتداءً وكدليلٍ وحيدٍ في الدعوى لإصدار قرارٍ فاصلٍ فيها ، بل يجب أن يكون الاستجواب متمما للبينات المقدمة في الدعوى ، ويصار الى وزنه مع باقي البينات في مرحلة وزن البينة.

    ويكون الاستجواب بدعوة أحد الخصوم في الدعوى أو كليهما لسؤالهم حول واقعة أو أكثر لاستظهار دليل مستساغ قانونا.

 وذكر المشرع الأردني الاستجواب ” كصلاحية تقديرية للمحكمة في الدعوى الحقوقية ”   في المادة 76\2 من قانون أصول المحاكمات المدنية إذ جاء فيها ” للمحكمة أثناء المحاكمة حق استجواب الخصوم حول المسائل التي تراها ضرورية”

فالاستجواب ما هو إلا وسيلة للحصول على إقرار من الخصم.[1]

2. المحكمة المختصة بالاستجواب

يمكن للمحكمة في جميع مراحل المحاكمة استجواب الخصوم إذا ارتأت حاجة لذلك، ويقصد بمراحل المحاكمة، مرحلة الدرجة الأولى بداية أو صلحا، ومرحلة الدرجة الثانية أمام محكمة الاستئناف. إذ قضت محكمة التمييز حقوق في قرار لها رقم 3589/ 2005: ” أجازت المادة 76\2 للمحكمة أثناء المحاكمة استجواب الخصوم حول المسائل التي تراها ضرورية وأن تقدير ما يدلي به الخصوم يعود لمحكمة الموضوع صاحبة الصلاحية في هذا الشأن دون معقب عليها في ذلك طالما أن ما تتوصل إليه ينسجم مع باقي البينة المقدمة”.

ثانيا: شروط الاستجواب والغاية المرجوة منه.

أ- شروط الاستجواب

1- أن يتم توجيه الاستجواب في الدعوى أثناء نظرها.

إذ يمكن للمحكمة أن تدعوَ أحد الخصوم لاستجوابه أثناء نظر الدعوى أمامها وفي أي مرحلة تكون فيها الدعوى، وذلك كسلطة تقديرية لمحكمة الموضوع.

2- أن يتم توجيه الاستجواب من قبل المحكمة.

فيشترط أن يكون توجيه الاستجواب من خلال المحكمة لأحد الخصوم أو كليهما، ويمكن لأحد الخصوم أن يطلب من المحكمة استجواب الطرف الاخر، ولا يقيد ذلك الطلب المحكمة في الاستجواب، فللمحكمة ان تستجوبه ولها ان ترفض ذلك لعدم الإنتاجية في الدعوى[2].

* وهذا ما استقرت عليه اجتهادات محكمة التمييز في العديد من قراراتها، فقد جاء في القرار رقم 3869 لسنة 2011 ((وفي ذلك نجد أن المشرِّع وفي الفقرة الثانية من المادة (76) من قانون أصول المحاكمات المدنية قد بيّن أن للمحكمة أثناء المحاكمة حق استجواب الخصوم حول المسائل التي تراها ضرورية. من ذلك نجد أن حق الاستجواب مقرر لمحكمة الموضوع مباشرة إذا كانت هناك مسائل تراها ضرورية وهذا يدخل ضمن سلطة المحكمة التقديرية، وحيث لم تجد تلك المحكمة ضرورة لاستجواب أي من طرفي الدعوى مما يجعل ما قامت به أمراً لا يخالف القانون وواقعاً ضمن صلاحيتها التقديرية مما يتعين معه رد هذا السبب.))

3- أن تكون الوقائع محل الاستجواب منتجة في الدعوى.

يجب على المحكمة عند ممارستها لصلاحية دعوة الخصوم للاستجواب، أن ينصب الاستجواب على وقائع منتجة في الدعوى، وكما قلنا، أن يكون الاستجواب متمما للأدلة المقدمة في المحكمة من قبل الخصوم، فلا يحوز توجه الاستجواب دون ركون المحكمة الى وقائع محددة، استدلت عليها من خلال ما ظهر لها من بينات الخصوم. وذلك ما استقر عليه اجتهاد محكمة التمييز، اذ جاء في قرار لها رقم 462 لسنة 2003 بجواز الاستجواب طالما ان هناك وقائع يستوجب ايضاحها بأن ” من حق المحكمة استجواب المميز ضده بموجب نص المادة \158\3من الأصول المدنية تمارسه عندما ترى هناك ضرورة للتثبت من أي أمر ضروري للفصل في الدعوى”

ب- الغاية المرجوة من الاستجواب

يعتبر الاستجواب أحد الوسائل التي تلجأ اليها المحكمة من تلقاء نفسها او بطلب من الخصوم لإثبات واقعة محددة، وذلك للحصول على إقرار قضائي من أحد الخصوم حول تلك الواقعة التي تحتاج الى دليل متممٍ يمكن استظهاره من خلال ذلك الإقرار. اذ جاء في قرار لمحكمة التمييز رقم2872/2000 ” حيث ان محكمة الاستئناف بما لها من صلاحية بموجب أحكام المادة \76\2من الاصول المدنية قد استجوبت المدعية لتوضيح ما أشكل عليه من أمور ضرورية وتوصلت إلى تأييد ما قررته محكمة البداية من أن المدعى عليه قد أوصل لها المبلغ المدعى به وحيث كان ما توصلت اليه محكمتا الموضوع حول هذا السبب موافق للقانون ونقرهما عليه”.

ثالثا: اجراءات الاستجواب وكيفيته

  1. تبدأ إجراءات الاستجواب بقرار من محكمة الموضوع، تدعو فيها أحد أطراف الدعوى للاستجواب في موعد محدد او في ذات الجلسة إذا كان الطرف حاضرا بشخصه، وذلك بقرار منها اثناء نظر الدعوى.
  2. تقوم المحكمة بتوجيه الأسئلة المنتجة حول الواقعة او الوقائع المراد الاستجواب عليها، يتم ذلك بدون القسم القانوني، اذ لا يتم الاستجواب مع التحليف، ويكون الاستجواب باطلا إذا تم تحليف الخصم فيه.، اذ أن المشرع في قانون أصول المحاكمات المدنية لم ينص على تحليف الخصم عند الاستجواب.
  3. للخصم الحرية في الإجابة على أسئلة المحكمة من عدمها، لكن قد يشكّل عدم الإجابة على أسئلة “أحيانا” قرينة للمحكمة في إثبات الواقعة المحددة أو نفيها، إذ جاء في قرار لمحكمة التمييز رقم 1245 / 2007 أنه: ” إذا كان بإمكان وكيل المميزين إحضار موكله خلال أيام قلية من أمريكا بعد تبلغه قرار المحكمة في 27\9\2006 من اجل استجوابه حول سند الاقرار ولما لم يفعل رغم سهولة تحقيق ذلك فيكون قرار محكمة الاستئناف بتكليف الطرفين بتقديم أقوالهما الأخيرة بعد أن تقدما في مرحلة سابقة بمرافعتيهما يتفق والقانون”

رابعا : الاستجواب بناء على طلب الخصوم

  • هل يصح أن يطلب الخصم استجواب خصمه في الدعوى؟

لم يُذكر في التشريع الأردني ما يشير الى حق الخصم في طلب استجواب خصمه الاخر من المحكمة صراحة في نص معين من نصوص القانون، لكن في المقابل، لا يوجد نص يمنع ذلك، ويمكن الاخذ بنص المادة 76 من قانون أصول المحاكمات المدنية والقياس عليه في طلب أحد الخصوم من المحكمة في استجواب خصمه الاخر، ويبقى هذا الامر معلقا على إجازة المحكمة، فإن أجازته، قامت باستجواب الخصم الاخر ، وإن لم تجزه – أي الاستجواب – امتنع على الخصم هذا الاستجواب.

  • هل حدد المشرع شكلا معينا للاستجواب ؟

أيضا ، فلم يحدد المشرع شكلا معينا للاستجواب ، فيمكن أن يطلب شفاها على محضر الجلسة أو يقدم للمحكمة على شكل مذكرة خطية ، لكن لابد أن يتوافر في طلب الاستجواب الشروط ذاتها فيما لو كان مقررا من المحكمة ، فلابد أن ينصب على وقائع محددة ، وأن تكون الأسئلة صريحة ودقيقة وجازما.

” فلا يعتبر طلبا للاستجواب، الطلب الذي يكون الغرض منه التحقق من صحة الادعاء بوفاة أو عدم وفاة الخصم تمهيدا ، وفي هذا قضت محكمة النقض المصرية بأنه: لاستجوابه (( إذا كان البين مما قدمه الطاعنون من مذكرات أمام محكمة الاستئناف… أنهم لم يطلبوا من المحكمة استجواب المطعون ٕ إنما اقتصر طلبهم على حضورها ضدها في أمر معين وً للتحقق من وجودها وأنها ما زالت على قيد الحياة شخصيا وتوطئة لاستجوابها وهو ما لا يعتبر طلبا صريحا جازما بالاستجواب حتى تلتزم محكمة الموضوع بالرد عليه، فإن النعي على الحكم المطعون فيه إخلاله بحق الدفاع والقصور يعتبر على غير أساس )) ” [3]

  • هل يشترط علم المستجوب بأسئلة الاستجواب؟

جرت العادة في المحاكم الأردنية على أن أسئلة الاستجواب تكون وجاهية حين الجلسة، ولم يحدث أن قامت المحكمة بتحديد أسئلة الاستجواب مسبقا قبل موعد الجلسة ، ونرى صحة هذا النهج ، سيما وأن الاستجواب لا يكون تحت تأثير القسم القانوني ، ولا يلزم المستجوب الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها المحكمة ، كما قد أن الغاية من الاستجواب حصول المحكمة واستخلاصها دليلا معينا ، تستعين به المحكمة للوصول الى حقيقة واقعة ما.

أما اذا كان الاستجواب مطلوبا من قبل أحد الخصوم ، فهنا يشترط لصحة الطلب أن تكون أسئلة الاستجواب معلنة واضحة وصريحة ، منصبة على واقعة او وقائع محددة ، وعليه ، كان لابد للخصم الطالب للاستجواب أن يقدم للمحكمة الأسئلة التي يريد خصمه الإجابة عليها، وذلك حتى تبسط المحكمة سلطتها الرقابية على قانونية هذه الأسئلة وانتاجيتها ، فإن كانت الأسئلة حسب الأصول والقانون أجازتها المحكمة إن رأت إنتاجية في ذلك ، أما ان كانت الأسئلة المراد طرحها على الخصم المستجوب ، امتنعت المحكمة عن طرحها ، وقررت عدم اجازتها لمخالفتها الأصول والقانون ولعدم الإنتاجية والقانونية.

خامسا: الاستجواب على وقائع اليمين الحاسمة

من المعلوم أن اليمين الحاسمة هي وسيلة من وسائل الإثبات التي أقرها قانون البينات ، بحيث يتنازل بموجبها الخصم عما عداها من بيناته الأخرى المقدمة في الدعوى ، ويطلب من المحكمة توجيهها لخصمه كآخر وسيلة يمكن استخدامها إذا عجز عن إثبات دعواه.

أحيانا ، يقوم الخصم بطلب الاستجواب على وقائع انصبت عليها اليمين الحاسمة ، او تقوم المحكمة بطلب الخصم لاستجوابه على وقائع انصبت عليها اليمين الحاسمة تلك ، فهل يقدم الاستجواب على اليمين ؟ أم انه لا يجوز الاستجواب عندما يستخدم الخصم وسيلته الأخيرة لإثبات واقعة معينة ؟

” لا يجوز استجواب الخصم، إذا كان الغرض منه المنازعة في وقائع تناولتها هذه اليمين؛ أي لنفي الوقائع الثابتة بها . وفي هذا قضت محكمة التمييز بأنه: ” يعود استجواب الخصوما لتقدير محكمة الموضوع وإذ لم تجد تلك المحكمة ضرورة لذلك في ضوء توجيه اليمين الحاسمة وحلفها من قبل المدعى عليه على النحو المبين بمحاضر الدعوى فإن هذا السبب مستوجب ” [4]

فلا يمكن تصور إجازة استجواب الخصم او الامر باستجوابه على وقائع يراد إثباتها أو نفيها عن طريق توجيه اليمين الحاسمة للخصم ، لذلك ، يُصار الى تقديم اليمين الحاسمة كبينة حاسمة في الدعوى ، ورد طلب الاستجواب لعدم القانونية ، ولا يتصور “عدالةً ” ان تجيز المحكمة الاستجواب وتقدمه على اليمين الحاسمة، لأن في ذلك تنحية لوسيلة إثبات أقرها القانون للخصوم وإهمالا لها ،  في حين أن الاستجواب لا يعد وسيلة للإثبات ويخضع لسلطة المحكمة التقديرية

أما إذا كان الاستجواب على وقائع أخرى غير متعلقة باليمين الحاسمة ، او على وقائع لا تنصب اليمين الحاسمة عليها ، فيترك أمر الاستجواب وتقديره ووزنها للمحكمة.

سادسا: الاستجواب ومبدأ حياد القاضي

يقصد بحياد القاضي بأن القاضي لا يسعى لإثبات الدليل لنفسه وإنما يقتصر على أن يتلقى الأدلة التي يقدمها الخصوم سواء كانت أدلة إثبات أو نفي ، ولقد جاء في مدونة السلوك القضائي لسنة 2021 عدة مبادئ يجب ان يراعيها القاضي عند اتخاذ قراراته إذ نصت المادة \7 على أنه” يجب على القاضي أن يراعي الحياد ومظهره في سلوكه واجراءاته وقراراته”, كما هو الحال عند المشرع المصري فلا يصح أن يتدخل القاضي في الدعوى وإنما يقتصر دوره على تمحيص الأدلة التي يسوقها طرفي الدعوى ووزنها ثم إنزال الحكم الموافق للقانون

لقد أخذ المشرع الأردني بمبدأ الحياد الايجابي للقاضي إذ  منح القاضي سلطة التدخل في البينات في الكثير من الحالات ومنها استجواب الخصوم وهو ما نصت عليه المادة \76\2 من قانون اصول المحاكمات المدنية ، وبموجب هذا النص أعطى المشرع سلطة الأمر بالاستجواب للخصوم للقاضي من تلقاء نفسه اذا ارتأت المحكمة انتاجية في ذلك على أن تعلل هذه الأسباب في قرارها الفاصل في الدعوى ،  وهو ما أكدت عليه محكمة التمييز في العديد من قرارتها  ، إذا جاء في القرار  1392 لسنة 2002 ” بأن صلاحية دعوة الخصوم أو أحدهم للاستجواب هو أمر منوط بالمحكمة فقط دون سواها ولا يتوقف على طلب من أطراف الخصومة “

إعداد المحامون: مؤيد ذنيبات وعبدالمنعم شرقاوي وسامي العوض.

[1] عز الدين الدناصوري، وحامد عكار، التعليق على قانون المرافعات، مطابع روزا ليوسف, 1988, ص881.

[2] د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، الإثبات وآثار الالتزام، ج2, دار النهضة العربية, 1968, ص475.

[3] عبيدات ، الزعبي ، رضوان وعوض ، نحو وضع تنظيم قانوني لاستجواب الخصوم في قانون البينات الأردني ، دراسة ، علوم الشريعة والقانون ، مجلد 40 عدد 2 ، 2013 ، ص 355

[4] المرجع السابق

Scroll to Top