العمل لمنفعة المجتمع كعقوبة بديلة

العمل لمنفعة المجتمع كعقوبة بديلة في التشريع الأردني

شُرعت الجزاءات الجنائية لتكون بمثابة رد فعل للجرائم التي يرتكبها الجناة والتي من شأنها إحداث خلل في النظام القانوني والاجتماعي في إقليم الدولة، بحيث يكون من شأن تطبق العقوبة على الجاني إحداث التوازن مرة أخرى في المجتمع وإرضاء الرأي العام وتحقيق العدل بين الجاني والمجني عليه فضلاً عن تحقيق مصلحة المجتمع واقتضاء حقه في عقاب الجاني.

والعقوبة في النظم الحديثة أصبح لها أغراض تأتي على رأسها تحقيق الردع العام والردع الخاص، فالردع الخاص يعني العمل على تأهيل المجرم وإعداده ليكون فرد صالح ليصبح بمنأى عن ارتكاب الجرائم مرة أخرى، والواقع أن هذا الغرض لا يتحقق دوماً من خلال سلب حرية الجاني، فهناك العديد من الأحيان التي يكون من شأن سلب حرية الجاني التأثير سلباً عليه بجعله عنصر فاسد مما يتعارض والغرض الذي من أجله شُرعت العقوبات والجزاءات الجنائية.

لذلك فلقد قرر المشرعين – ومنهم المشرع الأردني – أن هناك حالات يجب أن تستبعد فيها تطبيق العقوبات السالبة للحرية على الجاني وتطبيق عقاب بديل عليه من شأنه تحقيق الغرض الأسمى الذي من أجله شرعت العقوبات والمتمثل في أعادة إصلاح الجاني وتأهيله للحياة الاجتماعية القويمة مرة أخرى، ومن هذه البدائل العمل لمنفعة المجتمع وهو ما نتولى الحديث عنه من خلال عرض العناصر التالية:

أولا: ماهية عقوبة الخدمة المجتمعية:

ثانيا: السمات المميزة للعمل للمنفعة العامة:

ثالثاً: الشروط الذاتية لتوقيع عقوبة العمل للنفع العام:

رابعاً: الشروط الموضوعية لإصدار عقوبة العمل للنفع العام:

خامساً: أهداف ونفعية عقوبة العمل للنفع العام:

 

أولا: ماهية عقوبة الخدمة المجتمعية:

1- مفهوم عقوبة الخدمة المجتمعية:

عُرفت عقوبة الخدمة المجتمعية بأنها: ( تلك العقوبة التي تقوم على إلزام الجاني بالقيام بعمل في إحدى المؤسسات الحكومية لعدد معين من الساعات خلال فترة العقوبة سواء بصفة يومية أو لعدد معين من الأيام خلال الشهر يحددها الحكم الصادر الذي يحدد كذلك المؤسسة التي سيقوم المحكوم عليه بتنفيذ الحكم بها، وكذلك نمط العمل الذي سيقوم به وعدد ساعاته والفترة التي يجب عليه إتمام تنفيذ تلك الساعات خلالها “فترة العقوبة”، ويجب على القاضي أن يُحدد نوع العمل الذي سيلزم به المحكوم عليه بأدائه في ضوء دراسته لخبرات الجاني ومهاراته الفنية وقدراته البدنية والصحية والنفسية ومؤهلاته العلمية التي يبينها ملف دراسة الحالة).[1]

ومن التعريف السابق يتبين لنا أن العمل لخدمة المجتمع كجزاء جنائي يجمع بين بعض سمات العقوبات والتدابير الاحترازية، فتظهر به سمات العقوبات في كونه يمثل إلزاماً وإجباراً جسدياً ونفسياً على المحكوم عليه والذي تُقيد حريته أثناء فترة العمل الإجباري، فضلا عما يحققه من ردع عام وردع خاص وتحقيق الرضاء لدى الشعور المجتمعي، في حين تظهر به سمات التدابير الاحترازية فيما ينطوي عليه من إصلاح ضرر الجريمة في المجتمع فضلاً عن تأهيل المجرم وإصلاحه من الناحية الاجتماعية.

ولقد تقررت عقوبة الخدمة المجتمعية في القانون الأردني بموجب القانون رقم 27 لسنة 2017 المعدل لقانون العقوبات والذي أضاف بدائل إصلاح المجتمع بموجب (المادة 25 مكرر في فقرتها الأولى) والتي نصت على أن: (الخدمة المجتمعية: هي الزام المحكوم عليه بالقيام بعمل غير مدفوع الأجر لخدمة المجتمع لمدة تحددها المحكمة لا تقل عن (40) ساعة ولا تزيد على (200) ساعة على أن يتم تنفيذ العمل خلال مدة لا تزيد على سنة).

2- خصائص عقوبة الخدمة المجتمعية التي تشترك فيها مع العقوبات التقليدية:

تتسم عقوبة الخدمة المجتمعية بعدة خصائص تتمثل فيما يلي:

أ- الخضوع لمبدأ الشرعية:

مبدأ الشرعية هو أحد المبادئ الدستورية ويُعد واحداً من أهم المبادئ الجنائية ومؤداه عدم توقيع عقوبات أو تقرير جرائم إلا بموجب نصوص القانون، ولما كان العمل لخدمة المجتمع يُكيف على أنه عقوبة جنائية فيؤدي ذلك إلى خضوعه لمبدأ الشرعية مما يعني أن القاضي لا يستطيع أن يُلزم الجاني بالعمل لمنفعة المجتمع مالم يكن المشرع قد صرح له بذلك بموجب نصوص القانون، فضلاً عن ضرورة تقيد القاضي بالضوابط التي حددها المشرع للعمل لمنفعة المجتمع.

ولقد تقررت شرعية العمل لمنفعة المجتمع بموجب (المادة 25 مكرر) من قانون العقوبات سالفة البيان والتي بينت أن للمحكمة أن تُحدد المدة التي يلتزم فيها الجاني بالعمل لمنفعة المجتمع شريطة ألا تقل هذه المدة عن 40 ساعة ولا تزيد على 200 ساعة على أن يتم تنفيذ العمل خلال مدة لا تزيد على سنة.

2- صدور عقوبة العمل للنفع العام بحكم قضائي:

من المُسلم به أن العقوبات الجزائية تتسم بالقضائية مما يعني أن العقوبة لا توقع على الجاني إلا إذا صدر بها حكم قضائي، ومن ثم لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تفرض عقوبات على الأشخاص حتى ولو كان ذلك بناء على اعتراف صريح مكتوب من الجاني، ذلك أن القضاء هو صاحب الاختصاص الحصري بوقيع العقوبات على الجناة.

ومن ثم فلا يجوز إلزام الجاني بالعمل لدى مصلحة المجتمع إلا بموجب حكم قضائي صادر وفقاً للضوابط والشروط التي بينها قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني.

3- الجبرية:

يتسم الجزاء الجنائي بالجبرية بغض النظر عن صورته، وهو ما ينطبق على عقوبة العمل لمنفعة المتهم والتي تطبق على المتهم قسراً وتلزمه بالعمل في الساعات المحددة لدى الجهات التي عينها الحكم الذي قرر إدانته، وهذا ما يحقق جوهر العقوبة المتمثل في إيلام الجاني والذي يهدف إلى تحقيق أغراض العقوبة.

4- خضوع العمل للنفع العام لمبدأ المساواة:

تخاطب القواعد الجزائية الناس كافة وتفرض عليهم احترام القانون، فلا يقتصر الخطاب على فئة دون أخرى فالجميع سواسية أمام القانون، وعليه بمقتضى هذا المبدأ يفرض نظام العمل للمنفعة الاجتماعية دون تمييز بين الأفراد ممن تنطبق عليهم شروطه، ولا يتعارض ذلك مع سلطة المحكمة التقديرية في تحديد طبيعة العمل المفروض على المحكوم عليه نظراً لمؤهلاته.[2]

فالمساواة المنشودة والتي تقررها نصوص القانون لا تتعارض مع وجود اختلافات بين الأشخاص وفقاً لاختلاف مراكزهم القانونية، فالتمييز بين المحكوم عليهم لا يتعارض ومبدأ المساواة المكرس بنصوص القانون طالما كان التمييز بناءً على أسس وضوابط موضوعية بعيداً عن الاعتبارات العنصرية أو الدينية أو غيرها من السمات التي تخل بمبدأ المساواة.

5- خضوع العمل للنفع العام لمبدأ تفريد العقوبة:

غني عن البيان أن اختيار الجزاء الجنائي يقع بالدرجة الأولى على عاتق القاضي الذي يتولى تحديد الجزاء الجنائي ومقداره بعد دراسة الفعل وشخصية الفاعل،[3] فلا يمكن قبول خضوع جميع الأشخاص لذات الجزاء الجنائي طالما صدر منهم نفس الفعل، حيث أن هناك مؤثرات ومتغيرات تؤثر بشكل جوهري على إرادة الأشخاص وأفعالهم مما يعني أن ليس لديهم جميعاً ذات الاستعداد الإجرامية ولا الخطورة الإجرامية.

لذلك فإن المشرع وهو بصدد تقرير الجرائم والعقوبات يعمل على ترك المجال لإعمال السلطة التقديرية للقاضي، والذي يقوم بدوره بدراسة شخصية الجاني والعوامل التي أحاطت به ودفعته لارتكاب الجرم الذي يُحاكم من أجله، وعلى إثر ذلك يتولى توقيع الجزاء الذي يتناسب وكل تلك العوامل التي ارتآها القاضي.

فتفريد العقوبة لا يتحقق إلا في مرحلة التقاضي من خلال القاضي الذي يتولى نظر الواقعة، والذي يجب عليه أن يتولى دراسة حالة الجاني لاختيار الجزاء الأمثل للتوقيع عليه والذي من شأنه أن يحقق الأهداف المرجوة من العقاب، ولذلك فإذا رأى القاضي أن من مصلحة الجاني ألا يُزج به بين المجرمين في السجون فيكون أمام القاضي في تلك الحالة أن يُعاقبه بالعمل لمصلحة المجتمع كعقوبة بديلة للعقوبات السالبة للحرية.

ثانيا: السمات المميزة للعمل للمنفعة العامة:

سبق وأن بينا أن هناك بعض الخصائص التي يتسم بها العمل للمنفعة العامة، وهذا الخصائص تُعد مشتركة بين العمل للمنفعة العامة والعقوبات في صورتها التقليدية، ولكن هناك بعض السمات التي يتسم بها العمل للمنفعة العامة ولا تتوافر في العقوبات التقليدية والتي تتمثل فيما يلي:

1- خضوع المحكوم عليه بالعمل للمنفعة العامة لفحص شامل ودقيق:

يتعين قبل الحكم على الجاني بالعمل لمنفعة المجتمع أن يسبق ذلك فحص شامل ودقيق له وتحقيق اجتماعي عن شخصيته وشروط حياته ووضعه العائلي والمعيشي والمهني وماضيه السلوكي وطبيعة وظروف ارتكاب الجريمة، فتلك الفحوصات تهدف إلى تحقيق الأهداف التالي:[4]

  • التأكد من أن المحكوم عليه قادراً على العمل لمنفعة المجتمع من الناحية الجسدية والسلوكية والمهنية.
  • التأكد من أن وجود المحكوم عليه في المجتمع لا يشكل اضطراباً أو خطراً على الأخرين.
  • تمكين المحكمة من اختيار أكثر عمل مناسب للمحكوم عليه.
  • معرفة الصعوبات التي قد يواجهها المحكوم عليه أثناء عمله والعمل على تذليلها.

ومن ثم فيتجلى في هذا المقام دور القاضي الذي يتعين عليه أن يوازن بين مصلحة المحكوم عليه في عدم خضوعه للعقاب السالب للحرية وبين مصلحة المجتمع الذي سيخرج له المحكوم عليه وما قد يؤدي ذلك إلى التأثير على أمن المجتمع وسلامته.

2- موافقة المحكوم عليه لخضوعه لعقوبة العمل للنفع العام:

بمطالعة أغلب التشريعات التي أخذت بعقوبة العمل لمنفعة المجتمع كعقوبة بديلة للعقوبات السالبة للحرية يتجلى لنا أنها أخضعت تطبيق تلك العقوبة لرهن إرادة المحكوم عليه، وهذا ما انتهجه المشرع الأردني والذي قرر أنه لا يمكن تطبيق تلك العقوبة على الجاني مالم يبدي موافقة صريحة على الخضوع لها.

وهذا ما تقرر بموجب (المادة 54 مكرر ثانياً في فقرتها الأولى) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (للمحكمة بناء على تقرير الحالة الاجتماعية وبموافقة المحكوم عليه فيما خلا حالة التكرار أن تقضي بإحدى بدائل الإصلاح المجتمعية أو جميعها عند الحكم بوقف تنفيذ العقوبة الأصلية المحكوم بها وفقا لأحكام المادة (54 مكررة) من هذا القانون).

فإذا ما أصدر القاضي الحكم بقعاب المجاني بالعمل لمنفعة المجتمع بدلاً من العقوبة الأصلية على الرغم من رفضه لذلك أو عدم قبول تلك العقوبة يكون حكمه مخالف لصحيح نصوص القانون مستوجباً الطعن عليه، وهذا ما قررته محكمة بداية أربد بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم 2596 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (كما تجد محكمتنا أن المشتكى عليه المستأنف ضده ….. لدى إفهامه منطوق المادة 175 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، لم يبد رغبته بإيقاع العقوبات المجتمعية بحقه وموافقته عليها وفقا لما تقضي به المادة 54 مكررة ثانيا من قانون العقوبات، وحيث أن موافقة المشتكى عليه المستأنف ضده (……) يجب أن تكون أمام المحكمة، ومن ضمن الإجراءات القضائية التي تقوم بها محكمة الموضوع، حيث توصلت محكمة الدرجة الأولى إلى نتيجة مغايرة، فأننا لا نقرها على النتيجة التي توصلت إليها، وقرارها مخالف للقانون وسابقاً لأوانه وسبب الاستئناف يرد عليه ويستوجب الفسخ).

ثالثاً: الشروط الذاتية لتوقيع عقوبة العمل للنفع العام:

حتى يمكن توقيع عقوبة العمل لمنفعة المجتمع على المحكوم عليه فلابد أن تتوافر به عدة شروط تتمثل فيما يلي:

1- ألا يكون المحكوم عليه مكرراً للجرائم:

بالنظر إلى طبيعة عقوبة المعمل للمنفعة الاجتماعية نجد أنها شُرعت للتوقيع على الأشخاص عديمي الخطورة الإجرامية الذي يوصفون بأنهم مجرمين بالمصادفة، فهؤلاء أجرموا نظراً لمرورهم بظروف طارئة عارضة لا تنم بحال من الأحوال عن وجود خطورة إجرامية كامنة بداخلهم، وهذا ما يستشف من خلال طبيعة الجرم المرتكب وظروف وملابسات ارتكابه.

والواقع أن انتفاء الخطورة الإجرامية يتعارض مع كون الجاني عائداً أي مكرراً لارتكاب جريمة، فالعود هو حالة الشخص الذي يرتكب جريمة أو أكثر بعد سبق الحكم عليه بعقوبة في جريمة أو جرائم أخرى سابقة،[5] وهذا بالقطع ينم عن وجود خطورة إجرامية كامنة بشخص المجرم مما يتعارض مع توقيع عقوبة العمل للنفع العام عليه.

وهذا ما تؤكده محكمة بداية اربد بصفتها الاستئنافية في حكمها رقم 2596 لسنة 2020 والتي قضت فيه بأن: (إلا أن محكمتنا تجد أن محكمة الدرجة الأولى لم تتقيد بالشروط الواردة في المادة 54 مكررة من قانون العقوبات، وعللت في قرارها أنه بعد الاطلاع على السجل العدلي الخالي من السوابق المتعلق بالمستأنف ضدهم، في حين تجد محكمتنا أن المشتكى عليه المستأنف ضده ….. يوجد بحقه سوابق قضائية عدد (9) قد صدرت بها أحكام، ومن ضمنها أربع قضايا مشابهة موضوعها انتحال صفة موظف عام، وأربع قضايا مشابهة موضوعها انتحال صفة موظف عام للمستأنف ضده …….، واربع قضايا مشابهة موضوعها انتحال صفة موظف عام للمستأنف ……….، وحيث توصلت محكمة الدرجة الأولى إلى نتيجة مغايرة، فأننا لا نقرها على النتيجة التي توصلت إليها، وقرارها مخالف للقانون وسابقاً لأوانه وسبب الاستئناف يرد عليه ويستوجب الفسخ).

2- تحقق الردع للمحكوم عليه:

وهذا الشرط يعتمد على السلطة التقديرية للقاضي والذي يتشف ذلك من خلال فحص الجاني والتمعن في سلوكه وإمعان النظر في الملابسات والظروف التي أحاطت بارتكاب الجريمة، والنظر في ما إذا كانت مجرد ظروف عابرة أم دائمة ملازمة للمحكوم عليه.

إذن يجب على المحكمة أن تتبين من أن المحكوم عليه جدير بهذا الجزاء من خلال أخلاقه وماضيه وسنه والظروف التي دفعته لارتكاب الجريمة، وهذا ما تقرر بموجب الحكم رقم 414 الصادر عن محكمة بداية أربد بصفتها الاستئنافية سنة 2021 والتي قررت فيه أن: (محكمتنا تجد أن محكمة الدرجة الأولى قد قامت بإيقاع العقوبة بحق المستأنف ضده موسى بشكل موافق للقانون، كما قامت بتطبيق العقوبة الواردة بالنص تطبيقا سليما، حيث قررت فرض عقوبة مجتمعية للمحكوم عليه لمدة 200 ساعة خدمة اجتماعية وقامت بتطبيق العقوبات المجتمعية على المشتكى عليه (………..)، على ضوء نص المادة 54 مكررة من قانون العقوبات والتي أمدت المحكمة بسلطة تقديرية لإيقاع العقوبات المجتمعية بحق المشتكى عليهم، عند الحكم في جناية أو جنحة بالسجن أو الحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة بعد أن تقرر إيقاف تنفيذ العقوبة، وفقا للأحكام والشروط المنصوص عليها في هذا القانون، وعلى ضوء توافر شروط وقف تنفيذ العقوبة، إذا رأت من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنّه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بانه لن يعود إلى مخالفة القانون، فإن محكمتنا تجد أن محكمة الدرجة الأولى قد تقيدت بالشروط الواردة في المادة 54 مكررة من قانون العقوبات، وعللت في قرارها فيما يتعلق بالمستأنف ضده …… بأنه شاب في مقتبل العمر ومهندس مدني ورب أسرة وأن العقوبة تضر به وبمستقبله وأنه أبدى استعداه على القيام بعقوبة مجتمعيه, فقد قامت بتطبيق القانون بحقه تطبيقاً سليماً وموافقاً للقانون).

3- ألا يقل عمر مرتكب الجريمة عن 18 سنة وقت ارتكابها:

ذلك أنه في حالة كون الجاني أقل من عمر ثماني عشر عام وقت ارتكاب الجريمة لأدى ذلك إلى خضوعه للتدابير الإصلاحية الواردة في قانون الأحداث الأردني وليس لعقوبة العمل لمصلحة المجتمع الواردة في قانون العقوبات.[6]

4- موافقة المحكوم عليه للخضوع للعمل للنفع العام:

يُعد هذا الشرط تكريساً لحقوق الإنسان وصوناً لكرامته الإنسانية، حيث لا يجوز إجبار شخص – حتى ولو كان مجرم – أن يعمل لدى شخص آخر أو جهة دون مقابل، فتلك الصورة من العمل يطلق عليها العمل سُخرة والتي قررت لها التشريعات المقارنة عقوبات جنائية، بل وأن هناك العديد من التشريعات التي قررت عدم سقوط تلك الجرائم بالتقادم نظراً لخطورتها وجسامة الحق المنتهك بارتكابها.[7]

لذلك قرر المشرع الأردني أن المحكوم عليه لا يخضع لعقوبة العمل لمصلحة المجتمع إلا إذا قبل ذلك صراحة، وهو ما يتطلب أن يكون المتهم حاضراً بجلسة النطق بالحكم وإلا امتنع على القاضي النطق بتلك العقوبة.

رابعاً: الشروط الموضوعية لإصدار عقوبة العمل للنفع العام:

حدد المشرع الأردني عدة شروط يجب توافرها للتمكن من تطبيق عقوبة العمل للنفع العام على الجاني، وهذه الشروط هي:

1- نوع الجريمة:

بمطالعة (المادة 25 مكرر) من قانون العقوبات يتبين لنا أنها لم تحدد شروطاً خاصة للجرائم التي يطبق على مرتكبيها عقوبة العمل للنفع العام، ومن ثم يمكن تطبيق عقوبة العمل بالنفع العام على كل من يرتكب جريمة بغض النظر عن كونها جناية أو جنحة.

وذلك يُخالف ما دأبت عليه بعض التشريعات الأخرى التي تطلبت ضرورة أن تكون الجريمة المعاقب عليها بالعمل لمنفعة المجتمع في صورة الجنحة للاستدلال من خلال ذلك على انعدام الخطورة الإجرامية الكامنة بشخص المجرم.

والواقع أن موقف المشرع الأردني في هذا الصدد لم ينتابه الشذوذ عن تلك التشريعات، حيث أنه جعل الحكم بعقاب المتهم بالعمل لمصلحة المجتمع متلازم مع الحكم بوقف تنفيذ العقوبة والذي لا يحكم به إلا إذا كانت الجناية أو الجنحة المرتكبة معاقباً عليها بالسجن لمدة تقل عن عام، مما ينبئ عن عدم جسامة الجريمة المرتكبة وهو ما يشير بدوره إلى احتمالية انعدام الخطورة الإجرامية لدى المحكوم عليه.

وهذا ما يتضح من خلال مطالعة (المادة 54/1 مكرر) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (يجوز للمحكمة عند الحكم في جناية أو جنحة بالسجن أو الحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة أن تامر في قرار الحكم بإيقاف تنفيذ العقوبة وفقا للأحكام والشروط المنصوص عليها في هذا القانون إذا رات من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنّه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بانه لن يعود إلى مخالفة القانون، ويجب أن تبين في الحكم أسباب إيقاف التنفيذ، ويجوز أن تجعل الإيقاف شاملا لأية عقوبة تبعية ولجميع الآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم)، فضلاً عن ما ورد (بالمادة 54/1 مكرر ثانياً) من قانون العقوبات والتي نصت على أن: (للمحكمة بناء على تقرير الحالة الاجتماعية وبموافقة المحكوم عليه فيما خلا حالة التكرار أن تقضي بإحدى بدائل الإصلاح المجتمعية أو جميعها عند الحكم بوقف تنفيذ العقوبة الأصلية المحكوم بها وفقا لأحكام المادة (54 مكررة) من هذا القانون).

2- السلطة التقديرية للقضاء:

منح المشرع الأردني القاضي السلطة التقديرية في استبدال العقوبة الأصلية بعقوبة العمل لمنفعة المجتمع وذلك حال ترائي له من ظروف وملابسات الجريمة وظروف المجرم الشخصية محالته النفسية والاجتماعية أنه شخص منعدم الخطورة الإجرامية.

3- تحديد مدة العمل:

حصر المشرع الأردني مدة العمل للمنفعة العامة بين حدين أدنى وأقصى، حيث يكون الحد الأدنى للعمل هو أربعين ساعة في حين يكون الحد الأقصى مائتي ساعة، ومن ثم لا يكون للقاضي الهبوط أو الصعود عن تلك المدد وإلا كان حكمه معيب مخالف للقانون.

4- تحديد مدة إنجاز العمل:

لم يحدد المشرع الأردني معياراً لتوزيع ساعات العمل التي يلتزم بأدائها المحكوم عليه بعقوبة العمل للنفع العام يومياً أو أسبوعيا وإنما ترك ذلك للسلطة التقديرية لقاضي تطبيق العقوبات والذي يتولى توزيعها على مدة أقصاها سنة بما يتماشى وظروف المحكوم عليه وأوقات فراغه وينسجم مع أوقات العمل الرسمية.[8]

5- تنبيه المحكوم عليه للالتزامات المترتبة عليه:

يتعين على المحكمة أن تحيط المحكوم عليه علماً بما سيقع عليه من التزامات أثناء قيامه بالعمل لدى منفعة المجتمع، وأن تقصيره في ذلك من شأنه أن يعرضه للعقوبة الأصلية التي كانت ستفرض عليه والمتمثلة في السجن أو الحبس مدة لا تزيد على سنة.

خامساً: أهداف ونفعية عقوبة العمل للنفع العام:

1- أهداف عقوبة العمل لمصلحة المجتمع:

تهدف تلك العقوبة إلى تحقيق أهداف تأهيلية للمحكوم عليه، وهذا ما يتحقق حال كون المحكوم عليه منعدم الخطورة الإجرامية مما يعني أنه سيجدي معه نفعاً تعريضه لتلك الصورة من الجزاءات الجنائية.

فالهدف الأسمى للعقوبات والمتمثل في تحقيق الردع الخاص والذي يعني إعادة تأهيل المجرم للحياة الاجتماعية مرة أخرى لن يتحقق من خلال تلك العقوبة إلا إذا كان الشخص منعدم الخطورة الإجرامية وهو ما يستشفه القاضي من خلال فحصه للمجرم واستعراض ماضيه وأخلاقه.

ناهيك عن أن تلك الصورة من صور الجزاءات الجنائية تعزز من مساهمة المجتمع في تحقيق العدالة الجزائية من خلال إشراك مؤسسات الدولة في تنفيذ الأحكام الجزائية الصادرة عن القضاء.

بل تحقق تلك الصورة من الجزاءات الجنائية دوراً هاماً في إصلاح المحكوم عليه من خلال تفعيل دور المجتمع في الاشتراك في عملية الإصلاح من خلال خلق فرص عمل للمحكوم عليهم تعمل على تطوريهم مهنياً واجتماعياً مما يضع بينهم وبين العود إلى ارتكاب الجرائم حائل مادي ونفسي.

ومن أهم الأهداف التي تحققها تلك الصورة من الجزاءات الجنائية النأي بالمحكوم عليه بعيداً عن المشاكل التي تواجهه حال تعرضه للعقوبات التقليدية والتي تمنعه من ممارسة حياته بصورة طبيعية بعد انقضاء فترة عقوبته والتي تتمثل في وصمه بأنه من أرباب السوابق.

هذا بالإضافة إلى الأهداف الاقتصادية التي تحققها تلك الصورة من الجزاءات الجنائية والتي تتمثل في تخفيف الأعباء المالية العامة نظراً لأن المحكوم عليهم يعملون لخدمة المجتمع بدون مقابل مما يؤدي إلى توفير العمالة المجانية للدولة وهو ما يحقق لها مكاسب مالية مما يعود بالنفع على المجتمع ككل.

2- مدى نفعية العمل لمنفعة المجتمع كعقوبة بديلة للعقوبات السالبة للحرية:

غني عن البيان مدى الآثار الخطيرة التي ترتب على الحكم على الأشخاص بالعقوبات القصيرة السالبة للحرية، فتلك العقوبات لا تستطيع تحقيق الهدف المرجو منها، بل أنها تعمل على إفساد المحكوم عليه وجعله صالح لارتكاب الجرائم الأكثر خطورة بعد انقضاء مدة عقوبته.

فتلك العقوبات تؤدي إلى اختلاط المحكوم عليه بغيره من المجرمين الأشد خطورة منه مما يؤدي إلى إكسابه خبرات إجرامية،[9] وذلك يأتي بعد تأثير العقوبة السلبي عليه سواء من الناحية النفسية أو المادية حيث أنه أصبح موصوم بكونه من أرباب السوابق ومن تبعات ذلك أنه سيصبح شخصاً منبوذ من كافة فئات المجتمع.

ناهيك عن أن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة قد تؤدي إلى انهيار أسر بكاملها نظراً لحرمانها من عائلها الوحيد والذي قد يكون مُعاقباً لجرم سيق إليه بالمصادفة دون أن ينم عن ثمة خطورة إجرامية كامنة بداخله.

لذلك تأتي عقوبة العمل لمنفعة المجتمع كبديل متميز للعقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة لتلاشي كافة الآثار السلبية التي أشرنها إليها، وتعمل على إيلام الجاني بصورة تتناسب ودرجة خطورته الإجرامية دون أن يكون لها تلك الأثار السلبية الوخيمة التي قد يتعرض لها الجاني حال خضوعه للعقوبات التقليدية السالبة للحرية.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] طايل محمود الشايب، سلامة رشيد حسين، عقوبة الخدمة المجتمعية “العمل للنفع العام في التشريعين الأردني والإماراتي بين الواقع والمأمول”، 2019، ص 402، 403.

[2] زيد ثويني شوبان الجبور، العمل لمنفعة المجتمع كعقوبة بديلة في التشريع الأردني ” دراسة مقارنة”، 2019، ص 47، 48.

[3] أنظر الدكتور/ علي عبد القادر القهوجي، علم الإجرام والعقاب، 2021، دار المطبوعات الجامعية، ص 291.

[4] أنظر الدكتورة/ صفاء أوتاني، العمل للمنفعة العامة في السياسة العقابية المعاصر ” دراسة مقارنة”، 2009، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية – العدد الثاني – م 25، ص 437، 438.

[5] الدكتور/ فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسيم العام ” الكتاب الثاني – المسئولية والجزاء الجنائي “، 2018، دار المطبوعات الجامعية، ص 286.

[6] لمزيد من التفاصيل حول التدابير الإصلاحية للأحداث أنظر المقال المنشور على موقع حُماة الحق بعنوان “ التدابير الإصلاحية للأحداث في القانون الأردني ” والمتاح على الرابط التالي:

[7] أنظر في ذلك الدكتور/ عبد القادر القهوجي، الدكتور/ فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم الخاص، 2015، دار الجامعة الجديدة، ص 155.

[8] أنظر زيد ثويني شوبان الجبور، مرجع سابق، ص 73، 74.

[9] أنظر الأستاذ الدكتور/ فتوح عبد الله الشاذلي، علم الإجرام وعلم العقاب، 2017، دار المطبوعات الجامعية، ص 373.

Scroll to Top