مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة

مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة

تعتبر عمليات الولادة من أكثر العمليات شيوعا والتي تتم من قبل القابلة أو طبيب التوليد، وأصبحت حاليا تتم بوسائل حديثة متطورة وغرف معمقة وصحية، ويسبق إجراء الولادة عادة إجراء الفحوصات اللازمة لمعرفة وضعية الجنين وظروفه الصحية، لتعريف الطبيب بالصعوبات التي قد تواجهه أثناء إجراء الولادة، والتي بموجبها يقوم الطبيب بتحديد نوع الولادة التي سيقوم باجراها، سواء أكانت ولادة طبيعية أو بجراحة قيصرية، وتعد الأخطاء الطبية أثناء عملية التوليد من أكثر الأخطاء حدوثا في العمليات الجراحية، وذلك حيث أن عملية التوليد في حد ذاتها من حيث ممارستها وتقنياتها محفوفة بالكثير من المخاطر والمفاجآت والتي قد ينتج عنها وفاة الأم أو الجنين، وهو الأمر الذي أدى إلى ضرورة قيام المسؤولية الطبية عن الأخطاء التي يرتكبها طبيب التوليد نظراً للأخطار العديدة التي تحيط بعملية التوليد، وسوف نتناول في بحثنا هذا التعريف بعملية التوليد وأنواعها، والخطأ الطبي في عملية التوليد وصوره، ومدى مسؤولية الطبيب عن عملية التوليد ومناط تلك المسؤولية ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولا: التعريف بعملية التوليد وأنواعها:

ثانيا: تعريف الخطأ الطبي وصوره في عملية التوليد:

ثالثا: مدى مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة:

رابعا: مناط مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة:

خامسا: عبء إثبات مسؤولية الطبيب القائم بعملية الولادة:

سادسا: المسؤولية المدنية للطبيب القائم بعملية الولادة:

سابعا: المسؤولية الجزائية للطبيب القائم بعملية الولادة:

ثامنا: المسؤولية التأديبية للطبيب القائم بعملية الولادة:

تاسعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة:

أولا: التعريف بعملية التوليد وأنواعها:

1- التعريف بها:

هي عملية خروج الجنين الناضج القابل للحياة خارج رحم الأنثى. وهي معروفة أيضًا باسم المخاض، أو أحداث الولادة.

2 – أنواعها:

أ – الولادة الطبيعية: وهي الولادة التي تتم بشكل طبيعي وتلقائي دون الحاجة لإجراء عملية جراحية، وقد تتم في المنزل بمساعدة قابلة متخصصة مرخص لها بذلك، أو في المستشفى بمساعدة طبيب متخصص، وتمتاز الولادة الطبيعية بالشفاء السريع للام من الآلام المصاحبة للولادة، على عكس العمليات القيصرية.

ب – الولادة القيصرية: وهي التي لا تتم بشكل تلقائي وإنما تحتاج إلى عملية جراحية يقوم بها طبيب متخصص في المستشفى من خلال شقّ بطن الحامل ورحمها لاستخراج الطفل بعد تخدير الأم، ثم إجراء قطب جراحية للعمل على التئام الجرح، والأصل ألا يلجأ الطبيب إلى إجراء الولادة القيصرية إلا في حالات طبية تتطلب ذلك فقط، ذلك للجوانب السلبية التي من الممكن أن تسببها.

ثانيا: تعريف الخطأ الطبي وصوره في عملية التوليد:

1 – تعريف الخطأ الطبي:

يُعرف الخطأ الطبي بأنه عدم قيام الطبيب بالالتزامات الخاصة التي فرضتها عليه مهنة الطب، أو هو كل تقصير في مسلك الطبيب، وحيث أن الالتزام الذي يقع على عاتق الطبيب من حيث المبدأ هو التزام ببذل عناية، فإن مضمون هذا الالتزام هو بذل الجهود الصادقة واليقظة التي تتفق مع الأصول العلمية الثابتة، والتي تتفق مع الظروف القائمة بهدف شفاء المريض وتحسين حالته الصحية، وكل إخلالا بهذا الالتزام يشكل خطأ طبيا يثير مسؤولية الطبيب، وعموما يسأل الطبيب عن كل خطا يتم من جانبه لا يقع من طبيب وسط في نفس مستواه المهني وفي نفس الظروف التي أحاطت به أثناء مباشرة عمله.

وعرفت منظمة الصحة العالمية الأخطاء الطبية بأنها انحراف الطبيب أو الممرض عن السلوك الطبي العادي والمألوف، وما يقتضيه من يقظة، إلي درجة يهمل معها الاهتمام بمريضه، وقد يحدث الخطأ في المجال الطبّي نتيجة انعدام الخبرة أو الكفاءة من قبل الطّبيب الممارس أو الفئات المساعدة، أو هو نتيجة ممارسة عمليّة أو طريقة حديثة وتجريبيّة في العلاج، أو نتيجة حالة طارئة تتطلّب السرعة علي حساب الدقّة، أو نتيجة طبيعة العلاج المعقّد، ويقوم الخطأ الطبي علي عدة مقومات ، أهمها عدم مراعاة الأصول والقواعد العلمية المتعارف عليها في علم الطب أو التمريض أو الإخلال بواجبات الحيطة والحذر والانتباه لخطورة الحالة أو فساد الأجهزة المستخدمة في العملية أو تهالكها أو تعطلها الدائم، أو توافر رابطة أو علاقة نفسية بين إرادة الطبيب أو الممرض والنتيجة الخاطئة.

وقد نصت المادة (4) من قانون المسؤولية الطبية رقم 25 لسنة 2018 على أنه: ( تحدد المسؤولية الطبية والصحية بناء على مدى التزام مقدم الخدمة ومكان تقديمها بالقواعد المهنية ذات العلاقة ويدخل في تحديدها مكان تقديم الخدمة والمعايير الخاصة بها والعوامل والظروف التي تسبق أو تتزامن أو تتبع عمل مقدم الخدمة والإجراءات الطبية أو الصحية المقدمة لمتلقي الخدمة).

كما نصت المادة (5) من ذات القانون على أنه: ( يجب على مقدم الخدمة تأدية عمله وفقا لما تقتضيه أخلاقيات المهنة ودقتها وأمانتها ووفقا للأصول العلمية المتعارف عليها، وبما يحقق العناية اللازمة للمريض وعدم استغلال حاجته لغرض تحقيق منفعة غير مشروعة لنفسه أو لغيره ومن دون تمييز بين المرضى والالتزام بالتشريعات المعمول بها).

2 – صور الخطأ الطبي في عملية الولادة:

إن الالتزام الواقع على الطبيب المختص بالتوليد هو الالتزام ببذل العناية واليقظة والحذر، وتنقسم الأخطاء التي قد يقع فيها طبيب التوليد والتي قد تؤثر صحة المريضة والجنين إلى:

أ- الأخطاء الطبية قبل إجراء الولادة:

حيث تبدأ العلاقة ببن الطبيب وبين المريضة من لحظة زيارة المريضة للطبيب، والتأكد من كونها حامل، وهنا يلتزم الطبيب خلال فترة زيارتها له بأن بقدم لها العناية والمشورة اللازمة، ومن الأخطاء الطبية التي قد يقع فيها الطبيب في هذه المرحلة:

– القيام بإعطاء مريضه الحامل أدوية تؤثر على صحتها وصحة الجنين، قبل التأكد من تأثير هذا الدواء على الجنين وعليها عن طريق إجراء الفحوصات اللازمة.

– عدم إجراء الفحوصات المخبرية والتصويرية قبل عملية الولادة للوقوف على حالة الجنين ووضعيته داخل الرحم، أو إجراء تلك الفحوصات بصورة خاطئة.

– استعمال الأجهزة الطبية الخاصة بالفحص بصورة خاطئة، مما قد يترتب عليه الإضرار بالجنين أو بالمريضة، ومن الأضرار التي بمكن أن تحصل نتيجة استعمال هذه الأجهزة مثلاً سقوط الجنين أو حالة توسع في الرحم.[1]

ب- الأخطاء الطبية أثناء عملية الولادة:

– التأخر في التدخل الطبي لعدم وجود الطبيب المختص أو غيابه أو عدم التزامه بأوقات العمل.

– استعمال الأدوات الطبية والجراحية أثناء القيام بعملية الولادة سواءً ولادة طبيعية أم عملية قيصرية، بشكل خاطئ أو بعدم تبصر أو خلافا للأصول العلمية المتبعة.

– إجراء الولادة بصورة طبيعية على الرغم مما أظهرته الفحوصات من صعوبة الولادة بهذه الصورة وضرورة إجراء الولادة بعملية قيصرية لوجود ضيق في عنق الرحم مثلا.

– إجراء الولادة عن طريق عملية قيصرية على الرغم من إظهار الفحوصات عدم وجود أي مشكلات بالرحم أو بوضعية الجنين، وعدم رغبة المريضة الولادة عن طريق التدخل الجراحي.

– إجراء الطبيب لعملية الولادة وهو تحت تأثير المخدرات أو بحالة سكر.

  • عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لإجراء العملية وفقا للأصول الطبية المتبعة، مثال ذلك:
  • التأكد من سلامة الأجهزة المصاحبة للطبيب وجاهزيتها.
  • التأكد من مستوي النظافة والسلامة الصحية داخل غرفة العمليات.
  • التأكد من عدم وجود مصادر للعدوى داخل غرفة العمليات.

جـ – الأخطاء الطبية بعد الولادة:

– الإهمال في تقديم الرعاية الطبية والمتابعة للمريضة والمولود، مثال ذلك:

  • عدم إعطاء المريضة الأدوية اللازمة للعمل على التئام الجرح وتجنب التهابه.
  • عدم متابعة الوضع الصحي للمولود والتأكد من عدم إصابته بأي مضاعفات أو أمراض كاليرقان، أو حاجته للدخول إلى الحضانة.

ثالثا: مدى مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة:

متى ثبت ارتكاب الطبيب القائم بعملية الولادة لأي خطأ يسيرا كان آم جسيما لم بكن ليأتيه طبيب من أوسط زملائه في مهنته أو تخصصه فانه يكون مسئولا مسؤولية كاملة عن هذا الخطأ،[2] حيث أنه من المستقر عليه أن خطأ الطبيب عامة يقدر وفقاً لمعيار موضوعي بمقارنة سلوكه بسلوك طبيب وسط من نفس مستواه وتخصصه ودرجته، فالطبيب الأخصائي مثلا لا يقارن بطبيب عام، وإنما بطبيب أخصائي مثله، مع مراعاة الظروف المحيطة بالطبيب عند قيامه بعمله،[3] ومن ثم يكون الطبيب وفقا لذلك مسئولا عن جميع الأخطاء التي يرتكبها أثناء عملية الولادة أيا كان نوعها، ودون تفريق بين ما إذا كان هذا الخطأ مهنيا أو غير مهنيا، جسمياً أو غير جسيم، لأنه مادام الخطأ هو الإخلال بواجب قانوني أو بالتزام عقدي، فإن التدرج في درجاته مضمون بالواجبات القانونية على نحو يجعل من سلوك المسئول انحرافاً عنه، ويعد هذا الانحراف خطأ موجباً للمسؤولية المدنية بغض النظر عن درجة جسامته.[4]

رابعا: مناط مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة:

يختلف أساس مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة بالنظر إذا ما كان الطبيب يعمل لدى مستشفى عام أو خاص أم يعمل لحسابه الشخصي وذلك وفقا للاتي:

1- الطبيب العامل بالمستشفى العام أو الخاص:

تعد مسؤولية الطبيب الذي يعمل في مستشفى عام أو خاص عن أخطاءه أثناء إجراء عملية الولادة مسؤولية تقصيرية، ذلك لأن هذا الطبيب يعتبر موظفا لدى المستشفى، وبالتالي تحكمه قوانين ونظم العمل، وبالتالي فإن مسؤوليته هي مسؤولية تقصيرية وليست تعاقدية، وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية بأن (علاقة الطبيب بالجهة الإدارية التي يتبعها تنظيمية وليست تعاقدية، وأن مسؤولية الطبيب في مستشفى مسؤولية تقصيرية عن الضرر الذي يصيب المريض بسبب خطأ المريض المساعد، ولا يمكن مساءلة الطبيب إلا على أساس المسؤولية التقصيرية، لأنه لا يمكن القول في هذه الحالة بأن المريض قد اختار الطبيب حتى ينعقد عقد بينهما، كما لا يمكن القول بوجود عقد اشتراط لمصلحة المريض بين إدارة المستشفى العام وبين أطبائها، لأن علاقة الطبيب الموظف بالجهة الإدارية التي يتبعها هي علاقة تنظيمية وليست تعاقدية، وبذلك لا يكون هناك محل لبحث مسؤولية الطاعن في دائرة المسؤولية العقدية ).[5]

2- الطبيب العامل لحسابه الشخصي:

تعد مسؤولية الطبيب الذي يقوم بإجراء عملية الولادة – بناء على اتفاق مع المريضة – عن أي أخطاء تصدر منه أثناء إجراء تلك العملية هي مسؤولية تعاقدية لأن أساس الخطأ هنا هو العقد الذي أبرم بين المريضة وبين الطبيب.

وفي حالة وجود عقد قائم بين الطبيب الذي يمثل الفريق الطبي وبين المريض المتضرر، فإنه لا خلاف أن طبيعة المسؤولية المدنية للفريق الطبي هي مسؤولية عقدية إذا كان الخطأ الذي تسبب بضرر المريضة كان بسبب فعل الطبيب الذي يرتبط بعقد مع المريض، وإذا كان الخطأ الذي أدى إلى ضرر المريض بسبب أحد أعضاء الفريق الطبي، فإن أساس المسؤولية المدنية أيضاً تكون مسؤولية عقدية على الرغم من عدم ارتباط أي عضو من الفريق الطبي بعقد مع المريض، لأن الطبيب وهو طرف العقد مع المريض يلتزم وفقاً للعقد ببذل العناية اللازمة لعلاج المريض، وبما أن الفريق الطبي يخضع تحت إشراف وتوجيه ورقابة الطبيب فإن الأخير مسئول مسؤولية تامة أمام المريض عن أي خطأ طبي يرتكبه أحد أعضاء الفريق الطبي.[6]

خامسا: عبء إثبات مسؤولية الطبيب القائم بعملية الولادة:

يقع عبء إثبات أركان المسؤولية جميعها من خطأ وضرر وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر، على المريضة المتضررة وهي كلها وقائع مادية يجوز إثباتها بطرق الإثبات كافة بما فيها البينة والقرائن.[7]

سادسا: المسؤولية المدنية للطبيب القائم بعملية الولادة:

يمكن تعريف المسؤولية المدنية للطبيب بأنها التزام الطبيب بالتعويض عن ضرر أصاب المريض من جراء عمله،[8] وتتعدد صور الضرر الذي قد يلحق بالمريضة أثناء عملية الولادة بسبب الأخطاء الطبية التي يرتكبها طبيب التوليد وذلك وفقا للاتي:

1 – الضرر الجسدي:

وهو الضرر الجسدي الذي يصيب المريضة أو المولود في جسمهما ويؤثر على سلامتهما، مثال ذلك:

  • وفاة المريضة أو المولود.
  • حدوث نزيف برحم المريضة أو تشوهات بالمولود.

2 – الضرر المالي:

هو ما وقع على المريضة من نفقات لإصلاح الخطأ الطبي، مثال ذلك:

  • اضطرار المريضة لإجراء جراحة أخرى لإيقاف النزيف بالرحم، أو لإزالة الالتصاقات التي نتجت عن عملية الولادة.
  • اضطرار المريضة إلى إجراء جراحة للمولود لإزالة التشوهات أو الأضرار الأخرى التي لحقت به جراء عملية الولادة.

3- الضرر المعنوي:

هو الذي قد يؤدي إلى تدهور في الحالة النفسية للمريضة أو لذويها ، مثال ذلك:

– وفاة المريضة أو المولود أو إصابتهما أو أيهما بعاهة، مما ينجم عنه حالة من الألم والحزن تصيب الأم أو الأب أو ذويهم.

سابعا: المسؤولية الجزائية للطبيب القائم بعملية الولادة:

يمكن تعريف المسؤولية الجنائية للطبيب بأنها الالتزام القانوني القاضي بتحمل الطبيب الجزاء نتيجة اقترافه فعلا أو الامتناع عن فعل يشُكل مخالفة للقواعد أو الأحكام التي قررتها التشريعات الجنائية أو الطبية،[9] مثال ذلك ما نصت عليه المادة (8) قانون المسؤولية الطبية من انه: يحظر على مقدم الخدمة ما يلي:

  • ج. استعمال وسائل تشخيصية أو علاجية أو أدوية غير مجازة لعلاج متلقي الخدمة.
  • د. وصف العلاج قبل إجراء الكشف اللازم على متلقي الخدمة.

حيث عاقبت المادة ( 20 ) من ذات القانون المخالف لحكم الفقرة ( ج، د ) بغرامة لا تقل عن (3000) ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على (5000) خمسة آلاف دينار.

ثامنا: المسؤولية التأديبية للطبيب القائم بعملية الولادة:

يخضع الطبيب القائم بعملية الولادة إلى جانب إمكانية مساءلته مدنيا وجنائيا عما ارتكبه أثناء قيامه بواجباته المهنية بالمستشفى التي يعمل بها إلى خضوعه إلى المساءلة التأديبية حال صدور أي خطأ مهني منه يمس بشرف المهنة وبواجبات مهنته، وبالمبادئ والقيم المعنوية التي يفرضها العمل الطبي وأخلاقيات مهنة الطب ، وذلك لضمان حسن سير العمل العلاجي بغض النظر عن وجود ضرر نشأ عن هذا الخطأ من عدمه، فالمسؤولية التأديبية عكس المدنية لا تستوجب حصول ضرر لمعاقبة الطبيب، لان المسؤولية التأديبية للطبيب الغرض منها الحفاظ على كرامة مهنة الطب والمشتغلين بها، وليس إنزال العقاب المدني أو الجنائي به جبرا لخاطر المريض الذي تسبب في إلحاق الضرر به.[10]

وقد نصت المادة (45) من قانون نقابة الأطباء الأردنية رقم 13 لسنة 1972 تأييدا لهذا المعنى على انه ( كل طبيب يخل بواجباته المهنية خلافاً لأحكام هذا القانون وأي نظام صادر بمقتضاه أو يرتكب خطا مهنياً أو يتجاوز حقوقه أو يقصر بالتزاماته وفق الدستور الطبي أو يرفض التقيد بقرارات المجلس أو يقدم على عمل يمس شرف المهنة أو يتصرف في حياته الخاصة تصرفاً يحط من قدرها يعرض نفسه لإجراءات تأديبية أمام مجلس التأديب).

ووفقا لذلك فان المسؤولية التأديبية للطبيب لا تنصب فقط على ما تضمنته مدونة أخلاقيات الطب، بل على كل ما تمليه المبادئ والقيم المعنوية التي تفرضها ممارسة الفن الطبي، والعمل العلاجي.

تاسعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن مسؤولية الطبيب عن عملية الولادة:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 4366 لسنة 2021 ما يلي:

وحيث نجد أن الخبراء قاموا بتحديد المسؤولية الطبية للمدعى عليهم وبيان نسبة مساهمة كل منهم عن الضرر الذي لحق بالمدعية وتوصلوا ببحثهم إلى أن قيام الممرضتين (…..) بإعطاء المدعية عن طريق الخطأ ( كيس طلق اصطناعي ) بسعة (15) وحدة كان معداً لمريضة أخرى دون التحقق من أن هذا الكيس معد لمريضة أخرى وعدم اطلاعهم على ملف المريضة، وقيام الممرضة …… بإعطاء المدعية خمس وحدات طلق اصطناعي دون الاستفسار من الممرضة …… فيما إذا قامت بإعطائها طلق اصطناعي أم لا، فإن هذه الكمية الزائدة من الطلق الاصطناعي أدت إلى نزيف شديد للمدعية مما كان سبباً في إجراء العمليات الجراحية للمدعية لإيقاف النزيف وما نجم عن ذلك من إصابات أخرى.

وطالما أن الممرضتين تعملان بمستشفى …… وتابعتان لإدارته تحت رقابته وإشرافه وتنظيم العمل فقد قدر الخبراء نسبة مساهمة ….. بنسبة ( ۸۰ % ) تبعاً لقواعد مسؤولية المتبوع عن تابعيه، أما مسؤولية المدعى عليه الثالث الدكتور ….. الذي يعمل بمستشفى …. الحكومي فقد قدروا نسبة تحمله للمسؤولية بالنسبة الباقية (۲۰ %) ، وأن وزارة الصحة هي المالكة لمستشفى الرمثا الحكومي وتابع لها وبالتالي فهي مسئولة عن أخطاء عامليها.

وحيث إن الخبراء قد قرروا بتقريرهم وبشكل قاطع وجازم حدود مسؤولية كل طرف من أطراف الدعوى بالضرر اللاحق بالمدعية استناداً إلى أوراق وبينات ووقائع الدعوى وجاءت نتيجة تقريرهم متوافقة مع هذه البينات .

وبناءً عليه فإن ما ورد بأسباب الطعن هذه من أن المدعية عجزت عن إثبات وقوع فعل ضار صادر عن المستأنفة أو خطأ يمكن أن يكون محلاً للمسؤولية وأنه لم يصدر من طرفها أي إهمال أو تقصير وإنما قامت بواجبها وأن المحكمة استندت إلى بينات متناقضة ومتهاترة وعلى أقوال الممرضتين ……. على الرغم من أن هاتين الممرضتين ليستا طرفاً في الدعوى وأن تقرير اللجنة الطبية تضمن أن المدعى عليه الثالث الدكتور خالد بشابشة لا يتحمل أية مسؤولية.

فإن محكمتنا تجد أن ذلك كله غير سديد ومخالف للواقع والبينات المقدمة بالدعوى ذلك أن ما قامت به هاتان الممرضتان كما هو وارد في التقرير صحيح ومن واقع بينات الدعوى، كما أن تقرير الخبرة حدد مسؤولية المدعى عليه الثالث الدكتور خالد بشابشة الطبية التي ساهمت بإلحاق الضرر بالمدعية بما يلي:

  • بعدم التزامه بالعناية بفحص المدعية المريضة حال دخولها كونه الطبيب المناوب.
  • مغادرته المستشفى إلى منزله وعدم متابعته والاستفسار عن حالة المدعية والاكتفاء بإعطاء تعليماته للممرضتين دون متابعة ما قاما به.
  • الخطأ الذي حصل أثناء العملية بوجود ثلاث ربطات على الحالب والتي لا لزوم لها.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1172 لسنة 2018 ما يلي:

ومن الرجوع إلى أوراق الدعوى فإن الثابت فيها أنه وبتاريخ 28/1/2009 تم إدخال زوجة المدعي المرحومة رنا إلى مستشفى النسائية والأطفال في حالة ولادة بناءً على استشارة الدكتور …. الذي قام بإعطائها إبرة طلق اصطناعي وأخبرها بأنها ستنجب بعد ساعة ….. ثم قام الدكتور …. بنقل المريضة إلى غرفة الولادة حيث قام بتوليد المريضة بواسطة الملقط وقام بإنزال ماء رأس الجنين وإزالة الخلاصة وتبين وجود نزيف حاد حيث تبين أنه ناتج عن انفجار الرحم نتيجة استعمال المدعى عليه الدكتور …. الملقط والتحاميل في عملية الولادة ونقص الأوكسجين مما أدى إلى وفاة زوجة المدعي المرحومة …. حيث تبين فيما بعد أنه تم إعطاء تخدير للمتوفاة ….. من شخصٍ غير مختص بالتخدير وليس طبيب تخدير حيث وجدت نسبة التخدير (40%) في جسم المتوفاة حيث تبين بأن المدعى عليه الثالث الدكتور …. قد ارتكب خطأ جسيماً وهو قيامه بعملية الولادة بواسطة الملقط وعدم متابعة الحالة المرضية بشكل مباشر وعدم وضع الجنين تحت المراقبة ومتابعة حالة الولادة للمتوفاة …. وعدم قيامه بإجراء عملية قيصرية فورية لتجنب انفجار الرحم ونقص الأوكسجين عند الجنين وأنه وبنتيجة هذا الخطأ الجسيم والإهمال من جانب الدكتور فقد نتج عنه وفاة المرحومة …. وجنينها وذلك بسبب الإهمال وقلة الاحتراز ما يعني توافر أركان المسؤولية التقصيرية كما هو ثابت من خلال البينات الخطية والمتمثلة بالمبرز (م/1) و(م ع/1) وملف القضية التحقيقية رقم (696/2009) والقضية الجزائية رقم (164/2011) والملف الطبي للمتوفاة والتقارير الطبية المبرزة في هذه الدعوى.

إعداد/المحامي  أكرم محمد محمود .

[1] طلال عجاج، المسؤولية المدنية للطبيب، دراسـة مقارنـة، أطروحـة دكتـوراه غير منشورة، الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق والعلوم السياسة والإدارية 2003، ص 116.

[2] عدنان إبراهيم سرحان، مسؤولية الطبيب المهنية في القانون الفرنسي، منشورات الحلبي، بيروت، ط2، ص125.

[3] د. حسام الدين الأهواني، معيار الخطأ الطبي، دار أبو المجد للطباعة ص 413-412.

[4] فيصل عايد خلف الشورة، الخطأ الطبي في القانون المدني الأردني، ص 21.

[5] نقض مصري ط رقم 1018 لسنة 13 – جلسة 1/5/1981.

[6] خالــد علــي المري – المسؤولية المدنية للفريق الطبـــي ببن الشريعة الإسلامية والقانون الكويتي، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن- ص36-37.

[7] منصـور، محمـد حسين، المسؤولية الطبية، دار الجامعـة الجديدة الإسكندرية، ص 348.

[8] عبد الراضي محمد هاشم عبد الله، المسؤولية المدنية للأطباء في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، رسالة لنيل شهادة دكتوراه في القانون، جامعة القاهرة، مصر 1950، ص41.

[9] د. محمود القبلاوي، المسؤولية الجنائية للطبيب، دار الفكر الجامعي الإسكندرية، ط 2005،  ص3.

[10] د. عيساني رفيقة، النظام التأديبي لأطباء الصحة العمومية، ص91.

Scroll to Top