نقل الملكية كأثر لعقد البيع في القانون الأردني

نقل الملكية كأثر لعقد البيع في القانون الأردني

يعتبر عقد البيع من العقود الأكثر شيوعًا، والأقدم وجودًا من ضمن كافة العقود، فالكثير من الأفراد يلجؤون إلى إبرام عقود البيع في حياتهم اليومية؛ لذلك حظى عقد البيع باهتمام كبير، حيث يُعد بمثابة عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأساس المعاملات اليومية بين الأفراد، وينشأ عن عقد البيع العديد من الأثار القانونية، ومن ضمن هذه الأثار التزام البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشتري، حيث إن الأخير يكتسب ملكية المبيع بمجرد إبرام عقد البيع، إلا في بعض الحالات التي نص عليها القانون المدني الأردني، كما في العقارات، وسوف نتناول في هذا المقال عن أحكام نقل ملكية المنقول في القانون الأردني، وكذلك نقل ملكية العقارات، وذلك من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم نقل الملكية كأثر لعقد البيع

ثانيًا: أحكام نقل الملكية كأثر لعقد البيع في القانون المدني الأردني

ثالثًا: التزام البائع بتسليم المبيع إلى المشتري

رابعًا: التزام البائع بضمان العيوب الخفية

خامسًا: التزام البائع بضمان عدم التعرض

سادسًا: التزام البائع بضمان الاستحقاق

سابعًا: التعهد بنقل ملكية العقار في القانون المدني الأردني

ثامنًا: السوابق القضائية المتعلقة بنقل الملكية كأثر لعقد البيع

ونُقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية الآتية، فيما يلي:

أولًا: مفهوم نقل الملكية كأثر لعقد البيع

لقد ورد تعريف عقد البيع في القانون المدني الأردني في (المادة 465) على أنه: “البيع تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض”، ويتضح أن المشرع الأردني عند تعريفه لعقد البيع، قد ركز على طبيعـة العقد باعتباره عقدًا ناقلًا للملكية.

ولقد نص القانون المدني الأردني على نقل الملكية كأثر لعقد البيع في (المادة ٤٨٥) على أنه: “١- تنتقل ملكية المبيع بمجرد تمام البيع إلى المشتري، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك ٢- ويجب على كل من المتبايعين أن يبادر إلى تنفيذ التزاماته، إلا ما كان منها مؤجل”، ويتضح أن المشرع الأردني جعل أن الأصل هو انتقال ملكية المبيع من البائع إلى المشتري، بمجرد انعقاد العقد، مع مراعـاة الاستثناءات الواردة على ذلك.

ثانيًا: أحكام نقل الملكية كأثر لعقد البيع في القانون المدني الأردني

سوف نستعرض بعض الأحكام المتعلقة بنقل الملكية كأثر لعقد البيع في القانون المدني الأردني كالآتي:

١– انتقال ملكية المبيع بمجرد تمام البيع:

تنتقل ملكية المبيع بمجرد إبرام عقد البيع إلى المشتري ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك، وذلك وفقًا لنص (المادة ٤٨٥) من القانون المدني الأردني سالفة الذكر، ونقل الملكية هنا تتمثل في أن يكون للمشتري يد المالك على المبيع، بحيث يمكنه إجراء جميع التصرفات القانونية التي يجريها المالك على ملكه، وتكون جميع هذه التصرفات صحيحةً.

٢- تعليق نقل الملكية إلى المشتري إلى حين الوفاء بالثمن:

يجوز للبائع إذا كان الثمن مؤجلًا، أو مُقسطًا أن يشترط تعليق نقل الملكية الى المشتري حتى يؤدي الأخير كامل الثمن، ولو تم تسليم المبيع، إذ يكون للمشتري في هذه الحالة الحق في استيفاء كامل المنفعة من المبيع غير أنه لا يكون له يد المالك على المبيع، وبمجرد دفع ثمن المبيع يكون للمشتري يد المالك، وتعتبر الملكية مستندةً إلى وقت انعقاد البيع، وذلك وفقًا لنص (المادة ٤٨٧) من القانون المدني الاردني.

ويرجع سبب اعتبار الملكية من وقت انعقاد البيع وليس من وقت دفع الثمن إلى أن عقد البيع يُرتب جميع أثاره بمجرد صدور الإيجاب والقبول من طرفي العقد، ولا يتوقف سريان هذه الأثار على دفع الثمن، إذ إن مقتضى عقد البيع يكمن في تمليك المشتري المبيع، وتمليك البائع الثمن، بحيث يمكن لكل طرف التصرف فيما أصبح مالكًا دون قيد.

٣- نقل الملكية في حالة البيع الجزافي:

إذا كان البيع جُزافًا انتقلت الملكية إلى المشتري على النحو الذي تنتقل به في الشيء المعين بالذات، ويتم البيع جُزافًا ولو كان تحديد الثمن موقوفًا على تقدير المبيع، وذلك وفقًا لنص (المادة ٤٨٦) من القانون المدني الأردني. وما قرره المشرع الأردني به مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية التي أجازت بيع الموصوف في الذمة، ولكن أوجبت لصحة عقد البيع تحديد الثمن دون وجود أي جهالة، ولكن المشرع الأردني أجاز العقد حتى وإن لم يتم الاتفاق على الثمن وقت إبرام العقد، بأن جعل المتعاقدان تحديد الثمن معلقًا على تقدير قيمة المبيع الموصوف في الذمة وقت تسليمه.

٤- انتقال ملكية المنقول المُعين بالنوع بالإفراز:

فانتقال ملكية المبيع إلى المشتري تكون بمجرد التعاقد، إذا كان المبيع معينًا بالذات، أما إذا كان المبيع معينًا بالنوع؛ فلا تنتقل ملكيته إلى المشتري، إلا إذا قام البائع بإفراز المبيع، وذلك وفقًا لنص (المادة 1147) بما نصت على أنه: “لا تنتقل ملكية المنقول غير المعين بنوعه إلا بإفرازه طبقا للقانون”، فجعل المشرع في هذه الحالة نقل الملكية موقوفًا على إفراز البائع للمبيع إلى المشتري، بحيث يكون المبيع معلومًا ومعينًا للمشتري تعينًا نافيًا للجهالة.

٥- نقل ملكية الأموال المنقولة ذات الطبيعة الخاصة:

“فإذا كان المبيع من الأموال المنقولة ذات الطبيعة الخاصة مثل المركبات والسفن؛ فإن انتقال ملكيتها لا تتم بمجرد انعقاد العقد؛ وإنما يجب تسجيلها في الدوائر المخصصة لذلك”([1])، وهذا يرجع إلى طبيعة المبيع ذاته الخاصة بالمركبات والسفن التي يتعين تسجيل عقد البيع وانتقال الملكية لدى الجهة المختصة.

٦- نقل ملكية العقارات في القانون المدني الأردني:

 قد ميزَّ القانون المدني الأردني بين بيع العقارات التي جرت عليها التسوية، وبين العقارات التي لـم تجـرِ عليها التسوية، فإذا كان العقار المبيع من العقارات التي تدخل في نطاق التسوية؛ فـإن انتقـال ملكيته للمشتري لا تكون إلا بالتسجيل لدى الدوائر المختصة، أما العقارات التي لم تـدخل فـي نطاق التسوية؛ فإن ملكيتها تنتقل إلى المشتري بانعقاد عقد البيع، دون اشتراط التسجيل في الـدوائر المختصة لذلك.

ومن الجدير بالذكر أن المادة (1146) من القانون المدني الأردني قد نصت على أن تنتقل الملكية وغيرها من الحقوق العينية في المنقول والعقار بالعقد متى استوفى أركانه، وشروطه طبقًا لأحكام القانون الأردني، وبذلك تكون القاعدة العامة هي انتقال الملكية كأثر من أثار عقد البيع في العقارات أو المنقول بمجرد إبرام عقد بيع صحيح ومكتمل الأركان.

وقد خرج المشرع عن القاعدة العامة وأوردَّ استثناءً عليها تمثل فيما نصت عليه المادة (1148) من القانون المدني الأردني بما نصها: “لا تنتقل الملكية ولا الحقوق العينية الأخرى بين المتعاقدين وفي حق الغير إلا بالتسجيل وفقًا لأحكام القوانين الخاصة”، فإذا اشترطت أي من القوانين الخاصة التسجيل كشرط من شروط نقل الملكية، فحينها يكون أثر نقل الملكية مُعلقًا على تسجيل العقد.

ثالثًا: التزام البائع بتسليم المبيع إلى المشتري

إذا كان نقل الملكية يُعد أثرًا فوريًا من أثار نقل عقد البيع، فإن التزام البائع بتسليم المبيع إلى المشتري يُعد أثر مرتبط ارتباطًا وثيق الصلة بنقل الملكية، إذ ما الفائدة من ثبوت ملكية المشتري لمبيع ليس في حيازته، والأمر يسري على العقار والمنقول معًا؛ لأن حيازة المبيع والقدرة على تسليمه يُعد شرطًا رئيسيًّا في صحة عقد البيع، وإذا لم يتسلم المشتري المبيع ويكون بإمكانه حيازته حيازة هادئة دون أي نزاع فلن يكون قادرًا على بيع هذا المبيع إلى الغير؛ نظرًا لكونه لن يكون قادرًا على تسليم المبيع.

ويقتضي الالتزام بتسليم المبيع إلى المشتري مراعاة الأحكام التالية:

١- يلتزم البائع أن يقوم بتسليم المبيع في المكان والوقت المتفق عليه لضمان عدم التسبب بأية أضرار للمشتري، وأن يقوم بتسليم المبيع إلى المشتري مجردًا من كل حق آخر، وأن يقوم بما هو ضروري من جانبه لنقل الملكية إليه.

٢- يلتزم البائع بتسليم المبيع للمشتري بالحالة التي كان عليها وقت البيع، ويجب أن يكون المبيع مطابقًا وسليمًا من العيوب، وأن يكون ذات المبيع الذي تم الاتفاق عليه والذي من أجله قد أبرم عقد البيع.

3- يشمل التسليم ملحقات المبيع، وما اتصل به، وما أعد لاستعماله بصفة دائمة، وكل ما جرى العرف على أنه من توابع المبيع ولو لم تذكر في العقد.

ومن الجدير بالذكر أنه إذا سلم البائع المبيع الى المشتري بصورة صحيحة أصبح غير مسؤول عما يصيب المبيع بعد ذلك، وذلك وفقًا لنص (المادة ٤٩١) من القانون الأردني.

ومما يتعين الإشارة إليه أنه إذا اتفق المتبايعان على اعتبار المشتري متسلمًا للمبيع في حالة معينة، وكذلك إذا أوجبت النصوص التشريعية اعتبار بعض الحالات تسليمًا؛ اعتبر التسليم قد تم حكمًا، ويعتبر التسليم حكميًا في الحالات التالية:

أ- إذا أبقى البائع المبيع تحت يده بناء على طلب المشتري.

ب- إذا أنذر البائع المشتري بدفع الثمن وتسلم المبيع خلال مدة معقولة وإلا كان المشتري متسلمًا للمبيع حكميًا.

ج- يتم التسليم حكميًا بتسجيل المبيع باسم المشتري عند تعليق النصوص التشريعية نقل الملكية على التسجيل الرسمي.

ويبطل أثر نقل الملكية في حال هلك المبيع قبل التسليم؛ بسبب خارج عن أحد المتعاقدين، وينفسخ البيع ويسترد المشتري ما أداه من الثمن، وإذا هلك المبيع قبل التسليم أو تلف بعضه بفعل المشتري اعتبر قابضًا للمبيع ولزمه أداء الثمن، وإذا هلك المبيع قبل التسليم بفعل شخص آخر كان للمشتري الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أجازه وله حق الرجوع على المتلف بضمان مثل المبيع أو قيمته.

أما إذا وقع الإتلاف على بعض المبيع كان للمشتري الخيار بين الأمور التالية:

  • فسخ البيع.
  • أخذ الباقي بحصته من الثمن وينفسخ البيع فيما تلف.
  • إمضاء العقد في المبيع كله بالثمن المسمى في العقد والرجوع على المتلف بضمان ما أتلف، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥٠٢) من القانون الأردني.

رابعًا: التزام البائع بضمان العيوب الخفية

 يعتبر البيع منعقدًا، ويسري أثر نقل الملكية على أساس خلو المبيع من العيوب إلا ما جرى العرف على التسامح فيه؛ لذا يكون البائع ملتزمًا بضمان العيوب الخفية، ويكون من حق المشتري التمسك بخيار العيب إذا وجد في المبيع عيبًا خفيًا لم يكن يعلم به وقت انعقاد العقد، وتسري القواعد العامة بشأن خيار العيب على عقد البيع مع مراعاة الأحكام التالية.

1- إذا ظهر في المبيع عيب قديم كان المشتري مخيرًا إن شاء رده وإن شاء قبله بالثمن المسمى في العقد، ولكن إذا تصرف المشتري في المبيع تصرف المالك بعد اطلاعه على العيب القديم سقط خياره، ويعتبر العيب قديم إذا كان موجودًا في المبيع قبل البيع أو حدث بعده وهو في يد البائع قبل التسليم، كما يعتبر العيب الحادث عند المشتري بحكم القديم إذا كان مستند إلى سبب قديم موجود في المبيع عند البائع، ويشترط في العيب القديم أن يكون خفيًا، والخفي هو الذي لا يعرف بمشاهدة ظاهر المبيع أو لا يتبينه الشخص العادي، أو لا يكشفه غير خبير، أو لا يظهر إلا بالتجربة، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥١٣) من القانون الأردني.

٢- لا يكون البائع مسؤولًا عن العيب القديم إذا صرح إلى المشتري بالعيب الموجود في المبيع حين إبرام العقد، أو إذا اشترى المشتري المبيع وهو عالم بما فيه من العيب، وكذلك إذا رضي المشتري بالعيب بعد اطلاعه عليه أو بعد علمه به من آخر، كما أنه إذا باع البائع المبيع بشرط عدم مسؤوليته عن كل عيب فيه أو عن عيب معين إلا إذا تعمد البائع إخفاء العيب أو كان المشتري بحالة تمنعه من الاطلاع على العيب، هذا فضلًا عن أنه إذا جرى البيع بالمزاد من قبل السلطات القضائية أو الإدارية وفقًا لنص (المادة ٥١٤) من القانون الأردني.

٣- إذا هلك المبيع المعيب بعيب قديم في يد المشتري أو استهلكه قبل علمه بالعيب رجع على البائع بنقصان العيب من الثمن.

٤- إذا بيعت أشياء متعددة صفقة واحدة وظهر في بعضها عيب قبل التسليم فللمشتري بالخيار بين قبولها بالثمن المسمى أو ردها كلها، وإذا بيعت أشياء متعددة صفقة واحدة وظهر في بعضها بعد التسليم عيب قديم وليس في تفريقها ضرر فللمشتري رد العيب بحصته من الثمن وليس له ان يرد الجميع بدون رضى البائع، فإن كان في تفريقها ضرر فله أن يرد جميع المبيع أو يقبله بكل الثمن، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥١٩) من القانون الأردني.

٥- ينتقل حق ضمان العيب بوفاة المشتري إلى الورثة.

٦- لا تُسمع دعوى ضمان العيب بعد انقضاء ستة أشهر على تسلم المبيع ما لم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول، وليس للبائع ان يتمسك بهذه المدة لمرور الزمان إذا ثبت أن إخفاء العيب كان بغش منه، وذلك وفقًا لنص (المادة ٥٢١) من القانون الأردني.

خامسًا: التزام البائع بضمان عدم التعرض

من ضمن الالتزامات التي تكون مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بأثر نقل الملكية التزم البائع بضمان عدم التعرض إلى المشتري بالنسبة إلى تملك الأخير للمبيع سواء كان هذا التعرض صادر من البائع ذاته أو من الغير، وذلك وفقًا للآتي:

١- التزام البائع بضمان عدم تعرضه الشخصي:

ويمكن تعريف التعرض بشكل عام على أنه: “ما يُعكر على المشتري حيازة المبيع، سواء كان يهدده بنزع الملكية أم لا”([2]). ويقصد بالتعرض المادي بأنه: “كل فعل مادي يقوم به البائع يُعكر أو يُعيق حيازة المشتري للمبيع، دون استناده إلى حقٍ يدعيه”([3])

التعرض المادي لا يستند إلى حق يدعيه البائع على الشيء المبيع، وإنمـا يقـوم البـائع بإحدى الأفعال المادية، التي من شأنها حرمان المشتري من الانتفاع بالمبيع، بشكل جزئـي أو كلي، مثل قيام البائع بالاستمرار في استغلال الأرض التي باعها، فيعتبر فعل البائع هنا تعرضًا ماديًا للمشتري، يوجب عليه الامتناع عن القيام بمثل تلك الأفعال التي تعتبر تعرضًا، أما إذا كان هناك اتفاقًا بين البائع وبين المشتري على استمرار البائع في استغلال الأرض التي باعهـا للمشتري لمدة معينة من الزمن بعد إبرام عقد البيع، فإذا قام البائع باستغلال الأرض؛ فلا يعتبر تصرفه هنا تعرضًا ماديًا يلزمه بالضمان.

ويقصد بالتعرض القانوني: “أن يدعي البائع حقًا على المبيع، يتعارض مع حق المشـتري في ملكية المبيع”([4])، ويتضح من خلال التعريف السابق أن التعرض القانوني الصادر عن البائع يكون من خلال منازعة المشـتري بملكية المبيع، وأن يدعي البائع حقًا على المبيع، يتعارض مع حق المشـتري في ملكية المبيع، والحق الذي يدعيه البائع على المبيع، إما أن يكون حق عيني كأن يدعي أن له حق ارتفاق، أو حق شخصي يدعيه البائع على المبيع، ويلتزم البائع بعدم التعرض للمشتري في المبيع إلا إذا وجد اتفاق في العقـد بينـه وبين المشتري، يخوله استعمال ذلك الحق الذي يدعيه، ففي هذه الحالة لا يكون البائع ملزمًا بضمان التعرض الصادر عنه.

٢- التزام البائع بضمان بمنع التعرض الصادر عن الغير:

يترتب على إبرام عقد البيع التزام البائع بضـمان منع التعرض الصادر عن الغير، ويضمن البائع عدم تعرض الغير للمشتري في ملكية المبيع إذا كان التعرض قانونيًا، أما بالنسبة للتعرض المادي الصادر عن الغير، فإن البائع لـيس ملزمًا بضـمان منع ذلـك التعرض، ويصل حد التزام البائع بضمان منع التعرض الصادر عن الغير، إلى دفع ذلك التعـرض عن المشتري.

ويكون التزام البائع بضمان التعرض الصادر عن الغير، هو التزام بتحقيق نتيجـة ولـيس بـذ ل عناية؛ فيتوجـب على البائع دفع تعرض الغير عن المشتري، حتى يتمكن الأخير من حيازة المبيـع حيـازة هادئـة دون تعرض من أحد، أي لا يستطيع البائع التخلص من التزامه بالضمان بأن يدعي أنه بذل العناية اللازمة لـدفع تعرض الغير عن المشتري.

سادسًا: التزام البائع بضمان الاستحقاق

إذا لم يتمكن البائع من دفع التعرض الصادر من الغير  للمشتري في المبيع؛ مما يؤثر على حق المشتري في ملكية المبيع، باستحقاق المبيـع للغيـر بشكلً جزئي أو كلي؛ فيتحقق في هذه الحالة التزام البائع بضمان الاستحقاق، فينبغي على المذكور أن يتـدخل في دعوى الاستحقاق التي أقامها الغير على المشتري، ويدفع ذلك التعرض عن المشـتري بمـا يملكه من أدلة ومستندات، فإذا نجح بدفع تلك الدعوى عن المشتري، يكون قد نفذ التزامه تنفيذًا عينيًا، وذلك لأن طبيعة التزام البائع هنا القيام بعمل كما بينا سابقًا، أما إذا لم ينجح البائع بدفع دعوى الاستحقاق المقامة على المشتري، وثبت استحقاق المبيع للغير؛ فإن البائع يلتزم بتعويض المشـتري عمـا لحقه من ضرر نتج عن استحقاق المبيع للغير، واستحقاق المبيع هو حرمان المشتري من كل أو بعض حقوقه على المبيع نتيجـة نجـاح الغير في منازعته للمشتري.

ونلاحظ أن المشرع الأردني ميز بين أطراف الخصومة في دعوى الاستحقاق قبل تسليم المبيع وبعده، فإذا رفعت دعوى الاستحقاق قبل قيام المشتري بتسلم المبيع؛ فإن دعوى الاستحقاق تُرفع على البائع والمشتري معًا، فتُرفع على البائع وذلك لأن المبيع لا يزال بحوزته ويمنع عليه تسليمه للمشتري، وينبغـي أن يبقـى المبيـع بحوزته لحين صدور الحكم القضائي بملكية المبيع، وإذا كانت الخصومة بعد تسلم المبيع وأراد المشتري الرجوع على البائع وجب إدخاله في الدعوى.

 إذا ثبت استحقاق المبيع للغير، فإن المستحق يمكن له أن يُجيز البيع، ويرجع على البائع بالثمن، ولا يصح اشتراط عدم ضمان البائع للثمن عند استحقاق المبيع ويفسد البيع بهذا الشرط، ولا يمنع علم المشتري بأن المبيع ليس ملكًا للبائع من رجوعه بالثمن عند الاستحقاق، وله أن يرفض إجازة البيع فينفسخ العقد ويرجع المشتري علـى البـائع بالضـمان، ويضمن البائع للمشتري الأضرار التي نشأت باستحقاق المبيع.

وإذا ثبت استحقاق المبيع للغير وجب على المشتري رده عينًا إلى المستحق، ولا يلتزم المشـتري فقط برد المبيع عينًا إلى المستحق؛ وإنما يقوم كذلك برد المبيع والغلة الناتجـة عنـه، إذا كـان المبيع ينتج ريعًا أو غلة، كما أنه إذا أثبت الغير استحقاقه للمبيع بعد هلاكه بيد المشتري، وجب على المشتري دفع قيمة المبيع وقت الشراء.

وقد أعطى المشرع الأردني للمشتري الحق في الرجـوع علـى البـائع بقيمـة التحسينات النافعة التي أحدثها في المبيع، وتقدر قيمة هذه التحسينات النافعة وقت تسليم المبيـع للمستحق، أما بالنسبة للتحسينات الكمالية التي أحدثها المشتري في المبيع، فإن المشرع الأردني لـم يرد نص يتعلق بحق المشتري في الرجوع بها على البائع، وإنما ورد نص يفيد بحق المشتري في الرجوع على البائع عن كل ضرر لحق به من استحقاق المبيع.

سابعًا: التعهد بنقل ملكية العقار في القانون المدني الأردني

الأصل أن التصرف الوارد على عقار هو تصرف شكلي، لا ينعقد إلا بإتمام المعاملة أمـام دائـرة التسجيل، غير أن المشرع الأردني لم يلتزم بهذه القاعدة في (المادة ١١٤٩) الخاصة بالتعهد بنقل ملكية عقار، فقد نصت المادة المذكورة على أنه: “التعهد بنقل ملكية عقار يقتصر على الالتزام بالضمان إذا أخل أحد الطرفين بتعهده سواء أكان التعويض قد اشترط في التعهد أم لم يشترط”.

ويتضح من خلال نص المادة السابقة أن التعهد بنقل ملكية عقار هو اتفاق يتعهد فيه شخص يسمى المتعهد، وهو المالك إلـى شخص آخر يسمى المتعهد له بإتمام الشكلية التي يتطلبها القانون لصحة العقـد، وذلـك بالذهاب إلى دائرة التسجيل لنقل ملكية عقار من اسمه إلى اسـم المتعهـد لـه.

واختلف الفقه الأردني في مسألة تسجيل هذا التعهد من عدمه، فمنهم من ذهب إلى ضرورة تسجيل هذا التعهد لدى دائرة التسجيل المختصة، أي أن الشكلية شرط لتمام العقد، وذهب البعض إلى عدم اشتراط تسجيل هذا التعهد؛ وبالتالي يكون التعهد صحيحًا ولو لم يتم تسجيله لدى دائرة التسجيل المختصة؛ وبالتالي فإن عقد التعهد بنقل ملكية عقار عقد رضائي يكفي لقيامه تلاقـي الإيجاب الصـادر مـن المتعهـد بقبـول المتعهـد لـه علـى وجـه يثبت أثـره فــي المعقـود عليه (العقــار).

ومن جانبنا نرى أن اعتبـار الشكلية ركـن لتمـام العقـد بمثابة أعبـاء كثيرة تُلقـى علـى عاتق المتعاقدين، إذ إن المشـــتري يبقى فـــي حالة مـــن عـــدم الاســـتقرار؛ لأن حقـــه فـــي ملكية العقـــار مهـــدد بالضياع فــي أي لحظــة.

ثامنًا: السوابق القضائية المتعلقة بنقل الملكية كأثر لعقد البيع

ما تبين في الحكم رقم (3609) لسنة 2013م الصادر من محكمة تمييز حقوق بتاريخ ٢٦/٢/٢٠١٤م، بما نصه: “٣- يقتصر التعهد بنقل ملكية عقار على الالتزام بالضمان إذا أخل أحد الطرفين بتعهده وذلك وفق أحكام (المادة 1149) من لقانون المدني”

كما وردَّ في الحكم (رقم 1160) لسنة 2021م الصادر من محكمة تمييز حقوق بتاريخ ١٤/٤/٢٠٢١م، بما نصه: ” ٣- أن (المادة 487) من القانون المدني أجازت للبائع تعليق نقل الملكية الى المشتري حتى يؤدي جميع الثمن إذا كان مؤجل أو مقسط، ولو تم تسليم المبيع، وأنه يجب على كل من المتبايعين أن يبادر إلى تنفيذ التزاماته إلا ما كان منها مؤجلًا، وأنه إذا ذكر في عقد البيع أن المشتري عالم بالمبيع علمًا كافيًا؛ فلا حق له في طلب إبطال العقد لعدم العلم إلا إذا اثبت تدليس البائع”.

وقد جاء في الحكم رقم (3666) لسنة ٢٠١٧م الصادر من محكمة تمييز حقوق بتاريخ 12/١٢/٢٠١٧م، بما نصه: “١-إن من آثار البيع التزام البائع بنقل الملكية( المادة 485) من القانون المدني أنه تنتقل ملكية المبيع بمجرد تمام البيع إلى المشتري ما لم يقضِ القانون أو الاتفاق بغير ذلك، وإن المدعي في الدعوى قد التزم ونفذ التزامه بنقل الملكية، أما التزام المشتري فهو دفع الثمن (522) من القانون على المشتري تسليم الثمن عند التعاقد أولًا، وقبل تسلم المبيع أو المطالبة به ما لم يتفق على غير ذلك”.

كما نصَّ الحكم (رقم 2128) لسنة 2018م الصادر من محكمة تمييز حقوق بتاريخ ٦/٦/٢٠١٨م، بما نصه: “١-لا تنتقل الملكية ولا الحقوق العينية الأخرى بين المتعاقدين وفي حق الغير إلا بالتسجيل وفقًا لأحكام القوانين الخاصة به، وذلك وفقًا لأحكام (المادة 1148) من القانون المدني. ٢- يُستفاد من أحكام (المادة 1149) من القانون المدني أن التعهد بنقل ملكية عقار يقتصر على الالتزام بالضمان إذا أخل أحد الطرفين بتعهده سواء أكان التعويض قد اشترط في التعهد أم لم يشترط”.

إعداد/ محمد محمود

[1] د. منذر الفضل، شرح القانون المدني الأردني العقود المسماة، (ص٨٨).

[2] د. سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني، (ص٥١١).محامي الأردن،

[3] د. محمد يوسف الزعبي، العقود المسماة، شرح عقد البيع في القانون الأردني، (ص 33).

[4] د. علي نجيدة، الوجيز في عقد البيع، (ص 189).

Scroll to Top