حق الموظف الأردني في الانتماء الحزبي

حق الموظف الأردني في الانتماء الحزبي

تُعتبر الوظيفة العامة نقطة تحول في حياة الأفراد خاصة فيما يتعلق بالمهتمين بالعمل السياسي والعمل الحزبي، فبعد أن كان الفرد متمتعا بكل الحقوق السياسية دون رقيب، يوضع على عاتقه عدة التزامات بتقلده الوظيفة العامة، فمن ناحية قد يمنع بعض الموظفين المتقلدين لمناصب معينه من حق الانتماء الحزبي، والبعض الآخر تبقى له الحرية الكاملة في الانضمام للأحزاب السياسية مع التزامه ببعض الالتزامات التي قررتها القوانين والتشريعات الأردنية.

أولا: تعريف الموظف العام والحزب السياسي:

ثانيا: التطور التشريعي لتكوين الأحزاب السياسية وانتماء الموظفين إليها:

ثالثا: واجبات الموظف العام المخول له الانتماء الحزبي:

رابعا: الخاتمة:

أولا: تعريف الموظف العام والحزب السياسي:

عرف قانون الخدمة المدنية الموظف في مادته الثانية بقولها: ( الموظف: الشخص المعين بقرار من المرجع المختص في وظيفة مدرجة من جدول تشكيلات الوظائف الصادر بمقتضى قانون الموازنة العامة أو موازنة احدى الدوائر والموظف المعين بموجب عقد ولا يشمل الشخص الذي يتقاضى أجرا يوميا).

ويلاحظ من هذا التعريف أنه يشترط في الموظف العام شرطيين حتى يتصف بصفة الموظف العام وهما أن تكون الوظيفة معدودة من احدى الوظائف المدرجة في جدول تشكيلات الوظائف وثانيهما أن يكون الشخص قد تقلد الوظيفة لعامة عن طريق التعيين.[1]

وقد عرفت محكمة العدل العليا في قرار لها  الموظف العام بأنه: ” ذلك الشخص إلي يعهد إليه بأداء عمل دائم  في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو احدى مؤسساتها العامة بشكل مباشر “، ومن جماع التعريفات السابقة يمكننا القول أن المقصود بالموظف الذي ترد عليه أحكام الانتماء الحزبي هو الموظف الحكومي الذي يعمل في القطاع العام بالشروط التي قررتها التعريفات السابقة، أما اذا كان الموظف يعمل لدى القطاع الخاص فلا مجال لتطبيق الأحكام التالية عليه بل يبقى له الحق في الانضمام إلى الأحزاب المرخصة وإبداء آرائه السياسية دون التزامات أو واجبات تجاه الحكومة، وعلى النقيض فالموظف العام قد يكون ممنوعا من الانتماء إلى الأحزاب مثل القضاة والعسكريين والأمنيين كما سوف يرد بالتفصيل، كما قد يكون الموظف العام له الحق  في الانتماء الحزبي في مقابل التزامه بواجبات التحفظ والحياد المهني.

ولما كان موضوعنا في الأساس منصب على مسألة انضمام الموظف العام إلى الأحزاب السياسية فيجب  الإشارة  إلى أن  تعريف الأحزاب السياسية  وكما ورد في (المادة 3) من قانون الأحزاب السياسية هو:   ( يعتبر حزبا كل تنظيم سياسي مؤلف من جماعة من الأردنيين يؤسس وفقا لأحكام الدستور وهذا القانون بقصد المشاركة في الحياة السياسية وتحقيق أهداف محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويعمل بوسائل مشروعة وسلمية )، ويعرف الحزب أيضا بأنه التنظيم الذي يأسسه مجموعة من الأردنيين بغرض الوصول إلى الأكثرية النيابية أو بغرض تشكيل الحكومة أو المشاركة فيها وكذلك اذا كان يهدف الحزب  إلى المشاركة في الانتخابات المحلية.[2]

ثانيا: التطور التشريعي لتكوين الأحزاب السياسية وانتماء الموظفين إليها:

بدأت مشروعية تكوين الأحزاب السياسية منذ صدور قانون الأحزاب السياسية  رقم 15 لسنة 1955 ولا يعني ذلك عدم إنشاء أحزاب قبل صدور هذا القانون، بل تاريخيا ورغم عدم وجود نص قانوني منظما لعملية إنشاء الأحزاب السياسية إلا أنه لم يكن هناك حظرا على إنشائها حتى صدور قرار الحاكم العسكري بحل جميع الأحزاب السياسية عام 1957، وبالنظر إلى تلك الحقبة التاريخية فقد كان النظام الأول للخدمة المدنية الصادر عام 1926 يحظر على الموظف العام الانتماء إلى أي حزب سياسي، حيث كانت (المادة 45) منه تنص على: (يجب أن لا يكون موظف أو مستخدم الحكومة عضوا في أية لجنة أو جمعية ذات صبغة سياسية، وينبغي عليه ألا يؤسس أو يشترك في أي اجتماع أو مظاهرة أو احتفال ذي صبغة سياسية، أو يرمي إلى غايات سياسية أو يشتغل بأي شكل من الأشكال في دعاية سياسية وكل مخالفة لهذا النظام تعرض الموظف أو المستخدم للعزل)، و جاء النص في ذلك الوقت بقصد مواجهة التساهل الذي اعترى الحكومة مما جعل كثيرا من الموظفين العمومين منتسبين إلى أحزاب سياسية وكان كبار رجال الدولة من موظفين قادة في الأحزاب السياسية.[3]

ثم قرر نظام الخدمة المدنية الثاني رقم 1 لسنة 1949  قصر ذلك الحظر على الأفعال التي تكون مناهضة للحكومة حيث حظر على الموظف العام تأسيس أو مشاركة في اجتماعات مناهضة للحكومة، حيث نصت (المادة 44) منه على أن: ( يجب أن لا يؤسس الموظف أو يشترك في أي اجتماع أو مظاهرة أو احتفال ذي صبغة سياسية ضد الحكومة أو يرمي إلى غايات سياسية أو يشتغل بأي شكل من الشكال بدعاية سياسية ضد الحكومة ووكل مخالفة لهذه المادة تعرض الموظف للمسئولية)، وبمفهوم المخالفة إذا كان اشتراك الموظف العام في حزب سياسي ليس بغرض مناهضة الحكومة أو ضدها فلا مانع من منعه في ذلك، ورغم ذلك فقد أدى حظر بعض الأحزاب السياسة داخل الدولة مثل الحزب الشيوعي إلى اعتبار انضمام الموظف العمومي  له أو المشاركة في اجتماعاته سببا كافيا لإنهاء خدمته باعتباره خطأ مسلكيا، ويظهر ذلك جليا بصدور تعليمات الإدارة العرفية رقم 2 لسنة 1957 في الفترة الأولى لإعلان الأحكام العرفية حيث قررت الاستغناء عن أي موظف يثبت انتمائه إلى حزب من الأحزاب السياسية التي تم حلها، وهو ما تم تقريره أيضا في فترة إعلان الأحكام العرفية للمرة الثانية عام 1967 حيث أجاز إنهاء خدمة الموظف العام إذا ثبت انتمائه إلى حزب سياسي له نشاط يمس امن الدولة.

ثم جاء قانون الأحزاب السياسية رقم 32 لسنة 1992 الذي أجاز إنشاء الأحزاب السياسية وحق الانضمام لها وهو نفس ما ورد بالدستور الأردني الصادر عام 1952 حيث نص في المادة 16 منه على أن: (1. للأردنيين حق الاجتماع ضمن حدود القانون. 2. للأردنيين حق تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية على أن تكون غايتها مشروعة ووسائلها سلمية وذات نظم لا تخالف أحكام الدستور. 3. ينظم القانون طريقة تأليف الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية ومراقبة مواردها).

وأخيرا صدر قانون الأحزاب السياسية رقم 39 لعام 2015 والذي نص في المادة على (أ. للأردنيين الحق في تأليف الأحزاب والانتساب إليها وفقا لأحكام الدستور وهذا القانون. ب. للحزب الحق في المشاركة بمختلف الانتخابات التي تجري في المملكة وفق أحكام القانون).

وكما يظهر من النص فقد أجاز لجميع الموطنين تأليف الأحزاب السياسية والانضمام لها، إلا أن ذلك لا يمنع وجود نصوص تشريعية تمنع بعض الفئات من الموظفين العمومين من الانضمام للأحزاب السياسية أو المشاركة في أعمال الأحزاب، ومن هذه الفئات العسكريين حيث حظر قانون خدمة الضباط في القوات المسلحة الأردنية في (المادة 30) منه الفقرة (ج) انضمام الضابط إلى الأحزاب السياسية حيث نصت على: (ما يحظر على الضابط: أن ينتمي إلى أي حزب من الأحزاب السياسية وأن يتشيع له أو أن يشترك في أية مظاهرات أو إضرابات أو اجتماعات حزبية أو سياسية أو أية دعايات انتخابية وأن يعقد اجتماعات لانتقاد أعمال الجيش أو الحكومة السياسية أو أن يشترك بأية صورة من الصور في إجراءات تهدف إلى الغايات المذكورة أو إلى أية هيئة أو نادي سواء كانت خيرية أو أدبية أو رياضية أو اجتماعية دون موافقة المراجع المختصة)، وكذلك حظر قانون الأحزاب السياسية أن يكون مؤسسي الحزب ينتمي إلى القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية.

والفئة الثانية التي قرر المشرع الأردني حظر مشاركتها في الأحزاب السياسية أو الانضمام لها أو المشاركة في تأسيسها هم لقضاة ويظهر ذلك من خلال أكثر من نص تشريعي حيث حظر المشرع في قانون الأحزاب السياسية أن يكون أحد الأعضاء المؤسسين من القضاة حيث نصت (المادة 6) من القانون على أن: (أ. يجب ألا يقل عدد الأعضاء المؤسسين لأي حزب عن مائة وخمسين شخصا. ب. يشترط في العضو المؤسس ما يلي:

  • أن يكون أردنيا منذ عشر سنوات على الأقل.
  • أن يكون قد أكمل الثامنة عشرة من عمره.
  • ألا يكون محكوما بجناية أو بجنحة مخلة بالشرف أو الأخلاق والآداب العامة، باستثناء الجنايات ذات الصفة السياسية، مالم يكن قد أعيد إليهم اعتباره.
  • أن يكون متمتعا بالأهلية المدنية والقانونية الكاملة.
  • أن يكون مقيما عادة في المملكة.
  • أن لا يكون قاضيا.
  • أن لا يكون عضوا في أي حزب آخر أو أي تنظيم سياسي غير أردني.
  • أن لا يكون من المنتسبين للقوات المسلحة الأردنية أو أي من الأجهزة الأمنية أو الدفاع المدني).

هذا من ناحية التأسيس، كما حظر المشرع الأردني على المنتميين إلى السلطة القضائية الانضمام إلى الأحزاب السياسية ويظهر ذلك واضحا فيما نصت عليه (المادة 8) في فقرتها 9 من مدونة السلوك القضائي لعام 2021 والتي نصت على: ( لا يجوز للقاضي الانتماء إلى النوادي الثقافية والاجتماعية أو أن يجمع التبرعات، ولا يجوز له الانتماء إلى الأحزاب والتكتلات والجمعيات السياسية أو المشاركة في أي من نشاطاتها).

ويظهر بوضوح السبب من عدم جواز انضمام العسكريون والقضاة إلى الأحزاب هو منع أي محاولة لتسيس هذه الهيئات  والعمل على استقلال وحدة العاملين بهذه القطاعات الحساسة وجعلهم على مسافة واحدة من الجميع دون تمييز وبعدا لهم عن الصراعات السياسية والتحزبات، وحسنا فعل المشرع عندما منع هذه الفئات من الانضمام للأحزاب السياسية حتى لا يتحول الجيش أو القضاء إلى ساحة عراك بين أطرافه كل يدافع عن توجهاته السياسية الأمر الذي يؤدي إلى ضعف هذه المرافق وبعدها كل البعد عن أداء الدور المخول لها، ويجب أن نشير إلى أن الحظر على هذه الفئات من الانضمام إلى الأحزاب السياسية هو حظر وقتي يمتد طوال فترة أداء أعمالهم، مما يعني زوال ذلك الحظر بانتهاء خدمتهم أو  استقالتهم أو إقالتهم كما يجب أن نشير إلى ذلك الحظر لا يشمل الوزراء المسئولون عن هذه المرافق كوزير العدل أو وزير الدفاع إذ أنهم يعتبروا في المقام الأول عناصر سياسية وجزء من الحكومة.

ثالثا: واجبات الموظف العام المخول له الانتماء الحزبي:

يقع على الموظف العام المخول له الانتماء إلى الأحزاب القانونية والمشاركة فيها عدة واجبات مثل واجب التحفظ وواجب الحيادي الوظيفي، وسوف نتحدث عن كل واحد منهم على حدا على التفصيل الآتي:

1- واجب التحفظ:

بالنظر إلى ما منحه المشرع من حرية للموظف العام من حيث الانضمام إلى الأحزاب السياسية والمشاركة في العملية السياسية والتي تمكن الموظف العام من اعتناق الفكر السياسي الذي يريده أو الانضمام إلى الحزب الذي يبتغيه دون أي معقب عليه، بخلاف بعض الأنظمة والدساتير في الدول المختلفة التي تمنع ذلك جملة أو تفرض على الموظف العام الانضمام إلى حزب معين وهو في الغالب الحزب الحاكم، إلا أن المشرع الأردني حين صرح صراحة بحق الموظف العام في الانتماء الحزبي أوجب عليه التمسك والالتزام بواجب التحفظ، ومفهوم هذا التحفظ  أن حق الموظف الممنوح له دستوريا بالتعبير عن إرادته واعتناقه الفكر السياسي أو الانتماء لحزب ما مقيد بقيد هام وهو أن لا يكون ممارسته لهذا الحق ما يجعل من الاستحالة ممارسة الموظف لمهامه الوظيفية بشكل يتناسب مع طبيعتها، ورغم الاتجاه العام في التشريعات المختلفة وفي الفقه القانوني من عدم حصر وتعريف واجب التحفظ بشكل دقيق إلا أنه يمكن اعتباره مجموعة التوجهات الدائمة التي تكفل التوفيق بين حرية الرأي والتعبير، ومقتضيات الوظيفة العامة.[4]

ويظهر الإخلال بواجب التحفظ بقيام الموظف العام بأفعال أو التصريح والتعبير عن آرائه بشكل يشير إلى امتهانه للوظيفة العامة أو السخرية منها أو توجيه انتقادات لاذعة تصل إلى حد الاتهام إلى أحد مسئولي الدولة، كذلك مشاركة الموظف العام في تظاهرة قررت الدولة حظرها يُعد إخلالا منه بواجب التحفظ المقرر قانونا، وقد جاءت (المادة 69) من قانون الخدمة المدنية لتؤكد في “فقرتها ج” عدم جواز قيام الموظف العام باستغلال وظيفته العامة في تحقيق أي مصالح حزبية حيث نصت على أن: ( يحظر على الموظف وتحت طائلة المسئولية التأديبية الإقدام على عمل من الأعمال الآتية: استغلال وظيفته لخدمة أغراض أو أهداف أو مصالح حزبية أو القيام أو الاشتراك في أي مظاهرة أو إضراب أو اعتصام أو التحريض عليها أو أي عمل يمس بأمن الدولة ومصالحها أو يضر أو يعطل مصالح المواطنين والمجتمع والدولة ).

ويظهر من النص ما يجب على الموظف الامتناع عن القيام به واعتبره المشرع إخلال بأداء وظيفته يستأهل مسائلته التأديبية عليه ويرى المشرع أن انضمام الموظف أو اشتراكه في مظاهرة أو في اعتصام أو إضراب أو تحريض على تلك الأفعال يُعد من قبيل الإخلال بواجب التحفظ.

ويثار تساؤل حول إذا ما كان الموظف العام قياديا في أحد الأحزاب المرخصة في البلاد فكيف يمنع من أداء مهامه الحزبية وهو مقيد بواجبات التحفظ التي فرضها القانون عليه؟

اتجه البعض إلى القول أن الموظف العام المتولي منصبا قياديا في حزب سياسي يجب أن يتمتع بحرية أكبر ويخفف عليه من واجب التحفظ نظرا لما يتطلبه الدور القيادي في النقابة من حرية تعبير أكبر وأوسع تتناسب مع دوره النقابي القيادي، ولكن يجب القول أنه في حالة منح الموظف العام القيادي في نقابة أو حزب  حرية أوسع من غيره من الموظفين المنتمين للأحزاب دون أن يكونوا قادة فإن ذلك يستلزم من هؤلاء القادة استخدام الحرية الممنوحة لهم والتحلل من واجب التحفظ في سبيل تحقيق المصالح المهنية البحتة، وعلى ذلك إذا كان الموظف العام قيادي نقابي ووجه تحذيرا شديدا إلى أحد الوزراء بشأن مسألة تخص المصلحة العامة فلا يعد ذلك من باب الإخلال بواجب التحفظ، إلا أنه في حالة اتفاق الموظف العام القيادي مع نقابة أو جمعية أجنبية وظهر من هذا الاتفاق أنه ذو طبيعة سياسية فيعد إخلال بواجب التحفظ المفروض عليه قانونا، ويرى أصحاب هذا الرأي أن السبب والباعث في منح الموظف العام القيادي في نقابة أو حزب صلاحية أوسع في انتقاد وإتهام رجال الحكومة وهامشا أوسع للتعبير عن آرائهم هو ما يتطلبه المنصب القيادي من تصدي وكفاح  للإدارة بجميع الوسائل المشروعة مثل توجيه الرسائل أو العرائض أو استخدام وسيلة الإضراب للضغط على الحكومة.[5]

ويجب أن نشير إلى أن وأجاب التحفظ لا يعني سكوت الموظف العام عما يراه من أخطاء أو مخالفات قانونية أو إدارية أثناء أدائه دوره الوظيفي، بل على العكس تماما فقد أوجب القانون على الموظف العام الذي يجد أخطاء أو مخالفات قانونية أثناء أداء عمله سرعة التبليغ عنها سواء كان هذا الموظف العمومي منتمي إلى حزب من عدمه، إلا أن واجبه في التحفظ هنا يتمثل فيما يجب عليه من إجراءات عند اكتشافه للمخالفة القانونية فبدلا من  أن يلجأ إلى طريقة النشر والتشهير بالإدارة التي يعمل بها تحقيقا لمكسب سياسي للحزب الذي ينتمي إليه، أوجب عليه قانون الخدمة المدنية التقدم بشكوى للجهات المختصة تتضمن المخالفة والأسانيد والمستندات الدالة عليها، حيث حظرت (المادة 69) من قانون الخدمة المدنية في الفقرة (ب) احتفاظ الموظف العام بأي وثيقة أو مخابرة أو صورة أو مستد وحظر على الموظف بشكل عام تسريب هذه الوثائق إلا في حالة اكتشاف مخالفة يتم الإبلاغ عنها.

حيث جاء نص الفقرة على أن: ( يحظر على الموظف وتحت طائلة المسئولية التأديبية الإقدام على أي عمل من الأعمال الأتية ب- الاحتفاظ خراج مكان العمل لنفسه بأي وثيقة أو مخابرة رسمية أو نسخة منها أو صور عنها أو تسريبها لأي جهة خارجية أو الكتابة أو التصريح عنها دون أن يكون ذلك من صلاحيته باستثناء الوقائع التي تكشف عن فساد فترفع إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد أو للمرجع المختص في الدائرة حسبما يرى المشتكي ).

2- واجب الحياد الوظيفي:

يعتبر مبدأ الحيدة والنزاهة أحد مبادئ القانون الإداري التي تلزم الموظف العام بأداء واجباته الوظيفية لجميع الأفراد دون تمييز على أساس عرقي أو ديني أو على أساس انتمائهم الحزبية أو أفكارهم السياسية، ويعرف هذه المبدأ بأنه تجرد الموظف العام أثناء أدائه لوظيفته من أي طابع سياسي أو انتماء حزبي بغرض تحييد الإدارة العامة وتأكيد طبيعتها التنفيذية.

ورغم وجود روابط قوية بين النشاط الإداري بشكل عام والسياسي إلا أن الحد الفاصل بينهما هو إعمال مبدأ الحياد الوظيفي خصوصا إذا كان الموظف العام منتميا إلى حزب سياسي، والموظف العام إذ يقوم بدوره الوظيفي بشكل حيادي دون تمييز فذلك يتفق مع ما أوجبه  الدستور الأردني في مادته السادسة  حيث نصت على: ( الأردنيون سواء أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات  وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين )، وهذا النص الدستوري يقتضي معاملة المنتفعين بالخدمات بشكل متساو دون تمييز طالما تماثلت الظروف، فليس من الجائز محاباة أحد الأطراف على الآخر أو مجاملة فئة معينة لتحقيق مصلحة شخصية أو حزبية أو مجاملة أنصار حزب ما ينتمي إليه الموظف على غيره من الأحزاب.

ويستلزم المبدأ أن أي انحراف من الموظف العام المنتمي حزبيا ضد أحد أنصار حزب آخر أن يصبح القرار الصادر من الموظف قرار يشوبه عيب الانحراف في استخدام السلطة، والذي يجعله غير مشروع ويضعه تحت عُرضة الإلغاء إذا ما تم الطعن عليه بعدم مشروعيته إلى جانب حق الدولة في مسائلة الموظف تأديبيا عن انحرافه، ولا يتوقف واجب الموظف المنتمي حزبيا عند الامتناع عن المحاباة أو المجاملة لأنصار حزبه، بل يمتد دور الموظف العام المنتمي حزبيا إلى مقاومة كل أشكال وأساليب الضغط التي قد تمارس عليه من قيادات حزبه أو غيره من الأحزاب بقصد إرغامه على إصدار قرار متوافق مع آراء الحزب أو الامتناع عن إصداره لتقوية رأي الحزب.

وتظهر أهمية واجب الحياد الوظيفي على أرض الواقع في أكثر من حالة كما في حالة كون الموظف العام معلما وقياديا في أحد الأحزاب فلا يجوز للمعلم وهو موظفا عاما الترويج لأفكاره السياسية أو الحزبية للحزب المنتمي له داخل أروقة المدارس أو الجامعات، وكذلك حظر على الموظف إذا كان معينا في أحد الجهات أو الجمعيات أو الإدارات استخدام مكان وظيفته للترويج لأفكاره الحزبية.

وهناك مظهر آخر لواجب الحياد الوظيفي ويتمثل فيما يجب على الموظف من الامتثال إلى توجهات ورؤية الحكومة وتنفيذ  خططها بحيث لا يمنعه انتمائه إلى حزب ما من تنفيذ أوامر أو قرارات  إدارته أو التقصير في أدائها بدعوى مخالفتها  لقناعته الحزبية.

إذ أن الموظف العام في مجال وظيفته يجب أن يكون منفصلا كلية عن أفكاره الحزبية والسياسية لضمان سير المرفق العام باطراد وانتظام، وترجع العلة في ذلك إلى أن ارتباط الجهة التي يعمل بها الموظف بالحكومة ارتباطا أساسيا ومن جميع النواحي سواء القانونية أو العملية  وهي رابطة التبعية للسلطة السياسية، خاصة  وأن الإدارة هي الأداة التي تنفذ بها السلطة السياسية مخططاتها.

وعلى ذلك فيمكن القول أن الموظف العام وأثناء أداء وظيفته يجب أن يكون لديه الولاء الكامل للحكومة بحيث يسعى إلى تنفيذ قراراتها ومخططاتها، ولا تعني هذه التبعية تخلي الموظف الحزبي عن آراءه وأفكاره السياسة بل للموظف العام أن يعتنق ما يشاء من أفكار وأن يبدي رأيه بتحفظ في قرارات الحكومة وبالشكل الذي لا يتنافى مع  واجب الحياد الوظيفي.

رابعا: الخاتمة:

ختاما فقد ظهر جليا مدى مشروعية انضمام الموظف إلى الأحزاب السياسية ما عدا من نص القانون صراحة على عدم جواز مشاركتهم في العملية السياسية أثناء فترة عملهم بالوظيفة العامة كما تبين من خلال المقال الواجبات والالتزامات التي فرضها المشرع على الموظف المنتمي إلى أحد الأحزاب.

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] هتاف جمعة صبحي أبو راشد، مبدا المساواة في تولي الوظيفة العامة بين النظرية والتطبيق، مكتبة القانون والاقتصاد الرياض، 2014، ص 66.

[2] نظام بركات، القوانين الناظمة للعمل الحزبي في الأردن، موجبات المراجعة والتغيير- مركز القدس للدراسات السياسية، ص 124.

[3] نقلا عن مقال محامي الأردن .حسين أبو عرابي ،الأحزاب والحياة النيابية في الأردن، رسالة مجلس الأمة الأردني، المجلد الأول، العدد السادس ،1993، ص 2.

[4] علي خاطر شطناوي، و محامي الأردن. حق الموظف الأردني في الانتماء الحزبي، جامعة جرش،نقلا عن مقال محامي أردني معروف ). الأردن 1996، ص 279.

[5] محمد حسنين عبدالعال، الحريات السياسية للموظف العام، دار الكتب القانونية، القاهرة 1980، ص 23.

Scroll to Top