حجية الحكم المدني أمام المحكمة الجزائية

حجية الحكم المدني أمام المحكمة الجزائية

إن المحاكم القضائية النظامية منها ما هو جزائي ومنها ما هو مدني، فترفع الدعوى المدنية لدى المحاكم المدنية وترفع الدعوى الجزائية لدى المحاكم الجزائية، وهذا هو الأصل في رفع الدعاوى القضائية، إلا أن المشرع أجاز للمدعي المدني أن يضم دعواه المدنية إلى الدعوى الجزائية، لتصبح المحكمة الجزائية مختصة بالفصل بالشق المدني والجزائي معاً في حكم واحد، إلا أن الحق في هذه الإجازة غير مطلق، بل هو مقيد بقيود معينة يفرضها مبدأ تبعية الدعوى المدنية للدعوى الجزائية الناشئة عن ارتكاب جريمة، فللمدعي المدني الخيار بين رفع دعواه أمام المحكمة المدنية أو المحكمة الجزائية، فإذا اختار مباشرة دعواه أمام المحكمة المدنية فما هو تأثير الحكم الصادر من المحكمة المدنية على دعوى الحق العام، سنداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961 وتعديلاته.

ولمعرفة حجية الحكم المدني أمام المحكمة الجزائية لا بد من أن نتناول الحديث الأحكام والنصوص القانونية التي أجاز بها المشرع للمدعي المدني بالخيار بين رفع دعواه أمام المحكمة المدنية أو الجزائية، والعلة من هذه الإجازة، ومباشرة الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية وحجية الحكم الصادر عنها أمام المحكمة الجزائية على النحو التالي:

جدول المحتويات

المقصود بحق المدعي المدني باللجوء إلى القضاء الجزائي

القيود على حق المدعي المدني باللجوء إلى القضاء الجزائي

مباشرة الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية

حجية الحكم المدني أمام المحكمة الجزائية

حجية الحكم المدني فيما يتعلق بالمسائل المدنية أمام المحكمة الجزائية

المقصود بحق المدعي المدني باللجوء إلى القضاء الجزائي

هو حق ينشأ للشخص الذي يلحق به ضرر شخصي نتيجة لوقوع جريمة، فينشأ له الحق في المطالبة بالتعويض، وله الخيار بأن يرفع دعواه أمام المحكمة المدنية أو المحكمة الجزائية، مطالباً بتعويض وجبر الضرر الذي أصابه.

القيود على حق المدعي المدني باللجوء إلى القضاء الجزائي

كما سبق وأن ذكرنا أن للمدعي المدني الحق بالخيار بين رفع دعواه أمام المحكمة المدنية أو المحكمة الجزائية وذلك في حال كانت الدعوى المدنية تابعة للدعوى الجزائية، وذكرنا أن المدعي المدني مقيداً باللجوء إلى هذا الحق وهذه القيود هي:

1_ مبدأ تبعية الدعوى المدنية للدعوى الجزائية الناشئة عن ارتكاب الجريمة، فحتى يتمكن المدعي المدني من رفع دعواه أمام المحكمة الجزائية، فلا بد أن تكون هناك دعوى جزائية مرفوعة أمام المحكمة الجزائية بشأن الجريمة التي وقعت ونشأ عنها حق المدعي المدني.

هل يجوز رفع الدعوى المدنية بشكل مستقل أمام المحكمة الجزائية؟

لا تقبل الدعوى المدنية مستقلة بذاتها أمام المحاكم الجزائية بدون الدعوى الجزائية [1]، فلو فرضنا أن المشرع قد أجاز ذلك لما كانت هناك حاجة لتوزيع الاختصاص القضائي بين المحاكم.

متى تخرج الدعوى المدنية من اختصاص المحكمة الجزائية على الرغم من توافر مبدأ التبعية؟

في حال قبول المحكمة المدنية للدعوى الجزائية، ثم قضت المحكمة الجزائية بعدم اختصاصها بنظر في الدعوى، فلا يجوز لها بعد ذلك، وبعد أن حكمت بعدم اختصاصها أن تفصل في طلبات المدعي بالحق الشخصي، لأنها تكون عندئذ قد نظرت في الدعوى المدنية دون أن تكون الدعوى الجزائية قائمة [2].

2_ اختصاص المحكمة الجزائية، فإذا كان الاختصاص في الدعوى الجزائية منعقداً لمحكمة خاصة، فلا يجوز للمدعي المدني إلا الالتجاء إلى القضاء المدني، لأن اختصاص المحاكم الخاصة هو اختصاص استثنائي، فلا تملك هذه المحاكم النظر في الدعوى المدنية الناشئة عن الجريمة إلا إذا خولها المشرع ذلك بنص صريح [3].

3_ حق المدعي المتضرر في الاختيار بين سلوك طريق القضاء المدني أو طريق القضاء الجزائي، ولك طريق تبعات تختلف عن الأخر بخصوص حجية الحكم الصادر عنه، وهذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال من خلال التطرق إلى مباشرة الدعوى المدنية أمام كل من المحكمة المدنية أو الجزائية.

حدود خيارات المدعي المدني بين المحكمة المدنية والمحكمة الجزائية

إن كان المشرع قد أتاح للمدعي المدني المتضرر من جراء وقوع جريمة جزائية بالخيار بأن يرفع دعواه أمام محكمة مدنية أو محكمة جزائية إلا أنه قيده بعدد من القيود التي سبق وأن تحدثنا عنها، كما أنه وضع حدود لحق المضرور في الخيار بين الطريقين الجزائي والمدني، وهذه الحدود نص عليها المشرع الأردني في المادة 6 من قانون أصول المحاكمات الجزائية في كل من الفقرة الثانية والثالثة منها، حيث جاء بنص المادة 6 ما يلي:

  1. إذا أقام المدعي الشخصي دعواه لدى القضاء المدني فلا يسوغ له العدول عنها وإقامتها لدى المرجع الجزائي.
  2. ولكن إذا أقامت النيابة العامة دعوى الحق العام جاز للمدعي الشخصي نقل دعواه الى المحكمة الجزائية ما لم يكن القضاء المدني قد فصل فيها بحكم في الأساس أو ما لم تكن المحكمة الجزائية قد فرغت من سماع شهود النيابة العامة.

عند النظر في الفقرة الثانية من المادة 6 نجد أن المشرع قد نص على عدم جواز عدول المدعي المدني الذي رفع دعواه أمام المحكمة المدنية ليعود ورفعها من جديد أمام القضاء الجزائي، فاختياره برفع دعواه أمام القضاء المدني، فيكون بذلك قد أسقط حقه في الخيار ولا يجوز له اللجوء للقضاء الجزائي.

وعند النظر في الفقرة الثالثة من ذات المادة نجد أن المشرع قد نص على جواز ضم الدعوى المدنية للدعوى الجزائية أمام المحكمة الجزائية بشرط ألا يكون القضاء المدني قد فصل فيها بحكم في الأساس.

وعليه لتوفيق بين التناقض الحاصل في المعنى الظاهر من النصوص السابقة لا بد من الوقوف على المعنى الذي قصده المشرع في هذه النصوص وتفسيرها من حيث:

رفع المدعي دعواه أمام المحكمة الجزائية

وهو أن الأصل هو أن ترفع الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية صاحبة الاختصاص الأصيل في نظر الدعاوى المدنية، وعليه إذا رفع المدعي المدني دعواه ابتداءً لدى القضاء الجزائي يجوز له نقل دعواه إلى المحكمة المدنية ولا يجوز حرمانه من ذلك لكون المحكمة المدنية هي المختصة أصلا بنظر الدعوى، ولكن يشترط ألا تكون المحكمة الجزائية قد فصلت في الدعوى المدنية تبعاً للدعوى الجزائية، وأصدرت حكمها في الدعويين معاً.

رفع المدعي دعواه أمام المحكمة المدنية

الأصل أن ترفع الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية وباختيار المدعي هذا الطريق الذي يعد الطريق الطبيعي والأصل للدعاوى المدنية فلا يجوز له بعد ذلك العدول عن هذا الطريق، إلا أن هذه القاعدة يرد عليها استثناء وحيد، وهو أنه يجوز للمدعي بالحق الشخصي أن ينقل دعواه المدنية من أمام المحاكم المدنية ويقيمها لدى القضاء الجزائي إذا كانت الدعوى الجزائية لم يكن قد تم تحركيها ، عند رفع المدعي المدني دعواه أمام المحكمة المدنية، ثم بعد ذلك قامت النيابة العامة برفع الدعوى الجزائية جاز له عندئذ أن ينقل دعواه أمام المرجع الجزائي، شريطة أن لا تكون المحكمة المدنية قد أصدرت حكمها في موضوع الدعوى، وفصلت فيه[4] .

مباشرة الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية

قد يختار المدعي المدني المتضرر من جراء وقوع جريمة ما اللجوء إلى الطريق الطبيعي والأصل في التقاضي وهو رفع دعواه أمام المحاكم المدنية، ذلك أن موضوع الدعوى المدنية الناشئة عن جريمة ما ينحصر بمطالبة المدعي بالتعويض عن الضرر الناشئ عند الجريمة والذي أصابه.

متى يلجأ المدعي لرفع دعواه المدنية والتي موضوعها المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جريمة جزائية أمام المحكمة المدنية؟

في حال اختار سلوك هذا الطريق أو أجبر على اختياره نتيجة لعدم إمكانية اللجوء للقضاء الجزائي أو لأنه ترك دعواه أمام القضاء الجزائي ورفعها أمام المحكمة المدنية.

ما هو القانون الواجب التطبيق في إجراءات التقاضي أمام المحاكم المدنية؟

قانون أصول المحاكمات المدنية.

ما هو مدى العلاقة بين الدعوى المدنية الناشئة عن الدعوى الجزائية؟

هناك علاقة بين الدعوى الجزائية والدعوى مدنية لأن المنشأ واحد وهو الجريمة، فإن العلاقة تبقى قائمة بين الدعويين ضمن حدود معينة، وتتمثل هذه العلاقة في التأثير المتبادل الذي يحدثه الحكم الصادر في إحدى الدعويين على الدعوى الأخرى [5].

حجية الحكم المدني أمام المحكمة الجزائية

عند الحديث عن حجية الحكم المدني أمام المحكمة الجزائية، فنحن نقصد مدى تأثير الحكم الصادر من المحكمة المدنية على دعوى الحق العام، أي مدى قوة تأثير الحكم الصادر في دعوى الحق الشخصي على دعوى الحق العام، وقد أجاب المشرع الأردني على هذا السؤال بنص المادة 333 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني حيث جاء فيها:

لا تكون للأحكام الصادرة عن المحاكم المدنية قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم الجزائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها الى فاعلها.

فليس للحكم المدني أي حجة أو قوة قانونية أمام المحكمة الجزائية وذلك فيما يخص وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها، وذلك لأن موضوع الدعوى المدنية ينحصر بالمطالبة بالتعويض فقط وليس من اختصاص المحكمة المدنية الفصل في موضوع وقوع الجريمة ومدى نسبتها إلى فاعلها.

فتظل المحكمة الجزائية وهي تنظر دعوى الحق العام، حرة في تكوين عقيدتها، دون أن تتقيد بالحكم الصادر عن المحكمة المدنية [6]، فالقاضي الجزائي هو وحده من ينظر دعوى الحق العام، وهو حر في تكوين عقيدته، وله سلطة واسعة في الإثبات بما يكفل لها اكتشاف الحقيقة كي لا يعاقب بريء أو يفلت مجرم من العقاب، فللمحكمة الجزائية الحكم في الدعوى حسب اقتناعها.

هل توقف الدعوى المدنية الدعوى الجزائية؟

إن الحكم الصادر من المحكمة المدنية بشأن التعويض ليس له قوة أمام المحكمة الجزائية كما سبق وأن ذكرنا ذلك، ولذلك لا يجوز للدعوى المدنية أن توقف الفصل في الدعوى الجزائية، لكن العكس صحيح، والقاضي الجنائي غير مقيد بما يصدره القاضي المدني من أحكام.

مثال على عدم قوة الحكم المدني أمام المحكمة الجزائية

إذا طعن أحد الخصوم أمام المحكمة المدنية بتزوير ورقة فأصدرت حكمها ببطلانها، فإن ذلك لا يصادر سلطة المحكمة الجزائية الناظرة في دعوى التزوير في أن تقرر صحة هذه الورقة وبراءة المدعى عليه، كما أن حكم المحكمة المدنية الذي ذهب إلى اعتبار الورقة صحيحة لا يمنع المحكمة الجزائية من القول بقيام التزوير وفرض العقوبة على المدعى عليه [7].

حجية الحكم المدني فيما يتعلق بالمسائل المدنية أمام المحكمة الجزائية

عند النظر في نص المادة 333 نجد أن المشرع كان صريحاً عندما نص على أن الحكم المدني لا قوة له فيما يتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها ، وهذا التحديد منطقي فالمحكمة المدنية غير مختصة أصلا في هذه الأمور، إلا أن المحكمة المدنية مختصة أصلاً بالفصل في المسائل المدنية وبتالي للأحكام الصادرة في المسائل المدنية حجة قاطعة أمام المحكمة الجزائية، فالمحكمة المدنية إذا سبق له وأن فصلت في مسألة مدنية بحكم نهائي وأثير هذا الحكم أمام المحكمة الجزائية فيكون هذا الحكم حجة أمام المحكمة الجزائية في المسألة التي فصل بها .

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] الأستاذ علي زكي العرابي، المبادئ الأساسية للإجراءات الجنائية، مطبعة دار التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1915، ص 199.

[2] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 339.

[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 338.

[4] محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 342.

[5] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان،

[6] د. رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1980، ص 346.

[7] د. حسن جوحدار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، الطبعة الأولى، 1993، ص 189.

Scroll to Top