المعاينة في مجال الجرائم الإلكترونية
يعتبر التقدم التكنولوجي والحداثي الذي وصلت إليه البشرية من أهم العوامل التي أضفت مفهوم مختلف لشكل البحث الجنائي في الجرائم، والذي بدوره اثر أيضا على مسرح الجريمة وغير من شكله، جاعلا إياه مختلف تماما عن المسرح التقليدي والمتعارف عليه في مجال الإثبات الجنائي والجريمة بشكل عام، ولعل ذلك التأثير الذي أحدثه التطور التكنولوجي على البشرية جمعاء كان سببا في ظهور إشكالات إجرائية متصلة بعملية التحقيقات في الجرائم المعلوماتية، خاصة فيما هو متصل بمعاينة الأدلة الرقيمة، وآليات جمعها وتتبعها داخل تلك البيئة، ناهيك عن الاختصاص المكاني والنوعي لتلك الجرائم المحدد للجهات القضائية التي يناط بها التحقيق، وذلك لعدم محدودية الإنترنت والبيئة المعلوماتية بشكل عام، و لإيضاح الصورة بشكل افضل نتعرض للاتي:
أولا: مفهوم الانتقال و المعاينة في الإثبات الجنائي:
ثانيا: الفرق بين مسرح الجريمة المعلوماتية والجريمة العادية:
ثالثا: المعاينة والانتقال داخل البيئة المعلوماتية:
رابعا: الاختصاص المحلي لجهات التحقيق في الجرائم الإلكترونية:
أولا: مفهوم الانتقال و المعاينة في الإثبات الجنائي:
الانتقال في اصطلاح فقهاء القانون هو توجه المحقق أو رجل الضبط الجنائي إلى المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة، حيث توجد أثارها وأدلتها، لاتخاذ إجراء من إجراءات التحقيق كلما رأي لذلك مناسبة.[1]
والانتقال لا يعد هدفا بحد ذاته ولكن يقصد به تمكين المحقق من اتخاذ إجراء من إجراءات التحقيق لا يستطيع المحقق القيام به إلا في حالة انتقاله إلي ذلك المكان، والانتقال لتفتيش منزل المتهم أو لمعاينة معالم الجريمة وآثارها المادية هو ما يعد في الغالب الهدف من الانتقال.[2]
ويعتبر الانتقال من أهم إجراءات التحقيق، إذ يتيح للمحقق معاينة مكان الجريمة، وسماع الشهود، قبل أن يتمكن المتهم وذوه من إزالة آثار الجريمة، أو إخفاء الأشياء التي استعملت فيها، أو نتجت عنها، أو التأثير على الشهود.[3]
والمعاينة هي المرحلة الأولية التي يتشكل فيها أركان وأجزاء التحقيق الجنائي في الجرائم، حيث وأنه بعد حدوثها وفي مسرح الجريمة يتم رصد الآثار و الشواهد و الضوابط الدالة على تلك الجريمة، مما يعزز دور الانتقال إلى مسرح الجريمة في الإثبات الجنائي، وذلك بغية معاينة ورصد كل ما حدث جراء الفعل الإجرامي، سواء كان ذلك عن طريق الكتابة أو التصوير أو أي طريقه أخرى تتثنى لمجرى تلك المعاينة.
ولما كانت المعاينة تشكل فارقا كبير في قيد ووصف الجريمة الجنائية، ويترتب عليها مصير المجني عليه والمتهم معا، وكذلك حق المجتمع في أن يعاقب كل من أخطأ، لحفظ سلامة قوام المجتمع، فقد اهتم المشرع الوطني في الأردن أو حتى في التشريعات العالمية بوضع إطار وضوابط للانتقال والمعاينة في مجال الجرائم الجنائية بشكل عام.
وقد عرف الدكتور أحمد فتحي سرور عملية المعينة أنها: ” إثبات مباشر ومادي لحاله شيء أو شخص معين ويكون ذلك من خلال الرؤية أو الفحص المباشر للشيء أو الشخص بواسطه مباشر الإجراء”.[4]
وتكون المعاينة لموقع الجريمة بعد انتهاء الجريمة في حالة من المحافظة على كل ما تبقى من آثار وعدم المساس بالأدلة الجنائية المختلفة من جراء ذلك الفعل الإجرامي، وتكون الجريمة في تلك الحالة قد انتهت بالفعل، عكس الجرائم الإلكترونية التي يكون فيها العمل الإجرامي مستمرا، كما سنفرد شرحا تفصيليا وافيا لتلك النقطة.
وتبدأ مرحلة الانتقال بالنسبة إلى مجرى التحقيقات مع بداية جمع البيانات والمعلومات اللازمة حول الجريمة ومكانها ووقت حدوثها بالتفصيل، كذلك حينما يجمع أسماء الضحايا وكل المعلومات التي تحيط بالجريمة وذلك على وجه السرعة للحفاظ على الأدلة وفي نوع من أنواع السرية لحفظ وسلامة التحقيقات وعدم الإضرار بها، وبعد الانتقال يتم الاستعانة بخبراء الطب الشرعي لأخذ عينات من تلك الآثار لفحصها ودراستها معمليا وجمعها وكتابة التقارير الفنية التي يسطر فيها جنبا إلى جنب النتيجة النهائية لما انتهت إليه المعاينة.
ومما سبق نجد أن تعريف المعاينة بأنها الإجراء الذي يتضمن وصف مكان الحادث بما فيه من أشياء وأشخاص، والفحص الدقيق لكافة المحتويات بهدف كشف مخلفات وآثار الجاني بالمكان، والتي تشير إلى شخصيته أو شركائه، وما قد يفيد في إثبات ارتكاب الجريمة، وتوضيح قدرا من الاستنتاجات المنطقية التي تشكل في حد ذاتها الأساس الذي تقام عليه عملية التحقيق والبحث التالية.[5]
وفي حالتنا التي نحن بصددها في طيات هذا المقال الأمر يكون مختلفا نظرا لاختلاف نوع الجريمة، فالجرائم الإلكترونية تكون داخل بيئة افتراضية ومسرح جريمة افتراضي لا وجود له على أرض الواقع، الأمر الذي يضحي معه الحديث واجبا عن الفرق بين مسرح الجريمة الاعتيادي والتي تتم فيه المعينة على النحو السابق ذكره ومسرح الجريمة الإلكترونية في السطور التالية:
ثانيا: الفرق بين مسرح الجريمة المعلوماتية والجريمة العادية:
تكمن أهمية تحديد مفهوم مسرح الجريمة في أنه المحدد لنوع وشكل الجريمة والمتهمين وحجم الضرر الواقع على المجني عليهم، فهو يعتبر بمثابة الصندوق الأسود الذي يكشف خبايا العمل الإجرامي الذي تم بمعرفة الجناة، فقد ذهب البعض إلى أنه المكان الذي وقعت فيه الجريمة سواء كانت شقة أو محل تجاري أو غيره من الأماكن محل الواقعة، مع رؤيتهم لضرورة إخلاء ذلك المكان من ثمة أشخاص متواجدون وحظر الدخول إليه للحفاظ على الأدلة وعدم العبث بها.
إذ يشمل مسرح الجريمة بمفهومه الواسع المكان الذي تمت فيه الجريمة والأماكن التي وجد فيها جسم الجريمة. فإذا كانت الجريمة قتلا فإن مسرح الجريمة يكون مكان القتل، والمكان الذي نقلت إليه الجثة، والأماكن التي أخفيت فيها أدوات القتل.[6]
فيما أخذ اتجاه آخر بالمفهوم الواسع لمسرح الجريمة وجعله ولا يقتصر فقط على المكان الذي حدثت فيه الجريمة، وإنما اعتبار الطرقات المؤدية إلى ذلك المكان والشوارع والمحلات المجاورة و الوحدات السكنية الملاصقة له ضمن اطار مسرح الجريمة، فقد ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى بناء مفهوم موسع لمسرح الجريمة.
ومما سبق يمكن إيجاز مفهوم مسرح الجريمة في اتجاهين:
الأول يعتمد في تحديده لمسرح الجريمة كونه المكان الذي تسقط به آثارا مادية من الجاني أو المجنى عليه أو الشاهد أو يعلق بأي منهم أثار مادية من المسرح، وقد يحتوي مسرح الجريمة على مكان واحدا أو عدة أماكن وقع فيها النشاط الإجرامي، والاتجاه الثاني يتمثل في المكان الذي قصده الجاني بإرادته وعلمه لارتكاب الجريمة ويبقى فيه إلى أن يحقق هدفه وينصرف. ومن الملاحظ أن الاتجاهات السابقة تقصر مسرح الجريمة على النشاط المادي للجناة أثناء ارتكابهم الجريمة، وهذا يمثل المفهوم الضيق لمسرح الجريمة، نظرا لخلو المفهوم من تحديد أدوار المساهمين في ارتكاب الجريمة التي يمتد إليهم المسرح فيتسع نطاقه عن مكان الاقتراف.
أما الاتجاه الأخر: يأخذ المفهوم الموسع لمسرح الجريمة، كما هو موضح سلفا باعتبار كل ما يحيط بهذا المسرح من طرق وشوارع جانبية ومحلات تجارية و الوحدات السكنية المحيطة بذلك المسرح ضمن إطار مسرح الجريمة، وفي أرض الواقع نجد أن العديد من الدول قد نحت هذا المفهوم الموسع لمسرح الجريمة واكتفت بانتهاج الاتجاه الأول بأن المسرح الإجرامي هو الذي وقعت فيه الجريمة بالمفهوم الضيق على النحو الموضح سلفا.
ولما كان ما سبق هو الحادث في المعاينة والانتقال في الجرائم الاعتيادية والتقليدية والتي يكون فيها مسرح الجريمة هو مسرح مادي يتحقق فيه الفعل الإجرامي بشكل ملموس، وهو الذي تتم فيه عملية الانتقال والمعاينة وجمع الأدلة بالطرق التقليدية المتعارف عليها كإجراء من إجراءات التحقيق للتوصل إلى النتيجة النهائية حول ظروف وملابسات الجريمة.
أما في الجرائم الإلكترونية الواقعة في البيئة الرقمية، نجد أن عملية الانتقال والمعاينة تواجه العديد من الإشكالات الإجرائية أثناء سير إجراءات التحقيق، ونجد أن عملية الانتقال والمعينات في الجرائم الإلكترونية تتطلب شروطا خاصة لابد أن تتوفر في مجريها، مثل الخبرة في مجال الأمن المعلوماتي وغيره من المجالات المتصلة بالبيئة الرقيم، فتختلف هنا المعاينة للجرائم الإلكترونية عن المعاينة للجرائم الاعتيادية السالف ذكرها، ذلك في كون أن البيئة مختلفة تماما عن مثيلتها في أرض الواقع، وكون أن الجريمة الإلكترونية هي جريمة مستمرة الأثر تقبع في عالم افتراضي، بخلاف الجرائم الاعتيادية والتي حدثت وانتهت في الماضي وأحدثت آثارها بشكل مادي في أرض الواقع.
فلا وجود لمسرح جريمة بشكل مادي هنا، وإنما يكون المسرح هو افتراضي مكانه الخوادم والمواصلات وأجهزة التخزين المربوطة بالشبكة العنكبوتية، سيما تلك التي تحاط بتأمين مثل البنوك وغيرها من المرتبطة بالمنشآت الحساسة داخل الدول.
و للتعمق أكثر في الجرائم المعلوماتية وكيفية التحقيق فيها، كان لازما علينا التعرض للمعانيه داخل البيئة المعلوماتية في السطور التالية:
ثالثا: المعاينة والانتقال داخل البيئة المعلوماتية:
تكمن إشكالية المعاينة والانتقال داخل البيئة المعلوماتية في اختلاف مسرح الجريمة عن الجرائم التقليدية، حيث أنه في عمليات المعاينة في الحالات العادية للجرائم تتم المعاينة عن طريق الانتقال إلى مسرح الجريمة وملاحظة وجمع الأدلة والآثار الظاهرة عقب ارتكاب الجريمة، أما في الجريمة المعلوماتية تكون المعاينة عن طريق تقفي أثر النشاط الإلكتروني والمعلوماتي للجريمة داخل العالم الافتراضي، عن طريق استخدام وسائل تقنية وبرامج حاسوب، لمراقبة وملاحظة واستكشاف النشاط الإجرامي داخل تلك البيئة الافتراضية، وغالبا ما يكون هذا النشاط – الإجرامي – مستمرا ومتغيرا مع مرور الوقت، عكس الجرائم العادية والتي تكون قد انتهت بالفعل، وبالتالي تختلف عملية المعاينة والانتقال من جهات جمع الاستدلالات أو جهات التحقيق في تلك الحالة.
ويستلزم أن تكون هناك اشتراطات ومعايير خاصة في مجرى التحقيق أو مجرى جمع الاستدلالات الأولية للواقعة، وقد يتطلب الأمر دراسة هندسة الحاسب الآلي أو توافر خبرة في تحليل البيانات أو غيرها من مجالات الحاسب الألي، أو حتي الاستعانة بخبراء بما يناسب كل تحقيق، و للتعرف بشكل أعمق على كيفية المعاينة للأدلة في الجرائم المعلوماتية، نتعرض لماهية الدليل المعلوماتي الذي تخلفه الجريمة المعلوماتية ورائها موضحين بعد ذلك أنواع تلك الأدلة وطرق المعاينة بشيء من التفصيل:
1- مفهوم الدليل الإلكتروني:
يختلف الدليل الإلكتروني عن الأدلة الجنائية في الجرائم المختلفة، فيكون له طبيعة خاصة وشروط شكلية وموضوعية لاعتبار الدليل ” دليلا إلكترونيا”، حيث يكون مرتبطا ارتباطا وثيقا بالبيئة المعلوماتية وأجهزة الحاسب الآلي.
فالدليل الإلكتروني عبارة عن معلومات يقبلها المنطق والعقل ويعتمدها العلم، ويتم الحصول عليه بإجراءات قانونية وعلمية بترجمة البيانات الرقمية المخزنة في أجهزة الحاسب الآلي وملحقاتها وشبكات الاتصال، ويمكن استخدامها في أي مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة لإثبات حقيقة فعل أو شيء له علاقة بجريمة أو تحديد هوية الجاني أو بيان مدى الضرر للمجني عليه.[7]
واعتبر الفقه الجنائي الأدلة الجنائية الرقمية بأنها التي تشتمل على جميع البيانات الإلكترونية أو الرقمية التي يمكن أن تثبت وجود ووقوع الجريمة، أو توجد علاقة بين الجريمة المرتكبة والجاني أو توجد علاقة بين الجريمة والضحية والبيانات الرقمية هي مجموعة الأرقام التي تمثل المعلومات الرقمية المختلفة الواردة سواء أكانت رسومات ونصوص مكتوبة أم الخرائط والصوت والصورة.
ويعرف الدليل الرقمي أيضا بأنه ذلك الدليل المأخوذ من أجهزة الحاسب الآلي، ويكون في شكل مجالات أو نبضات مغناطيسية يمكن تجميعها وتحليلها باستخدام برامج وتطبيقات تكنولوجية خاصة ويجري تقديمها في شكل دليل يمكن اعتماده أمام القضاء، وهو مكون رقمي لتقديم معلومات في أشكال متنوعة مثل: النصوص المكتوبة أو الصور والأصوات والأشكال والرسوم، وذلك من أجل الربط بين الجريمة والمجرم والمجني عليه.[8]
ويتضح مما سبق العلاقة الوثيقة بين الأدلة الإلكترونية وأجهزة الحاسب الآلي، وتلك الأخيرة أثرت بدورها على كامل عملية المعاينة في مجال الجرائم الإلكترونية.
و للوقوف على تصور عملي لعملية المعاينة في مجال الجرائم المعلوماتية كان لابد من ذكر أنواع تلك الأدلة بشيء من التفصيل على النحو التالي:
2- أنواع الأدلة الإلكترونية:
تختلف وتتشعب الأدلة الإلكترونية بحسب أنواع الجرائم المعلوماتية، حتى وإن أخذنا بالمفهوم الواسع للجريمة المعلوماتية والذي سبق وأن تحدثنا عنه بصدر المقال، فلا يعتبر دليل إلكتروني سوى ذلك الدليل الذي اتصل بجهاز من أجهزة الحاسب الآلي، ومن أهم أنواع الأدلة في ذلك السياق ” القرص المرن- CD ” والمستخدم في الجريمة إذا ما كانت تحتوي على بيانات وكلمات مرور أو أي شيء آخر استخدم في ارتكاب الجريمة الإلكترونية، كذلك الأدلة الورقية المخرجة من الطابعات المتصلة بالحواسيب، وكذلك أجهزة الحاسب والقطع الداخلية والتي استخدمت في الجريمة، والطابعات وما تحويه من أوراق وأجهزة “الراوتر” والتي تساعد في نقل الإنترنت إلى أجهزة الحاسب الآلي.
فكل قطعة إلكترونية وإن كانت صغيرة لها رقم تعريف محدد حتى وإن تغيرت الأجهزة، ويتضح جليا مما سبق أن عملية المعاينة تكون عبر جمع كل الأدلة الإلكترونية من أشخاص مؤهلين علميا وعمليا مطلعين على آخر ما توصلت له التكنولوجيا لتقفي أثر مرتكبي تلك الجرائم، حيث أن تلك الجرائم تقع من محترفين في مجال الاختراق ودائما ما يجعلون من عملية تتبعهم معقدة بعد ارتكاب تلك الجرائم.
ويجب على جامعي الأدلة اتخاذ كافة التدابير اللازمة من الحذر والحيطة والوضع في الحسبان عن مدي إمكانية التلاعب بالدليل الإلكتروني، وبيان مدى تعرض تلك الأدلة إلى التلف حال استخدام جهاز الحاسب بعد الجريمة، فلابد أن يخدم كل ما فات عملية ملاحقة المجرمين في قضايا الجرائم المعلوماتية.
3- الانتقال وطرق المعاينة في الجرائم الإلكترونية:
بعد أن تعرفنا على مفهوم الدليل الإلكتروني وأنواع الأدلة الإلكترونية، نتحدث في السطور التالية عن آلية الانتقال، وآلية معاينة وجمع الأدلة في الجرائم الرقمية، فالمعاينة هي عملية الفحص الدقيق لآثار الجريمة كما وضحنا في النقطة الأولى بصدر المقال، في محاولة لفهم ظروف وملابسات الواقعة.
وترجع أهمية الانتقال والمعاينة إلى أنها تتيح للمحقق علي أن يطلع على أدلة الجريمة ويثبتها قبل أن تمتد إليها يد العبث والتشويه.[9]
ولكن الأمر مختلف في مجال الجرائم الإلكترونية حيث أن الانتقال هنا لا يتم بشكل مادي، وإنما يمكن أن يتم من خلال جهاز الحاسب في مكتب مجرى التحقيقات، ولا يكون عن طريق الانتقال المادي بوسائل المواصلات كما هو معتاد في الجرائم، وإنما يكون عبر برامج إلكترونية مخصصة لتقفي أثر الجرائم في الواقع الافتراضي.
ومن حيث المعاينة فهي لا تكون بتلك الأهمية التي تحظى بها في نظيرتها من الجرائم الاعتيادية، وذلك لعدة اعتبارات أولها أن تلك الجرائم التي تقع في العالم الإلكتروني لا تخلف ذات الآثار الناتجة جراء الجرائم الاعتيادية، لأن مسرح الجريمة مختلف وغير محدد، ويكون أكثر عرضة للعبث به بعد وقوع الجريمة الإلكترونية، نظرا لولوج العديد من الأشخاص عليها خلال فترات زمنيه متقاربه.
لذلك قررت بعض التشريعات جزاءات على إجراء أي تغيير على مكان الجريمة، وذلك مثل قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي (1/155)، وقانون الإجراءات الجزائية الجزائري المادة (43)، والتي جاء فيها أنه يحظر في مكان ارتكاب جناية على كل شخص لا صفة له، أن يقوم بإجراء أي تغيير على حالة الأماكن التي وقعت فيها الجريمة أو ينزع أي شيء منها قبل الإجراءات الأولية للتحقيق القضائي وإلا عوقب بالغرامة. ويستثني من هذا الحظر حالة ما إذا كانت التغييرات أو نزع الأشياء للسلامة والصحة العمومية أو تستلزمها معالجة المجني عليهم، وتشدد الغرامة إذا كان المقصود من نزع الأشياء عرقلة سير العدالة.
وأجاز القانون الأمريكي لعضو نيابة المعلومات أن يعجل بإجراء المعاينة خشية ضياع الأدلة، وذلك بإرسال رسالة إلى مزود الإنترنت يلزمه فيها بالتحفظ على السجلات المطلوبة إلى حين صدور أمر المحكمة باتخاذها لذلك الإجراء أو غيره.[10]
ونظرا لصعوبة أمر المعاينة والانتقال كما ذكرنا سلفا في الجرائم الإلكترونية، فلابد أن يجمع مجري المعاينة الأدلة بحرص شديد، وأن يأخذ بيانات الحواسب وجميع الأجهزة المستخدمة في الجريمة، ويتتبع أثرها عبر بوابة الإنترنت، حيث أنه وفى الآونة الأخيرة طورت الدول عملية البحث العلمي في الجرائم الإلكترونية ومكافحة جرائم الإنترنت، وأصبحت معظم الدول تمتلك نظاما قويا في المجال المعلوماتي، سيما في ظل اتفاقات التعاون المشترك بين الدول وتبادل المعلومات اللازمة في اطار مكافحة الجرائم الإلكترونية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيفية تحديد الجهة المختصة مكانيا بأجراء التحقيقات في الجرائم الإلكترونية؟ ونتعرض في النقطة الأخيرة من هذا المقال للاختصاص المكاني والمحلي للجرائم المعلوماتية:
رابعا: الاختصاص المحلي لجهات التحقيق في الجرائم الإلكترونية:
تكمن إشكالية الاختصاص المحلي للجرائم المعلوماتية في لا مركزية تلك الجرائم، حيث أن معظم تلك الجرائم تتسم بالعالمية، نظرا لوجودها في بيئة معلوماتية منفتحة، وعلى أساس ذلك يكون المجرم في دولة ويخترق مصرف أو مؤسسة في دولة أخرى، بالشكل الذي يثار معه عدة إشكالات قانونية في الاختصاص المحلي لتلك الجرائم، مثل مشكلة اختصاص جهة التحقيق في جريمة إلكترونية واقعة في أكثر من دولة، فالمشكلة تكمن هنا في تحديد الجهات هي التي يناط بها إجراء التحقيقات في تلك الجرائم، وكذا إجراء عمليات الانتقال والمعاينة وتقفي أثر الجريمة.
وطبقا للطبيعة الدولية والعالمية لجرائم الإنترنت، أصبح مسرح الجريمة غير قابل للتحديد، وباتت هناك اتفاقات دولية بين الدول لمكافحة تلك الجرائم، حيث نصت تلك الاتفاقات على حالات معينة تحدد الاختصاص المكاني لتلك الجرائم، وأجاز بعض من تلك الاتفاقات تشاور الدول مع بعضها البعض لتحديد المكان الأنسب للجريمة المعلوماتية، وأضحي هناك العديد من اتفاقيات التعاون المشترك في مجال مكافحة تلك الجرائم المعلوماتية العابرة للحدود.
ومما سبق نستنتج أن الجريمة المعلوماتية هي جريمة عالمية وعابرة للحدود، تختص بها التشريعات الوطنية إذا ما وقعت بالكامل داخل حيز الدولة، أما إذا ما كانت خارجها فيتم إرجاعها إلى قواعد القانون الدولي، والاتفاقيات الثنائية والجماعية متعددة الأطراف، ومع مرور الوقت يزداد التعاون بين الدول لمكافحة تلك الجرائم لخطورتها وتأثيرها البالغ على اقتصادات الدول.
والخلاصة أنه يجب على الدول جميعا العمل على إيجاد إطار متكامل للجرائم المعلوماتية، بداية من إدراج مواد دراسية لدارسي القانون مختصة بالجرائم المعلوماتية بالتفصيل مع التثقيف والتأهيل التكنولوجي لدارسي القانون والمحتمل كونهم رجال شرطة أو قضاء أو محامين، والعمل على عقد المؤتمرات التوعوية والندوات التثقيفية للموظفين والعاملين وتوقيع الاتفاقيات المكافحة لتلك الجرائم خاصة على الصعيد الإقليمي العربي.
إعداد/ عماد محمد.
[1] د. مدني عبد الرحمن تاج الحين، أصول التحقيق الجنائي وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية، دراسة مقارنة، مركز البحوث، معهد الإدارة العامة، الرياض، السعودية ۲۰۰4م، ص ۱۹۱.
[2] د. عبد الحميد بن عبد الله الحرقان، الإجراءات الجنائية في مرحلة ما قبل المحاكمة في المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، مطابع الحميضي، ص 13.
[3] ، د. فوزية عبد الستار، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية ۱۹۹۰م، ص ۲۲۱.
[4] د. أحمد فتحي سرور الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، القاهرة دار النهضة العربية، 1981، ص 287.
[5]لواء د. محمد فاروق عبد الحميد كامل، القواعد الفنية الشرطية للتحقيق والبحث الجنائي، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، الطبعة الأولى، ۱۹۹۹م، ص ۲46.
[6] العميد د. معجب بن معدي الحويقل، المرشد للتحقيق والبحث الجنائي، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية الرياض، الطبعة الأولى، ۲۰۰۳م، ص ۵۰.
[7] طاهري عبد المطلب، الإثبات الجنائي بالأدلة الرقمية، 2015، ص5. وانظر مقال للمحامي سامي العوض محامي جرائم إنترنت، منشور على موقع حماة الحق – محامي الأردن – .
[8] أ. بن فريحة رشيد، د. ميهوب يوسف، التحري في مسرح الجريمة الإلكترونية، ص3.
[9] د. محمد نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، ص640.
[10] عثمان. عادل حمد، ضبط الالة في مجال الجرائم الإلكترونية، ص 203.

