استئناف القضايا الجنحية
إن الاستئناف من طرق الطعن العادية في الأحكام الجزائية، وقد شرع المشرع الأردني الاستئناف كحق من حقوق الخصوم في الدعوى، فالخصم الذي يجد نفسه متضرر من الحكم الصادر في الدعوى الجزائية له الحق في الطعن بالحكم الجزائي ليعاد النظر في الحكم مرة أخرى أمام هيئة قضائية أعلى درجة من محكمة الدرجة الأولى التي أصدرت الحكم وهي محكمة درجة ثانية وهي محكمة الاستئناف، وبذلك يكون الاستئناف من ضمانات المشرع للمجتمع وللخصوم بنزاهة القضاء والحرص على أن تكون الأحكام الصادرة عن المحاكم الأردنية تتصف بالعدالة، والاستئناف من أولى طرق الطعن العادية التي لا يجوز تجاوزها وسلوك طريق آخر من طرق الطعن كالطعن بالتمييز، وسنتحدث في هذا المقال عن استئناف القضايا من نوع جنحة، فالجرائم أنواع جنايات وجنح ومخالفات، ولكل منها أحكام خاصة بشأن الطعن فيها، فما هي أحكام استئناف القضايا الجنحية وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته؟.
المقصود بالاستئناف
هو طريق عادي للطعن في حكم محكمة الدرجة الأولى أمام محكمة الدرجة الثانية بهدف تجديد النزاع والتوصل إلى فسخ الحكم المستأنف أو تعديله [1]، فالاستئناف بطرح الدعوى من جديد أمام محاكم أعلى وهي محاكم الاستئناف بغرض مراجعتها من جديد.
المقصود بالجنح
إن الجنحة هي الجريمة التي تكون عقوبتها الحبس والغرامة، وتكون مدة الحبس فيها من أسبوع إلى ثلاث سنوات، والغرامة من خمس دنانير إلى مائتي دينار، سندا لنص المادة 15 من قانون العقوبات الأردني، والجنح منها ما هو من اختصاص محكمة الصلح ومنها ما هو من اختصاص محكمة البداية.
فهل جميع الأحكام الصادرة في القضايا الجنحية قابلة للاستئناف؟ لا بد أن نشير إلى أن الأحكام الجنحية القابلة للاستئناف يستوي أن تكون صادرة بالتجريم أو الإدانة أو بعدم المسؤولية أو بالبراءة أو بإسقاط دعوى الحق العام أو بكف التعقيبات [2]، كما أن الأحكام الجنحية القابلة للاستئناف هي الأحكام التي تصدر بصورة وجاهية أو حضورية، أما الأحكام الغيابية هي قابلة للاعتراض قبل الاستئناف كما أن الأحكام الجنحية القابلة للاستئناف منها ما يستأنف إلى محكمة البداية بصفتها الاستئنافية ومنها ما يستأنف إلى محاكم الاستئناف، وهذا ما سنتحدث عنه في هذا المقال.
السند القانوني لاستئناف القضايا الجنحية
نص المادة 191 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حيث جاء فيه:
يقبل الطعن بطريق الاستئناف في الأحكام الجنحية ويجري وفقاً للقواعد والأصول المنصوص عليها في هذا القانون أو في أي قانون آخر.
الأحكام الجنحية التي تقبل الاستئناف
إن الأحكام الجنحية التي تقبل الاستئناف هي جميع الأحكام الصادرة عن محكمة البداية في الجنح دون قيد أو شرط، والأحكام الجنحية صادرة عن محاكم الصلح ومن.
استئناف الأحكام الجنحية أمام محكمة البداية بصفتها الاستئنافية
نصت المادة 258 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه:
تنظر المحكمة البدائية بصفتها الاستئنافية في القضايا الجزائية التي من اختصاصها النظر فيها استئنافاً بمقتضى أحكام قانون محاكم الصلح أو بمقتضى أي قانون آخر تدقيقاً إلا إذا أمرت بخلاف ذلك أو إذا طلب أحد الفريقين أن تجري المحاكمة مرافعة ووافقت المحكمة على ذلك ويكون حكمها قطعياً.
وقانون محاكم الصلح نص في المادة 14 منه على أنه:
تستأنف الأحكام الصادرة عن محاكم الصلح في القضايا الجزائية إلى محكمة البداية بصفتها الاستئنافية …………………….
عليه فإن أحكام محاكم الصلح تستأنف جميعها إلى محكمة البداية بصفتها الاستئنافية وذلك حسب القانون الحالي بينما القانون القديم كانت الأحكام الجنحية الصادرة عن محاكم الصلح منها ما يستأنف لمحكمة البداية ومنها ما يستأنف لمحكمة الاستئناف، وذلك حسب نص المادة 10 /1/أ من قانون محاكم الصلح رقم 15 لسنة 1952 وذلك قبل صدور قانون رقم 23 لسنة 2017 والمعمول به حالياً.
مدة استئناف الأحكام الجنحية أمام محكمة البداية بصفتها الاستئنافية
تستأنف الأحكام الجنحية أمام محكمة البداية بصفتها الاستئنافية خلال مدة عشرة أيام من اليوم التالي لصدور الحكم إذا كان وجاهياً. أما الحكم الغيابي أو بمثابة الوجاهي خلال مدة عشرة أيام من اليوم التالي للتبليغ، سنداً لنصوص المواد 14 و15 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
كيف تنظر محكمة البداية بصفتها الاستئنافية في الطعون المقدمة أمامها؟
تنظر محكمة البداية بصفتها الاستئنافية في الطعون المقدمة إليها تدقيقاً، إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها ضرورة رؤية الدعوى مرافعةً أو طلب الخصوم رؤيتها مرافعةً ووافقت المحكمة على الطلب، سنداً للفقرة ج من المادة 14 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
استئناف القضايا الجنحية أمام محكمة الاستئناف
نصت المادة 260 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه:
- تستأنف الأحكام الجنائية والجنحية الصادرة من المحاكم البدائية الى محكمة الاستئناف.
فجميع الأحكام الجزائية من نوع جنحة والصادرة عن محاكم البداية تستأنف جميعها أمام محكمة الاستئناف، وإذا قررت محكمة الاستئناف قبول الاستئناف شكلا فتتولى الفصل فيه موضوعا،
مدة استئناف الأحكام الجنحية أمام محكمة البداية بصفتها الاستئنافية
تستأنف الأحكام الجنحية أمام محكمة الاستئناف خلال مدة خمسة عشرة يوماً من اليوم التالي لصدور الحكم أو تبليغه للمحكوم عليه، وخلال مدة ثلاثين يوماً إذا كان الطعن مقدم من المدعي العام وتسري المدة بحقه من تاريخ صدور الحكم، وخلال ستين يوماً إذا كان الطعن بالاستئناف مقدم من النائب العام وتسري المدة بحقه من تاريخ صدور الحكم، وذلك سنداً لنص المادة 261 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
كيف تنظر محكمة الاستئناف في الطعون المقدمة أمامها؟
تنظر محكمة الاستئناف في الطعون المقدمة إليها في الأحكام الجنحية الصادرة عن محكمة البداية تدقيقاً إلا رأت المحكمة إجراء المحاكمة مرافعةً أو طلب أحد الخصوم رؤيتها مرافعةً ووافقت المحكمة على ذلك أو طلب النائب العام ذلك، فالأصل رؤية الطعون المقدمة للاستئناف تدقيقاً والاستثناء هو رؤيتها مرافعةً، وفي حال وافقت المحكمة أو قررت رؤية المحاكمة مرافعةً فلا تلزم بسماع البينات مجدداً في الأحكام الجزائية الجنحية الصادرة عن محكمة البداية، وذلك سنداً لنص المادة 264 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
إجراءات تقديم طلب الطعن بالاستئناف في الحكم الجزائي من نوع جنحة
نصت المادة 261 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على إجراءات تقديم الطعن بالاستئناف، ويستفاد من نص المادة أن طلب الطعن بالاستئناف هو طلب مكتوب بصيغة استدعى إما مباشرة أمام محكمة الاستئناف المختصة أو بواسطة المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه حيث تقوم هذه المحكمة بإرساله إلى محكمة الاستئناف بواسطة النائب العام، في حال قدم الاستئناف بعد فوات المدة المحددة في القانون يرد الاستئناف شكلاً، أما في حال قُدم الاستئناف خلال المدة وقبل من المحكمة شكلاً ننتقل المحكمة إلى رؤية الطعن موضوعاً، فينظر إما تدقيقاً أو مرافعةً.
المحاكمة تدقيقاً في الطعون المقدمة على الأحكام الجزائية الجنحية
يقصد بالمحاكمة تدقيقاً هي المحاكمة التي تتم دون الحاجة إلى دعوة الخصوم، فالمحاكمة تدقيقاً تقوم باستعراض كافة ما جاء في ملف القضية المعروضة عليها من بينات وأدلة وإجراءات والمرافعات والحكم الصادر بالقضية من محكمة الدرجة الأولى ولوائح الاستئناف المقدمة بشأن هذا الحكم والردود على هذه اللوائح، ثم وبعد أن تكون المحكمة قناعتها تصدر حكمها إما بتأييد الحكم وتصديقه ورد الاستئناف أو بفسخ الحكم وبإعادة الدعوى إلى محكمة الصلح أو البداية بتعليمات جديدة للسير بها [3].
المحاكمة مرافعةً في الطعون المقدمة على الأحكام الجزائية الجنحية
يقصد بإجراء المحاكمة مرافعةً أي أن تتم إجراءات المحاكمة أمام محاكم الاستئناف بحضور الخصوم، وعند الطعن بالاستئناف في حكم جزائي من نوع جنحة تتم المحاكمة مرافعة في حالتين:
الحالة الأولى: في حال قررت المحكمة من تلقاء نفسها نظر الدعوى مرافعة، ففي هذه الحالة ترى المحكمة أن العدالة القضائية تقتضي إجراء المحاكمة مرافعة، ولا تلزم المحكمة بسماع البينات مجدداً، إلا إذا قررت المحكمة فسخ الحكم القاضي ببراءة المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه وإدانته فيجب إجراء المحاكمة مرافعةً وسماع البينات، سنداً للفقرة الثانية من المادة 261 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
الحالة الثانية: أن يتقدم أحد الخصوم بطلب لمحكمة الاستئناف يطلب فيه نظر الطعن مرافعةً، وفي هذه الحالة للمحكمة الحرية المطلقة في قبول الطلب أو رفضه، وفي حال وافقت على الطلب أيضاً لا تلزم بسماع البينات مجدداً.
حكم محكمة الاستئناف
إن محكمة الاستئناف محكمة موضوع فإذا وجدت أن الحكم المستأنف في محله وموافقاً للقانون والأصول تصدر قرارها بتأيد الحكم الجزائي، أما في حال وجدت المحكمة أن الحكم مخالف للقانون أو لأي سبب شكلي آخر لها أن تقرر فسخ الحكم وعليها في هذه الحالة أن تقضي في أساس الدعوى ولا يجوز أن تعيدها إلى مصدرها، سنداً لنص المادة 269 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
صلاحية محكمة الاستئناف في تنفيذ العقوبة
إذا كانت محكمة الاستئناف قد قررت تصديق حكم محكمة الدرجة الأولى سواءً أكان يقضي بالإدانة أو التجريم وصدقته فيما يتعلق بالعقوبة المفروضة إلا أنها فسخته من حيث وقف تنفيذ العقوبة وقررت تنفيذ العقوبة، فإن هذا يدخل ضمن صلاحياتها كمحكمة موضوع طبقاً لأحكام المادتين 267و 269 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وينبني على هذا أنه لا يحق لمحكمة الدرجة الأولى التي أصدرت الحكم المستأنف أن تضع يدها على القضية مجدداً بقيدها وإصدار حكم فيها وإن فعلت ذلك فإن إجراءاتها باطلة ومخالفة للقانون [4].
بعض من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق باستئناف القضايا الجنحية
الحكم رقم 3364 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: الأحكام الصادرة في القضايا الجنحية عن محكمة الاستئناف لا تقبل الطعن بالتمييز.
في الشكل: –
نجد أن القرار المميز قد صدر عن محكمة استئناف عمان بتاريخ 29/3/2021 وقدمت لائحة التمييز بتاريخ 6/5/2021 على العلم.
غير أننا نجد أن المادة (270) من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد حددت الأحكام والقرارات التي تكون قابلة للطعن بطريق التمييز وليس منها الأحكام الصادرة بالقضايا الجنحية عن محكمة الاستئناف الأمر الذي يستوجب رد التمييز شكلاً
الحكم رقم 2934 لسنة 2018 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية
قبل مناقشة أسباب التمييز فإن المشرع في المواد (237و261و267) من قانون أصول المحاكمات الجزائية خول محكمة الاستئناف حق النظر في القضايا الجنائية والجنحية وذلك بصفتها محكمة موضوع وقانون فإذا وجدت الحكم موافقاً للقانون والأصول قضت بتأييده وبمقتضى ذلك أن عليها أن تفصح عن رأيها من حيث مناقشة الأدلة وأن تحدد الوقائع التي تتوصل إليها من خلال البينات وأن تطبق أحكام القانون عليها دون أن تكتفي بمجرد سرد الوقائع كما وردت على لسان محكمة الجنايات حيث إننا بتدقيق القرار المميز نجد أن محكمة الاستئناف تذكر في قرارها (…. نجد أن الواقعة التي استخلصتها محكمة الدرجة الأولى وبنت قرارها عليها بإعلان براءة المستأنف من الجرم المسند إليه قد جاءت بناءً على بينات ثابتة في الدعوى حيث توصلت إلى الواقعة من خلال بينات قامت بسردها وأخذ مقتطفات من أقوال الشهود ومناقشتها مناقشة مستفيضة ووافية كما أنها ناقشت تقرير الخبرة المشكل للتدقيق حول موضوع فروقات المحروقات…. ثم استعرضت جريمة الاختلاس وأركانها وعناصرها وقامت بتطبيق وقائع الدعوى والبينات المقدمة فيها على هذه الأركان والعناصر وخلصت إلى أن الركنين المادي والمعنوي غير متوافرين بحق المستأنف…….الخ….).
وبما أن الجريمة المسندة للمميز ضده هي من الجرائم القصدية التي يشترط لقيامها توافر الركن المادي وهو النشاط الجرمي والنتيجة الجرمية والعلاقة السببية بينها والركن المعنوي وهو القصد الجرمي وبما أن القاعدة أن الأحكام الجزائية يجب اشتمالها على الأدلة والأسباب الموجبة وبيان هذه الأسباب بما يفي وجوب استظهار أركان الجريمة وعناصرها المكونة لها طبقاً للتعريف الذي نص عليه القانون.
وبما أن محكمة الاستئناف لم تتقيد بأحكام القانون وبصفتها محكمة موضوع وتكلمت بلسان محكمة الجنايات ولم تستعرض أركان الجريمة والأدلة المقدمة في الدعوى فيكون قرارها مشوباً بقصور في التعليل والتسبيب كون محكمتنا لا تستطيع الرد على أسباب الطعن وبسط رقابتها طالما أن القرار المميز لا يتفق والمهام الموكلة لمحكمة الاستئناف الأمر الذي يستوجب نقضه وإعادته إلى محكمة الاستئناف لإجراء المقتضى.
لهذا وبناءً على ما تقدم نقرر نقض الحكم المميز وإعادة الأوراق إلى مصدرها.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] د. عبد الوهاب جومد، أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة الرابعة، دمشق، 1987، ص 988.
[2] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، شرح الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الثانية، 2021، ص 408.
[3] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، المرجع السابق، ص 416. انظر أيضا مقال محامي استئناف منشور على موقع حماة الحق.
[4] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، المرجع السابق، ص 422، تمييز جزاء 495/94، سنة 1996، ص 1979.

