ما بني على باطل فهو باطل
قاعدة ” ما بني على باطل فهو باطل ” من أهم القواعد التي يرتكز عليها القضاة في أحكامهم، وهي قاعدة عامة غير مقتصره على فرع معين من القانون، بل تسري على كافة الأفرع المدني والجزائي والإداري، وفي هذا المقال سنتعرض لتلك القاعدة وكيف أن المشرع الأردني قد استخدمها في مواد القانون المختلفة، وهذا ما سنناقشه خلال النقاط الأتية:
ثالثًا: تطبيق القاعدة في بعض أفرع القانون
رابعًا: تطبيق القاعدة بالمراحل المختلفة وأثرها
خامسًا: بعض الاستثناءات على القاعدة
أولًا: تأصيل القاعدة
أساس هذه القاعدة المنطق العقلي حيث إن المقتضى الطبيعي لجريان الأمور أن البناء الصحيح لابد له من أساس صحيح فإذا ما خرب الأساس خرب كامل البناء، فلا يصح أن يبنى حكم أو عمل قانوني على إجراء أو تصرف باطل، فالبطلان يعني الانعدام ولا يمكن أن يخرج صحيح من العدم.
1- في الشريعة الإسلامية
وفي الشريعة الإسلامية نجد أن هذه القاعدة راسخة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف مـــن اثنتين، فقـــال لـــه ذو اليدين: (أقصـرت الصلاة، أم نســـيت يا رســـول الله؟، فقال رســـول الله: أصـــدق ذو اليدين؟ فقـــال النـــاس: نعـــم، فقـــام رســـول الله فصلـــى اثنتين أخريـــن، ثم ســـلم، ثم كبر فســـجد مثل ســـجوده، أو أطـــول)[1]
حيـــث إن الرســـول صلى الله عليه وسلم لما تبن له أنه ســـلم عن نقص في الصـــلاة بنـــاء على ظن خاطئ، رجع عـــن ذلك، وأكمل صلاته، وسجد للسهو.[2]
2- في القانوني
ذهبت أغلب التشريعات العربية لعدم إفراغ تلك القاعدة في مادة قانونية رغم أهميتها ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنها من قواعد العدالة التي لا تحتاج إلى مواد قانونية بل يطبقها العل السليم فور التعرض لمقتضى تنفيذها، وأخذ بنفس النهج المشرع الأردني إلى ذات النهج ونجد ذلك في تطبيقات محكمة التمييز الأردنية حيث جاء بالحكم رقم 2453 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 8/8/2021 أثناء تنفيذ سند الرهن والسير بإجراءات التنفيذ بموجب القضية التنفيذية رقم (1547/2018) توفي المدعي الثاني في هذه الدعوى وهو أحد المحكوم عليهم في الدعوى التنفيذية، وعلى الرغم من وفاته وانتهاء شخصيته حكماً وقانوناً وانتقال كافة الحقوق المتحققة لهم إلى ورثته (الجهة المدعية الثانية) إلا أن المدعى عليها في هذه الدعوى المحكوم لها في الدعوى التنفيذية استمرت بإجراءات التنفيذ وإجراءات التباليغ والسير بالدعوى التنفيذية بمواجهة المتوفى ولم تقم بمخاصمة وإدخال ورثته وفقاً للأصول والقانون والسير بالإجراءات المتبعة في مثل هذه الحالات وفقاً للأصول مما يعتبر ذلك مخالفة صريحة لأحكام القانون ويترتب عليها بطلان كافة الإجراءات التي تمت في الدعوى التنفيذية سنداً لأحكام المادة (24) من قانون أصول المحاكمات المدنية وسنداً للقاعدة القانونية ما بني على باطل فهو باطل.)، ومن مطالعة الحكم سابق البيان نجده قد استخدم القاعدة في تأسيس حكمه حيث أن الحكم قد جعل عدم إتباع الإجراءات القانونية أثناء سير الدعوى عملًا باطلًا رتب على أثره البطلان لكل الإجراءات اللاحقة التي تمت بعده.
ثانيًا: تعريف البطلان
يمكن تعريف البطلان بأنه تصرف غير مستوف للأركان والشروط، فلا يرتب أثرًا في المعاملات ما بين الناس في المعاملات الدنيوية، مثال على ذلك تصرف غير العاقل يعد باطلًا لأنه فقد ركن الرضا فلا يترتب عليه أي اثر.[3]، ونجد أن هذا التعريف أكثر ملائمةً للمعاملات المدنية.
أما فيما يخص التعريف من وجهة نظر جنائية فقد جاء في تعريف البطلان بأنه: ” عدم ترتب الأثر القانون الذي نصت عليه القاعدة الإجرائية؛ لأن العمل الإجرائي المتخذ بناءً عليها لم يستكمل شروط صحته، أو شكله، أو صيغته، أو الكيفية المنصوص عليها في القانون فيصبح الإجراء وما يترتب عليه من إجراءات لا قيمة لها قانون.[4]
ومن كلا التعريفين يمكن وضع تعريفًا عامًا للبطلان لنعرف بأنه كل عمل أو تصرف لم يراع في إتمامه ما تطلبه القانون من شروط وأركان يجعل عدم توافرها بالفعل أو بالتصرف هو والعدم سواء.
ثالثًا: تطبيق القاعدة في بعض أفرع القانون
في هذا العنصر سنتعرض لتطبيق قاعدة ” ما بني على بطل فهو باطل ” في بعض أفرع القانون المختلفة لبيان عدم قصورها على فرع معين وأنها قاعدة عامة ترجع لقواعد العدالة، وسيكون ذلك من خلال مناقشة مواد التشريع الأردني.
1- القانون الدولي
المــادة (53) مـن اتفاقيـة فيينـا لقانـون المعاهـدات لعـام 1969 نصت علـى ( تكــون المعاهــدة باطلــة إذا كانــت وقــت عقدهــا تتعــارض مــع قاعــدة آمــرة مــن القواعــد العامــة للقانــون الدولــي. لأغــراض هــذه الاتفاقيــة يقصــد بالقاعــدة الآمــرة مــن القواعــد العامــة للقانــون الدولــي القاعــدة المقبولــة والمعتــرف بهــا مــن قبــل المجتمــع الدولــي ككل علــى أنهــا القاعـــدة التــي لا يجــوز الإخــلال بهــا والتــي لا يمكــن تعديلهــا إلا بقاعــدة لاحقــة مــن القواعــد العامــة للقانــون الدولــي لهــا ذات الطابــع.)، ومن هذا النص يتضح لنا أن القاعدة موضوع المقال سارية في نطاق القانوني الدولي حيث أن مفاد نص المادة أن هناك مجموعة من القانون القواعد الآمرة الدولية لا يجوز مخالفتها حين إبرام معاهدة جديدة وجزاء مخالفة ذلك هو بطلان كل معاهدة خالفت أي من تلك القواعد الآمرة لأنها بنيت على باطل (مخالفة القواعد الآمرة)
وفـي تقريـر لجنـة القانـون الدولـي المرفـوع إلى مؤتمـر فيينـا ذِكـر «أن أيـة معاهـدة تكـون باطلـة فـي وقـت إبرامهـا إذا كانـت أحكامهـا تتعـارض مـع إحـدى القواعـد الآمـرة القائمـة فعـلا». وإن المعاهــدة التــي تكــون باطلــة بســبب عــدم المشــروعية المذكــورة تنفســخ بصــورة مســتقلة. عـن إرادة أطـراف المعاهـدة – فهـي تعتبـر غيـر سـارية المفعـول بحكـم القانـون مـن أساسـها.[5]
2- القانون الجنائي
جاء بقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني المادة (7/4) منه نصت على ( لا يترتب على بطلان الإجراء بطلان الإجراءات السابقة له أما الإجراءات اللاحقة به فلا تكون باطلة إلا اذا كانت مبنية على الإجراء الباطل.)، ومن ذلك يتضح لنا أن المشرع الأردني قد جعل حكم الإجراء المترتب على إجراء باطل البطلان، ويعد ذلك تطبيقًا للقاعدة موضوع مقالنا.
وفي هذا السياق نقول أن تلك القاعدة تعد من أهم أسس الشرعية الإجرائية في المجال الجنائي حيث أن النظام الجنائي عبارة عن مراحل مترتبة على بعضها البعض تبدأ بالاشتباه ثم الضبط والتفتيش والتحقيق انتهاءً بالمحاكمة، ولكل مرحلة من تلك المراحل لها ضوابطها التي تحكمها لتكون ضمن نطاق المشروعية والخلل في أي من تلك المراحل وبطلانه يجعل المرحلة التي بعدها باطلة، فعلى سبيل المثال إذا حدث تفتيش لمكان دون إذن وأسفر هذا التفتيش عن اكتشاف جريمة ما وتوالت الإجراءات وقدم المتهم إلى المحاكمة فإنه يحصل على البراءة ذلك لأن أساس اتهامه (التفتيش ) باطلًا وترتيبًا على ذلك فكل ما تلي ذلك التفتيش من إجراءات قد صبغ بالبطلان فبتطبيق القانون عليه يحصل على البراءة لبطلان الأصل.
3 – القـانون المدني
نصت المادة (117) من القانون المدني الأردني على (ليس للصغير غير المميز حق التصرف في ماله وتكون جميع تصرفاته باطلة.)، وكذلك المادة (118/1) من القانون المدني الأردني نصت على (تصرفات الصغير المميز صحيحة متى كانت نافعة نفعا محضاً وباطلة متى كانت ضارة ضررا محضاً.)، ومن تلك النصوص نجد أن المشرع الأردني قد أبطل تصرفات الصغير غير المميز والصغير المميز متى كانت ضارة ضررًا محضًا ومتى كانت تلك التصرفات باطلة فنتيجة طبيعية ألا ترتب تلك التصرفات نتائج وأي نتائج لها تكون باطلة.
كما جاء في باب العقود في المادة (168/1) من القانون المدني الأردني نصت على ( العقد الباطل ما ليس مشروعا بأصله ووصفه بان اختل ركنه أو محله أو الغرض منه أو الشكل الذي فرضه القانون لانعقاده ولا يترتب عليه أي اثر ولا ترد عليه الإجازة.)، ومعنى ما ورد بنص المادة أن العقد الباطل لا يرتب أثرًا أن المادة قد طبقت قاعدة ما بني على باطل فهو باطل حيث أن العقد متى كان باطلًا وترتب عليه أثر فإن هذا الأثر المترتب باطلًا بصريح نص المادة حيث أن إيراد المادة لفظ “لا يرتب أثر” يعني أن كل ما يترتب على العقد الباطل يعد منعدمًا.
والمادة (236) من القانون المدني الأردني نصت على (الأمر بالتصرف في ملك غير الباطل.)، ومعنى هذه المادة أن الشخص إذا تصرف في ملك غيره فيعد هذا التصرف باطل أي منعدم وبالتبعية فكل ما ينتج عن هذا التصرف يعد باطلًا منعدمًا.
4- قانون أصول المحاكمات المدنية
المادة (16) نصت على (يترتب البطلان على عدم مراعاة مواعيد وإجراءات التبليغ وشروطه المنصوص عليها في هذا القانون والنظام الصادر بمقتضاه.)، ومن هذه المادة نجد أن المشرع الأردني قد أقر البطلان لأي أجراء لم يراع فيه المواعيد والإجراءات ذلك لأن العمل حينها يكون باطلًا وعليه فأي عمل يترتب عليه يعد باطلًا وهو ما يعد تطبيقًا لقاعدة مقالنا.
المادة (22) نصت على (لا يجوز تحت طائلة البطلان للمحضرين ولا للكتبة وغيرهم من موظفي المحاكم ان يباشروا عملا يدخل في حدود وظائفهم في الدعاوى الخاصة بهم أو بأزواجهم أو أقاربهم أو أصهارهم للدرجة الرابعة.)، وفي هذه المادة نجد أن المشرع الأردني قد عدد بعض الموظفين الذين لا يجوز لهم مباشرة عملهم إذا كان يخص أي مما عددتهم المادة، ومعنى أن تصرح المادة بوقوع تلك الأعمال تحت طائلة البطلان أنها تعد كالمنعدمة فلا ترتب أثرًا وتعد تطبيقًا لقاعدتنا في هذا المقال.
5- القانون الإداري
مجال عمل قضاة القضاء الإداري مراقبة قرارات الإدارة من حيث الصحة ومدى المطابقة للشروط الخاصة بإصدار القرار ومدى موافقتها لمواد القانون، وفي حالة الحكم بالبطلان فإن القرار يأخذ حكم العدم الباطل ويبطل كل ما ترتب عليه من أثر وتعود المراكز القانونية التي غيرها القرار للحالة التي كانت عليها قبل إصدار القرار.
وحقيقةٌ؛ إن كانت الإجراءات والشروط التي ينص عليها القانون تمهيداً لتكوين العملية القانونية المركبة جاءت لتكفل الصالح العام وضماناً لحقوق الأفراد؛ فإن النتيجة المنطقية تفضي أن تخلفها يبطل العملية المركبة؛ ذلك على أساس أن تلك الإجراءات ما هي إلا ضمانة لتحقيق الصالح العام» وهو ما يجري عليه في تطبيق القضاء ويردده في كثير من أحكامه ضمن رقابته على العملية المركبة إذا ما كانت تتمثل بقرار إداري مركب؛ والمعروف أن العمليات القانونية المركبة المتمثلة في العقود؛ جاءت إجراءاتها التمهيدية كذلك ضماناً للصالح العام؛ بالتالي ينبغي ألا يأخذ فيها مأخذاً سلبيّا بالامتناع عن ترتيب آثار الإلغاء عليها لا سيما وأن المسلم به ما بني على باطل فهو باطل.[6]
رابعًا: تطبيق القاعدة بالمراحل المختلفة وأثرها
في هذا العنصر سنتحدث عن تطبيق القاعدة بالمراحل المختلفة بداية للوقوف على أثر تلك المراحل المختلفة على تطبيق القاعدة.
1- مرحلة ما قبل التعرض
يقصد بمرحلة ما قبل التعرض المرحلة التي لم يتعرض فيها أحد للتصرف أو العمل لإظهار البطلان فيه، ففي هذه المرحلة رغم كون العمل أو التصرف باطلًا هو والعدم سواء إلا أنه لا ينتج أثرًا على أرض الواقع طالما أن أحد لم يتعرض له.
فعلى سبيل المثال إذا قام أحد الأشخاص بتخدير أخر وأخذ توقيعه على عقد من العقود فهذا العقد يعد باطلًا ولا ينتج أثرًا لأنه صدر بإرادة معيبة منعدمة إلا أنه ومع ذلك لا يحكم ببطلانه طالما أن من صدر منه التصرف المعيب لم يتعرض لهذا البطلان فيظل العقد ينتج أثاره حيث إن الأصل في الأعمال والتصرفات الصحة وليس البطلان.
2- مرحلة التعرض
في هذه المرحلة يظهر من له حق التعرض للبطلان في التصرف أو العمل ليبدي دفعه في بطلان التصرف أو العمل، وفي هذه المرحلة يظل العمل أو التصرف في منطقة وسط بين الصحة والبطلان يرجع لأي منهما بحكم قضائي، والمعمول به في التشريعات المقارنة أن تنظر الدعاوى فيما يخص تلك التصرفات أو الأعمال الباطل بصفة مستعجلة طالما كانت لها أثر فوري على أرض الواقع.
3- مرحلة ما بعد التعرض
في هذه المرحلة يكون التصرف أو العمل قد تم الفصل في صحته أو بطلانه وبذلك يتم تحديد أثره إما أن يكون صحيح وينتج أثاره وأما أن يكون باطلًا ويصبح هو والعدم سواء وتطبق قاعدة ” ما بني على باطل فهو باطل ” فيبطل كل ما نتج عنه من أثار.
4- مرحلة التقادم
رغم أن التمسك بالبطلان حق لصاحبه إلا أنه واستقرار للمعاملات بين الأفراد فلقد أقرت التشريعات التقادم وهي الفترة التي لا يجوز بعدها المطالبة بالحق وغالبًا ما يكون يتقادم الحق في طلب البطلان بمرور خمسة عشر عام وبناء عليه فلا تسري هذه القاعدة بعد مرور مدة التقادم.
4- الأحكام الباطلة
الأحكام شأنها شأن أي عمل قد يشوبه البطلان نتيجة عدم موافقته للشروط التي تطلبها القانون لصحته، والإشكالية العامة في هذا الشأن أن بطلان الأحكام لا يثبت إلا بحكم قضائي، لذلك شرعت منازعات التنفيذ كوسيلة من ضمن أهدافها تدارك تنفيذ أحكام مشوبة بالبطلان.
خامسًا: بعض الاستثناءات على القاعدة
في بعض الأحيان يكون الفعل أو الأجراء باطلًا ورغم ذلك لا يترتب البطلان على ما تلاه من إجراءات وفي ذلك نورد بعض الأمثلة لبيان ذلك.
المادة (24) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على ( يكون الإجراء باطلا اذا نص القانون على بطلانه أو اذا شابه عيب جوهري ترتب عليه ضرر للخصم. ولا يحكم بالبطلان رغم النص عليه اذا لم يترتب على الإجراء ضرر للخصم.)، ومن هذا النص نجد أن المشرع الأردني لم يرتب البطلان على الإجراء الباطل طالما أن هذا البطلان لم يسبب ضررًا للخصم وهو يعد خروجًا عن القاعدة العامة ” ما بني على باط فهو باطل “.
المادة (25) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على (لا يجوز ان يتمسك بالبطلان إلا من شرع البطلان لمصلحته. ولا يجوز التمسك بالبطلان من الخصم الذي تسبب فيه وذلك كله فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام . ويزول البطلان اذا نزل عنه صراحة أو ضمنا من شرع لمصلحته وذلك فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها بالنظام العام.)، ومن هذا النص نجد أن المشرع الأردني قد وضع قاعدتين في أحكام البطلان وكلا القاعدتين يشترط لسريانهما أن لا يكون البطلان متعلق بالنظام العام، القاعدة الأولى أن الإجراء الباطل لا يترتب عليه البطلان ما دام لم يتمسك به من له حق التمسك به فيظل له صفة البطلان إلا أنه لا ينتج أثره في بطلان ما يتلوه من إجراءات طالما لم يتمسك به، والقاعدة الثانية هي أنه يحق لمن شرع التمسك بالبطلان التنازل عن هذا الحق وبذلك فيكون الإجراء الباطل ذا أثر طالما تم قبوله ممن شرع له وهو يعد خروجًا عن القاعدة محل المقال.
المادة (110/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية نصت على (الدفع بالبطلان غير المتصل بالنظام العام وسائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات غير المتصلة بالنظام العام ، والدفع بعدم الاختصاص المكاني أو بوجود شرط التحكيم يجب ابتداؤها معا قبل إبداء أي دفع إجرائي آخر أو طلب أو دفاع في الدعوى والا سقط الحق فيها . كما يسقط حق الطاعن في هذه الدفوع اذا لم يبدها في لائحة الطعن . ويجب إبداء جميع الوجوه التي بني عليها الدفع المتعلق بالإجراءات غير المتصل بالنظام العام معا والا سقط الحق فيما لم يبد منها.)، ومن هذا النص نجد أن التشريع الأردني قد أورد استثناء على القاعدة العامة ” ما بني على باطل فهو باطل ” حيث إن في الحالة التي ذكرتها المادة فلا ينتج الإجراء الباطل أثره في بطلان ما يليه من إجراءات طالما أن من له حق التمسك بالبطلان لم يتمسك به في المرحلة المتقدمة من الدعوى قبل إبداء أي دفع من الدفوع.
سادسًا: تطبيقات قضائية
اجتهادات محكمة تمييز حقوق
الحكم رقم 4102 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 16/9/2021
جاء به ( ومحكمتنا تجد من خلال الاتفاق الذي كان جارياً ما بين المدعي والمدعى عليه حول بيع الفيلا المقامة على قطعة الأرض رقم 10773 هو اتفاق خارجي لعقار تمت فيه التسوية وعملاً بأحكام المواد (105 و 168 و 1149) من القانون المدني والمادة 16 من قانون تسوية الأراضي والمساحة لم يجرِ توثيقها لدى دوائر التسجيل المختصة فيكون عقد البيع والحالة هذه باطلاً ولا يترتب عليه أي أثر لتخلف ركن الشكل الذي فرضه القانون مما يتعين معه عدم الأخذ بهذه الاتفاقية لأن ما بني على باطل فهو باطل وهذا ما توصلت إليه محكمة الاستئناف في قرارها المطعون فيه ونحن نقرها إلى ما توصلت إليه من هذه الناحية.)
الحكم رقم 3731 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 26/7/2021
جاء به (وحيث إن المدعية كانت قد تبلغت الإخطار التنفيذي السابق بواسطة النشر بالصحف المحلية بعد أن تعذر تبليغها بالطرق العادية المنصوص عليها بقانون أصول المحاكمات المدنية سواء بالذات أو بواسطة الغير ممن يجوز تبليغهم فيكون تبليغ المحكوم عليها في الدعوى التنفيذية – المدعية – بواسطة الإلصاق قد جرى بصورة مخالفة للقانون والحالة هذه ويجعله باطلاً وأن التبليغ لا يرتب أثراً وفق أحكام المادة (16) من قانون أصول المحاكمات المدنية لعدم مراعاة إجراءات التبليغ وشروطه المنصوص عليها في هذا القانون. هذا ولما كان هذا التبليغ قد وقع باطلاً فإن ما يترتب عليه اعتبار كافة الإجراءات التالية له باطلة ذلك أن ما بني على باطل فهو باطل والبطلان لا يترتب عليه أثر قانوني. وحيث توصلت محكمة الاستئناف لهذه النتيجة يكون قرارها المطعون فيه متفقاً وأحكام القانون ونؤيدها في ذلك من حيث النتيجة وتكون أسباب الطعن غير واردة مما يتعين ردها. لهذا وتأسيساً على ما تقدم نقرر رد التمييز موضوعاً وتأييد الحكم المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها.)
الحكم رقم 48 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية
الصادر بتاريخ 9/3/2021 جاء به (وحيث إن قانون العمل المعدل رقـــــــــــــــــــــم ( 14) لسنة 2019 الساري بتاريخ 16/5/2019 هو قانون خاص بالنسبة لقانون أصول المحاكمات المدنية رقـــــــــــــــم ( 24 ) لسنة 1988 المعدل بالقانون رقم ( 31/2017 ) والصادر بعد هذا القانون فيعتبر استثناء من قانون أصول المحاكمات المدنية المشار إليه وبالتالي يتعين تطبيق أحكام المادة ( 137/ج) من قانون العمــل التي حددت طرق الطعن التي نصت : (ج- يستأنف قرار المحكمة الذي يصدر بمقتضى أحكام الفقرة ( أ) من هذه المادة خلال عشرة أيام من تاريخ تفهيمه إذا كان وجاهياً ومن تاريخ تبليغه إذا كان بمثابة الوجاهي ويترتب على المحكمة أن تفصل في الاستئناف خلال ثلاثين يوماً من تاريخ وروده إلى ديوانها ). وبناءً عليه فإن الأحكام الصلحية الصادرة في الدعاوى العمالية قابلة للطعن بطريق الاستئناف بغض النظر عن كيفية صدورها وجاهياً أو بمثابة الوجاهي ولا يقبل الطعن بصورة الاعتراض على الحكم . وحيث إن إجراءات الطعون من النظام العام تتصدى لها المحكمة من تلقاء نفسها ومن أي حالة كانت عليها الدعوى وعليه فإن تقديم الطعن بالصورة الاعتراضية مخالفاً للقانون وباطلاً وجميع الإجراءات اللاحقة عليـه لأن ما بني على الباطل فهو باطل. مما يتعين نقض الحكم المميز.
الحكم رقم 4351 لسنة 2017 – محكمة تمييز حقوق
ما بني على باطل فهو باطل وعليه وحيث أن سبب الدين موضوع الدعوى محل الطعن بني على عقد بيع باطل لم يتم تسجيله بدائرة الترخيص ، بالتالي تكون المطالبة بقيمة الكمبيالة المبنية على سبب الدين الذي بني على عقد باطل لم يتم تسجيله لدى دائرة الترخيص مبنية على أسسا غير قانوني .
الحكم رقم 865 لسنة 2018 – محكمة تمييز حقوق
1- اذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل تجب مراعاته أيضا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد ، عملا بنص المادة (105) من القانون المدني .
2- في الأماكن التي تمت التسوية فيها ، لا يعتبر البيع والمبادلة والإفراز والمقاسمة في الأرض أو الماء صحيحاً الا اذا كانت المعاملة قد جرت في دائرة التسجيل ، عملا بنص المادة (16) من قانون تسوية الأراضي والمياه وتعديلاته .
3- ما بني على باطل فهو باطل .
اجتهادات محكمة التمييز بصفتها الجزائية
الحكم رقم 2819 لسنة 2019 – محكمة تمييز جزاء
1- يترتب البطلان نتيجة خلو محضر إلقاء قبض على المميز من البيانات و الإجراءات التي حددتها المادتين (99) و (100) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
الحكم رقم 464 لسنة 2016 – محكمة تمييز جزاء
- محكمة الموضوع تستقل بوزن البينة وتقديرها دون معقب عليها من محكمة التمييز في هذه المسألة الموضوعية إلا أن لمحكمة التمييز حق مراقبة وتدقيق هذه البينة فيما إذا بينة قانونية وثابتة ثبوتاً يقينياً لا يعتريها الشك أو الريبة وتؤدي إلى نتيجة مستساغة ومقبولة.
- يعد قرار الحكم قانونياً ، حال كونه مستوفياً لجميع شروطه القانونية واقعة وعقوبة وتسبيباً ، سنداً لنص المادة (237) من قانون أصول المحاكمات الجزائية وخالياً من أي عيب من العيوب التي تستوجب نقضه سنداً لنص المادة (274) من ذات القانون وفي حال تخلف احدى المقومات الواردة ذكرها مسبقاً في قرار الحكم عد عندئذ قرار الحكم مشوباً بعيب الفساد في الاستدلال و القصور بالتعليل.
- ما بني على باطل فهو باطل .
- تعتبر محكمة التمييز محكمة موضوع في الدعاوى المميزة بحكم القانون وفقاً للمادة (13/ج) من قانون محكمة الجنايات الكبرى ولها مطلق الصلاحية في تقدير ووزن البينة وترجيحها أو طرحها وفقاً لأحكام المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
الحكم رقم 2420 لسنة 2017 – محكمة تمييز جزاء
- ما بني على باطل فهو باطل.
- أوجبت المادة (100) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على موظف الضابطة العدلية وتحت طائلة بطلان الإجراءات أن يقوم عند إلقاء القبض على المتهم بتنظيم محضر خاص ينظم بشكل أصولي وحيث أن ملف الدعوى قد خلا من بعض البيانات الواردة في هذه المادة فتكون والحالة هذه كافة الإجراءات التي قام بها موظف الضابطة العدلية باطلة بما فيها أقوال المتهم واعترافه.
اجتهادات المحكمة الإدارية :
الحكم رقم 48 لسنة 2019 – المحكمة الإدارية العليا
حيث ان المستدعى ضده أصدر قراره الطعين بناءً على تنسيب باطل ودون التأكد من صحة التنسيب ، فيكون قرارا باطلا وما بني على باطل فهو باطل ، كما أن القرار الطعين قد صدر دون مراعاة أحكام المادة (153) من نظام الخدمة المدنية رقم (82) لسنة 2013 وعليه يعتبر مخالفاً للقانون والنظام لاستناده لهذا التنسيب مما يتعين إلغاؤه.
الحكم رقم 469 لسنة 2018 – المحكمة الإدارية
- حيث ان المستدعى ضده أصدر قراره الطعين بناءً على تنسيب باطل ودون التأكد من صحة التنسيب ، فيكون قرارا باطلا وما بني على باطل فهو باطل وبالتالي فإن القرار الإداري يستوجب الإلغاء.
- من المبادئ المسلم بها في القضاء الإداري ووفقا لأحكام المادة (5/ه) من قانون القضاء الإداري ان المصلحة الشخصية شرط أساسي لقبول دعوى الإلغاء ، كما تقضي هذه المصلحة تواجد المستدعي في مركز قانوني يؤثر في القرار المطعون فيه تأثيرا مباشرا.
الحكم رقم 190 لسنة 2018 – المحكمة الإدارية العليا
– حيث أن الجهة المستدعى ضدها أصدرت العقوبة التأديبية استنادا الى الإجراءات الباطلة ، فيكون قرارها باطلا ، وبالتالي فإن ما بني على باطل فهو باطل .
سابعًا: خاتمة
تحدثنا في هذا المقال عن قاعدة مهمة جدًا في التشريعات الوضعية ألا وهي قاعدة ” ما بني على باطل فهو باطل ” ومنبع تلك الأهمية هو أنها ترسيخ لمبدأ الشرعية سواء كانت الشرعية الإجرائية أو الشرعية خلال سير الدعوى أو بعد صدور الأحكام القضائية متى كانت باطله، وفي النهاية نقول أن على كل مشتغل بالقانون أن يكون على علم بمبطلات التصرفات والأعمال الإجرائية ذلك لأن كثيرًا من تلك الأعمال الباطلة لابد من التعرض لها لإثبات بطلانها.
كتابة: محمد السعيد عبد المولى
[1] صحيـــح البخـــاري، كتـــاب: صـــلاة الجماعـــة والإمامـــة، باب: هـــل يأخذ الإمام إذا شـــك بقـــول النـــاس (1/183) رقم (714 ) وصحيح مســـلم، كتاب: المســـاجد ومواضع الصلاة، باب: الســـهو في الصلاة والســـجود لـــه (2/86) رقم (1225).
[2] د. علي بن عبد العزيز المطرودي، القواعد الفقهية الدالة على نفي الاعتبار، مجلة البحوث الإسلامية، العدد ( 113 ) صـ163
[3] ینظر: نظریة البطلان في الشریعة الإسلامیة والقانون المدني، د/ محمد أمین إبراھیم حسن، ص(٥٨)
[4] د. عوض، محمد محي الدين، الإجراءات الجنائية، الإسكندرية، دار المطبوعات الجامعية، 1978، صـ3
[5] عمــار سعيــد الطائي، القواعد الآمرة في القانون الدولي، مجلة جامعة الشارقة للعلوم القانونية، المجلد 15العدد 1، 2017 صـ267
[6] سيف صالح علي الحربي، إلغاء القرارات الإدارية القابلة للانفصال في عقود الإدارة دراسة مقارنة، رسالة، كلية القانون، جامعة الأمارات العربية المتحدة، 2018، صـ122

