التعويض عن الضرر الجسدي في القانون الأردني

التعويض عن الضرر الجسدي في القانون الأردني

في مستهل الحديث عن موضوع الضرر الجسدي لا يفوتنا أن ننوه أنه يُعد من أهم الموضوعات في العصر الحديث نظر لتعلقه بالحق في الحياة والسلامة الجسدية للإنسان وهي من الحقوق اللصيقة بالشخصية، ولقد زادت أهمية هذا الموضوع في الآونة الأخيرة مع تزايد أعداد الحوادث والإصابات وتنوعها فتعددت قضايا المطالبة بالتعويض للمضرورين أمام المحاكم، وأصبح لزاماً على المحكمة أن تتحقق من توافر عناصر التعويض ومن بينها الضرر الجسدي.

وترتيباً على ما تقدم سأحاول في هذا المقال إلقاء الضوء على ضمان الضرر الجسدي في القانون الأردني مع تحليل النصوص، وتوضيح موقف محكمة التمييز الأردنية الهاشمية من ضمان الضرر الجسدي، وذلك من خلال العناصر الأتية:

أولاً: مفهوم الضرر الجسدي:

ثانياً: الضرر الجسدي الذى يصيب الإنسان في جسمه:

ثالثاً : الضرر الجسدي الذى يصيب الإنسان في حياته:

رابعاً : الضرر الشخصي الذى يلحق بالغير في حالة الإصابة المميتة:

خامساً: تقدير ضمان الضرر الجسدي:

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية الهاشمية فيما يتعلق بصمان الضرر الجسدي:

أولاً: مفهوم الضرر الجسدي:

بادئ ذي بدء لابد أن نشير إلى أن الضرر بصفة عامة يعنى المساس بحق أو مصلحة مشروعة لشخص، ويؤدى إلى الانتقاص من مزايا وسلطات الحق أو المصلحة سواء تعلق بسلامة جسم الإنسان، أو عاطفته، أو مالة، أو حريته، أو شرفة، والاعتداء على الجسم يعنى المساس بالمزايا التي يمنحها الحق في السلامة الجسدية، أو الحق في الحياة مما يترتب عليه ضرراً مادياً وضرراً أدبياً.[1]

فالضرر الجسدي هو الأذى الذى ينتج عن إصابة النفس البشرية أو ما دونها، ويشمل ما يصيب الشخص من موت، أو ما يصيب الإنسان في جسمه، أو يعطل وظيفة عضو من أعضائه كشلل العضو أو فقدان السمع أو البصر أو إحداث الجروح والآلام، فالضرر الجسدي سواء تمثل في إصابة أو مرض أو وفاة غالباً ما يؤدى إلى انتقاص قدرة الإنسان على الكسب من العمل، لأنه غالباً ما يتحمل المصاب نفقات علاج وأجور الأطباء ونفقات المستشفيات، وهذا هو الجانب المادي من الضرر الجسدي ،أما الجانب المعنوي من الضرر الجسدي فيشمل ما أحس به المصاب من آلام عضوية أو نفسية.

ثانياً: الضرر الجسدي الذي يصيب الإنسان في جسمه:

1- الأضرار المادية الناتجة عن الإصابات الجسدية:

أ- مفهوم الضرر الجسدي المادي:

هو المساس بالحق في السلامة الجسدية وما يمنحها من مميزات غير مالية فيما يصاب به الإنسان في جسده، يؤدى إلى حرمانه من ميزة السلامة الجسدية أو على الأقل ينتقص منها وإن لم يؤثر على دخله، فقد يكون الشخص المضرور مؤلف يعتمد على عمله الذهني فلا يتأثر دخله إذا أصيب بشلل في الأطراف السفلية، لكنه في الحقيقة قد أصيب بضرر جسدي مادي أثر على وظائف جسمه وممارسته لحياته الطبيعية، وربما يعطل ممارسته لهوياته الرياضية وينقص قدراته البدنية.[2]

ب- عناصر الضرر الجسدي:

العنصر الأول: الخسارة الفعلية:

وهي الأضرار المالية المتعلقة بالإصابة الجسدية والتي تصيب الذمة المالية للمضرور، وتشمل مصاريف العلاج التي تكبدها المصاب، بالإضافة إلى مصاريف الأطباء والجراحين ومصاريف الدواء والإقامة في المستشفى والتحاليل والأشعة وأجور نقل المصاب إلى المستشفى.

وللمضرور أن يطلب بتعويض عن هذه المصاريف ويقدم قائمة بها وبما لحقه من خسارة مالية، ولا يجوز لمحدث الضرر منازعته في قيمة هذه المصاريف فلا يجوز منازعة المضرور في حقه أن يرفض العلاج في مستشفى حكومي وتفضيله العلاج في مستشفى أكثر تكلفه، فمن مصلحته أن يتوجه إلى الأطباء الذين يثق بهم مهما كانت أجورهم عالية ولا يقيد حرية المصاب في اختيار المستشفى الخاص سوى مبدأ حسن النية.

العنصر الثاني: الكسب الفائت:

ويشمل الفرص التي فاتت المصاب والذي لم يستفد منها بسبب الإصابة، وكذلك فقدان الدخل المستقبلي المؤكد، فعندما ينقطع المصاب عن عمله المعتاد لفترة زمنية طويلة أو قصيرة حسب جسامة الإصابة ومهنة المصاب، وأيضاً حالته النفسية فإنه طوال هذه المدة سيفوته كسب فيحقق له المطالبة بتعويض عنه.

العنصر الثالث: تفويت الفرصة:

الفرصة ذاتها أمر احتمالي قد تتحقق وقد لا تتحقق فلا يعوض المصاب عنها، أما تفويتها يعد ضرر محقق يجوز المطالبة بتعويض عنها، كالمحامي الذي فوت فرصة عمل استئناف لموكله ولم يقدم الاستئناف في الميعاد فإن ذلك ضرر محقق يعوض عنه، وكذلك الإصابة التي تفوت على الشخص فرصة المشاركة في بطولة رياضية هامة، ففي هذه الحالات يترك تقدير ذلك لقاضى الموضوع وهو الذي يقضى بتعويض عادل مثل هذه الحالات.

2- الأضرار الأدبية الناجمة عن الإصابات الجسدية:

هي الأضرار التي تحدث بسبب الإصابات الجسدية وتترك بداخل الشخص الكثير من المعاناة النفسية والآلام التي يعاني منها المضرور نتيجة الإصابة بسبب الجروح والكسور أو التشويه الذي أحدثته الإصابة والإحساس بالقلق على مستقبله بسبب الإصابة، وتتكون هذه الأضرار الأدبية من الأنواع الآتية:

النوع الأول: الآلام الجسدية:

وهي الآلام التي تنتج عن الإحساس بالإصابة وعن إجراء العمليات الجراحية والجروح والكسور وهي آلام يصعب معرفتها وتحديدها بشكل يقيني فهي من الأمور الشخصي المحضة والتي تختلف من مصاب إلى آخر ويحاول الطبيب الخبير معرفة مدى جسامة الآلام التي عاناها المصاب بصورة تقريبية.

النوع الثاني: الضرر الجمالي:

وهو الضرر الذي يصيب جمال الجسم ومظهره الذي خلقه المولى عز وجل، وينشأ هذا الضرر من آثار على سطح الجسم الخارجي، وقد يؤثر الضرر الجمالي على قدرة المصاب في أدائه لعمله، كالتشويه الذي يصيب وجه نجمه سينمائية قد يفقدها مهنتها ومن ثم تفقد دخلها، وبالتالي تستحق تعويض عن الضرر المادي الأدبي إذا تحقق الضرر الجمالي.

النوع الثالث: ضرر الحرمان من مباهج الحياة:

فإصابة الإنسان قد تؤدى إلى نقص الاستمتاع بمباهج الحياة، كمن يصاب بشلل في الأطراف السفلى فلن يستطيع ممارسة هوايته التي كان يمارسها قبل الإصابة كالسياحة أو الفروسية، ويزداد الحرمان قسوة عندما يفقد الإنسان البصر أو السمع، ومن ثم يحق للمضرور في هذه الحالات المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والأدبي الناشئ عن الحرمان من مباهج الحياة.

النوع الرابع: الآلام الأدبية:

وهي ما يشعر به المصاب من آلام نفسية وأدبية مثل إحساس المصاب بالنقص، والألم النفسي الذي يصيبه نتيجة ما وصلت إليه حالته الصحية، بالإضافة لشعوره بالقلق والتوتر والخوف الشديد من أن تؤثر إصابته على مستقبله ومستقبل عائلته.

النوع الخامس: ضرر الصبا:

وهذا النوع يتمثل في الضرر الذي يصيب الصبي بسبب حرمانه من جراء الإصابة من اختيار بعض المهن التي تحتاج لياقة بدنية، وكذلك حرمانه من اللهو واللعب مع غيره من الأطفال في فترة طفولته.

٣- موقف المشرع الأردني من الضرر الجسدي الذي يصيب الإنسان في جسمه:

إن المشرع الأردني اتخذ موقفاً واضحاً بالنسبة للتعويض عن الضرر الجسدي الذي يصيب جسم الإنسان، فأخذ بالتعويض عن الخسارة اللاحقة والكسب الفائت والضرر الأدبي، (فالمادة 266) و(الماد 274) من القانون الأردني تجيزان التعويض عن الأضرار الجسدية وفقاً لقاعدة الخسارة اللاحقة والكسب الفائت، فلقد نصت (المادة 266) من القانون المدني الأردني على أنه: (يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعة للفعل الضار).

كما وضعت (المادة 274) من القانون المدني الأردني القاعدة العامة وهي ضمان الضرر الواقع على المصاب والتي جاء فيها أنه: ( كل من أتى فعلاً ضاراً بالنفس من قتل أو جرح أو إيذاء يلزم بالتعويض عما أحدثه من ضرر للمجني عليه أو ورثته الشرعيين).

أما مجلة الأحكام العدلية فقد استمدت قواعد ضمان الضرر من الفقه الإسلامي، فنصت في (المادة 19) على أنه: ( الضرر يزال)، ونصت في (المادة 31) على أن: (الضرر يدفع بقدر الإمكان).

ثالثاً : الضرر الجسدي الذي يصيب الإنسان في حياته:

1- الضرر الذي لحق بالمتوفى وانتقل الحق في تعويضه إلى الورثة:

مما لا شك فيه أن الإنسان عندما يصاب بإصابة مميتة يتعرض للعديد من الأضرار المادية والأدبية التي تحدث له من تاريخ وقوع الحادثة حتى لحظة وفاته، بالإضافة إلى ضرر آخر وهو ضرر الموت نفسه.

أ- الضرر المادي:

لعله من المفيد أن نؤكد أن الورثة ينتقل لهم الحق في المطالبة بتعويض الضرر المادي الناشئ عن إصابة مورثهم المتوفى، والذي يشمل جميع نفقات العلاج والعمليات الجراحية التي أجراها قبل وفاته، كما أنه يشمل ما فقده من دخل في الفترة ما بين تاريخ إصابته وتاريخ وفاته، ولكن يشترط البعض لمطالبة الورثة بذلك أن يكون المضرور قد رفع قبل وفاته دعوى للمطالبة بالتعويض عن هذه الأضرار .

بيد أن هناك إجماع على انتقال الحق في التعويض عن الضرر المادي الذى أصاب المتوفى إلى الورثة دون قيد أو شرط، سواء طالب به المضرور المتوفى قبل وفاته أو لم يطلبه قبل موته، طالما أنه لم يتنازل عن حقه فيه صراحة ولم يُبرأ المسئول عنه، لأنه حق يندمج في عناصر التركة ولذلك ينتقل معها للورثة، ولهم الحق في المطالبة به ويقسم بينهم حسب نصيبهم الشرعي، بالإضافة للضرر المرتد أو المنعكس، وهو الضرر الذى يلحق بالمتوفى وينعكس ويصيب غيره بضرر شخصي بالتبعية، فزوجة المتوفى التي كان يعولها تستطيع أن تجمع المطالبة بالتعويض بين الحقين.

ب- الضرر الأدبي:

ويشمل الآلام الجسدية والأدبية والنفسية التي أصابت المضرور من حدوث الإصابة وحتى قبل الوفاة، وما سببه الحادث له من فوات المنافع والانتقاص من حقوقه ودعوى التعويض عن الضرر الأدبي الذي أصاب المورث قبل وفاته لا تنتقل إلى الورثة إلا إذا طالب بها المضرور أما القضاء قبل وفاته، لأنها ذات طابع شخصي لا يشعر بها إلا المضرور ذاته، كما أن الأضرار الأدبية نسبية تختلف من الشخص إلى آخر، ولأنه يوجد احتمال أن يكون المضرور قد سامح المسئول عن هذه الأضرار.

وتأكيداً كذلك فإن (المادة 267/2) من القانون المدني الأردني قد وضعت شرطين لانتقال الحق في التعويض عن الضرر الأدبي إلى الغير: أولهما: أن يتم الاتفاق بين المتضرر والمسئول عن الضرر على التعويض ومقدار، وثانيهما: أن يحدد قيمة التعويض عن الضرر الأدبي بحكم قضائي نهائي.

جـ- ضرر الموت:

اختلف فقهاء القانون حول فكرة التعويض عن ضرر الموت أو فقدان الحياة والذي حدث بعد الحادث مباشرة وبسبب الإصابة المميتة ما بين مؤيد ومعارض، أما المعارضون فحجتهم أن كل نفس ذائقة الموت سواء عاجلاً أم آجلاً وأن الميت لا يحس بشيء وتنتهي شخصيته من وقت وفاته وبالتالي لا يصلح الميت لاكتساب الحقوق، لأنه أصبح عدماً فلا مبرر للتعويض عن الموت في ذاته.

أما الرأي المؤيد للحق الورثة بالتعويض عن ضرر الموت باعتباره ضرراً مادياً، فيستندون إلى أن الموت حق على كل إنسان، وأن كل نفس ذائقة الموت، ومن ثم لا يعوض ضرر الموت إذا وقع قضاءً وقدر، أما اذا كان الموت نتيجة حادت بفعل المسئول عنه فإنه يكون قد عجل بحدوثه، وبالتالي يستلزم تعويض الورثة، ولا يخفى عن الفطنة أن المتوفى يخسر أغلى ما يحرص عليه وهو حياته، فلا يقبل القول بأن المتوفى لم يخسر شيئاً، بالإضافة للآلام النفسية والجسمانية التي تلحق به قبل لحظة الموت ويكون نشوء الحق في التعويض سابقاً على حصول الوفاة.

ويقول أستاذنا السنهوري أن: ( لا يقال كيف يضار الميت بالموت، ذلك أن الميت قد أحاق به الضرر، لا قبل الموت، ولا بعد الموت، ولكن عند الموت) وهناك قرار لمحكمة التميز الأردنية رقم 391/86 تمييز حقوق اعتبرت فيه تعويض الوفاة بأنه لم يدخل في ذمة الميت أثناء حياته، ولا يعتبر تركة، بل استحقاقاً مباشراً وشخصياً للورثة، ولابد لكل وارث أن يدعيه بشخصه.

رابعاً : الضرر الشخصي الذي يلحق بالغير في حالة الإصابة المميتة:

ويطلق على هذا الضرر “الضرر المرتد” أو المنعكس لأنه يصيب المتوفى مباشرة وينعكس على الورثة ويمكن أن يصيب غير الورثة.

1- أصحاب الحق في التعويض عن الضرر المادي:

المستفاد من نص (المادة 174) من القانون المدني الأردني أنها ألزمت الجاني بالتعويض عما أحدثه من ضرر، كما أنها جاءت مطلقة لتشمل جميع الأشخاص الذين كان المتوفى يعولهم في حياته، سواء كانوا ورثته أم من غير ورثته، وأصابهم شخصياُ ضرر مادي دون أن ينتقل إليهم بالميراث، فإنهم يستحقون التعويض عن الضرر المادي الذي لحق بهم نتيجة لانقطاع النفقة عنهم بسبب موت المصاب، وكذلك المشرع لم يفرق بين الإعالة القانونية الملزمة وبين غيرها من الإعالة غير الملزمة كتقديم مساعدات مالية للغير.[3]

وإذا كان الشخص المعال من ورثة المتوفى فإنه يثبت له حقان الأول في التعويض عن الضرر المرتد بسبب وفاة المورث، والثاني حق آخر في التعويض عن الضرر الذي أصاب القتيل وانتقل إليه بالميراث.

2- أصحاب الحق في التعويض عن الضرر الأدبي:

من المسلم به أن أقارب الميت يصيبهم أضرار أدبية في عواطفهم وشعورهم الشخصي من جراء موت المصاب، مثل الحزن والأسى والحسرة بسبب موت المصاب، وقد أجاز القانون الأردني التعويض عن الضرر الأدبي المرتد الذي يكون انعكاساً عن الضرر الأصلي وهو الوفاة.

والمستفاد من نص (المادة 267/2) من القانون المدني الأردني أن المشرع الأردني قد منح الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي بسبب موت المصاب للأزواج وللأقربين من الأسرة، وعبارة (للأقربين من الأسرة) جاءت مطلقة وشاملة القرابة المباشرة وهي الصلة بين الأصول والفروع، وأيضاً تشمل القرابة غير المباشرة وهو الأشخاص الذي يجمعهم أصل مشترك دون أن يكون أحدهم أصلاً أو فرعاً للآخر، كالأخوة والأخوات وفروعهم والعمات، والخالات، والأعمام، وفروعهم .

ويلاحظ أن المشرع الأردني لم يحدد درجة معينة للقرابة، بل تركها لتقدير القاضي، واكتفى باشتراط أن يحدث لهم حزن وألم وحسرة بسبب موت المصاب، وهو ما لا يشعر به فاقد التمييز والإدراك، لذا فلا يستحق التعويض عن أي أضرار أدبي مرتدة لعدم إحساسه بالحزن والألم.

خامساً: تقدير ضمان الضرر الجسدي:

1- التناسب بين الضمان والضرر الجسدي:

تجدر الإشارة بداية إلى أن تقدير الضمان بشكل عادل ومتوازن يستلزم تحقيق التناسب بين الضمان وبين الضرر، فلا يجوز أن يزيد مبلغ الضمان عن مقدار الضرر أو ينقص عنه، بل يجب أن يساوى الضمان قيمة الضرر الواقع. وأن يكون الضمان كافياً يجبر الضرر مادياً أو أدبياً، وسواء حالاً أو مستقبلاً طالماً أنه محقق، ويجب أن يبين القاضي في حكمه عناصر الضرر ولو بصورة إجمالية.

2- مبدأ الضمان الكامل وسلطة محكمة الموضوع المطلقة في التقدير:

غنى عن البيان أن المقصود بمبدأ التعويض أو الضمان الكامل للضرر أن يغطى كل الضرر الذي أصاب المضرور، فالمسئول عن الضرر ينبغي أن يعوض المضرور عن كامل الضرر، أي عن كل عناصر الضرر الذي أصابه سواء أكانت الأضرار التي أصابته مادية أو أدبية، ويجب أن يشمل التعويض كلاً من الخسارة اللاحقة والكسب الفائت.

والمشرع الأردني التزم أيضاً بمبدأ التعويض الكامل للضرر المادي ويستفاد ذلك من استقراء نص (المادة 274) من القانون المدني الأردني، وكذلك استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية حديثاً على التعويض عن الأضرار الأردنية الجسدية بما فيها الآلام الجسدية والتشويه بعدما كانت لا تجيز التعويض عنها في الماضي.

بيد أن المشرع الأردني رغم أنه أجاز مبدأ الضمان الكامل لضرر الجسدي في المادة (274) من القانون المدني الأردني، إلا أنه منح القاضي سلطة في تقدير هذا الضمان وفقاً للمادة (266) من القانون المدني والتي نصت على أنه: (يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار).

وهذه السلطة المطلقة التي منحها المشرع في (المادة 266) للقاضي في تقدير الضمان تخول له نوعا من الحرية ليراعي في تقديره للتعويض اعتبارات العدالة، والاعتبارات الخاصة للمضرور وللمسئول، وغيرها من الاعتبارات الواقعية الأخرى.

3- الاعتبارات الخارجة عن الضرر المؤثرة في تقدير الضمان:

الاعتبار الأول: جسامة خطأ المسئول:

من المسلم به أن مهمة القاضي المدني هو الحكم بالتعويض على المسئول بجبر الضرر وليس توقيع عقوبة على المسئولين لذا فالأصل أنه لا ينظر إلى جسامة خطأ المسئول عند تقديره التعويض، بل عندما تتحقق أمامه شروط المسئولية المدنية فإنه يقدر التعويض بحسب جسامة الضرر وليس بقدر جسامة الخطأ.

وجدير بالذكر أن القاضي المدني في تقديره لضمان الأضرار الجسدية يتمتع بقدر كبير من المرونة، وأنه يتأثر عملياً وواقعياً بالاعتبارات الخارجة عن الضرر الخاصة بالمسئول، وقد يدخل في اعتباره جسامة خطأ المسئول عند تقديره للتعويض مراعاة لمقتضيات العدالة والنزعة الأخلاقية في المسئولية المدنية، فيزيد القاضي من مقدار التعويض إذا كان خطأ المسئول جسيماً، ويميل إلى التخفيف منه إذا كان الخطأ يسيراً.

أما عن موقف المشرع الأردني فقد أرسى مبدأ تقدير التعويض عن الفعل الضار في نص (المادة 266) من القانون المدني الأردني، ولم يشير إلى مراعاة جسامة خطا المسئول أي أنه يؤسس المسئولية المدنية على فكرة موضوعية، ويقسمها بمعيار ذاتي فلا يكون لجسامة خطأ الفاعل أي تأثير في زيادة مبلغ الضمان.

ورغم ذلك يلاحظ أن المشرع الأردني قد أخذ بجسامة خطأ المسئول في حالة تعدد المسئولية عن الفعل الضار، وذلك حال اشتراك عدة أشخاص في إحداث الضرر للمضرور، حيث يجعل كل واحد منهم مسئولاً عن ضمان الضرر بنسبة نصيبه، أي حسب جسامة فعله فيوزع مقدار التعويض على أساس جسامة كل فعل وفقاً لما استقر عليه في (المادة 265) من القانون المدني الأردني.

الاعتبار الثاني: حالة المسئول المالية:

هناك رأى فقهى يذهب إلى ضرورة مراعاة الظروف الشخصية للمسئول وأخذها بعين الاعتبار، مثل حالته المالية فإن كان غنياً يزيد القاضي مقدار التعويض، وإن كان المسئول فقيراً يحكم القاضي بتعويض أقل من الضرر.

أما بالنسبة لموقف المشرع الأردني فإنه لم يتطرق إلى حالة المسئول المالية في القانون المدني الأردني، بل إن هذا الاعتبار يتعارض مع العدل والمنطق ويخالف مبدأ المساواة، كما أن القضاء الأردني لم يعتد بالظروف الشخصية للمسئول عن الضرر.

الاعتبار الثالث: التأمين من المسئولية:

هناك من يرى أن القاضي في تقديره للتعويض يأخذ بعين الاعتبار ما إذا كان المسئول مؤمناً أم غير مؤمن، فإذا كان مؤمناً على مسئوليته بحيث تدفع شركة التأمين مبلغ التعويض عما يحدثه من أضرار للغير يقوم القاضي بزيادة مبلغ التعويض، بل قد يبالغ في التعويض، حتى لا يساوى المسئول الثرى ومن ورائه شركة التأمين بالمسئول الفقير الذي لا يملك شيئاً ولا يستطيع أن يبرم عقد تأمين من المسئولية.

الاعتبار الرابع: الحالة الجسيمة والصحية للمضرور:

والمقصود بها حالة المضرور السابقة على الحادث، لأن النتائج المترتبة على الإصابة الجسدية قد تتفاقم بسبب استعداد المضرور الشخصي للإصابة ببعض الأمراض، فمن كان مريضاَ (بالسكر) ويصاب بجرح كانت خطورة الجرح له أشد من خطورة الجرح الذي يصيب الشخص السليم، وكذلك من فقد احدى عينيه ثم فقد الأخرى في حادث، يكون الضرر الذي يصيبه بفقد العين الأخرى أشد بكثير من الضرر الذي يصيب من كان سليم العينين فيفقد عيناً واحدة.

وبالنسبة للمشرع الأردني فلم ينص في القانون المدني الأردني على موضوع الحالة الصحية والجسمية للمضرور وأثرها في تقدير التعويض، وإن كان قد أخذ بها في حالة خاصة وردت في الفقرة الرابعة من الملحق الخامس (مقرر درجات العجز) للنظام المعدل لنظام اللجان الطبية العسكرية رقم 89 لسنة 1983، حيث نص على أنه: (إذا تأثرت احدى العينين أو فقدت قوة إبصارها من جراء الإصابة أو المرض الناجمين عن الوظيفة وكانت العين الثانية مصابة بضعف بصر أو مرض أخر يؤثر عليها فإن إصابة العين الثانية تعتبر ناتجة عن طبيعة العمل وتضاف إلى نسبة العجز الأولي).

الاعتبار الخامس: خطأ المضرور:

من المستقر عليه فقهاً وقضاءً وتشريعاً أنه إذا كان فعل المضرور وحده هو السبب الوحيد في وقوع الضرر فإن المدعى عليه يعفى من المسئولية، أما إذا اشترك فعل المضرور مع فعل المدعى عليه في إحداث الضرر توزع بينهما المسئولية بنسبة خطأ كل من الطرفين.

وبالنسبة للمشرع الأردني فقد أخذ بفعل المضرور عند تقدير التعويض، حيث تناول في المادة (264) من القانون المدني الأردني عدة فروض وهي:

  • احتمال عدم إنقاص القاضي لشيء من الضمان ويكون ذلك في حالة استغراق فعل المسئول فعل المضرور.
  • ألا يحكم القاضي بضمان ما وذلك عندما يفترض أن فعل المدعى عليه قد استغرقه فعل المضرور.
  • إنقاص القاضي مقدار الضمان ويكون ذلك في حالة عدم استغراق أحد الفعلين للفعل الأخر.

كما نصت في (المادة 26) من القانون المدني الأردني على أنه: (إذا تعدد المسئولون عن فعل ضار كان كل منهم مسؤولاً بنسبة نصيبه منه وللمحكمة أن تقضى بالتساوي أم التضامن والتكافل فيما بينهم).

الاعتبار السادس: الحالة المالية والمهنية للمضرور:

أحياناً يضع القاضي المدني في اعتباره وهو يقدر الضمان مدى تأثير الإصابة الجسدية أو الضرر الجسدي على الموارد المالية للمضرور، فالإصابة قد يكون ضررها أكبر وأشد جسامة على المضرورين الفقراء الذي لا يملكون سوى قدرتهم على العمل ويعولون زوجة وأطفالاً، ومن يكون أعذب ولا يعول إلا نفسه.

وأحياناً يدخل في اعتبار القاضي في تقديره للتعويض الحالة المهنية للمضرور، كذلك قوة إنتاج عمله وظروفه الصحية والعائلية، ومؤهلاته العلمية، وعمره، وعدل الأجور والأسعار.

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية الهاشمية فيما يتعلق بصمان الضرر الجسدي:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 273 لسنة 1976 ما يلي:     

لكل شخص الحق في سلامة جسمه، فإن الاعتداء عليه بإحداث عاهة مستديمة تخل بقدرته على الكسب سواء كان ذلك حالاً أو مستقبلاً ما دام محققاً يستوجب التعويض للمضرور، ولا يرد القول بأن الإصابة التي لحقت بالمضرور لم تثبت له خسارة أو تفوت له ربحاً مادام أن راتبه بعد الإصابة كما كان عليه قبلها، لأن العاهة المستديمة تلازم المضرور مادام حياً سواء كان موظفاً أو بعد الوظيفة).

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 126 لسنة 1993 ما يلي:

يُقصد بالضرر الأدبي الضرر الناتج عن التعدي على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي طبقاً لأحكام المادة 267 من القانون المدني، وعليه تكون مطالبة الغير بالتعويض عن الضرر المعنوي بناء على ما عاناه من الآلام النفسية نتيجة إصابته في حادث تصادم يخرج عن مفهوم الضرر الأدبي، لأن مشاعر الألم من الجروح لا تدخل في اعتبار الضرر الأدبي، ويكون القرار برد الاستئناف متفقاً مع أحكام القانون.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 182 لسنة 1984 ما يلي:

أن الضمان يقدر بما لحق المضرور وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار ويتناول حق الضمان الضرر الأدبي أيضاً.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 79 لسنة 1991 ما يلي:

من حق الورثة المطالبة بتعويض عما أصابهم من ضرر أدبي بسبب موت مورثهم المصاب في حادث الصدم عملاً بالمادة (267/2) من القانون المدني، وإن قبضوا التعويض عن الأضرار التي لحقت بالسيارة.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 875 لسنة 1992 ما يلي:

إن الضرر الأدبي يصيب العاطفة والشعور والحنان كالاعتداء على الأولاد، فهو ضرر يصيب المضرور في عاطفته وشعوره ويدخل في قلبه الغم والأسى والحزن، وهذا الضرر قابل للتعويض بالمال والحكم للأم به موافق للقانون عملاً بأحكام المادة (267) من القانون المدني، إن قناعة محكمة الاستئناف بما جاء في تقرير الخبرة المبنى على أسس سليمة لتقدير التعويض الذي تستحقه الزوجة المدعية لقاء الضرر الأدبي الذي لحقه بها نتيجة لفقدها ولدها وليس للورثة).

إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر الجندي ،محمد صبري ناصر، في ضمان الضر الجسدي الناتج عن فعل ضار دراسة في القانون المدني الأردني وقانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات ، ٢٠٠٢ ،ص١٧٣، المزيد على محامي في الأردن ، .

[2] انظر الرواشدة، سالم سليم، ضمان الضر الجسدي في القانون المدني الأردني، ٢٠٠٢ رسالة ماجستير جامعة آل البيت، كلية الدراسات الفقهية والقانونية ص ١٥.

[3] نفس المرجع السابق، ص٥٥.

Scroll to Top