قاعدة ( يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر )

يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر

تناول القانون المدني الأردني بعض القواعد الهادية والهامة والتي يحتاج إليها في تفسير العقود والتصرفات والمعاملات ويستعان بها حينما لا يكون هناك نص خاص في العقد أو في القانون وهذه القواعد مستقاة من أحكام الشريعة الإسلامية، وقد سبق وأن تناولنا في مقالات سابقة بعض تلك القواعد، وسوف نتناول في مقالنا هذا قاعدة (يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبرا) وهذه القاعدة تعتبر بمثابة فرع لقواعد أخرى أعم سيتم بيانها بالمقال، ويجري العمل بهذه القاعدة كغيرها من القواعد الفقهية الأخرى في مختلف أبواب المعاملات، حيث تستهدف بيان مدى مسئولية الأفراد عن الأفعال التي تصدر عنهم ومدى نفاذها، وسوف نتناول في مقالنا شرح تلك القاعدة وذلك من خلال النقاط الآتية:

أولا: مفهوم القاعدة:

ثانيا: مفصلات القاعدة:

ثالثا: الحكمة من إقرار القاعدة:

رابعا: شروط تطبيق القاعدة:

خامسا: أدلة القاعدة:

سادسا: بعض الأمثلة على القاعدة:

سابعا: بعض الاستثناءات على القاعدة:

ثامنا: بعض القواعد الأخرى المرتبطة بالقاعدة:

تاسعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن القاعدة:

أولا: مفهوم القاعدة:

قاعدة (يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبرا) هي قاعدة فقهية تم النص عليها في (المادة 263) من قانون المعاملات المدنية، ويطلق عليها أيضا ( الآمر لا يضمن بالأمر) والمقصود من هذه القاعدة أن ما يصدر من فعل عن فاعل ما يجعل ذلك الفاعل مسئولا عما صدر منه ما لم يكن مكرها، أما إذا فعل ما فعله على سبيل الإكراه والإلزام فالمسؤولية على الآمر المُكره.[1]

ثانيا: مفصلات القاعدة:

1- الفعل: ويقصد به هنا هو ما صدر من فاعل على وجه التعدي على حق من حقوق الغير نفساً أو مالاً.

2- الفاعل: ويقصد به هنا من صدر منه الفعل المتعدى به على حقوق الغير.

3- الآمر: ويقصد به هنا كل من يصدر منه أمر لغيره ليفعل شيئاً بدون إلزام ولا إكراه.

4- المُجبر: ويقصد به هنا هو الفاعل المُكرِه إكراه ملجئ.

ثالثا: الحكمة من إقرار القاعدة:

والحكمة من إقرار هذه القاعدة أن من صدر عنه الأمر (الآمر) هو مجرد طالب من المأمور (الفاعل) إيقاع الفعل باختياره الحر، ومن ثم فلا يضمن (الآمر) بسبب أمره لأنه غير مُلزِم للمأمور (الفاعل) ولذلك فيضاف الحكم إلى (الفاعل) دون (الآمر) لأن الأصل إضافة الحكم إلى العلة دون السبب ولو آمراً.

رابعا: شروط تطبيق القاعدة:

الشرط الأول: أن يصدر عن طرف ما أمر لطرف أخر يتضمن التعدي على حق للغير:

ويتحقق ذلك بأن يأمر شخصا أخر بالقيام بفعل يتضمن تعديا على حق للغير سواء أكان هذا الحق في نفس الغير أو في ماله، مثال ذلك: إذا أمر شخصا أخر بحفر باب في حائط الغير ففعل، فالضمان على الفاعل الذي قام بالحفر، ولا يرجع على الآمر بشيء.

أما إذا كان الأمر يتضمن تعديا على حق للآمر نفسه حقيقة أو ظنا فالضمان يكون على الآمر وحده، مثال ذلك: إذا قال الآمر احفر باباً في حائطي هذا، ثم ظهر أن الحائط ليس له فالضمان على الآمر ولا مسئولية على الفاعل.

الشرط الثاني: ألا يكون الفاعل مُجبرا على إطاعة الآمر:

بمعنى أنه يكون للفاعل حرية في تنفيذ هذا الأمر أو عدم تنفيذه، أما إذا كان مجبرا على تنفيذ الأمر فلا يسأل عن فعله، بل يسأل الآمر المُكره.

 والإجبار المعتبر هنا هو الإكراه الملجئ فقط، وهو الذي يقع على نفس المكره، ولا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، كأن يهدد الإنسان بقتله أو بقطع عضو من أعضائه، أو بضرب شديد يفضي إلى هلاكه أو بإتلاف جميع ماله، فمتى غلب على ظنه أن ما هدد به سيقع عليه، جاز له القيام بما دفع إليه بالتهديد، باعتباره في حالة ضرورة شرعية.[2]

خامسا: أدلة القاعدة:

1- من القرآن الكريم:

أ- قوله تعالى ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.[3]

ب- قوله تعالى ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾.[4]

ج- قوله تعالى ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾.[5]

د- ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾.[6]

2- من السنة المطهرة:

أ-  قوله صلَّى الله عليه وسلَّم (لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاق) ويقصد بالإغلاق ( الإكراه).[7]

ب- قوله صلَّى الله عليه وسلَّم (إنَّ الله تجاوز لي عن أمَّتي الخطأَ والنِّسيان، وما استكرهوا عليه).[8]

سادسا: بعض الأمثلة على القاعدة:

1 – لو أمره بأخذ مال غيره أو إتلافه أو تخريق ثوبه، فالضمان على المأمور.

2- إذا أمر شخصا رجلا بذبح شاه قد باعها لأخر ولم يسلمها فذبحها الرجل وهو يعلم أنها مباعة، فللمشتري حق تضمينها على الذابح وليس لهذا أن يرجع بشيء على الآمر.

سابعا: بعض الاستثناءات على القاعدة:

يوجد العديد من الاستثناءات الواردة على هذه القاعدة منها ما تم النص عليه في قانون المعاملات المدنية ومنها ما ورد إجمالا في كتب الفقه المختلفة، وسوف نتناول بعض هذه الاستثناءات والتي تتمثل في:

1 – تنفيذ الموظف لأمر رئيسه:

وهو ما نصت عليه المادة ( 263/2) من أنه: (ومع ذلك لا يكون الموظف العام مسئولا عن عمله الذي اضر بالغير إذا قام به تنفيذا لأمر صدر إليه من رئيسه متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد أنها واجبة وأقام الدليل على اعتقاده بمشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة وانه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر).

وباستقراء نص هذه الفقرة يتبين لنا انه يشترط لإعفاء الموظف من مسئوليته عن فعله الذي ترتب عليه الإضرار بالغير ما يلي:

أ- أن يكون الأمر صادر إليه من رئيسة الواجب عليه قانونا إطاعة أوامره، أو متى اعتقد أن القانون أوجب عليه ذلك.

ب- أن يقيم الموظف الدليل على اعتقاده بمشروعية الفعل الصدر صدر منه والذي ترتب عليه الإضرار بالغير، وان يكون هذا الاعتقاد مستندا لأسباب معقولة.

جـ – أن يكون الموظف قد راعى في هذا العمل أو الفعل جانب الحيطة والحذر.

2 – تنفيذ أمر السلطان:

فإذا كان الآمر سلطاناً فإن أمره إكراه، إلا إذا أمر إنسانا بقتل غيره بغير حق فلا يجوز قتله لان المأمور بالقتل نفسه ليست بأولى من الغير.

3 – إذا كان الآمر سيدا والمأمور عبدا أو أجيرا خاصا للآمر:

 ففي تلك الحالتين يكون الضمان على السيد الآمر لا على العبد أو الأجير.

4- إذا أمر رجلا بالغا عاقلا صبيا بإتلاف مال للغير:

فإذا أتلفه الصبي فالضمان في مال الصبي، إلا أن لوليه الرجوع على الآمر بما دفعه من مال الصبي، بخلاف ما إذا كان الآمر صبيا فليس للولي حق الرجوع عليه.[9]

إذن فكل ما لا يصح في الأمر فالضمان على المأمور لا الآمر، وكل موضع يصح فيه الأمر فيجب الضمان على الآمر.[10]

ثامنا: بعض القواعد الأخرى المرتبطة بالقاعدة:

1- الأمر بالتصرف في ملك غير الباطل:

وتعتبر قاعدتنا محل البحث إحدى أفرع هذه القاعدة،[11] لأن الأمر الباطل كالعدم، فالمؤاخذة على الفاعل المأمور لا الآمر.

2 – الآمر لا يضمن بالأمر:

وقد أخُذت قاعدتنا محل البحث من لفظ هذه القاعدة الواردة في المجامع ووكالة الأشباه،[12] فالمأمور هنا يكون ضامنا إذا أتلف مال الغير بأمر من الآمرِ، حيث لا يعتبر الأمر المجرد مُجبرا للمأمور على تنفيذه، ما لم يقترن بالإكراه.

3- إذا اجتمع المباشر مع المتسبب أضيف الحكم إلى المباشر:

ويفهم منها أنه إذا اجتمع المباشر أي عامل الشيء وفاعله بالذات مع المتسبب وهو الفاعل للسبب المفضي إلى وقوع هذا الشيء ولم يكن السبب مما يؤدي إلى النتيجة السيئة إذا هو لم يتبع بفعل فاعل أخر، يضاف الحكم الذي يترتب على الفعل إلى الفاعل المباشر دون المتسبب، وبعبارة مختصره يقدم المباشر في الضمان عن المتسبب.[13]

تاسعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن القاعدة:

ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 6305 لسنة 2020:

لا يرد قول المدعى عليه راتب أنه وقع على سند الكفالة والتعهد بدفع كافة ما يترتب بذمة شقيقته من أجور العلاج في المستشفى مكرها لإنقاذ حياة شقيقته ، إذ لا يدخل تحت الإكراه غير القانوني ذلك أن إدخال شقيقته إلى المستشفى لتلقي العلاج والخدمات الطبية لا يعتبر من قبيل الإكراه الملجئ والمفصلة أحكامه في المواد ( 135 ) وما بعدها من القانون المدني لذا فإن عدم سماع البينة الشخصية حول تلك الواقعة يوافق القانون، وحيث إن سند الكفالة والتعهد الذي تقدم به المدعى عليهم في هذه الدعوى هو من الإسناد العادية التي لم ينكر المدعى عليه توقيعه عليه ولم يثبت أنه أخذ بالإكراه فإن هذا السند يعتبر حجة عليه بما ورد فيه عملاً بنص المادة ( 11 ) من قانون البينات.

ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 801 لسنة 2019:

وحيث نجد من خلال البيانات المقدمة في هذه الدعوى سواء منها البينة الشخصية أو الخطية وملف الدعوى الجزائية رقم 3659/2002 وتقارير الأطباء واللجان الطبية والتي ثبت من خلالها أنه ولدى مراجعة الطفل بشار مع ذويه إلى مستشفى الحكمة للعلاج قرر الطبيب المعالج إعطاءه إبره في العضل لتخفيض الحرارة وكلف الممرضة كفاية عطا عوده بإعطاء الطفل الإبرة.

وحيث أن إعطاء الأمر إلى الممرضة لإعطاء الإبرة لا يستوجب إشراف الطبيب كون الممرضة قانونا مسئولة عن عملها، لان حقن الإبر من صحيح عملها واختصاصها وان قيام الممرضة بإعطاء المريض الإبرة في غير المكان المخصص لها أو الخطأ في المكان المخصص للإبرة مما يشكل خطأ بصورة الإهمال وقلة الاحتراز مما يستدعي مسائلة الممرضة عن هذا الخطأ، لان هناك خطأ ثابت في تنفيذ الأمر الطبي وهو طريقة إعطاء الإبرة في المكان المخصص طبيا لمثل هذه الحالة، الأمر الذي ينبني عليه أن ما توصلت إليه محكمة الموضوع واقع في محله وموافق للقانون.

ورد في حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 2849 لسنة 2018:

إذا وقع المميز على الكمبيالة بصفته كفيلاً مما يجعل أحكام المادتين (288 و263) من القانوني المدني (المسؤولية عن فعل الغير وإضافة الفعل إلى الفاعل) لا تنطبق على واقعة الدعوى وإنما ينطبق عليها قانون التجارة المادة (185/1/2) منه والتي نصت على: ( ساحب السند وقابله ومظهره وضامنة الاحتياطي مسئولون جميعاً اتجاه حامله على وجه التضامن).(ولحامله مطالبتهم منفردين أو مجتمعين دون أن يلتزم بمراعاة ترتيب التزام كل منهم) .

إعداد/ المحامي أكرم محمد محمود .

[1] محمد صدقي آل بورنو، كتاب الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 379.

[2] الكاساني،  كتاب البدائع ، (7/ 175)، حاشية ابن عابدين  (6/ 128).

[3] سورة النحل الآية ( 106).

[4] سورة آل عمران الآية ( 28).

[5] سورة الأنعام الآية ( 119 ).

[6] سورة البقرة الآية (286).

[7] أخرجه أحمد (6/276)، وأبو داود ( 2193 )، وابن ماجه ( 2046 )، وأبو يعلى ( 4444 )، والدار قطني (4/36)، والحاكم (2/198)، والبيهقي (7/357)، وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم.

[8] رواه ابن ماجه في السنن برقم (2043)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (7/356)، والحاكم في المستدرك (2/198)،وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

[9] على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 91.

[10] محمد صدقي آل بورنو -كتاب الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية ص 379.

[11] على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 89.

[12] على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 89.

[13] على حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، ج1، ص 91.

Scroll to Top