الجرائم البنكية

الجرائم البنكية

مما لاشك فيه أن البنوك تلعب دوراً هاماً في النشاط الاقتصادي للدول، فهي تساعد على إحداث توسع في النشاط الاقتصادي، بيد أن الجهاز البنكي وعلى الرغم من تطوره أصبح يتعرض في الآونة الأخيرة للعديد من المخاطر، ولعل من أهم هذه المخاطر على الإطلاق ظاهرة الجرائم البنكية.

ومن هذا المنطلق ينبغي أن نؤكد على حدوث زيادة غير طبيعية في هذه الجرائم التي استفحلت في القطاع المصرفي لدرجة يصعب معها حصرها أو حتى تصنيفها بسبب تنوعها، واختلاف أساليب ارتكابها، والتطور السريع في آليات تنفيذها، وقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة بشكل مخيف العولمة وشيوع التجارة الإلكترونية، ولقد حاول المشرع الأردني التصدي للجرائم البنكية لمكافحتها ومنع انتشارها، فأصدر حزمة من التشريعات الاقتصادية منها على سبيل المثال، قانون الجرائم الاقتصادية رقم 11 لسنة 1993، وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 46 لسنة 2007 وتعديلاته، كذلك أصدر البنك المركزي الأردني العديد من التعليمات والإرشادات لمكافحة الجرائم البنكية عامة، وجريمة غسل الأموال خاصة.

وسأحاول في هذا المقال إظهار مفهوم الجريمة البنكية مع إلقاء الضوء على أهم الجرائم البنكية وأكثرها شيوعاً وذلك من خلال العناصر الآتية:

أولاً: مفهوم الجريمة البنكية:

ثانياً: التجاوزات البنكية (المصرفية):

ثالثاً: جريمة إفشاء السر البنكي:

رابعاً: جريمة غسل الأموال:

خامساً : بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية فيما يتعلق بالجرائم البنكية:

أولاً: مفهوم الجريمة البنكية:

أغلب التشريعات لم تعرف الجريمة البنكية رغم انتشارها في الآونة الأخيرة في العديد من البنوك، ويمكن القول بأنها تعد سلوك غير مشروع سواء تشكل هذا السلوك من فعل أو امتناعاً عن فعل، تأتيه البنوك بواسطة أحد مسيريها، مهما كانت صفتهم يضر أو يهدد بالخطر مصلحة محمية بجزاء جنائي عقوبة أو تدبير.[1]

وتعد الجرائم البنكية من جرائم الخطر إذ يكفى ارتكاب السلوك الإجرامي حتى تظهر الجريمة، بغض النظر عما يترتب على هذا السلوك الإجرامي من ضرر لحق بالبنك أو بأموال المساهمين أو الغير.

ثانياً: التجاوزات البنكية (المصرفية):

يقصد بها عدم تقيد البنوك أو القائمين على إدارتها أو العاملين فيها بنصوص القانون عامة، وبالتشريعات المصرفية خاصة، وبقرار وتعليمات وإرشادات البنك المركزي أيضاً، وبالأعراف المصرفية المستقرة وهذه التجاوزات المصرفية قد تشكل جريمة من الجرائم التي يعاقب عليها القانون، كما أنها تدخل أيضاً في نطاق المخالفات التأديبية التي تعرض مرتكبها للمسئولية التأديبية، وتحمل في طياتها أركان المسئولية المدنية إذا ترتب عليها ضرر لأى شخص سواء للبنك نفسه أو أحد عملائه.

ولا يخفى عن الفطنة أن التجاوزات البنكية هي نتاج عدة أسباب منها، تدنى المستوى الثقافي والتعليمي والاجتماعي للعاملين في القطاع المصرفي، وقد تعود لأسباب إدارية كضعف الرقابة وعدم التنظيم الإداري للمصارف، وتارة ترجع هذه التجاوزات لأسباب اقتصادية للعاملين في القطاع المصرفي كالسعي وراء تحقيق الثروة بشكل سريع من بعض المسئولين في الجهاز المصرفي، وأخيراً قد تكون أسباب هذه التجاوزات تشريعية عندما تتمثل في قصور التشريعات المصرفية، مما يفتح الباب لمزيد من التجاوزات والانحرافات المصرفية.

ثالثاً: جريمة إفشاء السر البنكي:

1- المفهوم التقليدي للسرية البنكية :

بادئ ذي بدء لا يفوتنا أن ننوه على أن الأخلاق والرسالات السماوية جميعها تعتبر إفشاء الأسرار عمل بغيض يستوجب العقاب، وأن كتمانها يعد التزام أساس، وعلى نفس النهج سارت معظم التشريعات الوضعية.

وجدير بالذكر أن الإنسان في حياته اليومية يحتاج للتعامل مع المؤسسات البنكية لإجراء العديد من المعاملات، كالإيداع والاقتراض وغير ذلك من المعاملات التي تتضمن معلوماته وبياناته الشخصية، والتي إذا تم إفشائها قد تضر بصاحبها لذا نشأ ما يسمى بقواعد أخلاقيات المهنة، والتي تقوم على عنصر الثقة بين المهني والعميل مع الوضع في الاعتبار أن العميل في الغالب هو شخص غير متخصص لا خبرة له بالمعاملات البنكية، ويضع ثقته الكاملة في ممثلي المؤسسة البنكية.

وترتيباً على ما تقدم تعتبر السرية البنكية من القواعد الأساسية في عمل المؤسسات البنكية، بل ويعتبر من أهم القواعد التي يقوم عليها، فتلتزم المؤسسة البنكية بحفظ سرية حسابات العملاء وكل الأنشطة المالية المرتبطة بها في مواجهة محاولات الاطلاع عليها، سواء من جانب الأشخاص أو حتى السلطات العامة، ما لم يوجد نص قانونيا أو اتفاق يقضى بغير ذلك، ويعد الالتزام بحفظ السر البنكي التزام سلبى بامتناع عن القيام بعمل وتعد المؤسسة البنكية مسئولة إن كشفت عن أي بيان خاص بالعميل.

واستخلاصاً مما سبق يمكن أن يُعرف السر البنكي بأنه كل أمر أو واقعة تصل إلى علم البنك، سواء بمناسبة أو بسبب نشاطه سواء أفضى به العميل بنفسه إلى البنك أو أفضى به غيره، ويكون للعميل مصلحة مؤكدة في كتمانه، ومن ثم تعتبر سراً مصرفياً حتى ول لم يطلب العميل من البنك كتمانه صراحة.

2- أركان جريمة إفشاء السر البنكي:

غنى عن البيان أن هذه الجريمة لا تختلف أركانها عن غيرها من الجرائم، حيث تستلزم توافر الركنين المادي والمعنوي على النحو الآتي:

أ- الركن المادي بجريمة إفشاء السر البنكي:

من المسلم به أن القانون لا يهتم بالنوايا إلا إذا صاحبها مظهر خارجي، لذلك يجب لتوافر الركن المادي في جريمة إفشاء السر البنكي أن يقع فعل الإفشاء، وذلك بقيام الموظف أو من في حكمه بإفشاء أسرار العميل والتي علم بها بسبب أو بمناسبة ممارسته لوظيفته، وذلك عن طريق القول أو الكتابة أو الإشارة أو نشرها في جريدة حتى ولو جزء من السر، وذلك بتوسيع نطاق العلم بها أو اطلاع الغير عليها.

ب- الركن المعنوي لجريمة إفشاء السر البنكي:

إن الركن المادي وحده لا يكفى لقيام الجريمة بل لكى تكتمل لابد أن يقترن بالركن المعنوي، والمتمثل في القصد الجنائي بعنصرية العلم والإرادة، فيجب أن يكون الشخص عالماً بأن المعلومات التي يقوم بإفشائها ذات طبيعة سرية، وأن تتجه إدارته الآثمة إلى اطلاع الغير عليها، وهناك جانب من الفقه يرى أن هذه الجريمة تستلزم أيضاً توافر قصداً خاصاً هو نية الإضرار بصاحب السر.[2]

3- حالات إباحة إفشاء السر البنكي:

أ- رضاء العميل بالإفشاء:

ويتحقق ذلك الرضا بأن يعطى العميل إذناً للبنك يتضمن رفع الالتزام بالسرية المصرفية، أي إعفاء البنك من كتمان سر العميل، وقد يكون هذا الإذن خاص ببعض المعلومات فقط، ومحدداً لشخص أو أشخاص معينين، وقد يكون الإذن عاماً يتناول جميع الوقائع والمعلومات السرية المتعلقة بالعميل، ويشمل أشخاص غير محددين.

ب- إفشاء السر بناء على نصوص القانون:

فالقانون يرخص بإفشاء أسرار العميل عندما يتحتم على البنك ذلك بناء على أمر القضاء، كأن يستدعى موظف البنك للإدلاء بالشهادة في دعوى جزائية مثلاً وكذلك يرخص القانون للبنك المركزي ذلك لممارسة الرقابة على نشاط البنوك، لتتبع أوضاعها المالية وللتأكد من سلامة أدائها المالي، وللمحافظة على سلامة أموال المودعين.

ج- إفشاء السر البنكي كواجب لمكافحة غسل الأموال:

إن المواثيق الدولية والقوانين الوطنية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وغيرها من العمليات المشبوهة أجازت مخالفة قواعد السرية البنكية استثناءً حتى لا يقف هذا الالتزام عقبة أمام قيام المؤسسات البنكية بواجبها في الإبلاغ عن العمليات المرتبطة بغسل الأموال أو المشبوهة، وذلك ليغلق الباب في مواجهة غاسلي الأموال الطامعين في استغلال السرية البنكية لإخفاء أموالهم القذرة ولإضفاء الشريعة عليها.

بيد أنه ينبغي أن نؤكد وبحق على ضرورة خلق التوازن بين توفير الحماية للحياة الخاصة أو حفظ المعلومات الشخصية وبين إفشاء السر البنكي لمواجهة جرائم غسل الأموال القذرة، لأن الأصل هو الالتزام بالسرية البنكية وأي خروج عن هذا الالتزام يجب أن يكون مبرراً ومحمياً بصفة قانونية.

4- الاعتبارات التي يقوم عليها السر البنكي:

هذا ويقوم السر البنكي على العديد من الاعتبارات، أهمها حماية الحرية الشخصية فالالتزام بالسر البنكي يعد أحد تطبيقات هذه الحرية، فمن حق صاحب السر أن يحتفظ به في مكنونات ضميره، وأن يمنع غيره من معرفته، لأنه عندما يفضى به للمؤسسة البنكية ففي المقابل ينتظر منها حماية فعالة لأسراره الخاصة ولقد ورد هذا الحق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 12.

كما أن الالتزام بالسر البنكي لا يحقق فقط مصلحة العميل الخاصة بل يستهدف المصلحة العامة للمجتمع، لأنه سيؤدى إلى ثقة الأفراد في النشاط البنكي، ولا يجعلهم يترددون في إيداع أموالهم لدى المؤسسات البنكية، فيشجع على التوسع في الاستثمارات الوطنية والدولية، ورفع أداء الاقتصاد الوطني وزيادة الثقة في الجهاز البنكي، مما يوفر المناخ الجيد للتنمية والإصلاح الاقتصادي.

وينبغي الإشارة أيضاً إلى أن الالتزام بالسر البنكي يؤدى إلى الرقى بالقطاع البنكي وازدهار معاملاته، ومن ثم زيادة نسبة أرباح المؤسسة البنكية نتيجة زيادة عملائها، وعلى النقيض من ذلك إذا تم إفشاء السر البنكي للعملاء والتشهير بالمعلومات المودعة لديها حيث سينفر الأفراد ويحجمون عن التعامل مع المؤسسة البنكية، مما يؤثر بالسل على حجم معاملاتها.

رابعاً: جريمة غسل الأموال:

1- مفهوم غسل الأموال:

مما لاشك فيه أن ظاهرة غسل الأموال أصبحت تواجه العالم كله، وتعد من أخطر الجرائم وأكثرها تعقيداً، مما جعل من الصعوبة بمكان محاولة القضاء عليها، لأنه في الغالب هذه الجريمة تحركها أيدى خفية محلياً ودولياً، مما يؤكد ضرورة التصدي لها بمنتهى الحزم والشدة.

ولا يخفى عن الفطنة أن مصطلح غسل الأموال هو ترجمة حرفيه للمصطلح الإنجليزي Money Laundering والذى ظهر في الغرب خلال بدايات القرن الماضي، حيث كانت تقوم عصابات المافيا والمخدرات بإزالة آثار الأموال التي بحوزتها فظهر هذا المصطلح.

والبعض يستخدم مصطلح آخر وهو (تبييض الأموال)، وفى الحقيقة كلاهما مصطلحان مترادفان يقصد بهما محاولة إخفاء المصادر غير المشروعة للأموال المنقولة وغير المنقولة المتحصل عليها من ارتكاب الجرائم المنظمة، كجرائم المخدرات وتهريب الأسلحة وتزوير النقود ….. الخ، ومن ثم إدخال هذه الأموال ضمن نطاق الدورة الاقتصادية الشرعية حتى يتم تداولها بشكل مشروع.

ولقد جرم القانون الأردني عمليات غسل الأموال لخطورتها على الاقتصاد المحلى والعالمي، ووضع تعريف لها اتسم بالعمومية والشمولية، فقد عرفها بأنها: (كل فعل ينطوي على اكتساب بأموال أو حيازتها أو التصرف فيها أو نقلها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو استثمارها أو التلاعب في قيمتها أو حركتها أو تحويلها، أو أي فعل يؤدى إلى إخفاء أو تمويه مصدرها، أو الطبيعة الحقيقية لها أو مكانها أو كيفية التصرف بها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها)، واعتبر ما يتحصل منها جريمته من الجرائم المنصوص عليها في المادة (4) من هذا القانون رقم 46 لسنة 2007 قانون مكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب.

ومن ثم فإن جريمة غسل الأموال تتسم بالخصائص الآتية:

  • وجود الأجهزة المعنية أعمال غير مشروعة (جرائم منظمة) يتم القيام بها.
  • وجود أموال متحصلة من هذه الأعمال غير المشروعة.
  • وجود محاولات كبيرة لطمس معالم المصادر الحقيقية لهذه الأموال القذرة.
  • القيام بإخفاء هذه الأموال بتحويلها إلى مجوهرات أو سندات أو أسهم وغيرها.
  • القيام بدمج هذه الأموال مرة أرخى في سق المال والاقتصاد ولكن بطرق مشروعة.
  • صعوبة تعقب وضبط غسل الأموال القذرة ومن ثم تعذر إمكانية مصادرتها من قبل.[3]

2- الأسباب الرئيسية لتزايد حجم غسل الأموال:

أ- السرية المصرفية لجميع حسابات المتعاملين مع المؤسسات البنكية، حيث يخطر على البنك إعطاء أي بيانات عنها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلا بموافقة خطية من العميل، ويظل الحظر قائم حتى لو انتهت العلاقة بين العميل والبنك، مما يصعب معه التعرف على عمليات غسل الأموال.

ب- منح القروض الرديئة التي يتخفى وراءها الفساد والرشوة في استخدام أموال المصارف.

ج- عدم كفاية التشريعات وقواعد الرقابة والإشراف في الدول لمواجهة هذه الظاهرة، كذلك عدم وضوح التشريعات وما تحتويه من ثغرات تنفذ منها هذه الأموال.

د- تتردد بعض الدول النامية من وضع تشريعات صارمة لمواجهة جرائم غسل الأموال، خوفاً من هروب الاستثمارات الأجنبية.

هـ- تفشى ظاهرة الفساد السياسي والإداري في مختلف الدول على كافة المستويات.

و- انتشار ظاهرة التهرب الضريبي، والشركات الوهمية التي لا تتمتع بأية صفة قانونية، وكذلك شركات الواجهة التي تتعامل بالنقد بصورة رئيسية.

3- أساليب غسل الأموال في مجال المصرفي:

أ- خدمة قبول الودائع:

عندما تتحصل العصبات الإجرامية على أموال ضخمة جراء أفعالها الإجرامية، فإنها تبدأ في البحث عن كل الوسائل التي تودع هذه المبالغ الكبيرة لتصبح أموال مشروعة، وتجد ضالتها في المصارف التي تتساهل ولا تتشدد في عمليات الإيداع، وقد تستغل هذه العصبات الصراف الآلي في القيام بعملية الإيداع من خلال أسلوب التركيب، وهو عبارة عن تجزئة المبالغ إلى مبالغ صغيرة وإيداعها في أماكن مختلفة، أو عن طريق أشخاص مختلفين.[4]

ب- إعادة الإقراض:

وتتم هذه الطريقة بقيام عصابات غسل الأموال غير المشروعة بإيداع أموالهم لدى البنوك الموجودة في بلد تقل فيها الرقابة على البنوك (دول الملاذ)، أو البنوك الإفريقية، ثم تلجأ للاقتراض بضمان هذه الودائع للحصول على أموال نظيفة يتم من خلالها شراء ممتلكات.

جـ- التحويلات:

وذلك بنقل الأموال عن طريق النظام المصرفي العالمي خارج الحدود الجغرافية باستخدام شيكات الاتصال الدولية، وبالتالي يصيب مراقبة المسار النقدي غير القانوني الناتج عن التحويلات البرقية للأموال الملوثة من قبل السلطات الرقابية، ونظراً لضخامة الأموال التي يتم غسلها عن طريق التحويلات البرقية فقد اطلق عليها النقود الميجابايت.

د- الشيكات السياحية:

وهى شبكات تمنح للمسافرين حيث يقومون عن طريقها بعمليات غسل الأموال بشراء كميات كبيرة منها بمبالغ مختلفة، وتحويلها بعد ذلك إلى نقود، وإيداعها في حسابات مصرفية، وذلك بسهولة بسبب وفرتها في الأسواق .

هـ- الخدمات البنكية الخاصة:

وهى عبارة عن مجموعة من الخدمات الخاصة والتي تتسم بالسرية التامة تتعامل لها البنوك مع فئات خاصة، وهم كبار رجال الأعمال أو الأثرياء، من خلال فتح العديد من الحسابات المختلفة المعقدة المتشابكة في دول مختلفة، وقيام البنوك بعرض خدمات مصرفية، ويتم إخفاء ملكية المتعامل للأحوال والحسابات، ويشكل كل هذا مطمع لغاسلي الأموال الذين يستغلون تلك الوسيلة في تحريك أموالهم الضخمة الغير مشروعة، وإجراء عمليات غسل أموالهم بطريقة تبعد عنهم الشكوك.

و- الوحدات المصرفية الخارجية:

وهى لا تخضع لسلطة رقابية وتنظيمية كالبنك المركزي، لذلك ففي معظم الحالات يستغل غاسلي الأموال ضعف الرقابة على هذه الوحدات المصرفية الخارجية للقيام بعمليات غسل الأموال.

ذ- خدمات البنوك الإلكترونية:

وهى بنوك تستخدم في عملياتها الإنترنت فيكون الإيداع والسحب فيها إلكترونياً، ومن ثم يستطيع العميل أن يحول الأموال وبكميات كبيرة وبسرعة وأمان بسبب سرعة التعامل، خصوصاً أن التعامل في هذه البنوك يتم في نطاق العالم كله، فيعطي الفرصة لغسل الأموال لإجراء عملياتهم المشبوهة.

ح- البطاقة الذكية:

وهى بطاقة إلكترونية يتم بها صرف النقود التي تم تحميلها بها مسبقاً من قبل المتعامل إلى القرص المغناطيسي، باستخدام آلية تحويل اتوماتيكية أو هاتف. وهذه الوسيلة تُعد من الأساليب المحكمة التي تتيح عمليات غسل الأموال دون حاجة للنقود الورقية.

طـ – الشيكات الإلكترونية:

وهذه الشيكات يتم تحريرها إلكترونياً عن طريق الحاسب الآلي، ويتم تسليمها وتوصلها وقيدها إلكترونياً، فتعطى بإمكانية واسعة لاستخدامها في عمليات غسل الأموال بنقل المتعامل الحساب وتداوله عبر شبكة الإنترنت في صفقات مختلفة.

ي- التحويل الإلكتروني للنقود:

فبعد أن يتم إيداع الأموال غير المشروعة في أحد البنوك، يقوم غاسلوا الأموال بتحويلها برقياً إلى حسابات شيكات وهمية في الخارج، وخاصة في الدول التي تتميز بالتساهل في تنظيمها المالي، مما يجعل من المستحيل تعقب هذه الأموال وهناك بعض نظم التحويل الإلكتروني لا يعرف البنك الهدف من التحويل حيث لا يذكر اسم المتعامل طالب التحويل مما يسهل مهمة غاسلي الأموال.

ك – الاعتماد المستندي:

ويتم بعقد بيع دولي بين بائع ومشترى وتنظيم البنوك العلاقة بينهما، وقد تستخدم هذه الوسيلة لغسل الأموال غير المشروعة عن طريق اتفاق بين البائع المصدر للبضاعة والمشترى المستورد بالتلاعب بأثمان البضاعة، حيث يتم تقديم الفواتير المرفقة مع وثائق المستند بمبالغ كبيرة ويتم سداد الاعتماد من قبل المشترى، لتبدد وكأنها أموال ناتجة عن استيراد وتصدير عقود دولية.

4- مخاطر غسل الأموال على الجهاز المصرفي:

هناك العديد من المخاطر الناجمة عن عمليات غسل الأموال التي تتعرض لها المؤسسات المصرفية، ومنها تشويه سمعة المؤسسة المصرفية وضعف الثقة فيها، مما يضعف من دور القطاع المالي في النمو الاقتصادي.

كذلك فقد يقوم المودعين بسحب ودائعهم من المؤسسات المصرفية ولا يتم التعامل معها فتتعرض لمخاطر الإفلاس، وقد يؤدى السحب المفاجئ للودائع إلى إحداث فجوة في النقد المتوفر لدى المصرف، مما ينعكس سلباً على عملياتها.

وقد تؤدى عمليات غسل الأموال إلى اضطراب في عمل الجهاز المصرفى، وعدم استقرار المؤسسات المصرفية، ويمكن أن تتولد هذه الاضطرابات العمليات الوهمية المرتبطة بغسل الأموال في الاقتصاد ككل، وفى الأسواق المالية والنقدية، فيضعف القيم والمعايير الاجتماعية السليمة.[5]

خامساً : بعض اجتهادات محكمة التميز الأردنية فيما يتعلق بالجرائم البنكية:

ورد في حكم محكمة التميز بصفتها الحقوقية رقم 3610 لسنة 2020 ما يلي:

الأفعال التي أقدم عليها المتهم والمتمثلة بقيامه بالدخول إلى نظام تحويل الأموال عن طريق الدخول إلى التطبيق المخصص للهاتف والموقع الإلكتروني للبنك على شبكة الإنترنت في التوقيت نفسه، وكان يقوم بإجراء عمليتي تحويل إحداهما على تطبيق الهاتف والأخرى عملية تحويل على الموق الإلكتروني للبنك، إنما تشكل بالتطبيق القانوني كافة أركان وعناصر جناية الدخول إلى نظام معلومات تتعلق بتحويل الأموال وفقاً لأحكام المادة (7) من قانون الجرائم الإلكترونية، وبدلالة المواد (3,4,5) من قانون الجرائم الاقتصادية المسندة إليه ما يستوجب معه تجريمه بهذه الجنائية وتحديد مجازاته وفقاً لأحكام القانون.

كما أن الأفعال التي أقدم عليها المتهم والمتمثلة بقيامه بارتكاب جرم غسل الأموال وفقاً لأحكام نتيجة لارتكابه جناية الدخول إلى نظام معلومات تتعلق بتحويل الأموال وفقاً لأحكام المادة (7) من قانون الجرائم الإلكترونية، وبدلالة المواد (3,4,5) من قانون الجرائم الاقتصادية وحصوله على أموال البنك بغير وجه حق وقيامه بقصد إخفاء وتمويه مصدر الأموال غير المشروع بشراء قطعة أرض من المتهم ودفع ثمنها بموجب شيكين لإظهار هذه الأموال بمظهر غير مخالف، وأنه ناشئ عن أنشطة مشروعة والعلامة السببية القائمة ما بين الفعل والنتيجة، مع توافر عنصر العلم بعدم مشروعية هذه الأموال والإرادة المتجهة إلى ارتكاب هذه الأركان مع هذا العلم، علاوة على توافر القصد الخاص إنما تشكل بالتطبيق القانوني كافة أركان وعناصر جناية غسل الأموال وفقاً لأحكام المادة (24/أ/2) من قانون غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبدلالة المواد (3،4،5) من قانون الجرائم الاقتصادية المسندة إليه مما يستوجب معه تجريمه بهذه الجناية..).

ورد في حكم محكمة التميز بصفتها الحقوقية رقم 396 لسنة 2020 ما يلي:

فيما يتعلق بجناية غسل الأموال المسندة للمتهمين وفقاً لأحكام المادة (24/أ/2) من قانون غسل الأموال وتمويل الإرهاب أن النيابة العامة لم تقدم البينة الجازمة والمقنعة التي تثبت أن المتهمين كانوا يعلمون أن الأموال التي تم تداولها وذلك بتحويلها من إمارة دبي أنها أموال غير مشروعة إذ يقع عبء إثبات هذه الواقعة على عاتق النيابة العامة إذ لا يرقى إلى درجة دليل الإثبات تحويل هذه المبالغ بطريقة غير رسمية وعدم الإفصاح عنها وعدم قيدها في السجلات والقيود الدفترية والمحوسبية إلى فعل غسل المال فلم يرد ضمن بينة النيابة العامة ما يثبت أن المتهمين كانوا يعلمون يقيناً أن هذه الأموال هي أموال غير مشروعة ناتجة عن ارتكاب جريمة الأمر الذي يستوجب إعلان عدم مسؤوليتهم عن التهمة المسندة إليهم.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر براردي، سميرة، جريمة إفشاء السر البنكي نموذجا ، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة زيان عاشور بالجلفة ،٢٠١٨، ص٧٤.

[2] نفس المرجع السابق ص٧٧.

[3] انظر بني خالد، مرعي حسن ، دور البنوك التجارية الأردنية في الوقاية من جريمة غسيل الأموال ، مجلة المنارة للبحوث والدراسات العدد٥ المجلد ١٧، ٢٠١١، ص٢١٥.

[4] انظر نفس المرجع السابق، ص ٢١٨.

[5] نفس المرجع السابق ص ٢٢٢.

Scroll to Top