جريمة الانتحار في قانون العقوبات الأردني
تعد جريمة الانتحار جريمة ذات طبيعة خاصة إذ أنها ترتبط بالفاعل بوصفه جاني ومجنيا عليه في ذات الوقت، فهي لها ظروف خاصة بمرتكب الفعل ذاته ولا دخل للغير بها إلا إذا كان هناك محرضا للجاني على فعل ذلك.
ونظرا لأن هذه الجريمة وإن اختلفت أسبابها إلا أنها في الغالب الأعم ترتبط بالحالة النفسية للجاني، أو ظروفه الشخصية، أو المالية، أو العائلية، لذلك فقد اختلفت الدول في اعتبارها جريمة أو اعتبار الفاعل ضحية لظروفه أو لحالته النفسية السيئة التي دفعته لارتكاب مثل هذا الجرم بنفسه، ومن هنا يأتي الحديث عن تلك الجريمة ومدى اهتمام المشرع بها وخاصة في الآونة الأخيرة بعد ازديادها بشكل مطرد.
ثانيا: حكم تجريم الانتحار في القانون
ثانيا: حكم التحريض على الانتحار
رابعا: حكم الشروع في جريمة الانتحار
أولا: مفهوم الانتحار
يمكن تعريف الانتحار بأنه وصول شخص لدرجة من الإحباط تجعله يقدم على سلوك قاصدا من ورائه إزهاق روح نفسه فيقع الاعتداء من الشخص على نفسه فتجتمع صفة الجاني والمجني عليه في شخص واحد وهو المنتحر.
وعرفه البعض بأنه” إزهاق لروح إنسان حي لا يفترق عنه إلا في وقوعه من المنتحر على نفسه أي في كون القاتل هو نفسه المقتول”([1]).
وعرفه البعض الآخر بأنه” اعتداء الشخص على نفسه اعتداء يؤدي إلى وفاته”([2]).
ويختلف فعل الانتحار عن فعل القتل بشكل واضح، إذ أنه رغم أن الفعلين متفقان في إزهاق الروح إلا أنه في القتل يكون مرتكب الفعل جانيا أما في الانتحار المجني عليه هو شخص آخر.
ثانيا: حكم تجريم الانتحار في القانون
ولم تختلف كافة قوانين البشر على تجريم القتل وتصل العقوبة في دول كثيرة إلى الإعدام أيا كانت طريقة تنفيذه إلا أن الانتحار رغم تجريمه في كافة الشرائع السماوية إلا أن المنطق والعقل يرفض تجريمه ، إذ أن مرتكب الفعل قد نفذ في نفسه حكم الإعدام أو عاقب نفسه بنفسه وبالتالي فقد طبق حكم الإعدام فلا يجوز إعدام ميت ، كما أنه قد تلاشى المحل الذي كان من الممكن تقويمه وإصلاحه([3])، إذ أنه من غير المتصور انزال العقوبة على إنسان ميت أو على جثته فتجريم الفعل والعقاب عليه في ذاته يفترض إمكانية تقديم المتهم للمحاكمة وإحاطته علما بأدلة الاتهام والثبوت ومنحه فرصه للدفاع عن نفسه كي تكون محاكمة عادلة لا يكتنفها أي ظلم أو إجحاف به وهذا الأمر لن يحدث بعد وقوع الوفاة.
ولقد كان المشرع الأردني من ضمن هؤلاء المشرعين الذين امتنعوا عن تجريم الانتحار لاختلاف ذلك مع المنطق والعقل وتناقضه مع مبدأ سقوط العقوبة بالوفاة، إذ كيف يعاقب شخص ميت، وكذلك لأن الشخص الذي هانت عليه نفسه أولى ألا يقع عليه جزاء لهوان نفسه أيضا على المشرع والمقنن ([4]).
ورغم ذلك فقد اجتمعت غالبية الدول على عقاب فعل التحريض على الانتحار بوصفه فعلا مؤثم بطبيعته إذ أنه يهدف إلى انتشار روح السلبية في المجتمع.
ثانيا: حكم التحريض على الانتحار
رغم عدم نص المشرع الأردني على عقوبة لجريمة الانتحار إلا أن هذه الجريمة قد لا تقتصر على دوافع الجاني نفسه فقط، بل قد يمتد الأمر إلى تحريض آخر على ارتكاب مثل هذه الجريمة وهو ما اعتبره المشرع الأردني جريمة يعاقب عليه القانون.
ولقد عرف المشرع الأردني التحريض في المادتين \ 339 من قانون العقوبات لعام 1961 بأنه” 2. من حمل إنسانا على الانتحار أو ساعده بطريقة من الطرق المذكورة في المادة (80)، ونصت المادة \80 من ذات القانون على أنه” – أ. يعد محرضا من حمل أو حاول أن يحمل شخصا آخر على ارتكاب جريمة بإعطائه نقودا أو بتقديم هدية له أو بالتأثير عليه بالتهديد، أو بالحيلة والخديعة، أو باستغلال النفوذ، أو بإساءة الاستعمال في حكم الوظيفة…………….. “.
كما أن المشرع الأردني قد تناول فعل المساعدة في الانتحار في المادة السابقة في الفقرة رقم \2 على أنه” -2- يعد متدخلا في جناية أو جنحة:
أ- من ساعد على وقوع جريمة بإرشاداته الخادمة لوقوعها.
ب- من أعطى الفاعل سلاحا أو أدوات أو أي شيء آخر مما يساعد على إيقاع الجريمة.
ج- من كان موجودا في المكان الذي ارتكب فيه الجرم بقصد إرهاب المقاومين أو تقوية تصميم الفاعل الأصلي أو ضمان ارتكاب الجرم المقصود.
د- من ساعد الفاعل على الأفعال التي هيأت الجريمة أو سهلتها أو أتمت ارتكابها.
هـ – من كان متفقا مع الفاعل أوالمتدخلين قبل ارتكاب الجريمة وساهم في إخفاء معالمها أو تخبئه أو تصريف الأشياء الحاصلة بارتكابها جميعها، أو بعضها، أو إخفاء شخص، أو أكثر من الذين اشتركوا فيها عن وجه العدالة ……………… “.
وبذلك فان المشرع الأردني قد حدد وسائل المساعدة التي لو قام بها الشخص اعتبر مساعدا للمنتحر في إتمام جريمته وبالتالي يقع تحت طائلة العقاب وهي سواء من قدم سلاحا للجاني لإتمام جريمته أو تقويته معنويا على ارتكاب الفعل المؤدي إليها أو حتى لو ساهم مع الجاني في إخفاء معالمها أو حتى مجرد إرشاداته الهادفة إلى تسهيل ارتكابها.
ثم جاء بعد ذلك المشرع الأردني ونص على عقوبة المحرض على جريمة الانتحار مستخدما طريقة أو وسيلة من الوسائل المنصوص عليها في المادة\ 80 سالفة الذكر، في المادة \ 339 \2 على أنه” أ- من حمل إنسانا على الانتحار أو ساعده بطريقة من الطرق المذكورة في المادة (80) عوقب بالاعتقال المؤقت.
3- وإذا بقي الانتحار في حالة الشروع عوقب ذلك الشخص بالحبس من ثلاثة أشهر الى سنتين وتكون العقوبة حتى ثلاث سنوات إذا نجم إيذاء أو عجز دائمين “.
وبذلك فقد جعل المشرع الأردني عقوبة التحريض على الانتحار دون فعله وجعلها هي الاعتقال المؤقت ([5])، وفي حالة إذا لم يتم الانتحار وإنما تبقي في حالة الشروع عوقب هذا الشخص بالحبس ثلاثة أشهر إلى سنتين وتزيد إلى ثلاث سنوت إذا ترتب عليه إيذاء أو عجز.
- أركان جريمة التحريض على الانتحار:
وتقوم هذه الجريمة على توافر ثلاثة أركان هم (الركن المادي، محل الجريمة، القصد الجنائي):
1- الركن المادي:
ويتم هذا الركن في صورة ثلاث عناصر وهي.
أ- ويتمثل العنصر الأول في الركن المادي للجريمة في إتيان الشخص السلوك الذي يدفع الشخص إلى ارتكاب جريمة الانتحار والمساعدة على الانتحار أي تقديم العون للشخص الراغب في الانتحار لإتمام جريمته وهو ما نص عليه في المادة \ 80\2 من قانون العقوبات على أنه”2- يعد متدخلا في جناية أو جنحة:
أ- من ساعد على وقوع جريمة بإرشاداته الخادمة لوقوعها.
ب- من أعطى الفاعل سلاحا أو أدوات أو أي شيء آخر مما يساعد على إيقاع الجريمة.
ج- من كان موجودا في المكان الذي ارتكب فيه الجرم بقصد إرهاب المقاومين أو تقوية تصميم الفاعل الأصلي أو ضمان ارتكاب الجرم المقصود.
د- من ساعد الفاعل على الأفعال التي هيأت الجريمة أو سهلتها أو أتمت ارتكابها.
ه- من كان متفقا مع الفاعل أوالمتدخلين قبل ارتكاب الجريمة وساهم في إخفاء معالمها أو تخبئه أو تصريف الأشياء الحاصلة بارتكابها جميعها، أو بعضها، أو إخفاء شخص، أو أكثر من الذين اشتركوا فيها عن وجه العدالة ……………… “.
ب- النتيجة الإجرامية، فلا يكفي لقيام الركن المادي مجرد إتيان الشخص السلوك المؤدي إلى تحريض الجاني إلى الانتحار فقط، بل لابد أن يؤدي هذا السلوك إلى حدوث الانتحار أو إيقاع أذى بالجاني فاذا لم يترتب عليه أي أثر فلا يكون هناك عقاب على التحريض لأنه لم يكتمل الركن المادي.
ج- رابطة السببية، فلا يكفي لقيام الركن المادي مجرد إتيان الشخص السلوك وتحقق النتيجة الإجرامية بوقوع الانتحار إنما لابد أن يكون هناك علاقة سببية بين وقوع الانتحار والفعل المؤدي له.
2- الركن الثاني: محل الجريمة
ويتمثل محل جريمة الانتحار في الشخص الذي يوجه إليه التحريض على الانتحار، إذ أنه لا جريمة بدون محل، ومحلها هو الإنسان الذي يريد الانتحار، فاذا لم يتواجد فلا يكون هناك جريمة انتحار لانعدام المحل.
3- القصد الجنائي (العلم والإرادة)
فلا يمكن أن تكون هناك جريمة بدون قصد جنائي، أي علم الجاني مرتكب فعل التحريض على الانتحار بأن سلوكه الذي يقدم عليه يؤدي إلى دفع الجاني لإزهاق روحه، كما يشترط أن تتوافر وتتجه إرادته إلى ارتكاب مثل هذا السلوك وإلى إحداث وفاة المجني عليه ويكفي القصد الاحتمالي لقيام هذه الجريمة، إذ أن مجرد توقع المحرض أن المنتحر سيقدم على جريمته يعد كافيا لتوافر القصد الجنائي.
فإذا توافرت هذه الأركان اكتملت جريمة التحريض على الانتحار وعوقب فاعلها طبقا للعقوبة المنصوص عليها في القانون بالمادة \ 339سالفة الذكر.
رابعا: حكم الشروع في جريمة الانتحار
عرف المشرع المصري الشروع في المادة \45 من قانون العقوبات بأنه” البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الجاني فيها”.
وكذلك عرفه المشرع الأردني في المادة \ 68من قانون العقوبات على أنه” الشروع: هو البدء في تنفيذ فعل من الأفعال الظاهرة المؤدية إلى ارتكاب جناية أو جنحة، فاذا لم يتمكن الفاعل من إتمام الأفعال اللازمة لحصول تلك الجناية أو الجنحة لحيلولة أسباب لا دخل لإرادته فيها عوقب على الوجه الآتي الا إذا نص القانون على خلاف ذلك …))
وبالتمعن في هذه المادة نجد أن المشرع الأردني قد أشار إلى نوعين من الشروع يمكن تصورهم في جريمة الانتحار وهما:
أ- الشروع الناقص
وهي الحالة ا لتي يبدأ فيها الجاني (المنتحر) تنفيذ فعل الانتحار ولكنه لا يستمر فيها بسبب تدخل أسباب خارجه عن إرادته وبالتالي لا يترتب عليه وقوع النتيجة وهي الانتحار أي الشروع الذي يقف فيه تنفيذ فعل الانتحار عند حد معين فلا يتمكن من إنهاء الفعل ، كمن يحاول قتل نفسه بمسدس إلا أن آخر يخطفه منه فلا يمكنه من إتمام الفعل، ففي هذه الحالة لا يتم الشروع وبالتالي لا يعاقب مرتكبه، كالشخص الذي يقرر التخلص من حياته بتناوله كمية كبيرة من الأدوية إلا أن أفراد أسرته يقومون بإنقاذه بأخذه إلى المستشفى في الوقت المناسب علاجه ومن ثم الحيلولة دون وفاته([6]).
ب- الشروع التام
وهي الحالة التي يقوم فيها المنتحر باتخاذ كافة التصرفات ويصل بها إلى نهاية الأفعال إلا أن النتيجة لا تتحقق ولا يتم الانتحار لأسباب لا دخل للجاني بها وهو يعرف بالشروع الخائب، لأنه رغم حدوث كافة تصرفاته إلا أنه لا يتم، كمن يطلق النار على إنسان فلا يصيبه أو يصيبه في غير مقتل ([7]).
– العقاب على الشروع وفقا للتعديل الجديد للمادة 339 من قانون العقوبات لعام 2022
اتجه جانب من الفقه إلى أن التجريم والعقاب في الشروع في الانتحار غير ذي جدوى باعتبار أن من هانت عليه نفسه يهون عليه أي عقاب ([8])، ومن لم تحل غريزة البقاء دون إقدامه على الانتحار فلن يحول دون ذلك تهديده بالعقاب ([9]).
سابقا، وقبل التعديل الجديد لعام 2022، لم يكن المشرع الأردني يعاقب على الشروع في الانتحار ولم يكن يتضمن قانون العقوبات أية نصوص سوى النص الوارد في المادة \ 86سالفة الذكر والتي تعاقب الشروع بصفة عامة في الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبة مقيدة للحرية.
إلا أنه ووفقا للتعديل الجديد الذي طرأ على نص المادة 339 من قانون العقوبات لعام 2022، والذي أصبح يجرم الشروع في الانتحار، بحيث أصبح يعاقب كل من يشرع في الانتحار ولم يتوف، وشدد العقوبة في حال كان الانتحار جماعيا في مكان عام، إذ جاء فيه: ” 1. يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من شرع في الانتحار في مكان عام بأن أتى أيا من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادة وتشدد العقوبة إلى ضعفها إذا تم ذلك باتفاق جماعي.
- من حمل إنسانا على الانتحار أو ساعده بطريقة من الطرق المذكورة في المادة (80) عوقب بالاعتقال المؤقت
- وإذا بقي الانتحار في حالة الشروع عوقب ذلك الشخص بالحبس من ثلاثة أشهر الى سنتين وتكون العقوبة حتى ثلاث سنوات إذا نجم إيذاء أو عجز دائمين.”
خامسا: أحكام محكمة التمييز
لقد قضت محكمة التمييز الأردنية بأحكام فيما يتعلق بالتحريض على الانتحار فقط ، ففي حكم لها برقم \ 651لسنة2007 ، جلسة 24\6\2007بأن” وحيث أن ما قام به المتهم من أفعال تمثلت بالضغط على رقبة المشتكية بواسطة يديه لم يشكل خطراً على حياتها حيث أنها استمرت في التنفس وقامت بتخليص نفسها منه كما أن المتهم لم يبقى مستمراً في الضغط بيده على رقبتها إذ لو كان ينوي قتلها لبقي مستمراً بالضغط على رقبتها دون أن يمنعه أحد سيما وأن الغرفة مغلقة بالمفتاح كما وأن المتهم وضع يده على رقبة المشتكية وحاول خنقها مرة واحدة ولفترة زمنية بسيطة ولم يبق مستمراً بالضغط على رقبتها كما أنه لم يحاول الضغط على رقبتها مرة أخرى لإزهاق روحها.
كما وأن اقترابه من المشتكية بعد أن سكبت مادة الكاز على نفسها وإمساكه للقداحة وإشعالها لعدة مرات بمحاذاة ملابس المشتكية والطلب منها أن تحرف نفسها ولم يمنعها من سكب الكاز على ملابسها فإن هذه الأفعال تشكل أركان وعناصر جنحة حمل إنسان على الانتحار خلافاً للمادة 339/ب من قانون العقوبات.
وحيث توصلت محكمة الجنايات الكبرى إلى هذه النتيجة وعدلت التهمة من جناية الشروع بالقتل خلافاً للمادتين 326 و70 من قانون العقوبات إلى جنحة حمل إنسان على الانتحار خلافاً للمادة 339/ب من ذات القانون فتكون قد أصابت صحيح القانون”.
كتابة دكتور \ عبد المنعم الشرقاوي
([1]) د. محمد ذكى أبو عامر, د. عبدالمنعم سليمان, قانون العقوبات اللبناني, القسم الخاص, ص106
([2]) د. فوزية عبدالستار, شرح قانون العقوبات, القسم الخاص, بند8, ص9.
([3]) د. محمد ذكى أبو عامر, قانون العقوبات, القسم الخاص, مطبعة التوني, الإسكندرية, ط2, 1989, ص402.
([4]) د. محمد صبحي نجم, رضاء المجني عليه وأثره على المسئولية الجنائية” دراسة مقارنة”, كلية الحقوق جامعة القاهرة, دار الثقافة للنشر والتوزيع والدار العلمية الدولية, عمان, الأردن, ط1, 2000, ص119.
([5]) د. محمد على الحلبي, شرح قانون العقوبات الأردني, القسم العام, ص291.
([6]) محمود صالح العادلي, الانتحار بين التحريم والتجريم, مقال منشور عبر الإنترنت.
([7]) د. احمد فتحي سرور, الوسيط في قانون العقوبات, ص363,362.
([8]) د. محمد ذكي أبو عامر, مرجع سابق, ص402. مرجع سابق محامي الأردن،, ص402.
([9]) د. فوزية عبدالستار, شرح قانون العقوبات, دار النهضة العربية, القاهرة, ط3, 1990, ص344.

