خيار العيب في القانون المدني الأردني
مما لا شك أن عقد البيع من الأمور المتواترة في حياتنا اليومية سواء الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية، وكلٌ منا يُبرم عقد بيع؛ لتوفير حاجاتهم الضرورية والأساسية من السلع والخدمات، وكثيرًا ما يحدث في عملية البيع أن تظهر عيوب خفية في المبيع بعد إتمام البيع، ورغب المشرع الأردني في حماية المشتري عن طريق عدم إجباره على المبيع غير المطابق للمواصفات التي تم الاتفاق عليها؛ لذا فقد أعطى المشرع الأردني للمشتري الحق في خيار العيب، والذي يلزم البائع بضمان العيب الخفي، ويحق للمشتري تقبل العيب أو طلب فسخ العقد، وبهذا يُعد خيار العيب من الخيارات التي تشوب لزوم العقد؛ لذا كان من المتعين علينا تسليط الضوء حول هذه المسالة والتعرف على المقصود بخبار العيب، ومدى مشروعيته، والفرق بينه وبين خيار الرؤية، وشروط ثبوته، وآثاره، وسقوط الحق فيه، وهل يتم تطبيق خيار العيب في مجالات أخرى، وغير ذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:
ثانيًا: دليل مشروعية خيار العيب
ثالثًا: الفرق بين خيار العيب وبين خيار الرؤية
سادسًا: سقوط الحق في خيار العيب
سابعًا: عبء إثبات العيب الخفي في المبيع وتقدير تأثيره
ثامنًا: تقادم دعوى ضمان العيوب الخفية (خيار العيب)
عاشرًا: سوابق قضائية لخيار العيب
وسنوضح شرحًا مفصلًا لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولا: المقصود بخيار العيب
يقصد بالخيار عمومًا الأخذ بأحد الأمرين، وإضافة الخيار إلى العيب يعني أن حق الخيار يثبت بسبب العيب (إضافة المسبب إلى السبب)، وهو يُعد بمثابة ضمان للعيوب الخفية في الشيء المبيع، حيث يُعطي للمشتري الحق في الخيار بين فسخ العقد أو التقبل بالعيب الذي ظهر في المبيع بعد إتمام العقد، ولم يكن ظاهرًا وقت إبرام العقد.
ومن هذا يمكن تعريف خيار العيب بأنه “هو ما يكن للمتملك من حق في فسخ العقد أو إمضائه بسبب عيب يجده فيما تملك، ويثبت الخيار إذا كان المعقود عليه معنيًا بشخصه لا بأوصافه”([1]).
وبما أن سبب ثبوت حق الخيار يرجع إلى العيب الذي ظهر في الشيء المبيع، فكان لابد من تعريف هذا العيب الذي يصعب على الشخص العادي معرفته، ويقصد بالعيب أنه: “آفة عارضة مما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة للشيء، وأن العيوب الموجبة للضمان هي العيوب التي تنقص من قيمة المبيع، أو تجعل المبيع غير صالح لاستعماله فيما أُعِدَّ له”([2]). ومثال ذلك تشقق حائط في شقة جديدة، أن يكون إطار السيارة غير مطابق للمواصفات المتفق عليها.
ثانيًا: دليل مشروعية خيار العيب
هناك العديد من الأدلة على مشروعية خيار العيب سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية أو من القانون، وذلك فيما يلي:
1- دليل مشروعية خيار العيب من القرآن الكريم
قوله تعالى: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ…”(سورة النساء آية (29))، ووجه الاستدلال في هذه الآية هو أن شرط التجارة أن تكون عن تراضي بين الطرفين ووجود العيب الخفي في الشيء المبيع يجعل الرضا غير متوافر، فالعقد المتلبس بالعيب تجارة عن غير تراضي.
2- دليل مشروعية خيار العيب من السنة النبوية
عن عائشة رضى الله عنها: “أنّ رجلا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فردّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الخراج بالضمان”.
- دليل مشروعية خيار العيب من القانون
قد ورد في (المادة 193) من القانون المدني الأردني، بما نصها: “يثبت حق فسخ العقد بخيار العيب في العقود التي تحتمل الفسخ دون اشتراطه في العقد”، كما ورد في (المادة 513/1) من القانون المدني الأردني الآتي “إذا ظهر في المبيع عيب قديم كان المشتري مخيرًا إن شاء رده أو شاء قبله بالثمن المسمى وليس له إمساكه والمطالبة بما أنقصه العيب من الثمن”.
ثالثًا: الفرق بين خيار العيب وبين خيار الرؤية
سبق وأن قمنا بتعريف خيار العيب، فلابد من تعريف المقصود بخيار الرؤية حتى نتمكن من معرفة الفرق بينهما، فخيار الرؤية يقصد به: “حق يثبت للمتملك الفسخ أو الإمضاء عند رؤية محل معين الذي عقد عليه ولم يره”([3]). وذلك طبقا لما جاء في (المادة 184) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “يثبت خيار الرؤية في العقود التي تحتمل الفسخ لمن صدر له التصرف ولو لم يشترطه إذا لم ير المعقود عليه وكان معينا بالتعيين”.
فكل من خيار العيب وخيار الرؤية يتفقا في أنهما يقعان على عقود المعاوضات المالية التي تقبل الفسخ، وتجيز للمشتري طلب الفسخ أو الإمضاء ونفاذ العقد، ويثبت حق الخيار لمن صدر له التصرف ولو لم يشترطه في العقد، وثبوت حق الخيار يمنع لزوم العقد لمن شرط له الخيار، ويسقط حق الخيار بالقبول (العيب أو رؤية المعقود عليه وقبوله) أو بهلاك الشيء المعقود عليه كله أو بعضه أو التصرف في المعقود عليه تصرفًا يوجب حقا للغير. أما أوجه الاختلاق تمكن في مدة انتهاء الخيار ومدي سقوط الخيار بالموت والإسقاط، وذلك فيما يلي:
1- مدة انتهاء الخيار: بالنسبة لخيار العيب يسقط الحق في الخيار بمضي ستة أشهر من تسليم المعقود عليه ما لم يتفقا المتعاقدان على ميعاد معين. أما خيار الرؤية يبقى قائمًا حتى يتم رؤية المعقود عليه في الأجل المتفق عليه أو يوجد ما يسقطه.
2- مدى سقوط حق الخيار بالموت والإسقاط: فبالنسبة لخيار العيب يسقط الحق فيه بالإسقاط ولا يسقط بموت صاحبه وإنما يثبت لورثته. أما خيار الرؤية لا يسقط الحق فيه بالإسقاط وإنما يسقط بموت صاحبه ولا ينتقل إلى الورثة.
رابعًا: شروط ثبوت خيار العيب
لكي يثبت خيار العيب لابد من توافر عدة شروط في العيب الذي أصاب الشيء المعقود عليه، وذلك كما جاء في (المادة 194) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “يشترط في العيب لكي يثبت به الخيار أن يكون قديمًا مؤثرًا في قيمة المعقود عليه، وأن يجهله المشتري وألا يكون البائع قد اشترط البراءة منه”، وسنقدم شرحًا مفصلًا للشروط الآتية:
1- أن يكون العيب قديمًا
يُقصد بالعيب القديم العيب الذي يكون بالشيء المعقود عليه وقت البيع وقبل التسليم، وقد حدد المشرع الأردني الحالات التي يعتبر فيها العيب الذي ظهر في الشيء المعقود عليه قديمًا، وذلك فيما يلي:
- العيب الموجود في المبيع وهو في يد البائع قبل البيع: يعتبر العيب قديمًا إذا كان موجودًا في المبيع قبل إبرام العقد، مثال ذلك أن يرد البيع على سيارة ومكيف الهواء به عطل لا يُكتشف على الرغم من استعانة بأهل الخبرة، وهذا ما ورد في (المادة 513/2) من القانون المدني الأردني حيث نصت على الآتي: “يعتبر العيب قديما إذا كان موجودا في المبيع قبل البيع ….”.
- العيب الموجود في المبيع وهو في يد البائع بعد البيع وقبل التسليم: يعتبر العيب قديمًا يثبت معه الحق في خيار العيب إذا كان المبيع سليمًا عند إبرام العقد، ولكن تعرض لعيب بعد ذلك وهو مازال في يد البائع وقبل أن يستلمه المشتري، وهذا ما ورد في (المادة 513/2) من القانون المدني الأردني حيث نصت على الآتي: “يعتبر العيب قديما…. أو حدث بعده وهو في يد البائع قبل التسليم”.
- العيب الحادث عند المشتري إذا كان يستند إلى سبب قديم موجود في المبيع: في هذه الحالة يتسلم المشتري المبيع وهو سليم، ولكن بعد ذلك يظهر عيب في المبيع بسبب تحقق وهو بيد البائع، كأن تتلف السفينة بعد تسلمها، ويعود السبب إلى أنها تعرضت للغرق قبل أن يتسلمها المشتري، وهذا ما ورد في (المادة 513/3) من القانون المدني الأردني حيث نصت على الآتي: “يعتبر العيب الحادث عند المشتري بحكم القديم إذا كان مستندًا إلى سببٍ قديمٍ موجود في المبيع عند البائع”.
2- أن يكون العيب مؤثرًا
يقصد بالعيب المؤثر “العيب الذي ينتقص من قيمة المبيع أو منفعته، والنقص في القيمة غير النقص في المنفعة فقد تنقص قيمة المبيع دون أن تنقص منفعته”([4])، ويكون العيب مؤثرًا بحيث إذا كان المشتري يعلم بهذا العيب ما كان أقبل على شراء المبيع، أو ما كان دفع ثمن أقل من المدفوع مما يجعل البائع ضامن للعيب. أما إذا كان العيب غير مؤثر في القيمة أو المنفعة أو عيب مما جرى العرف على التسامح فيه، فهنا لا يضمن البائع هذا العيب، وذلك وفقًا لما ورد في (المادة 512/1) من القانون المدني الأردني حيث نصت على الآتي: “يعتبر البيع منعقدًا على أساس خلو المبيع من العيوب إلا ما جرى العرف على التسامح فيه”.
ورغم أن المشرع الأردني نص في (المادة 194) على أن يكون العيب مؤثرًا إلا أنه لم يحدد حالات يكون فيها العيب مؤثرًا كما فعل في حالات العيب يكون قديمً وخفيًا، ومن جانبنا يُمكن أن نذكر بعض الحالات التي يعتبر فيها العيب مؤثر، وهي على النحو الآتي:
- أن يؤثر العيب على قيمة المبيع دون أن يؤثر على المنفعة: في هذه الحالة رغم أن المبيع يُستخدم في الغرض الذي أُعد له غير أن العيب الذي يصيبه يؤثر في قيمته، مثال ذلك أن يشتري الشخص مدفئةً كهربائيةً، ورغم أنها تُدفئ الغرفة غير أن اللوحة الإلكترونية لها لا تعمل، فيبدو أن العيب لا يؤثر على المنفعة ولكن يؤثر على القيمة.
- أن يؤثر العيب على الانتفاع بالمبيع دون أن يؤثر على قيمة المبيع: يتم تحديد المنافع من المبيع على أساس الغرض الذي بسبه تم شراء المبيع أو على أساس طبيعة المبيع، “فإذا كانت المنفعة التي تفوت على المشتري بسبب هذا العيب من المنافع المقصودة كان العيب مؤثرًا، ويثبت له خيار العيب، كأن يكون المبيع آلة ميكانيكية فيها عيب يجعلها غير صالحة لبعض المنافع غير أنها تظل محتفظة بقيمتها المادية”([5]).
- عندما يخلو المبيع من الصفات التي كفل البائع للمشتري وجودها في المبيع: فإذا كفل البائع بعض الصفات في المبيع للمشتري سواء كان ذلك صريحًا أو ضمنيًا؛ فإنه يلتزم بها، وعدم تواجدها يجعل بالمبيع عيبًا مؤثرًا يثبت به حق خيار العيب للمشتري، ولابد من توافر هذه الصفات التي كفلها البائع حتى لو كانت غير معروفة لدى عامة الناس، وعدم توافرها يعد عيبًا مما جرى التسامح فيه، كأن يشتري شخص جهاز مستعمل، ويكفل له الشخص أن يرفق معه جميع ما يتعلق به ومن المتعارف أن الأجهزة المستعملة قد ينقصها بعض الأشياء، غير أنه يلتزم البائع بإحضارها كاملة، وإلا عُدَّ ذلك عيبًا مؤثرًا يثبت به خيار العيب.
3- أن يكون العيب خفيًا
بجانب أن يكون العيب قديمًا ومؤثرًا لابد أن يكون خفيًا، ويقصد بالعيب الخفي العيب الذي يصعب على الشخص العادي اكتشافه ولابد من الاستعانة بخبير أو تجربة المبيع؛ حتى يُكتشف العيب الموجود به؛ لأنه يكون غير ظاهر، وذلك وفقًا لما جاء في (المادة 513/3) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “يشترط في العيب القديم أن يكون خفيًا والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي أو لا يكشفه غير خبير أو لا يظهر إلا بالتجربة”. ومن هذه المادة يتضح أن الحالات التي يكون فيها العيب خفي هي:
- ظاهر المبيع لا يشير لوجود عيب: حيث يبدو في ظاهره أنه خالي من العيوب، كأن يشتري شخص جهاز مبرد ويبدو حالته جيدة في ظاهرها، ولكنه يكتشف بعد ذلك أن درجة التبريد ضعيفة.
- يصعب على الشخص العادي اكتشاف العيب: يظهر ذلك في عدم قدرة الشخص العادي على معرفة هذا العيب، وعند فحص المبيع يعتقد أنه سليم وخالي من العيوب، مثال ذلك أن يشتري شخص جوال ويبدو أنه جديدٌ، ثم يكتشف بعد ذلك أن شاشة الهاتف ليست أصليةً وتم استبدالها.
- الاستعانة بخبير حتى نتعرف على العيب: فيكون العيب خفيًا إذا كان لا يكشفه غير خبير، فلابد من الاستعانة بميكانيكي للوقوف على العيوب الخفية في السيارة المستعملة التي ينوي الشخص شراءها.
- تجربة المبيع لاكتشاف العيب: وهنا لابد من تجربة المبيع؛ حتى نكتشف العيب الذي يصيبه، مثال ذلك لابد من تجربة تشغيل المكيف الهوائي الذي قمت بشرائه؛ حتى نكتشف أنه لا يعمل.
4- ألا يكون المشتري عالمًا بوجود العيب عند إبرام العقد
ومن أهم شروط ثبوت خيار العيب التي اشترطها المشرع الأردني هي أن يجهل المشتري العيب الذي يصيب المبيع عند فحصه، فإذا كان العيب خفيًا ولكن علم به المشتري أثناء الفحص فحينئذٍ لا يضمن البائع هذا العيب، ولا يثبت خيار العيب؛ لأن علمه بالعيب وإتمام التعاقد بعد ذلك يُعد بمثابة قبول منه للمبيع بالعيب الذي به.
ونجد أن المشرع الأردني أعفى البائع من المسئولية عن العيب القديم الذي يظهر في المبيع، ولا يكون للمشتري الحق في خيار العيب وذلك في حالة أن يخبر البائع المشتري بالعيب عند إبرام العقد، أو أن يشتري المبيع وهو عالم بما فيه من عيب، أو علم وتقبل المشتري المبيع بالعيب الذي يصيبه، أو يجرى البيع في مزاد علني من قبل السلطات القضائية أو الإدارية. وذلك طبقا لما ورد في (المادة 514) من القانون المدني الأردني حيث نصت على الآتي: “لا يكون البائع مسؤولًا عن العيب القديم في الحالات التالية: – إذا بين البائع عيب المبيع حين البيع. -إذا اشترى المشتري المبيع وهو عالم بما فيه من العيب. -إذا رضي المشتري بالعيب بعد اطلاعه عليه أو بعد علمه به من آخر. – إذا جرى البيع بالمزاد من قبل السلطات القضائية أو الإدارية”.
5- ألا يشترط المالك البراءة من العيوب في محل العقد
في بعض العقود نجد أن البائع يشترط عدم مسؤوليته عن العيوب التي تظهر في المبيع بعد إبرام العقد، وبما أن العقد شريعة المتعاقدين، ويلتزم كل طرف به؛ فلا يجوز مخالفة ما تم الاتفاق عليه، وبذلك إذا اشترط البائع براءة الذمة من العيوب التي قد تظهر في المبيع لا يجوز للمشتري الرجوع على البائع بضمان العيوب الخفية ويسقط حقه في خيار العيب، ويتقبل المبيع بالحالة التي يكون بها.
غير أن المشرع استثني من ذلك أن يكون البائع تعمد إخفاء العيب حتى لا يستطيع المشتري معرفته والاطلاع عليه، وفي هذه الحالة رغم وجود شرط براءة الذمة في العقد، غير أن البائع يكون مسئولًا عن العيب، ويمكن للمشتري استخدام خيار العيب، والحكمة من هذا الاستثناء هو حماية المشتري حسن النية، وأيضًا في نفس الوقت عقوبة للبائع سيء النية، وحتى لا يكون العقد ذريعةً لاستغلال المشتري، وإخلاء مسؤوليته من العيب الذي بالمبيع. وهذا كما جاء في (المادة 514/4) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “إذا باع البائع المبيع بشرط عدم مسؤوليته عن كل عيب فيه أو عن عيب معين إلا إذا تعمد البائع إخفاء العيب أو كان المشتري بحالة تمنعه من الاطلاع على العيب”.
6- ألا يزول العيب قبل الفسخ
السبب الوحيد في ثبوت خيار العيب هو وجود عيب خفي في المبيع أدى إلى الإضرار بمصلحة المشتري؛ لذا فيترتب على زوال هذا العيب؛ زوال الحق في خيار العيب؛ لان المبيع أصبح مطابقًا للمواصفات التي اتفق عليها الطرفين ولا يوجد هناك سببًا لفسخ العقد.
خامسًا: آثار خيار العيب
يترتب على ثبوت حق المشتري في خيار العيب والتزام البائع بالعيوب الخفية أن يثبت للمشتري فسخ العقد ورد المبيع وإعادة الحال إلى ما كان عليه أو قبوله بالثمن المسمى وكما أن المشرع جعل للبائع الحق في احتباس الثمن حتى يضمن رد المبيع، وذلك فيما يلي:
1- الحق في الفسخ
يُعطي خيار العيب للمشتري الحق في فسخ العقد بسبب وجود هذا العيب، غير أن المشرع الأردني ميز بين فرضين وهما:
الفرض الأول: فسخ العقد قبل أن يتم القبض: في هذه الحالة يكون العقد غير لازم لصاحب الخيار ويتم فسخه دون حاجة إلى تراضي أو تقاضي ولكن بشرط أن يعلم المتعاقد الأخر بقرار الفسخ.
الفرض الثاني: فسخ العقد بعد القبض: في هذه الحالة يتم الفسخ أما بالتراضي أو اللجوء إلى التقاضي. وذلك وفقًا لما ورد في (المادة 195) من القانون المدني الأردني حيث نصت على الآتي: “إذا توفرت في العيب الشروط المبينة في المادة السابقة كان العقد غير لازم بالنسبة لصاحب الخيار قبل القبض قابلًا للفسخ بعده. ويتم فسخ العقد قبل القبض بكل ما يدل عليه دون حاجة إلى تراضي أو تقاضي. بشرط علم العاقد الآخر به. وأما بعد القبض فإنما يتم بالتراضي أو التقاضي”.
ويترتب على فسخ العقد إعادة الحال إلى ما كان عليه بحيث يرد صاحب الخيار المعقود عليه إلى المتعاقد الأخر ويسترد ما دفعه منه. وذلك طبقا لما ورد في (المادة 196) من القانون المدني الأردني، حيث نصت على أن: “يترتب على فسخ العقد للعيب رد محله إلى صاحبه واسترداد ما دفع”.
2- رد المبيع وإعادة الثمن
فمن آثار ثبوت خيار العيب أن يحق لصاحب الخيار فسخ العقد ويترتب على ذلك رد المعقود عليه وإعادة الثمن إلى صاحب الخيار حيث لا يجوز له إمساك المعقود عليه ولا المطالبة بما أنقصه العيب من الثمن وفقًا (للمادة 513/1) من القانون المدني الأردني. غير أن قاعدة عدم إمساك المعقود عليه وعدم المطالبة بما أنقصه العيب من الثمن ليست مطلقةً؛ لأنه في بعض الأحيان يستحيل رد المعقود عليه إلى المتعاقد الأخر؛ مما جعل المشرع الأردني يخرج عن القاعدة العامة، وأجاز لصاحب الخيار المطالبة بإنقاص الثمن، وذلك وفقًا (للمادة 198) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “لصاحب خيار العيب أيضًا إمساك المعقود عليه والرجوع بنقصان الثمن”.
سادسًا: سقوط الحق في خيار العيب
ذكر المشرع الأردني حالات يسقط فيها الحق في خيار العيب في (المادة 197) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “يسقط خيار العيب بالإسقاط، وبالرضا بالعيب بعد العلم به، وبالتصرف في المعقود عليه ولو قبل العلم به وبهلاكه أو نقصانه بعد القبض، وبزيادته قبل القبض زيادة متصلة غير متولدة منه، وبعد القبض زيادة منفصلة متولدة منه. ولا يسقط بموت صاحبه ويثبت لورثته”. “وهذه الحالات تنحصر فيما يلي:
- هلاك المعقود عليه: فإذا هلك المعقود عليه المعيب وهو في يد المشتري سواء كان يعلم بالعيب أو قبل العلم به، في هذه الحالة لا يستطيع صاحب العقد فسخه، ورد المعقود عليه؛ لهلاكه، وإنما يكون له المطالبة بنقصان العيب من الثمن، كما جاء في (المادة 516) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “إذا هلك المبيع المعيب بعيب قديم في يد المشتري أو استهلكه قبل علمه بالعيب رجع على البائع بنقصان العيب من الثمن”.
- حدوث عيب جديد في المعقود عليه: فإذا حدث عيب جديد في المعقود عليه وهو بيد المشتري غير العيب القديم، فهذا العيب قد يعيق صاحب الخيار من طلب الفسخ ورد المعقود عليه وفي هذا نفرق بين عدة فروض وهي:
الفرض الأول: إذا وافق المتعاقد الأخر على أخذ المعقود عليه بالعيب الجديد؛ فيجوز فسخ العقد، وإعادة الحال إلى ما كان عليه بأن يأخذ صاحب الخيار الثمن المدفوع، ويرد للمتعاقد الأخر المعقود عليه.
الفرض الثاني: إذا لم يرض البائع بأخذ المعقود عليه على عيبه الجديد؛ فلا يجوز فسخ العقد في هذه الحالة، وإنما يكون لصاحب الخيار المطالبة بنقصان العيب من الثمن.
الفرض الثالث: إذا زال العيب الجديد؛ يعود الحق لصاحب الخيار ويجوز له طلب فسخ العقد.
كما ورد في (المادة 517) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “إذا حدث في المبيع لدى المشترى عيب جديد فليس له أن يرده بالعيب القديم وإنما له مطالبة البائع بنقصان الثمن ما لم يرض البائع بأخذه على عيبه الجديد. إذا زال العيب الحادث عاد للمشتري حق رد المبيع على البائع بالعيب القديم”.
- حدوث زيادة في ثمن المعقود عليه مانعة من الرد: إذا قام صاحب الخيار بإحداث تغيرات في المعقود عليه من ماله الخاص أدت إلى زيادة في ثمن المعقود عليه ثم يكتشف بعد ذلك عيب قديم في المعقود عليه؛ فإن الزيادة التي طرئت على المعقود عليه منعت صاحب الخيار من استخدام حقه في طلب الفسخ ورد المبيع، إنما يكون له المطالبة بنقصان العيب من الثمن، وقرر المشرع هذا الاستثناء حماية لعدم الإضرار بصاحب الخيار الذي انفق من ماله الخاص على المعقود به وإجباره على رده للمتعاقد الأخر، كأن يشتري شخص منزل ويجري عليه بعد التعديلات ويبني طوابق جديدة وبعد ذلك يكتشف أن خزانات المياه بالمنزل مُعطلة. وذلك طبقا لما جاء في (المادة 518) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “إذا حدث في المبيع زيادة مانعة من الرد ثم ظهر للمشتري عيب قديم فيه؛ فإنه يرجع على البائع بنقصان العيب وليس للبائع الحق في استرداد المبيع. والزيادة المانعة هي كل شيء من مال المشتري يتصل بالمبيع”.
- بيع أشياء متعددة في صفقة واحدة وظهور عيب في أحدهما: قد يحدث أن يتم بيع أشياء متعددة في صفقة واحدة وظهر في بعضها عيب مؤثر قد يعيق رد المعقود عليه ولا يكون لصاحب الخيار غير المطالبة بنقصان العيب من الثمن، وفي هذه الحالة فرق المشرع بين عدة فروض وهي:
الفرض الأول: إذا بيعت أشياء متعددة صفقة واحدة وظهر في بعضها عيب قبل التسليم: فيكون لصاحب الخيار قبول المعقود عليه أو طلب فسخ العقد ورد المعقود عليه.
الفرض الثاني: إذا بيعت أشياء متعددة صفقة واحدة وظهر في بعضها بعد التسليم عيب قديم وليس في تفريقها ضرر؛ فيكون لصاحب الخيار رد الشيء المعيب واسترداد ثمنه وذلك إذا لم يرضى المتعاقد الأخر رد الأشياء جميعًا.
الفرض الثالث: إذا بيعت أشياء متعددة صفقة واحدة، وظهر في بعضها بعد التسليم عيب قديم وكان في تفريقها ضرر؛ فيكون له الحق في طلب فسخ العقد ورد جميع المعقود عليه. وذلك كما جاء في (المادة 519) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “إذا بيعت أشياء متعددة صفقة واحدة وظهر في بعضها عيب قبل التسليم فالمشتري بالخيار بين قبولها بالثمن المسمى أو ردها كلها. وإذا بيعت أشياء متعددة صفقة واحدة وظهر في بعضها بعد التسليم عيب قديم وليس في تفريقها ضرر فللمشتري رد المعيب بحصته من الثمن وليس له أن يرد الجميع بدون رضى البائع، فان كان في تفريقها ضرر فله أن يرد جميع المبيع أو يقبله بكل الثمن”.
- إسقاط المشتري لحقه في الخيار: يسقط خيار العيب بإسقاط المشتري له صراحةً عن إرادة وأهلية كاملة ومعتبرة شرعًا، نحو أن يقول المشتري أسقطت الخيار أو أبطلته أو ألزمت البيع أو أوجبته وما يجري هذا المجرى.
- رضاء صاحب الخيار بالعيب بعد العلم به: يسقط الحق في خيار العيب إذا وقع رضا المشتري بالعيب بعد العلم به، وسواء كان هذا الرضا صريحًا كأن يقول قبلت المبيع بالعيب، أو ضمنيًا.
- تصرف صاحب الخيار في المبيع حتى ولو قبل العلم بالعيب: إذا تصرف صاحب الخيار في المعقود عليه وأخرجه عن ملكه، حتى قبل علمه بالعيب سقط خياره، حيث يتعذر رد المعقود عليه إلى المتعاقد الأخر، فإذا باعه أو وهبه وسلمه وهو غير عالم بالعيب سقط خياره. غير أنه إذا فسخ تصرفه ورد إليه المعقود عليه عاد حق خيار العيب له، وجاز له رد المعقود عليه للمتعاقد. طبقا لما جاء في (المادة 515) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “إذا تصرف المشتري في المبيع تصرف المالك بعد اطلاعه على العيب القديم سقط خياره”.
ويجب أن نشير إلى أن خيار العيب لا يسقط بموت صاحبه وإنما ينتقل إلى ورثته. وهذا بناءً على ما ورد في (المادة 197/2) من القانون المدني الأردني حيث نصت على أن: “ولا يسقط بموت صاحبه ويثبت لورثته”.
سابعًا: عبء إثبات العيب الخفي في المبيع وتقدير تأثيره
وفقا لما نص عليه المشرع الأردني في (المادة 512/2) من القانون المدني الأردني بما نصها: “وتسري القواعد العامة بشأن خيار العيب على عقد البيع”؛ لذا فتنطبق القواعد العامة في الإثبات فيما يتعلق بغ وبالرجوع إليها نجد أن يقع إثبات وجود العيب، حيث يقع عبء إثبات العيب على المشتري؛ لأن الأصل في المبيع سلامته من العيوب، وادعاء المشتري بخلاف الأصل يجعله مُكلفًا بالإثبات، وفقًا لمبدأ: “على المدعي أن يثبت صحة ما يدعيه”. ويجوز له إثبات وجود العيب بكافة طرق الإثبات.
أما تقدير جسامة العيب يُعد من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بالفصل فيها، ويستعين في ذلك بالخبراء الفنيين أو أي وسيلة أخرى، “حيث إن تقدير الجسامة مسألة نسبية فالعيب الواحد قد يكون مؤثر في حالة معينة وغير مؤثر في حالة أخرى، مثال ذلك إذا اشترى شخص بقرة بغرض ذبحها، وكانت لا تحلب أي يؤخذ فيها عيب عدم الحلب كعيب خفي، ولكن لم يؤثر على المنفعة التي اشتريت من أجلها، وشخص آخر يشتري بقرة من أجل الحليب ولكنها هزيلة لا تنفع للذبح عيب فيها”([6]).
ثامنًا: تقادم دعوى ضمان العيوب الخفية (خيار العيب)
رغبةً من المشرع الأردني في استقرار المعاملات، وعدم زعزعة الثقة العامة في العقود؛ فقرر عدم سماع الدعوى المتعلقة بالعيوب الخفية بعد انقضاء ستة أشهر على تسلم المبيع بشرط ألا يكون البائع قد تعمد إخفاء العيب غشًا منه، وأجاز المشرع للمتعاقدين أن يتفقا على مدة أطول، وذلك طبقًا لما ورد في (المادة 521) من القانون المدني الأردني حيث نصت على: “لا تُسمع دعوى ضمان العيب بعد انقضاء ستة أشهر على تسلم المبيع ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول. وليس للبائع أن يتمسك بهذه المدة لمرور الزمان إذا ثبت أن إخفاء العيب كان بغش منه”.
تاسعًا: نطاق تطبيق خيار العيب
يطبق خيار العيب في الغالب في عقود البيع، ولكن ذلك لا يعني أنه يقتصر تطبيقه في عقود البيع فقط إنما يمتد إلى غيره من عقود المعاوضات المالية الأخرى أي العقود القابلة للفسخ والتي تؤدي إلى نقل للملكية أو حق انتفاع مقابل سداد ثمن معين؛ وذلك تطبيقًا لقاعدة نفي الضرر وحتى يتمكن الشخص من الانتفاع بالشيء ويكون خالي من أي عيب يعوق الانتفاع به، ومن هذا يمكن تطبيق خيار العيب في البيع، والإجارة، والقسمة، والصلح عن المال، وغير ذلك من عقود المعاوضات.
كما يمكن تطبيق خيار العيب في عقود الزواج، وذلك وفقا لما ورد في (المادة ١١٤) من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1976 وتعديلاته حيث نصت على أن: “الزوجة التي تعلم قبل عقد الزواج بعيب زوجها المانع من الدخول أو التي ترضى بالزوج بعد الزواج مع العيب الموجود يسقط حق اختيارها ما عدا العنة فان الاطلاع عليها قبل الزواج لا يسقط حق الخيار”.
عاشرًا: سوابق قضائية لخيار العيب
لقد ورد في الحكم رقم (4963) لسنة2020م الصادر من محكمة تمييز حقوق الآتي: “وفي ذلك نجد أن محكمة الاستئناف وبموجب سلطتها التقديرية في وزن أدلة الدعوى وترجيح بينة على أخرى توصلت إلى أنه بتاريخ 3/12/2017م اشترت المدعية من المدعى عليه باص خصوصي نقل مشترك نوع هونداي جراند ستاركس موديل 2017م … لقاء مبلغ (18.500) دينار، وبعد أن تسلمت المدعية المركبة تبين وجود عيب بالمركبة وكان هذا العيب خفيًا وليس ظاهرًا ومن غير الممكن اكتشافه أو التعرف عليه من قبل الشخص العادي، وأن سبب هذا العيب كما جاء بتقرير الخبرة المعتمد من المحكمة هو تعرض الباص قبل شرائه من المدعية لكميات كبيرة من المياه ولفترة طويلة (الغرق)، ولم يثبت المدعى عليه بالدعوى أي من الحالات المنصوص عليها (بالمادة 514) من القانون المدني التي تنتفي بها مسؤوليته عن العيب، ومنها حالة رضا المشتري بالمبيع بعد علمه بالعيب أو اشتراط البائع عدم مسؤوليته عن كل عيب بالمبيع. وحيث إن المستفاد من (المادة 513) من القانون المدني أنه ……. وحيث إن الجهة المدعية وحال علمها بالعيب قامت بإنذار المدعى عليه عدليًا بطلب فسخ العقد وإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، وحيث لم ترد أية بينة تثبت رضا المدعية بالباص المبيع أو قيامها بالتصرف بالمبيع حتى يسقط خيار العيب الممنوح لها بموجب أحكام القانون، وأن استعمال المدعية للمركبة لا يعني أنها أقرت العيب الخفي ورضيت به؛ مما يحق لها المطالبة بفسخ العقد وإعادة الحال للحالة التي كان عليها قبل التعاقد. وحيث إن محكمة الاستئناف ردت على كافة أسباب الاستئناف بشكل واضح ومفصل وجاء قرارها مسببًا ومعللًا تعليلًا سليمًا وكافيًا، …. وتأسيسًا على ما تقدم نقرر رد الطعن التمييزي وتصديق الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى مصدرها “.
كما قضت محكمة تمييز حقوق في حكمها رقم (4521) لسنة 2020م بأن: “هذا ولما كان المدعي قد اشترى من المدعى عليها الشقة موضوع هذه الدعوى والتي تسلمها المدعي واتفقا على آلية دفع الثمن، ولم يتحفظ المدعي على محل البيع إلا أنه تبين له وجود عيوب فيها، فتقدم بهذه الدعوى مطالبًا بالتعويض عن العطل والضرر وبدل نقصان القيمة، وحيث إن البيع هو تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض، ويشترط في المبيع أن يكون معلومًا للمشتري علمًا نافيًا للجهالة الفاحشة ويكون المبيع معلومًا عند المشتري ببيان أحواله وأوصافه المميزة له، وإذا كان حاضرًا تكفي الإشارة إليه على مقتضى أحكام المادتين (465 و 466) من القانون المدني وحيث إن المميزة -المدعى عليها- سلمت المبيع للمميز ضده بصورة صحيحة؛ فإنها بذلك تكون غير مسؤولة عما يصيب المبيع بعد ذلك، عملًا بأحكام المادة (491) من القانون المدني ذلك أن المميز ضده كمشتري للشقة لم يبدِ أي تحفظ في عقد البيع على أي شرط في المبيع الأمر الذي يجعل من حق المدعي في حالة ظهور عيب قديم في المبيع، إما رد المبيع أو قبوله بالثمن المسمى وأنه ليس له إمساكه والمطالبة عما أنقصه العيب وفقًا لأحكام المادة (513/1) من القانون المدني، وحيث إن المدعي -المميز ضده- كان قد أسس دعواه على خلاف ما تقضي به المادة (513/1) من القانون المدني؛ فتكون لا تستند إلى صحيح القانون ويكون ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في غير محله، ومخالفًا للقانون ومستوجبًا للنقض؛ …. لهذا وتأسيسًا على ما تقدم ودون حاجة لبحث باقي أسباب التمييز في هذه المرحلة نقرر نقض الحكم المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإعادة وزن البينة وتكييف الدعوى بما يتفق مع القانون ومن ثم إصدار القرار المناسب”.
وذلك كما جاء في حكم محكمة تمييز حقوق رقم (567) لسنة 2019 م بأنه: “وفي الحالة الماثلة فإن محكمتي الموضوع كانتا قد ردتا الدفع المثار من المدعى عليهما لرد الدعوى لمرور الزمن المنصوص عليه في (المادة 521) من القانون المدني لعدم انطباقه على الدعوى كون المدعية أسست دعواها على المطالبة بقيمة التعويضات الناتجة عن الحادث الذي تعرضت له المركبة داخل الأراضي السعودية والتي أرجعت سببه إلى انفجار الإطار والذي كانت قد اشترته من المدعى عليه الأول، وإن انفجار الإطار كان بسبب سوء مصنعية ولم تكن هذه المطالبة تقوم على رد المبيع للعيب وانتهت إلى القول أن مرور الزمن والذي يسري على هذه المطالبة هو التقادم الطويل والمنصوص عليه في (المادة 449) من القانون المذكور.
وحيث إنه ما جرى عليه اجتهاد محكمتنا في الدعاوى الماثلة على أن تأسيس الدعوى سواء كانت على المطالبة بالتعويض أو إنقاص الثمن أو العيب الخفي ……..فإن ما يسري على جميع الحالات السابقة ومنها المطالبة بالتعويض عن الحادث مدار البحث والذي يعزى سببه إلى عيب في الإطار والذي اشترته المدعية من المدعى عليه الأول هي مدة ستة أشهر وإن تحديدها يتعلق بالنظام العام لغايات استقرار المعاملات وعدم زعزعة الثقة العامة في العقود، إلا أن المشرع أجاز أن تكون هذه المدة أطول من ستة أشهر إذا قبل البائع أن يجيز الضمان لمدة أطول؛ لأن هذه المدة وجدت لحماية المشتري على أن يبدأ سريان هذه المدة من اليوم التالي لتاريخ تسليم المبيع بالفعل وإن هذه المدة ملزمة لكل من البائع والمشتري بصورة واحدة، ولكن ليس للبائع أن يتمسك بهذه المدة إذا ثبت أن إخفاء العيب كان بغش منه ويقع على المشتري في هذه الحالة إثبات غش البائع، فإذا ثبت الغش خضع ضمان العيب لمدة التقادم الطويل والبالغ خمس عشرة سنة والمنصوص عليها في المادة (449) من القانون المدني إذا كان العقد مدنيًا، وإن الغش بالمعنى القانوني وفقًا للنص السابق يتطلب قيام البائع بأفعال عمدية من شأنها التمويه على المشتري بقصد إخفاء العيب ومنعه من اكتشافه في الوقت المشار إليه؛ لأن البائع إذا تعمد إخفاء العيب غش منه يكون قد ارتكب خطأً يستغرق خطأ المشتري في عدم فحص المبيع بالعناية المعتادة…..؛ الأمر الذي كان يتعين على محكمة الاستئناف معالجة الدعوى وفقًا لما سبق بيانه ولما لم تفعل فإن قرارها يكون في غير محله وهذه الأسباب ترد عليه ويتعين نقضه. لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر نقض القرار المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها لإجراء المقتضى القانوني”.
إعداد/ محمد محمود
[1]– الأستاذ: علي الخفيف، ص (132،131).
[2]– إبراهيم أنيس ورفاقه، المعجم الوسيط، ج1، ص (117)، عن محامي في الأردن ، .
[3]– الإمام تاج الدين السبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، ص (437).
[4]– عبد الناصر توفيق العطار، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، ص (30).
[5]– عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج1، ص (718،717).
[6]– إلياس ناصيف، موسوعة العقود المدنية التجارية، ج3، ص (526).

