الفقه الإسلامي كمصدر للقانون المدني
إن الشريعة الإسلامية الغراء كونها تعاليم ربانية فإنها تصلح لكل زمان ومكان ذلك من الجانب المنظور العقلي، أما من المنظور الديني فالدول الإسلامية لابد أن لا تخالف قوانينها الشريعة الإسلامية، وفي هذا المقال سنتحدث على أثر الفقه الإسلامي في جزء من التشريع وهو الخاص بالقانون المدني، وقد ورد النص على ذلك في القانون المدني الأردني في المادة الثانية منه:
- تسري نصوص هذا القانون على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بألفاظها ومعانيها ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص .2. فاذا لم تجد المحكمة نصاً في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون ، فان لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية .3. فان لم توجد حكمت بمقتضى العرف ، فان لم توجد حكمت بمقتضى قواعد العدالة ، ويشترط في العرف ان يكون عاما وقديما ثابتا ومطردا ولا يتعارض مع أحكام القانون أو النظام العام أو الآداب . اما إذا كان العرف خاصا ببلد معين فيسري حكمه على ذلك البلد .4. ويسترشد في ذلك كله بما أقره القضاء والفقه على ان لا يتعارض مع ما ذكر .
وسنقوم بشرح موضوع الفقه كمصدر للتشريع من خلال النقاط الآتية:
ثانيًا: الدور المكمل والتفسيري للفقه الإسلامي
ثالثًا: التشريع الإسلامي ما بين الذاتية والموضوعية
رابعًا: تقنين بعض قواعد الفقه الإسلامي
أولًا: تعريف الفقه الإسلامي
يمكن تعريف الفقه الإسلامي بشكل مبسط بأنه مجموعة الأحكام المستنبطة من المصادر الأساسية والمصادر المعتبرة وهي (قول الصحابة، الاستحسان، الاستصحاب، سد الذرائع، العرف، المصالح المرسلة، شرع من قبلنا) فيما لم يرد فيه نص صريح في القرآن أو السنة في الأمور الدينية والدنياوية.
إن مما يستغرب على المشرع المدني الأردني والمشرع المدني الكويتي أنهما أحالا القاضي في حال عدم وجود نص في التشريع يستطيع الاستناد إليه – الرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي دون أن يقيداه بمذهب معين، وإنما بالأكثر موافقة لنصوص القانون المدني، ومن ثم فإن الرجوع إلى الفقه الإسلامي هكذا بإطلاق يوجب استحالة التطبيق؛ ذلك أن الفقه الإسلامي بمدوناته المتراكمة بما يناهز الخمسة عشر قرنًا من الزمان لا يمكن الاطلاع عليها مجموعة في مكان، فضلا عن الإحاطة بها وبتفاصيلها في مختلف المسائل، وهو ما يعجز عن بلوغه علماء الشريعة أنفسهم قديمًا وحديثًا، فكيف يلزم القاضي المعاصر به؟! وهو كالأجنبي عنها في تأهيله ولغته.[1]
وفي نطاق حديثنا عن الفقه الإسلامي كأحد مصادر القانون المدني لابد وأن نتعرض لمفهومين يدوران في ذات الفلك، أولهما الشريعة الإسلامية وهي الإساس وهي عبارة عن الأحكام الأساسية الواردة في القرآن والسنة، وثانيهما مبادئ الشريعة الإسلامية وهو مفهوم مستحدث وهو مفهوم أخف من الفقه الإسلامي ذلك أن المبادئ المقصود بها الجزء وليس الكل.
بيد أن المشرع الوضعي قد ابتدع مصطلحاً جديداً من عند نفسه؛ وأطلق عليه “مبادئ الـشريعة الإسلامية”، ولم يقف عند مجرد الاختراع الشكلي لهذا المصطلح، وإنما زاد الأمر ابتداعاً وجرأة حين اعتبر “مبادئ الشريعة الإسلامية” مصدراً مستقلاً من مصادر القانون، هذا فضلاً عن أنه لم يفصح عن ماهية هذا المصدر، ولا عن ضابطه في دلالته على الأحكام.[2]
ثانيًا: الدور المكمل والتفسيري للفقه الإسلامي
إذا كان محور الحديث في هذا المقال عن تأثير الفقه الإسلامي على القانون المدني إلا أنه كان لازمًا علينا التطرق للدور المكمل الذي يحل فيه الفقه الإسلامي بدلًا من نصوص القانون المدني ذاتها وذلك في حالة قصورها عن معالجة الواقعة محل الدعوى، وكذلك الدور التفسيري للفقه الإسلامي الذي يجعل القاضي ملزمًا بتفسير القانون المدني وفقه الفقه الإسلامي.
1- الدور المكمل للفقه الإسلامي
حيث نصت المادة (2/2) من القانون المدني الأردني على ( فاذا لم تجد المحكمة نصاً النص في ھذا القانون حكمت في الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص ھذا القانون ،فان لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية)، ومن هذا النص يتضح لنا أن المشرع الأردني قد جعل الفقه الإسلامي مرجع للقاضي في ممارسة عمله فهو بذلك جعله مصدر أساسي بعد النص القانون.
وفي ذلك جاء بالحكم رقم 6034 لسنة 2020 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 2/2/2021 (وحيث نجد أنه ومن خلال ما سبق بيانه فإن إنشاء الملاعب الرياضية من شأنه أن يؤدي خدمة عامة للمجتمع لمن يمارسون الألعاب الرياضية فيها وهي خدمة ضرورية ولا غنى عنها وإن ممارسة الأعمال الرياضية فيها وإن كانت تؤدي إلى إضرار بالغير إلا أنها من الأضرار المألوفة بأن ترتفع أصوات اللاعبين والجمهور أثناء اللعب عند حصول هدف في اللعب أو الاحتجاج على أمر معين باللعب ونحو ذلك وتندرج ضمن الحد المتوسط من الضوضاء اللصيقة بالأعمال المحققة للمصالح الأساسية في المجتمع ولا يمكن تفاديها بالتضييق والوقوع في الحرج الشديد الذي من شأنه شل المنفعة العامة من مصدر الإزعاج (ينظر عبد الرحمن حمزة / مضار الجواز غير المألوفة في الفقه الإسلامي والمسؤولية عنها / ص 524) الأمر الذي ينبني على ذلك كله أن يجعل الأعمال المدعى بها في الدعوى الماثلة مشروعة استعمالاً للحق دون تعسف ولا يتجاوز الحد المألوف بين المتجاورين (انظر تمييز حقوق 730/2019 و 784/2018 و 7813/2019) وحيث توصلت محكمة البداية بصفتها الاستئنافية إلى غير النتيجة ذاتها التي توصلنا إليها فيكون قرارها في غير محله وهذه الأسباب ترد عليه ويتعين نقضه.)
2- الدور التفسيري للفقه الإسلامي
حيث نصت المادة (3/1) من القانون المدني الأردني ( يرجع في فهم النص وتفسيره وتأويله ودلالته إلى قواعد أصول الفقه الإسلامي.)، ومن خلال هذا النص يتضح أن المشرع الأردني قد ألزم القاضي بإعمال فهمه للفقه الإسلامي حين يمارس عمله على منصة القضاء بحيث يكون ما أخرجه متوافقًا مع الفقه الإسلامي.
)، ذلك جاء بالحكم رقم 2450 لسنة 2017 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 13/8/2017 (وحيث إن الشخصية لا تبدأ للإنسان إلا بتمام ولادته حياً وتنتهي بموته وفق أحكام المادة ( 30/1) من القانون المدني وأن حقوق الحمل المستكن يعينها القانون من حيث الوصية والوقف وفق أحكام الشريعة الإسلامية فإن مقتضى ذلك أن له أهلية وجوب قاصرة على صلاحيته لكسب الحقوق النافعة له نفعاً محضاً أما إذا ولد ميتاً اعتبر كأن لم يكن أي أن ما يكسبه الجنين من حقوق يكون موقوفاً على شرط تمام ولادته حياً .
ولما كان الثابت أن المميزة لا تلتزم بدفع التعويض إلا للشخص نتيجة وفاته وأن شخصية الحمل المستكن لم تبدأ بعد فإن ما يترتب على ذلك أنه لا مجال لتطبيق أحكام الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية نتيجة وفاته في بطن أمه حتى يصار إلى الحكم بالتعويض للورثة نتيجة وفاته في بطن أمه.)
ثالثًا: التشريع الإسلامي ما بين الذاتية والموضوعية
الذاتية تعني الأخذ بالإرادة الباطنة أكثر من الماديات التي تأخذ بالملموسات أكثر من الإرادة الباطنة، ويؤكد البعض هذه النزعة المادية للفقه الإسلامي وأكد عليها من خلال تعرضه لعيوب الإرادة حيث أنها تتدرج من النزعة الذاتية إلى النزعة المادية في القوانين الحديثة، الغلط والتدليس والإكراه، تدرجا تصاعدية، فالغلط هو أشد هذه العيوب ذاتية، ثم يليه التدليس الذي يصاحبه طرق احتيالية خارجية، وهذا ما يجعله يتدرج من الذاتية إلى الموضوعية، ثم إلى التدليس الإكراه، فهو رهبة تقوم بالنفس، ولكن مصدر هذه الرهبة في العادة شيئا مادية، فيسير هذا الإكراه بذلك خطوة أبعد من التدليس نحو الموضوعية، والفقه الإسلامي يعتد بهذه العيوب جميعا، لكن بترتيب عكسي حيث يقدم الإكراه عن سائر عيوب الإرادة بسبب هذه النزعة الموضوعية[3].
والرأي عندنا أن تفسير ميول التشريع الإسلامي نحو الموضوعية أكثر منها إلى الذاتية هو أن الشريعة الإسلامية ترسخ مبادئ الاستقرار في المعاملات قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه…)[4]، وهذا هو ما عمدت أغلب التشريعات الوضعية على ترسيخه في نصوص القوانين الخاصة بها من اشتراطات شكلية يجب توافرها في بعض العقود مثل عقد الهبة والوصية.
رابعًا: تقنين بعض قواعد الفقه الإسلامي
لم يكتف المشرع الأردني بالدور المكمل والدور التفسيري، بل أفرغ العديد من الأحكام الفقهية الإسلامية في مواد القانون المدني بجعلها نصوص قانونية تحتل المرتبة الأولى كتشريع للقاضي أثناء نظر الدعوى، ومن خلال الأسطر القادمة سنتعرض لبعض تلك الأحكام الفقهية.
1- قاعدة: “لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص”
مفاد القاعدة أن هناك مصادر أساسية ومصادر إضافية في حالة عدم وجود النص الصريح فالمشرع الأردني قد عدد بالمادة (2) من القانون المدني الأردني المصادر التي يلجأ إليها القاضي للتمكن من القضاء بين الناس، وترتيب تلك المصادر من النظام العام لا يجوز للمحكمة غض الطرف عنه فلا يمكن أن ترتكن في حكمها للعرف مع وجود نص صريح يحسم المسألة.
قال الشافعي : أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صل الله عليه ولم يكن له أن يدعها القول أحد من الناس[5]. ومن هذا الرأي الفقهي يتضح أنه لا يوجد اجتهاد مع وجود نص صريح.
المادة (2/1) من القانون المدني الأردني نصت على ( تسري نصوص هذا القانون على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بألفاظها ومعانيها ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص)
وفي ذلك جاء بقرار تفسير رقم (1) لسنة 2014 صادر عن المحكمة الدستورية (ولذلك فإن أول ما يلجأ إليه المفسر في سبيل الكشف عن مراد الشارع معرفة المعاني اللغوية لألفاظ النص، فألفاظ النص هي الوسيلة الأولى التي يستخدمها المشرع في تحقيق غرضه، فإن كانت الألفاظ واضحة المعنى صريحة الدلالة كما هو الحال في هذا المقام أكتُفِيَ بهذا النص في استخلاص مراد الشارع، إذ لا مساغ للاجتهاد في مورد النص، وعِلّة هذا الحكم أن المشرع قادر على التعبير عن نفسه بدقة ووضوح.)
2- قاعدة: “الجواز الشرعي ينافي الضمان”
مفاد هذه القاعدة أنه إذا كان الأنسان يمارس حقه دون تعسف فلا يلزم بالضمان لو أن أحد تم الإضرار به جراء استخدام هذا الحق.
وقد نص فقهاء الشافعية على مضمون هذه القاعدة ، بصيغة أخري عبر عنها العلامة بدر الدين الزركشي الشافعي بقوله : ( المتولد من مأذون فيه لا أثر له بخلاف المتولد من منهي عنه )، وقد نص على هذا الشرط في حالة أن لا يكون المأذون فيه مشروطا بسلامة العاقبة مثل ضرب المعلم الصبي، وضربوا لذلك الأمثال. فلو اقتص من الجاني ، أو قطع في السرقة فسرى إلى النفس فلا ضمان . والتطيب قبل الإحرام فسرى إلى موضع أخر بعد الإحرام، فلا كفارة فيما تولد منه.[6]
وقد تم تقنين تلك القاعدة لتصبح مادة بالقانون المدني الأردني حيث نصت المادة (61) منه على (الجواز الشرعي ينافي الضمان فمن استعمل حقه استعمال مشروعا لا يضمن ما ينشأ عن ذلك من ضرر.)
وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني لتفسير المادة (48) والخاصة بالمادة (61) من القانون المدني إذ جاء بها (هذه المادة تقرر المبدأ العام وهو أن من استعمل حقه استعمالا مشروعا (أو جائزا) لم يضمن ما ينشأ عن هذا الاستعمال من ضرر وهذا المبدأ يجد سنده في القاعدة المقررة في الفقه الإسلامي من أن (الجواز الشرعي ينافي الضمان) (م 91 من المجلة).
وجاء بالحكم رقم 3539 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 28/7/201 والذي جاء به (وحيث إن المدعى عليهما شركة بنك الأردن بوصفها الدائن في الدين بموجب سند الدين سالف الإشارة قد استعملت حقها المشروع بطرح السند للتنفيذ وأن المادة 61 من القانون المدني قد نصت على أن الجواز الشرعي ينافي الضمان فمن استعمل حقه استعمالاً مشروعاً فلا يضمن ما ينشأ عن ذلك من ضرر مما لا يحق للمدعي المطالبة بأي تعويضات عن أية أضرار نتيجة قيام المدعى عليها بالتنفيذ طالما لم يثبت المميز أن لجوء البنك لدائرة التسجيل للتنفيذ على أمواله بعد الاستحقاق كان بسوء نية وبقصد الكيد والتعدي ( انظر تمييز حقوق 4222/2005 و 2312/2004 ) .
3- قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”
أساس هذه القاعد الحديث النبوي الذي أورده جماهير أهل العلم ورواه الحاكم وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه)[7].
هذه القاعدة من أركان الشريعة وتشهد لها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وهي أساس لمنع الفعل الضار وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، كما أنها سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي قاعدة الفقهاء وعمدتهم وميزانهم في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث. (“الموسوعة الشاملة – مجلة البيان”)
هذه القاعدة تفرعت منها العديد من القواعد الذي فندها المشرع الأردني في مواد منفصلة، ومن خلال الأسطر القادمة سنتعرض لبعض تلك النصوص لبيان المرجعية للفقه الإسلامي.
أ- المادة (62) ” لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال.”
مفاد هذه المادة أن الشخص في ممارسته لحقوقه لابد ألا يضر غيره كذلك من حقوقه ألا يضار من غيره، والشق الأول اقتباس صريح للقاعدة الفقهية الأصلية، والشق الثاني نتيجة منطقية للشق الأول فلو منع الضرر بداية فليزم إزالته كلما أمكن ذلك وإلا استحق الضمان.
ب- المادة (64) ” درء المضار أولى من كسب المنافع.”
هذه المادة متفرعة من القاعدة الأصلية حيث إنه في حال اجتماع المنفعة والضرر فإن الشريعة قد رجحت أن يدفع الضرر بدلًا من كسب المنفعة ذلك حيث إن فوات المنفعة لن يضر بأحد، مثال على ذلك الاعتداء على الباب الخشبي المملوك للغير لإخراج طفل بداخل منزل مهدد بالحريق أولى من المحافظة على مال الغير (الباب الخشبي) وترك الطفل يموت في المنزل.
ج- المادة (65) “يدفع الضرر العام بالضرر الخاص والأشد بالأخف.”
مفاد هذه المادة أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة وذلك وفقًا لتغير الزمان والمكان، حيث إن ما يفرضه التعايش في جماعة أن يتنازل الأفراد عن بعض حقوقهم من أجل مصلحة الجماعة.
مثال على ذلك جواز التسعير، أي تحديد الأسعار على الباعة عند تجاوزهم وغلوهم فيها، دفعًا ضررهم عن العامة.[8]
جاء بالحكم رقم 613 لسنة 2013- محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ7/3/2013 (في تطبيق أحكام الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اخذ أحكامه من الشريعة الإسلامية – لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال ، نجد التجانس والتوافق بينها)
4- قاعدة ” اليقين لا يزول بالشك”
أساس القاعدة من القرآن الكريم قوله تعالى (وما لهم به من علم إن يتبعوا إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا[9])، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم (اذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه اخرج منه شيئا أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا).[10]ومن جملة تلك النصوص نجد أن اليقين مقدم على الشك فالشك هو الاستثناء.
والقانون المدني الأردني قد قنن تلك القاعدة بالمادة (74) من القانون المدني الأردني إذ نصت على (اليقين لا يزول بالشك.)، وقد ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني (والقول بان براءة الذمة اصل يقصد به ذات الإنسان فاذا ترتب في ذمته حق للغير كان هو ذاته المدعى به وعلى من يدعي هذا الحق أن يثبته وعلى المدين به أن ينفيه قد تضمنت المادة (74) أن اليقين لا يزول بالشك وإنما يزول بيقين مثله وهو نص مأخوذ من قاعدة ما ثبت بيقين لا يرتفع بالشك وما يثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين والأصل بقاء ما كان على على ما كان إلا اذا قام دليل على خلافه وبقاء الحال على حاله هو الاستصحاب أي استصحاب الماضي بالحال أو الحال بالماضي وهو حجة دافعة لا مثبتة)
5- قاعدة ” دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه”
هذه القاعدة وردة بمجلة الأحكام العدلية المادة (68) من مجلة الأحكام العدلية إذ نصت على (دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه؛ يعني: انه يحكم بالظاهر في ما يتعسر الاطلاع على حقيقته).
إلا أن المشرع الأردني لم ينص عليها صراحةً، ولكنها وردت ضمن المذكرة الإيضاحية للمادتين (239) و (240) المادة (167) من القانون المدني والتي جاء بها ( دليل الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه، يعني انه يحكم بالظاهر فيما يتعذر الاطلاع عليه) ( م 68 من المجلة ) فاستعمال الالة المفرقة للأجزاء دليل على نية القتل. ويقول الأستاذ سليم باز في هذا الصدد ( لقد ورد في شرح المادة الثانية انه اذا تناول الملتقط اللقطة بنية ردها لصاحبها فلا يضمن لو ضاعت منه بدون تقصيره، ولما كانت النية من الأمور الباطنة والاطلاع عليها متعذرا، فيستدل عليها ببعض الدلائل الظاهرة كإعلان الملتقط انه وجد لقطة ) ( شرح سليم باز على الجلة ص 48 ) ويراجع أيضا السيوطي، الأشباه والنظائر ( ص111 – 113 )
خامسًا: خاتمة
تحدثنا في هذا المقال عن الفقه الإسلامي كأحد مصادر القانون المدني، وبينا الدور الذي جعله المشرع الأردني للفقه الإسلامي على محاور عدة التكميلي والتفسيري والقواعد المقننة، وأثر الفقه الإسلامي في القانون المدني الأردني لا يخفى على مبصر، وتحدثنا عن الطابع الخاص للقواعد الفقهية الإسلامية والتي تميل أكثر للموضوعية أكثر منها للذاتية، وبينا أن ذلك أن دل فإنه يدل على بعد نظر الفقه الإسلامي.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] منصور الصرايرة ، رياض الخليفي، مراجعة نقدية بشأن مصادر القانون المدني الرسمية “دراسة في التشريعين الأردني والكويتي”، المجلة الأردنية في القانون والعلوم السياسية، المجلد (٥ ) العدد (٤ ) محرم ١٤٣٥هـ ١١/ كانون أول ٢٠١٣م، صـ35
[2] منصور الصرايرة ، رياض الخليفي، مراجعة نقدية بشأن مصادر القانون المدني الرسمية “دراسة في التشريعين الأردني والكويتي”، المجلة الأردنية في القانون والعلوم السياسية، المجلد (٥ ) العدد (٤ ) محرم ١٤٣٥هـ ١١/ كانون أول ٢٠١٣م، صـ38
[3] انظر د / عبد الرزاق أحمد السنهوري ، مصادر الحق في الفقه الإسلامي ، دراسة مقارنة بالفقه الغربي ، الجزء ۱ ، ۲ ، ۳ ، مؤسسة التاريخ العربي ، دار إحياء التراث العربي، بیروت، الطبعة الأولى ، الجزء الثاني ، ص ۷۰ ، وانظر أيضأ د / وحيد الدين سوار ، التعبير عن الإرادة في الفقه الإسلامی، دراسة مقارنة بالفقه الغربي ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر ، الطبعة الثانية ، ۱۹۷۹ ، فقرة ۱۳ ، صـ14
[4] سورة البقرة (282).
[5] إعلام الموقعین عن رب العالمين ، لابن قيم الجوزية (المتوفي : ۷۵۱ ه ) ، تحقيق : محمد عبد السلام إبراهيم ، دار الكتب العلمية – بيروت ، ط1: 1411هـ – ۱۹۹۱ م ، ( ۲۰۲/۲ ).
[6] الزركشي، المنثور، ج 3، ص 163، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ( توفي سنة 911 ھ ) ، الأشباه و النظائر، بیروت ، دار الكتب العلمية ، 1403 ( ط1)، ص 141.
[7] شرح القواعد الفقهية / أحمد بن محمد الزرقا / دار القلم ، دمشق ، 1993م
[8] -النهاية في غريب الحديث / مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري / دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1997م
[9] سورة النجم آية 28
[10] صحيح مسلم الأمام محي الدين أبي زكريا بن شرف الدين النووي (1/276)، (631-676) هـ المكتبة العصرية ،صيدا – بيروت

