دور مبدأ سلطان الإدارة في عقد العمل الفردي في قانون العمل الأردني
يعتبر مبدأ سلطان الإدارة هو الأصل في العقود والذي يعطي لأطراف العقد الحرية في وضع البنود وتقرير الالتزامات المتقابلة بينهما، إلا أنه وفي مجال عقد العمل بشكل عام وعقد العمل الفردي على وجه الخصوص نجد أن للمبدأ دورا مهما في إبرام عقد العمل من ناحية كما أن للقيود الواردة عليه دورا في تسيير عقد العمل بالشكل الذي يحقق أهداف طرفيها دون وقوع أي منهما تحت شروط قهرية أو تعجيزية، وهو ما حاول المشرع الأردني مواجهته من خلال القيود الواردة على المبدأ ولما كان لهذا المبدأ دورا هاما في مجال عقود العمل فسوف يدور حديثنا حول دور مبدأ سلطان الإدارة المنبثق عن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين في عقود العمل الفردية وفقا لما قرره قانون العمل الأردني على النحو الآتي:
ثانيا: عناصر عقد العمل الفردي:
ثالثا: ماهية مبدأ سلطان الإرادة:
رابعا: دور مبدأ سلطان الإدارة في عقد العمل الفردي:
خامسا: القيود الواردة على سلطان الإرادة في عقد العمل الفردي:
أولا تعريف عقد العمل الفردي:
عُرف عقد العمل في التشريعات الأردنية بعدة تعريفات تتفق جميعا من حيث المضمون، فقد عرف قانون العمل الأردني عقد العمل الفردي في (المادة 2) منه بأنه: ( اتفاق شفهي أو كتابي صريح أو ضمني يتعهد العامل بمقتضاه أن يعمل لدى صاحب العمل وتحت إشرافه أو أدارته مقابل أجر. ويكون عقد العمل لمدة محدودة أو غير محدودة أو لعمل معين أو غير معين). وتناول القانون المدني الأردني تعريف عقد العمل من خلال (المادة 805) والتي نصت على أنه: (عقد يلتزم أحد طرفيه بأن يقوم بعمل لمصلحة الطرف الآخر وتحت إشرافه أو إدارته لقاء أجر ).
وعلى ذلك يتضح أن عقد العمل الفردي مبني على اتفاق بين طرفين هما العامل وصاحب العمل وأن ما يميز عقد العمل عن غيره وجود شرط المقابل المادي أو الأجر كما هو منصوص عليه في المادتين السابق ذكرهما، ويرى البعض أن النص في قانون العمل على أن يعمل العامل لدى صاحب العمل يوحي بوجوب أن يكون صاحب العمل محترفا لمهنة أو حرفة معينة لكي تسري عليه أحكام قانون العمل الفردي.[1]ولكن هذا المفهوم الذي اعتنقه البعض غير صحيح وليس في قانون العمل ما يشير إليه صراحة، خاصة وأن قانون العمل استخدم لفظ رب العمل للدلالة على صاحب العمل، كما أن الشيء الأكثر دلالة أن المشرع لم يقصد من جملة (صاحب العمل) احتراف رب العمل لمهنة معينة هو أنه لو كان الاحتراف شرطا لتطبيق أحكام قانون العمل لم يكن هناك حاجة لاستبعاد خدم المنازل من تطبيق أحكام القانون، وقد جاء تعريف الفقه القانوني لعقد العمل على أنه: ( عقد العمل عقد بمقتضاه يلتزم العمال بالعمل لدى صاحب العمل وتحت إشرافه وتوجيهه في مقابل أجر معلوم سواء كان العمل لمدة محددة أو غير محددة ).[2]
ثانيا: عناصر عقد العمل الفردي:
يمكن حصر عناصر عقد العمل الفردي في ثلاثة عناصر تتضمن تبيعة العامل لصاحب العمل، وأجر العامل، وأن يكون العمل خاصا وليس عاما، وهذه العناصر متى توافرت في العقد بين الطرفين أصبح عقد عمل فردي يخضع لقواعد قانون العمل الأردني، وإذا تخلف أحدهم أضحت العلاقة بين الطرفيين لا تخضع لقواعد قانون العمل والتي سوف نوضحها فيما يلي:
العنصر الأول: العمل الخاص:
وعنصر العمل في عقد العمل الفردي المقصود به وكما ورد في (المادة 2) من قانون العمل أن: (العمل: كل جهد فكري أو جسماني يبذله العامل لقاء أجر سواء كان بشكل دائم أو عرضي أو مؤقت أو موسمي)، وهذا التعريف للعمل يعد تعريفا واسعا وشاملا لجميع أنواعه سواء كان عملا جسمانيا أو فكريا وبالتالي فالأعمال التي تعتمد على العقل أو الأعمال المكتبية أو الفندقية أو الحسابية التي لا تندرج تحت الأعمال الجسمانية والتي تعتمد على القوة البدنية هي أعمال تصلح أن تكون محلا في عقد العمل الفردي.
ومن ناحية أخرى فإن المقصود بالعمل يقتصر على العمل الخاص وليس العمل العام إذ تكون تبعية العامل في العمل الخاص إلى رب العامل أو صاحبه فيكون القانون الواجب التطبيق هو قانون العمل بخلاف العمل الذي تكون تبعية الموظف فيه للدولة أو أحد وزراتها وهيئاتها ويطبق على الموظف قانون آخر وهو القانون الإداري والقوانين الخاصة بالعاملين في الدولة، والعمل الخاص يكون لطرفي التعاقد الحق والحرية في مناقشة بنود عقد العمل وشروطه بخلاف العمل العام الذي تكون فيه حرية العامل مقصورة على قبول العمل أو رفضه وبالشروط التي تم إعدادها سلفا وتحديدها في التشريعات القانونية.
كما أن لعقد العمل الفردي الذي يقع تحت اختصاص قانون العمل مزية أخرى عن العمل العام إذ أن اطراف عقد العمل الفردي يكون لهم الحق في تعديل الشروط أو بعض البنود التي احتواها عقد العمل وهو الخيار الغير متوفر في العمل العام وما يستتبع ذلك من حق الدولة في تغيير المركز الوظيفي للعامل بالقطاع العام بالإرادة المنفردة بخلاف العمل الخاص الذي يكون لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين دورا اكبر في مواجهة طرفي العقد.[3]
العنصر الثاني: التبعية:
والمقصود بالتبعية هنا هي التبعية القانونية حيث يكون العامل في خلال فترة العقد يكون خاضعا لإشراف ورقابة وتوجيهات صاحب العمل،[4] ويقصد بالإشراف في هذه الصدد الإشراف الفني الذي يتعلق بالعمل وتفاصيله وطريقة إدارته وكيفية أدائه بشكل يتناسب مع رغبة صاحب العمل، فالتبعية على هذا الأساس هي تبعية العامل لصاحب العمل في كل ما يخص العمل لتحقيق ما يصبو إليه صاحب العمل.
وقد يكون العامل خاضعاً فقط لتبعية رب العمل من الناحية التنظيمية دون الفنية، بحيث يكون لرب العمل فقط الحق في تحديد مواعيد تواجد العامل في مكان العمل وتنظيم طريقة العمل دون التدخل في كيفية أدائه.
وهناك نوع أخر من التبعية وهي التبعية الاقتصادية وفيها يكون العامل تابعاً من الناحية الاقتصادية لرب العمل فقط، والفقه يجمع على الاكتفاء بالتبعية القانونية في جانبها التنظيمي كسبب لانطباق أحكام قانون العمل دون اشتراط التبعية الاقتصادية.
العنصر الثالث: الأجر:
عرفت (المادة 2) من قانون العمل الأجر بأنه: ( كل ما يستحقه العامل لقاء عمله نقدا أو عينا مضافاً إليه سائر الاستحقاقات الأخرى أيا كان نوعها، إذا نص القانون أو عقد العمل أو النظام الداخلي أو استقر التعامل على دفعها باستثناء الأجور المستحقة عن العمل الإضافي). والأجر في عقد العمل بشكل عام وفي عقد العمل الفردي بشكل خاص يُعد عنصرا أساسيا من عناصره لا ينفك عنه ولا يصلح أن تكون العلاقة بين الطرفين علاقة عقد عمل مالم يكن هذا العقد يرتب أثرا مفاده حصول العامل على مقابل مادي مكافئا لما قام به من عمل.
والأصل أن الأجر يكون محددا في عقد العمل لكن إذا أغفل طرفي العقد أو تغافلا عن ذكر الأجر المقابل للعمل، ففي هذه الحالة يتم تطبيق ما نصت عليه (المادة 45) من قانون العمل والتي قررت في حالة عدم تحديد الأجر في عقد العمل أن يأخذ العامل نفس أجر مثيله من العاملين في نفس النوع من العمل وفي نفس الدرجة أو حسب ما يقدره العرف، حيث نصت على: (يحدد مقدار الأجر في العقد، وإذا لم ينص عقد العمل عليه، فيأخذ العامل الأجر المقدر للعمل بنفس النوع إن وجد، وإلا قدر طبقاً للعرف فإذا لم يوجد العرف، تتولى المحكمة تقديره بمقتضى أحكام هذا القانون باعتباره نزاعا عمالياً على الأجر).
ثالثا: ماهية مبدأ سلطان الإرادة:
يقصد بمبدأ سلطان الإدارة حرية أطراف التعاقد في التفاوض والتشاور بغية الوصول إلى صيغة معينة لشروط التعاقد بينهما، وكذلك حريتهما في وضع الشروط والبنود اللازمة في العقد والتزام كل طرف بها، فمبدأ سلطان الإدارة يوفر للشخص الحرية الكاملة في إبرام العقد أو رفضه دون أن يكون لأحد الحق في إجباره على إبرامه رغما عنه، كذلك حرية المتعاقد سواء كان العامل أو رب العمل في وضع الشروط أو رفض بعض الشروط وتحديد مضمون العقد، وبالتالي فإن الإرادة هي التي لها الكلمة الكبرى والفاصلة في تكوين العقد وترتيب آثاره.
ويمكن القول أن هذا الأصل وهو حرية التعاقد إعمالا لمبدأ سلطان الإرادة والقاعدة المستقر عليها أن العقد شريعة المتعاقدين والتي تلزم أطراف العقد بتنفيذ الالتزامات المتقابلة مادام نص عليها العقد ورضاها الطرفيين، قد وردت عليها الكثير من القيود التي تهدف إلى حماية الطرف الأضعف في العلاقة العقدية وهو العامل مثل قيود النظام العام والآداب العامة والتي جعلت إرادة الفرد مكبلة ببعض الشروط وفي بعض الحالات تحقيقا لأهداف أكبر من مصلحة المتعاقدين.
رابعا: دور مبدأ سلطان الإدارة في عقد العمل الفردي:
باستقراء نصوص قانون العمل الأردني بشكل عام نجد أنه قد اعطى لمبدأ سلطان الإدارة الأهمية اللازمة وبالقدر الذي يتناسب مع عقود العمل حيث أعطى لكل شخص الحرية في العمل واختيار العمل الذي يرغب فيه دون إجبار أو إكراه، كما قرر حق صاحب العامل في اختيار العامل الذي يرغب في التعاقد معه وبالشكل والطريقة التي تناسبه دون النظر إلى اعتبارات أخرى كالجنس أو الديانة أو العمر ودون وضع اعتبار لطبيعة العمل والبيئة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة، وهذا ما يؤكد على تقدير قانون العمل الأردني للمبدأ، إلا أن ذلك لا يمنع من أن عقد العمل ذو طبيعة مركبة إذ أنه رغم توافر حد كبير من الحرية لأطرافه في الاختيار إلا أنه وبمجرد تمام عقد العمل يصبح خاضعا لإرادة المشرع ويتحول إلى وسيلة قانونية للعمل في المنشاة أكثر من كونه تعاقد مع صاحب العمل، ويصبح لزاما على أطرافه التقيد بأحكام قانون العمل فإن كان لأطرافه حرية الاختيار في مرحلة ما قبل إبرام العقد إلا أن هذه الحرية تصبح مقيدة بأحكام القانون بمجرد نفاذ عقد العمل.[5]
ويتضح جليا أن قانون العمل رغم احترامه لمبدأ سلطان الإدارة إلا أنه انحاز بشكل واضح وصريح إلى الطرف الأضعف في العقد وهو العامل حفاظا على حقه ومخافة أن يستبد صاحب العمل بما له من سلطة على العامل أو أن يتنازل العامل عن حقوقه مخافة فقدانه للعمل وحتى يتم تحقيق التضامن الاجتماعي بين الأفراد وما ينتج عنه تحقيق المصلحة العامة حتى لو بشكل غير مباشر.[6]
ومما يشير إلى ذلك بشكل واضح ما قررته (المادة 4) في فقرتها الثانية من قانون العمل الأردني من بطلان أي اتفاق بين صاحب العمل والعامل يكون فيه تقليل من حقوق العامل، حيث نصت على: (يعتبر باطلا كل شرط في عقد أو اتفاق سواء أبرم قبل هذا القانون أو بعده يتنازل بموجبه أي عامل عن أي حق من الحقوق التي يمنحها إياه هذا القانون)، وهو أحد القيود الواردة على مبدأ سلطان الإرادة والتي سيتم تناولها فيما يلي.
خامسا: القيود الواردة على سلطان الإرادة في عقد العمل الفردي:
كما ذكرنا آنفا رغم احترام قانون العمل لمبدأ سلطان الإرادة وحرية المتعاقدين في وضع الشروط الخاصة بالتعاقد بينهم وما يقرره المبدأ من حرية صاحب العمل في اختيار العامل الذي يريده دون اعتبارات اجتماعية أو شخصية أو اقتصادية إعمالا للمبدأ وترسيخا لحرية تصرفات الأفراد، إلا أن مبدأ سلطان الإدارة قد يواجه في بعض الحالات وبعض الأحيان قيودا لا يجوز التغاضي عنها ومنها ما يقرره القانون من أحكام تكون في ظاهرها مخالفة لإرادة أحد أطراف العقد ومقيدة لها وهذه القيود في مجال عقد العمل الفردي متعددة ويغلب عليها هدف تحقيق المصلحة العامة أو مصلحة العامل باعتبارهما مقدمتان على مصلحة صاحب العمل، فالمصلحة العامة مقدمة على كل مصلحة كونها لا تتعلق بفرد بل تتعلق بمصلحة الوطن بأكمله وبالتالي فينصاع الجميع ويعمل على النهج الذي يحققها، وتأتي تاليها مصلحة العامل فهو في العقد الطرف الأضعف والأجدر بالحماية خاصة وأن ترك الحرية كاملة دون قيود للمتعاقدين قد يجعل العامل يتنازل أمام إرادة صاحب العمل الغاشمة حفاظا على مصدر رزقه، وهو ما وعى له المشرع الأردني وقرر فرض بعض القيود على سلطان الإرادة حفاظا على مصلحة العامل وسوف نورد القيود الواردة على مبدأ سلطان الإرادة في عقد العمل الفردي على النحو التالي:
1- القيود المتعلقة بالمصلحة العامة:
وهي قيود على المبدأ قررها القانون بغية تحقيق المصلحة العامة للدولة بغض النظر عن مصلحة الأفراد وهو حق أصيل للدولة حفاظا على التوازن الاجتماعي داخل الدولة.
أ- القيد المتعلق بتشغيل غير المواطنين:
ومن أهم هذه القيود الواردة على مبدأ سلطان الإدارة القيد المتعلق بتشغيل غير المواطنين وإبرام عقود عمل معهم وهذا القيد قصد منه المشرع تقليل العمالة الأجنبية داخل الدولة، و لإعطاء الفرصة الأكبر للعمالة المحلية خاصة مع لجوء أرباب الأعمال إلى التعاقد مع الأجانب لضعف الأجور التي يتحصلون عليها ما يؤثر على العمالة الوطنية ويرفع نسب البطالة الأمر الذي يشكل خطرا على الأمن والسلم الاجتماعي داخل الدولة، وقد نصت (المادة 12) الفقرة أ، ب، ج من قانون العمل الأردني على أن:أ (لا يجوز استخدام أي عامل غير أردني إلا بموافقة الوزير أو من يفوضه شريطة أن يتطلب العمل خبرة وكفاءة غير متوفرة لدى العمال الأردنيين، أو كان العدد المتوفر منهم لا يفي بالحاجة وللوزير إصدار أي تعليمات يراها لازمة لتنظيم استخدام واستقدام العمال غير الأردنيين لغايات هذه المادة، ويجب أن يحصل العامل غير الأردني على تصريح عمل من الوزير أو من يفوضه قبل استقدامه أو استخدامه ولا يجوز أن تزيد مدة التصريح على سنة واحدة قابلة للتجديد وتحتسب مدته عند التجديد من تاريخ انتهاء مدة أخر تصريح عمل حصل عليه، وتستوفي الوزارة من صاحب العمل رسماً مقابل تصريح العمل الذي تصدره لكل عامل غير أردني أو تجدده بما في ذلك العمال الخاضعين لأحكام الفقرة (ب) من المادة (3) من هذا القانون ويعتبر هذا الرسم إيرادا للخزينة ويحدد مقداره بموجب نظام الصادر لهذه الغاية…..).
والناظر في هذا النص يجد أن المشرع الأردني قد فرض قيدا على مبدأ سلطان الإدارة المقرر لصاحب العمل منعه من اختيار عمال أجانب باراته المنفردة، وتعليق صحة عقد العمل الفردي مع الأجنبي على موافقة الوزير أو من يفوضه وبالتالي أصبحت إرادته منقوصة ولا تكفي وحدها لأبرام العقد، ورغم هذا القيد والحظر الذي قرره المشرع في قانون العمل إلا أنه استثنى من ذلك جواز التعاقد مع العامل الأجنبي إذا كان العمل الذي يقوم بأدائه يحتاج إلى خبرة وكفاءة وهذه الخبرة غير متوفرة في أحد المواطنين أو كان عدد أصحاب الخبرة في هذا العمل قليل للدرجة التي لا تمكنهم من الوفاء بمتطلبات كل أرباب العمل وسد احتياجات سوق العمل.
ب- القيد المتعلق بعدد ساعات العمل:
ومن القيود الواردة على مبدأ سلطان الإدارة للمتعاقدين هو ما قرره القانون من تحديد لعدد ساعات العمل بعدد محدد لا يجوز الزيادة عنه إلا في الحالات التي قررها القانون، و هذا الحظر هو أحد القيود التي تكبل المبدأ فلا يجوز لأطراف العقد الاتفاق على أن يكون وقت العمل اكثر من الوقت المقرر قانونا إلا إذا كان في احدى الحالات المنصوص عليه في القانون، وبالتالي لا يجوز لأطراف العقد التذرع بحقهم في الاتفاق على الشروط التي يرغبون فيها إعمالا لمبدأ سلطان الإدارة إذ الرد عليهم يكون بأن المبدأ قد ترد عليه بعض القيود التي تكبله خاصة إذا كانت القيود الواردة نص عليها القانون هو هنا قانون العمل الأردني، والمشرع بوضعه لقيد تحديد ساعات إنما قصد بذلك تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية التي تحتاجها المصلحة العامة، والمتمثلة في أن في عمل العامل لأكثر من الساعات المقررة قانونا دون سبب من الأسباب التي نص عليها القانون فيه حمل وجهد زائد على العامل يؤدي غالبا إلى الإضرار بالعامل في صحته وتركيزه والذي يؤثر وبشكل واضح على إنتاجية العامل وسلامته الشخصية من الأمراض.
وقد نصت (المادة 56) من قانون العمل الأردني على أن:
- لا يجوز تشغيل العامل أكثر من ثماني ساعات يوميا أو ثمان وأربعين ساعة في الأسبوع إلا في الحالات المنصوص عليها في هذا القانون ولا يحسب منها الوقت المخصص لتناول الطعام والراحة.
- يجوز توزيع الحد الأعلى لساعات العمل الأسبوعية وفترات الراحة بحيث لا يزيد مجموعها على احدى عشرة ساعة في اليوم).
ورغم ذلك الحظر إلا أن المشرع قد أجاز وفي بعض الحالات تشغيل العامل عدد ساعات يزيد عن الحد الأقصى المقرر قانونا، وذلك لتحقيق أهداف وأغراض معينة وفي مقابل أجر مناسب حيث جاء نص (المادة 57) من قانون العمل ليحدد بعض الحالات التي يجوز فيها زيادة عدد ساعات العمل عن الحد المقرر قانونا، حيث نصت على: (يجوز لصاحب العمل تشغيل العامل أكثر من ساعات العمل اليومية أو الأسبوعية وذلك في أي من الحالات التالية على أن يتقاضى العامل في أي من هذه الحالات الأجر الإضافي المنصوص عليه في هذا القانون:
- القيام بأعمال الجرد السنوي للمؤسسة وإعداد الميزانية والحسابات والاستعداد للبيع بأثمان مخفضة بشرط ألا يزيد عدد الأيام التي تنطبق عليها أحكام هذه الفقرة على ثلاثين يوما في السنة وألا تزيد ساعات العمل الفعلية على عشر ساعات في كل يوم منها.
-
من أجل تلافي وقوع خسارة في البضائع أو أي مادة أخرى تتعرض للتلف أو لتجنب مخاطر عمل فني أو من أجل تسلم مواد معينه أو تسليمها أو نقلها بشرط ألا يزيد عدد الأيام التي تنطبق عليها أحكام هذه الفقرة على ثلاثين يوما في السنة الواحدة.).
وكذلك ما قضت به (المادة 59) من ذات القانون من جواز تشغيل العامل ساعات عمل إضافية عن المقررة قانونا وذلك بشرط موافقة العامل على أداء العمل الإضافي إلى جانب حصوله على أجرا إضافيا لا تقل نسبته عن 125% من الأجر الذي يتحصل عليه في المعتاد وقد جاء نصها:
- يجوز تشغيل العامل بموافقته أكثر من ساعات العمل اليومية أو الأسبوعية على أن يتقاضى العامل عن ساعة العمل الإضافية أجرا لا يقل عن 125% من أجره المعتاد.
إذا اشتغل العامل في يوم عطلته الأسبوعية أو أيام الأعياد الدينية أو العطل الرسمية يتقاضى لقاء عمله عن ذلك اليوم أجرا إضافيا عن (150%) من أجره المعتاد).
ورغم ذلك فقد أورد المشرع قيدا على حالات جواز عمل العامل لوقتا إضافيا سواء الإجبارية والمنصوص عليها في (المادة 57) أو الاختيارية المنصوص عليها في (المادة 59) وجعل الأمر خارجا عن إرادة المتعاقدين وإرادة صاحب العمل بحيث لا يجوز تشغيل العامل عملا إضافيا حتى لو أبدى موافقته إذا كان هذا العمل تتطلب طبيعته السفر أو التنقل داخل الدولة أو خارجها وكذلك الذي يتولون الإشراف العام على المؤسسة وإدارتها وفقا لمقررته (المادة 58) من ذات القانون.
2- القيود المتعلقة بالاعتبارات الإنسانية والاجتماعية للعامل:
فرض قانون العمل بعض القيود على مبدأ سلطان الإدارة للمتعاقدين لاعتبارات إنسانية واجتماعية وهذه القيود منها ما هو مفروض على العامل والأخرى على صاحب العمل وسوف نتحدث عن تلك القيود على التفصيل الآتي:
أ- القيود المتعلقة بالأحداث:
حيث قرر قانون العمل الأردني فرض حظرا على عمل الحدث قبل بلوغه سن محدد حيث نصت (المادة 73) من قانون العمل الأردني على: (مع مراعاة الأحكام المتعلقة بالتدريب المهني، لا يجوز بأي حال تشغيل الحدث الذي لم يكمل السادسة عشرة من عمره بأي صورة من الصور).
وقد قرر المشرع منع الأحداث من العمل في هذا السن لاعتبارات اجتماعية وصحية وأخلاقية إذ رأى أن هذا العمر فأقل ليس مناسبا لانخراط الحدث في البيئة العملية وبالتالي فلم يجعل للحدث أو لرب العمل حرية أو إرادة في إبرام عقد العمل في هذه الحالة، ليكون هذا الحظر أحد القيود الواردة على مبدأ سلطان الإدارة، ولم تتوقف قيود المشرع المقررة لصالح الحدث عند مجرد منع التعاقد معه أو تشغيله قبل سن السادسة عشر بل امتدت لفرض الحماية القانونية للحدث الذي بلغ الثامنة عشرة عاما، وانضم إلى أحد برامج التدريب المهني بحيث يجيب أن توفر إدارة العمل في عقد التدريب الذي يبرمه عدة شروط منها:
- تحديد مدة العقد ومراحل التدريب والأجر الذي يحصل عليه المتدرب ويشترط في الأجر ألا يقل عن الحد الأدنى للأجور.
- عدم جواز تحديد طبيعة العمل بالإنتاج أو بالقطعة والغاية من ذلك حماية الحدث من الإرهاق الجسدي أو الذهني الذي قد يكون فوق طاقته.
- كما حظر القانون عمل الحدث في أوقات معينة من اليوم وهي من الثامنة مساء حتى السادسة صباحا وحظر عمله لمدة تزيد عن 6 ساعات في اليوم الواحد.
- كما حظر عمل الحدث في أيام الأعياد والإجازات والعطلات الرسمية.
- ومنع تشغيل الحدث في الأعمال الخطرة.
ويتضح من هذه القيود الواردة على عقد تدريب الحدث تدخل إرادة المشرع لحماية الحدث وجعلها قيدا لإرادة أطراف عقد العمل الفردي بحيث لا يجوز مخالفتها بدعوى إعمال مبدأ سلطان الإدارة أو قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.
ب – القيود الخاصة بتشغيل النساء:
لم يفرق المشرع الأردني في قانون العمل بين الذكر والأنثى في حق العمل وحرية التعاقد وإبرام عقود العمل من حيث الأصل، إلا أن قانون العمل قد أورد قيودا على الأعمال التي يجوز للنساء العمل بها وجعل الحق لوزير العمل في تحديد الأعمال التي لا يجوز للنساء العمل بها كونها تشكل خطرا عليهن ولا تتفق مع طبيعتهن، وبالتالي فلا يجوز للمرأة أن تبرم عقدا من عقود العمل يكون من ضمن الأعمال المحظور عليها القيام بها وكذلك لا يجوز لصاحب العمل التعاقد مع العاملة إذا كان العمل من الأعمال التي صدر قرار وزاري بمنع عمل النساء فيها، ورغم أن ذلك الحظر هو إهدار أو تكبيل لمبدأ سلطان الإدارة إلا أن المشرع أراد حماية المرأة وتمكينها من العمل في أعمال تتناسب وطبيعتها، ومن ناحية أخرى فقد امتد القيد على عمل النساء في أوقات معينة بذاتها وحظر عملهم في أوقات معينة حيث نصت (المادة 69) من قانون العمل على أن: ( يحدد بقرار من الوزير بعد استطلاع رأي الجهات الرسمية المختصة الآتي:“أ- الصناعات والأعمال التي تحظر تشغيل النساء فيها؛ ب- الأوقات التي لا يجوز تشغيل النساء فيها والحالات المستثناة )، وعلى ذلك فأي اتفاق بين رب العمل والمرأة العاملة يخالف ما قرره قانون العمل من ضوابط لعمل المرأة يضحى باطلا ولا يمكن الالتزام به:.
ج- القيد الخاص بصحة العامل ولياقته:
وهذا القيد لم يجعل من إرادة المتعاقدين وحدها كافية لإبرام عقد العمل بل رأى المشرع أنه وفي بعض الأعمال يجب قبل إبرام التعاقد التأكد من سلامة العامل ولياقته الصحية لأداء العمل، ورغم أن هذا القيد يُخالف ما يفرضه مبدأ سلطان الإدارة وقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، إلا أن المشرع أراد به توفير كامل الحماية للعامل والتأكد من استطاعته ولياقته الصحية لأداء العمل دون أن يلحق به ضررا صحيا، وقد ورد هذا القيد في (المادة 83) من قانون العمل الأردني حيث نصت على: ( للوزير بعد استطلاع أراء الجهات المعنية أن يصدر تعليمات يحدد بموجبها كل عمل لا يجوز تشغيل أي شخص فيه قبل إجراء الفحص الطبي عليه للتأكد من لياقته الصحية للقيام بذلك العمل وتنشر التعليمات التي تصدر بمقتضى هذه المادة في صحيفتين محليتين يوميتين وفي الجريدة الرسمية ).
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] عبد الودود يحي، (1989م)، شرح قانون العمل، دار النهضة العربية، القاهرة، ط3، ص60،59
[2] بشير الهدفي، (2003م)، الوسيط في شرح قانون العمل وعلاقات العمل الفردية والجماعية، دار ريحانة للكتاب، ط2، ص56.
[3] محمد رياض دغمان، النظام العام لعلاقات العمل (دراسة مقارنة)، 2015، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط1، بيروت، ص185
[4] منصور، محمد حسين منصور، قانون العمل، 2010، منشورات الحلبي الحقوقية، ط1، ص89.
[5] محمد الخطيب عرفان، الحرية التعاقدية في تشريع العمل”، مجلة الشريعة والقانون، ص65.
[6] أمجد محمد منصور، النظرية العامة للالتزامات، مصادر الالتزام، (2007م)، دار الثقافة، عمان، ص3.

