المشرع الأردني وظروف الإسناد عند تنازع القوانين

المشرع الأردني وظروف الإسناد عند تنازع القوانين

وبالتطرق للتشريع الأردني نجده أن شأنه شأن التشريعات والقوانين الأخرى كما نجده لم يتمسك بشكل مطلق بأحد مبدأي شخصية القوانين أو إقليمية القوانين دون الأخر، وإنما أخذ بمبدأ إقليمية القوانين بصفة أصلية و لم يتنازل عن اختصاص القانون الوطني إلا في الأحوال التي تشير فيها قواعد الإسناد الى الأخذ بالقانون الأجنبي أي استثناءا حالات محددة، فالأصل في الاختصاص للقانون الوطني، وعلى ضوء ذلك سنتناول ظروف الإسناد ومدى تأصيلها من قبل المشرع الأردني ذلك على ثلاث محاور،  وفق الاتي :–

أولاـ المشرع الأردني والقواعد الإسنادية لتنازع القوانين

ثانياـ المشرع الأردني والقواعد المادية لتنازع القوانين

ثالثاـ المشرع الأردني والمصلحة الوطنية في تطبيق القانون الأجنبي

ويأتي التناول بنحو أكثر تفصيلا على النحو الاتي:-

أولاـ المشرع الأردني و القواعد الإسنادية لتنازع القوانين:

قد وضع المشرع الأردني قواعد إسناد تنظم المراكز القانونية للطوائف الرئيسية والعلاقات القانونية وقرر لكل مجموعة قواعد تحدد القانون الواجب التطبيق على النحو الاتي :-

1ـ القانون الواجب التطبيق بالنسبة للأشخاص.

2ـ القانون الواجب التطبيق بالنسبة للأموال.

3ـ القانون الواجب التطبيق بالنسبة للتصرفات و الالتزامات و الوقائع القانونية{1}.

{1} القانون الدولي الخاص (تنازع القوانين) د/ حسن الهداوي ، الطبعة الثانية /عمان-1997م ، مكتبة دار الثقافة للنشر و التوزيع -عمان، رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية ( 459-1995) ص 83

1ـ القانون الواجب التطبيق بالنسبة للأشخاص :-

لا تخرج حالة الشخص وأهليته العامة والخاصة عن أحد مبدأين هما قانون الموطن أو قانون الجنسية. وهذا الأمر يتوقف على الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل دولة، وعلى هذا فقد أخضع المشرع الأردني ما سبق ومسائل الأحوال الشخصية ( الزواج، الولادة، الميراث، الأهلية، النسب، الحضانة، النفقة، الوصية، الولاية) لقانون الجنسية وليس لقانون الموطن، كما وترك المشرع الأردني للقاضي حق تعيين القانون الواجب التطبيق فيما إذا كان الأشخاص مجهولي الجنسية، أو لهم جنسيات متعددة في وقت واحد ولم تكن الأردنية من بينها، حيث دل المشرع على” تعين المحكمة القانون الذي يجب تطبيقه في حالة مجهولي الجنسية أو الذين ثبتت لهم جنسيات متعددة في وقت واحد، على أن الأشخاص الذين ثبتت لهم في وقت واحد الجنسية الأردنية وجنسية دولة أجنبية أخرى فإن القانون الأردني هو الذي يجب تطبيقه”.

2ـ القانون الواجب التطبيق بالنسبة للأموال :-

حيث أخضع المشرع الأردني الأموال منقولات كانت أم عقارات باعتبارها مفردات قابلة للتملك لقانون موقعها، ومبرر إخضاع المشرع الأردني المال لقانون موقعها هو لاعتبارات متعددة منها اعتبارات تاريخية، حيث أجمعت النظريات على إعطاء الاختصاص الى قانون المال، وأيضا لاعتبارات سياسية؛ ولكون المال جزء من إقليم الدولة يخضع تحت رقابتها وحمايتها، يحول ذلك دون إخضاعه لقانون أجنبي.

3ـ القانون الواجب التطبيق بالنسبة للتصرفات والالتزامات والوقائع القانونية :-

نجد أن الالتزامات المالية تحكم بعدة قواعد تختلف باختلاف مصادر الالتزام فيما إذا كان إراديا، كالعقد أو الإرادة المنفردة، أو قانونيا كالتصرفات الضارة والنافعة، فالشكل الخارجي للتصرف الإرادي يخضع لقانون محل الإبرام بشكل عام إلا أن المشرع الأردني أخضع العقود في شكلها لقانون البلد الذي تمت فيه كما و أجاز المشرع إخضاعها للقانون الذي يسري على أحكامها الموضوعية أو لقانون موطن المتعاقدين أو لقانونهما الوطني المشترك، بينما تخضع الالتزامات التعاقدية الموضوعية لقانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنا وفي حال الاختلاف تخضع لقانون الدولة التي تم فيها العقد، والالتزامات غير التعاقدية تخضع لقانون محل ارتكاب الفعل .

حيث نص المشرع الأردني في القانون المدني بالمادة (20) منه على :” 1- يسري على الالتزامات التعاقدية قانون الدولة التي يوجد فيها الموطن المشترك للمتعاقدين إذا اتحدا موطنا فإن اختلفا سرى قانون الدولة التي تم فيها العقد هذا ما لم يتفق المتعاقدين على غير ذلك. 2- على أن قانون موقع العقار هو الذي يسري على العقود التي أبرمت في شأن هذا العقار”.

ومن الجدير بالذكر، ومن خلال النصوص السابقة، أن المشرع الأردني انتهج مناهجا مختلفة تجاه موضوع قواعد الإسناد :-

ـ فتارة تكون الفكرة المسندة تستند على أكثر من مسألة، مثال ذلك القاعدة الواردة في الماد (1/12) من القانون المدني الأردني والتي يتضمن موضوعها الأهلية، وكذلك القاعدة الواردة في المادة (2/14) من القانون المدني الأردني والتي يختص موضوعها بالطلاق .

ـ وعلى العكس من ذلك قد يقتصر موضوع قواعد الإسناد على مسألة واحدة كما هو في المادة (18) من القانون المدني، حيث تتعلق بفكرة مسندة واحدة وهي فكرة الميراث، وكذلك المادة (19) من القانون المدني، حيث جمع المشرع كافة الحقوق العينية في فكرة مسندة واحدة وهي مركز الأموال وأسندها إلى قانون موقعها .

ـ والمنهج الأخير هو أن تتوزع بموجبها مسألة واحدة ما بين أكثر من قاعدة إسناد، كما هو في علاقة الزواج التي تتوزع ما بين عدة قواعد للإسناد، فهناك قاعدة إسناد ورادة في المادة (1/13) من القانون المدني، والتي تتعلق بالشروط الموضوعية لصحة الزواج، والقاعدة الواردة في المادة (1/14) من القانون المدني والتي تتعلق بأثار الزواج و كذلك الأثار بالنسبة للمال، وأيضا القاعدة الواردة في المادة (2/14) من القانون المدني، المتعلقة بالطلاق{2}.

{2} قواعد الإسناد بين الحياد و التجريد_ أ/ حزيقة سعيد بني صالح 2016م ،جامعة اليرموك / كلية القانون _قسم القانون الخاص ص 7 9

ثانياـ المشرع الأردني و القواعد المادية لتنازع القوانين :

أن المجتمع يسير دوما نحو التطور فيما يتعلق بالمعاملات فقد اختلفت طبيعة المعاملات التعاقدية فيما يتعلق بكيفية وسائل انعقادها في العصر الحاضر بدءا من التفاوض بشأنها وحتى مرحلة التنفيذ مواكبة

للتقدم التقني والعلمي والتطور الاجتماعي، وعلى ضوء هذه المواكبة والجدل القائم على قواعد الأسناد تولدت قواعد مادية ارتبطت بالعلاقات والمعاملات الدولية في كثير من المناحي، الأمر الذي أثر على وسائل فض النزاعات الدولية، وهذا ما يمكن إيجازه في النقاط التالية:-

1ـ التعريف بالقواعد المادية وأسباب ظهورها ومصادرها

2ـ علاقة التشريع الأردني بالقواعد المادية

1ـ التعريف بالقواعد المادية و أسباب ظهورها و مصادرها:ـ

هي قواعد تحمل في طياتها الحل المباشر لحسم النزاع وعلى وجه الخصوص النزاعات الخاصة بالتجارة الدولية والمعاملات المالية الدولية، ومن أسباب ظهور تلك القواعد في هذه المجالات هي حاجة تلك المجالات لاستقرار التعامل، والبعد بها عن الحلول التقليدية العاجزة عن مواكبة ومسايرة التطور السريع لهذه المجالات، وهذه القواعد تنبع من مصادر متعددة ومختلفة نوجزها فيما يلي:-

أ ـ الاتفاقيات الدولية:- تعد الاتفاقيات الدولية مصدرا لبعض القواعد المادية في مجال التجارة الدولية، مثل اتفاقية فيينا لعام 1980م و الخاصة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع، وبموجب هذه الاتفاقية نجد أن للتحكيم الدولي دورا مهما في فض النزاعات التجارية الدولية.

ب ـ العرف:- وحرفيا يعرف بقانون التجار والذي أشارت إليه المادة (7) من الاتفاقية الأوربية للتحكيم الدولي المبرمة في جنيف 21/إبريل/1961م .

ج ـ العادات التجارية:- وقد نصت المادة (33/3) من نظام التحكيم الذي أعدته لجنة القانون التجاري الدولي التابعة للأمم المتحدة في 15 ديسمبر 1975م أنه:(يتعين على محكمة التحكيم في كل الحالات أن تحذ في الحسبان عادات التجارة الواجبة التطبيق على التصرف).

د ـ القضاء:- ومثال لذلك إجازة القانون الفرنسي لشرط التحكيم في العقد الدولي على الرغم من بطلانه في القانون الداخلي، وذلك في حكمه الصادر عن المحكمة الفرنسية في 7 مايو 1963م، كما أجاز شرط الوفاء بالذهب في عقود التجارة الدولية الذي يعتبر مخالفا لقاعدة أمرة في القانون الداخلي.

و ـ مبادئ التجارة:- نجد أن هنالك العديد من القواعد لحل نزاعات التجارة الدولية قد نشأت حصادا لمعاملات التجار جراء التجارة الدولية، تتمثل في العديد من الأعراف والمبادئ وتختلف عن القواعد الوطنية على سبيل المثال لا الحصر:ـ

ـ صياغة عقود نموذجية:- وهي عقود لأفرع معينة من النشاط أعدت مسبقا بنموذج مفصل صغير أو كبير يطلق عليها بقانون الصيغ .

ـ إقرار شروط نموذجية:- هي الشروط التي تتكرر في عقود التجارة الدولية أيا كانت طبيعة العقود، مثل الشروط الخاصة بالقوة القاهرة والطوارئ.

ـ القوانين النموذجية:- وهي القوانين التي يحتذى بها عند صياغة القوانين الوطنية كقانون التحكيم التجاري الدولي، وإضافة لذلك المبادئ العامة للقوانين .

2ـ علاقة التشريع الأردني بالقواعد المادية :ـ

أن التشريع الأردني في بعض الأحوال نجده ضمنيا أي أنه من التشريعات التي تخلو من النص الصريح أحيانا في بعض الحالات القانونية، حيث سكت عن تنظيم بعض العلاقات صراحة علي سبيل المثال كحالة الغش نحو القانون كسبب أو مانع لاستبعاد القانون الواجب التطبيق إلا أن سكوته هذا لا يعني وجود فراغ تشريعي لهذا الدفع، لأن كل ما لم يتم تنظيمه بنص صريح في مجال تنازع القوانين يرجع في حكمه إلى المبادئ العامة للقانون الدولي الخاص، و ذلك ما جاءت به المادة (25) من القانون المدني الأردني رقم (46) لسنة 1973م و التي جاء فيها “تتبع مبادئ القانون الدولي الخاص فيما لم يرد بشأنه نص في المواد السابقة من أحوال تنازع القوانين” بذلك يتضح لنا أن علاقة السريع الأردني بهذه القواعد هي علاقة تكاملية، اعتبارا أن القواعد المادية هي جزء لا يتجزأ من مبادئ القانون الدولي الخاص{3}.

{3} الدفع بالتحايل على القانون تطبيقا على القانون الدولي الخاص ، د/ أسماء عبد الرحمن حامد فتوتة ،أستاذة القانون المدني / الكلية الأردنية السودانية للعلوم و التكنولوجيا_ السودان ، الطبعة الأولى2017 ص161 + 33–36

ثالثاـ التشريع الأردني و المصلحة الوطنية في تطبيق القانون الأجنبي :

المصلحة الوطنية هي أحد موانع تطبيق القانون الأجنبي الخاص بأحكام الأهلية و ذلك في حالة ما إذا كان الأخذ بأحكامها يرتب أضرارا بالمصلحة الوطنية، حيث هنالك شروط للتمسك بهذه المصلحة تبعا لذلك هنالك أثار وهي :-

1ـ شروط التمسك بالمصلحة الوطنية :-

أـ أن يكون التصرف موضوع النزاع تصرفا ماليا أو تجاريا و بهذا تخرج التصرفات الأخرى من دائرة التمسك بالمصلحة الوطنية، وقد اشترط القانون المدني انعقاد التصرف المالي في الأردن و ترتب أثاره فيه، أما إذا كان التصرف تم خارج الأردن أو ترتبت أثاره في الخارج ، فلا مجال للعمل بهذا الاستثناء لمنع تطبيق القانون الأجنبي حتى ولو تحققت الشروط الأخرى للمصلحة أن يتم التصرف في الأردن .

ب ـ أن يكون أحد أطراف العلاقة أجنبيا ناقص الأهلية وفقا لقانون جنسيته، إلا أنه كامل الأهلية بمقتضى القانون الأردني أما إذا كان ناقص الأهلية وفقا للقانون الأردني أيضا فإن الطرف الأخر لا يستطيع التمسك بالمصلحة الوطنية لانتفاء حسن النية.

ج ـ أن يرجع نقص الأهلية إلى سبب فيه خفاء لا يسهل على الطرف الأخر تبيينه  ومعرفته، لأن سهولة معرفة نقص أهلية الأجنبي تنفي حسن نية المتعاقد الأخر، وتقدير سهولة معرفة عدم أهلية الأجنبي أو صعوبتها يعود للمحكمة التي عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الظروف التي تم فيه التصرف القانوني، ففي العقود الجارية كتلك المتعلقة بالمأكل والمشرب والعلاج لا تطلب المحكمة من المتعاقد الوطني الدقة في التحري لمعرفة القانون الأجنبي وتفترض حسن نيته في حين تشترط في المعاملات المصرفية والارتباط بالشركات التجارية المهمة، زيادة في الحرص والتحري عن الحقائق.

2ـ أثار التمسك المصلحة الوطنية :-

يترتب على الأخذ بنظرية المصلحة الوطنية عدم حكم أهلية الأجنبي بقانون جنسيته بالنسبة للتصرف المالي الذي يتولد منه ضرر لأحد الوطنيين، ويصحح العقد باعتباره صادرا من كامل الأهلية كما هو وارد في القانون الوطني، ويرفض دفع الأجنبي بنقص أهليته ويلزم بما يرتبه العقد من أثار{4}.

{4}  ( مرجع سابق ) القانون الدولي الخاص (تنازع القوانين) د/ حسن الهداوي ، الطبعة الثانية /عمان 1997م رقم الإيداع (459/1995) ص98—102

5- المزيد على محامي في الأردن ،

إعداد:   المحامي و الباحث عادل عثمان عشر عثمان

Scroll to Top