أحكام الضرر في حالة دفاع شرعي
القاعدة العامة في المسئولية أن كل من ارتكب خطأ سبب ضرراً للغير التزم مرتكبه بالتعويض إلا أن هذا الأصل ليس على إطلاقه بل ترد عليه استثناءات قررها المشرع لاعتبارات متعددة ومختلفة، ومن ضمنها توافر حالة الدفاع الشرعي.
وسوف نبين في هذا المقال ماهية الدفاع الشرعي ثم نردف ذلك بالحديث عن المسئولية عن الضرر في حالة الدفاع الشرعي متبعين في ذلك الترتيب التالي:
ثانياً : مشروعية الدفاع الشرعي:
ثالثاً : المسئولية عن الضرر في الدفاع الشرعي:
رابعاً: العلة من عدم تقرير المسئولية عن الضرر في حالة الدفاع الشرعي:
خامساً: الأثر المترتب على قيام حالة الدفاع الشرعي:
سادساً: تجاوز حالة الدفاع الشرعي:
سابعاً : مثال تسبيب معيب لعدم توافر حالة دفاع شرعي:
أولاً: ماهية الدفاع الشرعي:
الدفاع الشرعي هو أحد أسباب الإباحة في القانون الجنائي ويمكن تعريفه بأنه حق للمعتدى عليه برد العدوان الواقع على نفسه أو ماله أو على الغير عند توافر شرائطه.
وإذا كان الأصل العام أن كل من أرتكب فعل سبب ضرر الغير التزم بالتعويض عنه، إلا أن هناك حالات يكون التعدي فيها مشروعا من بينها إذا أثبت الفاعل أنه أثناء ارتكاب الفعل الذي سبب ضرر للمضرور كان في حالة دفاع شرعي عن النفس أو المال فإنه يعفى من المسئولية عن الضرر الذي سببه، وقد ورد النص على ذلك في المادة (262) من القانون المدني الأردني والتي قررت أن: (من أحدث ضررا وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله كان غير مسؤول على ألا يجاوز قدر الضرورة وإلا اصبح ملزما بالضمان بقدر ما جاوزه).
إذن فإن المعتدي الذي يثبت صفة المشروعية في اعتدائه ينقلب تعديه إلى عمل مشروع،[1] ومن ثم ينتفي عنه الضمان، ولكن يتعين على المعتدي في هذه الحالة أن يكون اعتدائه متناسب مع العدوان الواقع عليه حتى يظل غير ملتزم بالضمان، بحيث إذا تجاوز اعتدائه نطاق التناسب الواجب توافره لأدى ذلك إلى الزامه بضمان الضرر الناتج عن تجاوز الاعتداء فقط.
ثانياً : مشروعية الدفاع الشرعي:
لكي يمكن القول بمشروعية الدفاع الشرعي يجب توافر عدة شروط تتمثل فيما يلي:
1- وجود خطر حال أو وشيك الوقوع على نفس المدافع أو الغير أو ماله أو ماله أو عرضه أو كرامته، ولا يشترط القانون وجود صلة تربط بين الدفاع والغير الذي يتحوطه الخطر بشأن نفسه أو ماله أو عرضه حتى يكون دفاع الأول عنه مشروعاً، ولا يتطلب أن يتحقق الاعتداء بالفعل بل يكفي في ذلك أن يقع ما يخشى معه وقوع الاعتداء.
وترتيباً على ذلك لا تتحقق قيام حالة الدفاع الشرعي إذا كان الخطر المتخوف منه غير وشيك الوقوع بأن كان احتمال وقوعه مستقبلاً وليس في الحال، كما لا تتحقق أيضاً حالة الدفاع الشرعي إذا ما كان الاعتداء قد وقع وانتهى، لكون الدفاع الشرعي قد شرع لمقاومة الاعتداء حال وقوعه وليس للسبق في الاعتداء أو الانتقام بعد وقوعه.
ولا يلتزم في العمل المتخوف منه أن يكون خطراً حقيقياً بل يكفي من ظروف الحال وما يحيط به من ملابسات ما يكفي للاعتقاد بانه كذلك في عقل المعتدي وأن يكون ذلك مبني على أسباب معقولة تبرره.
2- أن يكون استعمال القوة هو السبيل الوحيد لرد الاعتداء، فإذا كان في استطاعة المدافع الاستعانة برجال السلطة لمن وقوع الاعتداء فلا تتوافر في شأنه حالة الدفاع الشرعي، وكذلك الحال إذا كان في استطاعته استعمال وسيلة أخرى غير القوة لرد الاعتداء وفق ملابسات الحالة ولا يجوز نفي حالة الدفاع الشرعي استناداً إلى أنه كان بإمكانه الهرب لما يمثله ذلك من جبن وعار ترفضه الكرامة ولا يقره القانون.
3- أن يكون الدفاع لرد اعتداء غير مشروع فإذا كان الفعل المعتبر تعدياً مشرعاً فلا يجوز مجابهته استناداً لقيام حالة الدفاع الشرعي. وبناءً على ذلك فليس لمن ألقي القبض عليه بطريق قانوني من رجال الشرطة أن يقاومهم ويتذرع بأنه في حالة دفع شرعي لأن الاعتداء الواقع عليه في هذه الحالة هو اعتداء مشروع.
4- أن يكون الدفاع بالقدر اللازم لدرء الاعتداء، حيث أن تجاوز هذا القدر يؤدي إلى وضع المدافع في موضع المعتدي ومن ثم يكون مسئولاً عن الإضرار التي يحدثها للغير نتيجة تجاوز قد الدفاع المتطلب, ومن ثم يتضح أن مسئولية متجاوز حدود الدفاع الشرعي تكون مسئولية مخففة وليست مسئولية كاملة.
ثالثاً : المسئولية عن الضرر في الدفاع الشرعي:
تضمنت المادة (262) من القانون المدني الأردني النص على اعتبار توافر حالة الدفاع الشرعي مانع من موانع قيام المسئولية وتحققها في حق مرتكب الضرر فجاء فيها أنه: ” من أحدث ضررا وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله كان غير مسؤول على ألا يجاوز قدر الضرورة وإلا اصبح ملزما بالضمان بقدر ما جاوزه “.
وجاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني فيما يتعلق بنص المادة (262) أنه ” ويجب في هذه الأحوال أن يكون الضرر الذي يراد دفعه ضررا مداهما وحالا ولا يمكن دفعه بالالتجاء إلى المحاكم قبل وقوعه ويكفي في ذلك غلبة الظن “.
ويقابل ذلك نص المادة (166) من القانون المدني المصري، وبناء على ذلك فإن قيام حالة الدفاع الشرعي دفاعاً عن النفس أو المال متى توافرت شرائطها المعروفة والتي سوف نشير إليها لأحقاً، فإن ذلك يخرج الفعل الذي سبب الضرر للمضرور من دائرة عدم المشروعية وتنحصر مسئولية مرتكب الفعل الضار عن فعله، ويصبح غير ملزم بالتعويض عنه.
وتضمنت كذلك المذكرة الإيضاحية للمادة (166) مدني مصري المقابلة للمادة (262) مدني أردني أنه ” ولمن أحدث الضرر كذلك أن يتنصل من تبعة عمله ويدفع المسئولية عن نفسه، إذا أثبت توافر سبب من أسباب الإباحة وهي ثلاثة : الدفاع الشرعي، وصدور أمر من رئيس، والضرورة .
أما حالة الدفاع الشرعي فقد عرفها التقنينان التونسي والمراكشي في المادتين 104 – 95 بأنه ( حالة يجبر فيها الشخص على العمل على لدرء اعتداء حال غير مشروع موجه إلى شخصه أو ماله، أو موجه إلى شخص الغير أو ماله ).
فمن يقوم بالدفاع الشرعي في مثل هذه الحالة فيحدث ضرراً للمعتدي، لا يكون مسئولاً، ولا يعتبر ما وقع منه خطأ يوجب المساءلة. وبديهي أن المسئولية لا ترتفع في حالة الدفاع الشرعي إلا إذا كان من ألجئ إليه قد اقتصر على القدر اللازم لدفع الخطر في غير إفراط. فإذا جاوز هذا القدر اعتبر ما وقع منه من قبيل الخطأ، وقاسم المعتدي بذلك تبعة خطأ مشترك يتردد بينهما. وفي هذه الصورة يقضي للمضرور بتعويض عادل، ولكنه تعويض مخفف يقدره القاضي وفقاً لقواعد الخطأ المشترك “.[2]
واستنادا ً لما ورد بنص المادة (262) من القانون المدني الأردني وما تضمنته المذكرة الإيضاحية للقانون ذاته يتضح أن الدفاع الشرعي في حدوده يرفع المسئولية تماماً لأنه استعمال لحق، واستعمال الحق في حدوده لا يشكل خطأ ولا يرتب مسئولية، حتى لو نشأ عنه ضرر للغير، أما تجاوز حدود الدفاع الشرعي يجعل المتعدي مسئولاً في مواجهة المضرور عن فعله، وغالب الأحوال أن القاضي يراعي حالة الاعتداء التي كانت واقعة على المتعدي في التخفيف من مسئوليته عن فعله المسبب للضرر.
رابعاً: العلة من عدم تقرير المسئولية عن الضرر في حالة الدفاع الشرعي:
يرى العلامة الدكتور عبدالرازق السنهوري أن السبب في عدم المسئولية عن الضرر في حالة رد الاعتداء وفق الشروط التي يتطلبها القانون يمكن أن ينصرف إلى وجهين:[3]
الأول : أن دفع الاعتداء إذا اعتبر تعدياً فثبت الخطأ في جانب المعتدى عليه، فإنه يبقى بعد ذلك أن هذا الخطأ قابله من جانب المعتدي خطأ أكبر منه، إذا كان هو البادي، والقواعد المعروفة في نظرية الخطأ المشترك تجعل الخطأ الأكبر يستغرق الخطأ الأصغر، وتفصيل الأمر على هذا النحو لا ينفي وقوع التعدي من جانب المتعدي على المتعدي عليه، بل يعتبر دفعه للاعتداء خطأ استغرقه خطأ أكبر منه .
الثاني : أن رد الاعتداء أي دفعه لا يعتبر من قبيل التعدي، وليس أيضاً خطأ أصغر استغرقه خطأ أكبر كما هو الحال في الوجه الأول، بل هو عمل مباح مشروع وتطبيق المقياس المجرد الذي يقاس به ركن التعدي يؤدي إلى هذه النتيجة، وذلك لأن ذلك هو السلوك المألوف للشخص إذا ما أحاطه الخطر مراعياً في ذلك التناسب بين دفع الخطر والوسيلة المستخدمة في دفع هذا الخطر، والوجه الثاني هو الأنسب بالنسبة إليه.
خامساً: الأثر المترتب على قيام حالة الدفاع الشرعي:
يترتب على قيام حالة الدفاع الشرعي أن ينتفي الضمان عن من أحدث الضرر للمعتدي، حيث لا تقع ثمة مسئولية على من كان في حالة دفاع شرعي لأن تعديه في هذه الحالة لا يُعد تعدياً غير مشروع ومن ثم ينتفي الخطأ في جانبه.
ومن ثم فإن المعتدي الأول إذا أصابه ضرر واستطاع إثباته أمام القضاء، فإن المدافع عن نفسه أو ماله أو نفسه أو مال الغير يتعين عليه أن يثبت أنه كان في حالة دفاع شرعي، وأن الضرر الذي أحدثه للغير ما هو إلا نتيجة مترتبة على دفعه للاعتداء الذي وقع منه، وعليه أن يثبت أيضاً – لكي لا يكون ملزم بضمان الضرر– أن دفعه للاعتداء الواقع من الغير متناسب مع الاعتداء الواقع على نفسه أو ماله.
ويكن لمحكمة الموضوع تقدير مدى توافر حالة التناسب بين الاعتداء ودفعه، حيث أن هذا الأمر يُعد من الأمور الموضوعية التي تكون إطلاقات السلطة التقديرية لقاضي الموضوع.[4]
وفي هذا الصدد تقضي محكمة بداية حقوق الزرقاء في حكمها رقم 376 لسنة 2021 بأن : (ولما كانت حالة الدفاع الشرعي من مسائل الواقع التي تفرض محكمة الموضوع رقابتها عليها وعليها بحث قيام حالة الدفاع الشرعي ما دامت واقعة الدعوى تشير بيناتها إلى ذلك “قرار محكمة التمييز الموقرة رقم 642/1997 تمييز جزاء والذي جاء فيه استقر اجتهاد محكمة التمييز على أنه يحق لمحكمة الموضوع بحث قيام حالة الدفاع الشرعي من تلقاء نفسها ما دامت واقعة الدعوى تشير إليها ولو كان المميز لم يدفع بها”.
لذا فإن حالة الدفاع الشرعي تتطلب تحقق الشرائط التالية:
- أن يوجد خطر جسيم على النفس أو المال.
- أن لا يكون لإرادة الجاني دخل في حلول الخطر.
- أن لا يكون في الإمكان اتقاء الخطر بجريمة اقل جسامة من الجريمة التي ارتكبها بالفعل.
- أن يقع الفعل أثناء استعمال حق الدفاع المشروع وقبل الانتهاء من الاعتداء.
- أن يقع الفعل بسلامة نية.
وأن المحكمة تجد أن شرط أن يقع الفعل بسلامة نية ضمن الشروط الواجبة لاعتبار الفاعل غير متجاوز لحق الدفاع المشروع وإن لم يرد له ذكر في نص القانون، باعتبار أنه مستفاد من طبيعة الفعل إذ أن حالة تجاوز حدود حق الدفاع لا تفهم على وجهها الصحيح بغير شرط حسن النية، وبناء على ما تقدم وحيث أن الثابت من وقائع هذه الدعوى أن المدعى عليه تعرض لاعتداء من قبل ابن المدعي نتيجة ضربه بواسطة الحجر دون وجود إرادة لابن المدعى عليه في حدوث الخطر بما يحقق الشرط الأول الثاني أعلاه، أما ما آتاه ابن المدعى عليه من أفعال كانت ضروريا لدفع الاعتداء الواقع عليه، وهو لم يكن يملك وسيلة أخرى إزاء ذلك الأمر الذي يحقق الشرط الثالث أعلاه.
وإزاء ما سبق بيانه تخلص المحكمة إلى أن ابن المدعى عليه في ظل دفاعه عن نفسه مارس حقا مشروعا خوله إياه القانون، الأمر الذي يجعله متفقا لصحيح منطوق المادة 61 و262 من القانون المدني وغير مسؤول عن أي إضرار لحقت بان المدعي).
سادساً: تجاوز حالة الدفاع الشرعي:
لا يستفيد فاعل الضرر من الإعفاء من المسئولية عن الضرر الذي سببه وهو في حالة دفاع شرعي إلا إذا توافرت الشرائط اللازمة لقيام حالة الدفاع الشرعي ولم يتجاوز في رد الاعتداء الحد الكافي لرده، ومن ثم متى تجاوز مرتكب الضرر حدود الدفاع الشرعي فإنه يكون مسئولاً عما أصاب المضرور من ضرر نتيجة تجاوزه هذا ولا يحق له في هذه الحالة التمسك بقيام حالة الدفاع الشرعي للقول بعدم مسئوليته عما سببه من ضرر، أو ألا تقوم حالة دفاع شرعي من الأساس، ومن صور تجاوز حدود الدفاع الشرعي ابتداء مرتكب الضرر بالاعتداء أو رد الاعتداء بطريقة وحشية لا تتناسب مع الهجوم الواقع عليه كأن كانت المشاجرة بالأيدي فقام باستخدام سكين أو سلاح ناري أو أداة لرد هذا الاعتداء.
سابعاً : مثال تسبيب معيب لعدم توافر حالة دفاع شرعي:
قضت محكمة النقض المصرية بأنه ” متى كان الحكم المطعون فيه بنى قضاءه بإلزام الطاعنين بالتعويض على ثبوت وقوع الفعل الضار منهما و هو إحداث الجروح بالمدعى بالحق المدني وأطرح دفاعهما بقيام حالة الدفاع الشرعي عن مال زوجة أولهما وهو ملكيتها لمحصول القطن الذى كان المجنى عليهم يقومون بحصاده، استنادا إلى أنه كان في استطاعة الطاعنين الالتجاء إلى رجال السلطة العامة، فإن ما قرره الحكم من ذلك لا يصلح على إطلاقه سبباً لنفى حالة الدفاع الشرعي لأن الأمر في هذه الحالة يتطلب أن يكون هناك من ظروف الزمن وغيره ما يسمح بالرجوع إلى هذه السلطة قبل وقوع الاعتداء بالفعل، وهو ما أمسك الحكم عن استظهاره و القول بغير ذلك مؤد إلى تعطيل النص الصريح الذى يخول حق الدفاع لرد أفعال التعدي على المال تعطيلاً تاماً، مما لازمه أنه كان يتعين على المحكمة أن تبحث فيمن له ملكية القطن الذى كان يجرى جنيه للتحقق من قيام أو عدم قيام المجنى عليهم بسرقته، لما لذلك من أثره في ثبوت أو انتفاء حق الدفاع الشرعي عن المال طبقاً للفقرة الثانية من المادة ٢٤٦ من قانون العقوبات ، و ما يترتب على ذلك من مسئولية أو عدم مسئولية الطاعنين عن التعويض المطالب به طبقاً للمادة ١٦٦ من القانون المدني. ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون قاصر البيان فيما قضى به من تعويض مما يتعين معه نقضه في خصوصه و الإحالة “.[5]
إعداد المحامي/ رفعت حمدي عبد الغني.
[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ رمضان أبو السعود، مصادر الالتزام، 2018، دار الجامعة الجديدة، ص 371.
[2] راجع المستشار/ أنور طلبه، المطول في شرح القانون المدني، ج3، طبعة نادي القضاة المصري، 2010، ص631.
[3] راجع الدكتور/عبدالرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، ص 789 وما بعدها.
[4] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، النظرية العامة للالتزام، 2017، دار الجامعة الجديدة، ص 397.
[5])) نقض جنائي 1/7/1996 طعن 13366 لسنة 64 ق .

