حجية الحكم الجزائي

حجية الحكم الجزائي

إن الأحكام القضائية تتمتع بالقوة في الإثبات بحيث لا يمكن الطعن بها أو مخالفتها، ولا تكتسب هذه الأحكام القوة المطلقة إلا باكتسابها الدرجة القطعية، فالحكم القضائي حجةً بما ورد فيه من الحقوق، والأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى  لها  حجيه مؤقتة نظراً لإمكانية الطعن فيها بالاستئناف فإذا تأييد الحكم اكتسب حجية مطلقة في الإثبات وذلك في حال كان غير قابل للطعن فيه مرة أخرى، وسنتحدث في هذا المقال عن حجية الحكم الجزائي، سنداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961 وتعديلاته.

جدول المحتويات

المقصود بالحكم الجزائي

شروط اكتساب الحكم الجزائي حجته أمام المحاكم المدنية

السند القانوني لحجية الحكم الجزائي

نتيجة الحكم الجزائي ومدى أثرها على الحجية الحكم الجزائي

حجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية

نطاق حجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية

وقف الدعوى المدنية نتيجة لإقامة الدعوى الجزائية

 

المقصود بالحكم الجزائي

هو القرار الذي يصدر عن قاضي أو هيئة قضاة المحكمة الجزائية والذي يفصل في النزاع بين أطراف الدعوى (المشتكي والمشتكى عليه)، وهذا الحكم قد يقضي بالبراءة أو الإدانة أو عدم المسؤولية، فغاية الدعوى هي الوصول إلى حكم حاسم لها وفيه من القوة اللازمة لإنهاء الخصومة، ثم تنفيذ ما يقضي به، لوضع حد للنزاع [1].

اكتساب الحكم القضائي لحجته في الإثبات

إن الحكم القضائي يكتسب حجته ابتداءً من صدور الحكم والتوقيع عليه من هيئة المحكمة، وإيداعه لدى قلم المحكمة، وبذلك يخرج الحكم بعد النطق به من سلطة المحكمة، ويصبح الحكم حقاً للخصوم، فلا يجوز تعديله إلا بناءً على الطعن فيه بالطرق القانونية.

مراحل اكتساب الحكم الجزائي لحجيته

كما سبق وأن ذكرنا أن الأحكام القضائية بصفة عامة لا تكتسب حجية مطلقة بمجرد صدور حكم فيها من محكمة الدرجة الأولى، فالقانون منح الخصوم الحق في الطعن بالأحكام القضائية وفقاً للقواعد المقررة في القوانين، وهذا يؤكد حرص المشرع على أن تكون الأحكام القضائية عادلة بحيث أتاح النظر في الدعوى من جديد فيما يتعلق بأسباب الطعن التي تقدم بها الخصوم أو أحدهم، والسبب الأخر الذي يكمن وراء حرص المشرع على تقرير طرق الطعن العادية وغير العادية هو أن الحكم بعد استنفاذه طرق الطعن يصبح ذات حجية مطلقة لا يمكن الطعن به.

وعليه فإن حجية الأحكام القضائية التي يمكن الطعن فيها تكون موقتة عند صدورها من محكمة الدرجة الأولى، وتكتسب الحجة المطلقة في الإثبات بما ورد فيها عند استنفاذ وسائل الطعن التي منحها القانون للخصوم والتي يقبل الحكم الطعن بها.

شروط اكتساب الحكم الجزائي حجته أمام المحاكم المدنية

1_ أن يكون الحكم فاصلاً في موضوع الدعوى ونهائياً.

2_ أن يكون الحكم الجزائي باتاً، أي لا يمكن الطعن فيه، فالحكم الجزائي الذي يقبل الطعن ولم يكتسب الدرجة القطعية معرض للإلغاء.

3_ ألا يكون قد تم الفصل في الدعوى المدنية بحكم بات، لأن الدعوى المدنية تكون بهذا الحكم البات قد خرجت من ولاية المحكمة المدنية، ويكون لهذا الحكم حجية، ولو تناقض مع الحكم البات الصادر بعد ذلك عن المحكمة الجزائية[2] .

السند القانوني لحجية الحكم الجزائي

نص المادة 332 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والذي جاء فيه:

يكون للحكم الجزائي الصادر من المحكمة الجزائية في موضوع الدعوى الجزائية بالبراءة، أو عدم المسؤولية، أو بالإسقاط، أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً وذلك فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها الى فاعلها. ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة. ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون.

أين تكمن حجية الحكم الجزائي؟

تكمن حجية الحكم الجزائي بما ورد فيه فيما يتعلق بموضوع الدعوى الجزائية وذلك فيما يخص وقوع الجريمة ووصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها، فكما هو معروف أن اختصاص المحاكم الجزائية على اختلاف أنواعها ودرجاتها يتعلق بالجرائم بمدى وقوعها ونسبتها إلى المشتكى عليه.

نتيجة الحكم الجزائي ومدى أثرها على الحجية الحكم الجزائي

إن الحكم الجزائي متى ما اكتسب الدرجة القطعية اكتسب معها حجيته المطلقة بما ورد في أي قوة الشيء المحكوم فيه وبغض النظر عن الحكم، فالحكم الجزائي يقضي إما بالبراءة أو عدم المسؤولية أو الإدانة أو بالإسقاط.

حجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية

الحكم الجزائي القطعي له قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية وذلك بالنسبة للقضايا التي لا تزال منظورة من القضاء المدني والتي لم يصدر فيها بعد حكم نهائي،  وحجية الحكم الجزائي تتعلق بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها، فإذا أصدرت المحكمة الجزائية حكم بإدانة المتهم وكانت الدعوى المدنية الناشئة عن الدعوى الجزائية منظورة أمام المحكمة المدنية فيتوجب على القضاء المدني الحكم بالتعويض نتيجة لصدور حكم جزائي بإدانة المتهم عن الجرم الذي رفعت دعوى المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق المدعي من جراء وقوع هذا الجرم.

نطاق حجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية

لا تقتصر حجية الحكم الجزائي أمام القضاء المدني على الدعاوى المدنية بالمعنى الضيق، أي دعاوى التعويض عن الضرر الناشئ عن الجريمة، وإنما يشمل كذلك جميع الدعاوى المدنية ذات الغايات المدنية، كدعوى الطلاق المترتبة على جريمة الزنا، ودعوى حرمان الوارث من الإرث في جريمة قتل المورث، كما أن نطاق حجية الحكم الجزائي يشمل المجني عليه والمسؤول بالمال [3].

تجرد الحكم الجزائي من حجيته أمام القضاء المدني

يتجرد الحكم الجزائي من حجيته أمام القضاء المدني، عند تقرير الحكم الجزئي عدم مسؤولية المشتكى عليه بناءً على أن الفعل المنسوب إليه لا يعاقب عليه القانون، فللقاضي المدني في هذه الحالة وعلى الرغم من صدور الحكم الجزائي بعدم مسؤولية المشتكى عليه لان الفعل غير معاقب عليه في القانون أن يقضي بالتعويض، استناداً إلى أن الفعل يبقى فعل ضار ونشأ عنه ضرر يستوجب التعويض متى ما قامت علاقة السببية بين الفعل الضار والضرر.

متى تنشئ حجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية؟

إذا أقيمت دعوى الحق الشخصي أمام المحكمة المدنية، فإن على هذه المحكمة أن تنزل على حكم المحكمة الجزائية فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها [4].

سبب جعل حجية للحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية

نظراً لوجود نقاط نزاع مشتركة بين الدعويين الجزائية والمدنية، فالدعوى المدنية يطالب بها المدعي بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء وقوع الجريمة موضوع الدعوى الجزائية.

فكلتا الدعويين يجمعهما مصدر واحد وهو الجريمة، ومظاهر هذا التأثير تتضح من خلال قاعدة حجية الحكم الصادر في الدعوى الجزائية إزاء المحكمة المدنية، وقاعدة أنه يجب وقف الفصل في الدعوى المدنية حتى يقضى نهائياً بالدعوى الجزائية المرتبطة بها وهذه القاعدة يعبر عنها بقاعدة أن الجزائي يعقل المدني [5].

وقف الدعوى المدنية نتيجة لإقامة الدعوى الجزائية

نتيجة للترابط الحاصل بين الدعوى الجزائية والدعوى المدنية يتوجب على المحكمة المدنية أن توقف النظر في الدعوى المدنية لحين الفصل في الدعوى الجزائية بحكم قطعي، وهذا أمر طبيعي ومنطقي، لأن القاضي الجزائي يفصل في نزاع هام متعلق بمصلحة عامة، فيجب ألا يتأثر هذا القاضي بحكم القاضي المدني الذي يفصل في نزاع خاص أقل أهمية[6]، ووقف الدعوى المدنية يأتي نتيجة لقاعدة الجزائي يعقل المدني والتي يلزم توافر شرطين لإعمال هذه القاعدة وهما:

1_ وجود ترابط بين الدعوى الجزائية والدعوى المدنية، وهذا الترابط هو وجود فعل جرمي واحد.

2_ أن تكون الدعوى الجزائية قد رفعت قبل رفع الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية أو أثناء النظر فيها.

فوجود هذان الشرطان يلزم القاضي المدني بوقف النظر بالدعوى المدنية لحين الفصل في الدعوى الجزائية بحكم مبرم، ولأن قاعدة الجزائي يعقل المدني قاعدة تتعلق بالنظام العام فإن القاضي مجبر على وقف السير في الدعوى المدنية من تلقاء نفسه، ولا يجوز للخصوم التنازل عنها، ويمكن الدفع بها في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز[7] .

من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بحجية الحكم الجزائي

الحكم رقم 2491 لسنة 2021 – استئناف عمان

حيث قد ثبت من خلال القضية الجزائية وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها ووصفها القانوني وأنها أكدت استيلاء المدعى عليهما على مبلغ 10500 دينار كثمن للسيارة وعدم إعادة المبلغ وعدم التنازل عن السيارة واتجاه نيتهما الى تملك تلك النقود دون وجه حق وبالتالي فان هذا الحكم له حجية أمام المحكمة المدنية كون الحكم الجزائي اكتسب الدرجة القطعية وقد فصل أيضا بالوقائع الضرورية المعروضة على القاضي المدني سندا لأحكام المادة 332 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمادتين 41 و42 من قانون البينات.

الحكم رقم 3943 لسنة 2020 – صلح حقوق شمال عمان:

تجد المحكمة ومن خلال البينات المقدمة في هذه الدعوى والتي أهمها قرار محكمة صلح جزاء شمال عمان رقم 10142/2019 والمكتسب الدرجة القطعية بقرار محكمة البداية بصفتها الاستئنافية والقاضي بإعلان براءة المشتكى عليه وهو مالك البناء ( الدراي كلين) والذي تملك رخصته المدعى عليها في هذه الدعوى عن الجرم المسند اليه وهو الحاق الضرر بمال الغير لعدم قيام الدليل القانوني المقنع ، وان هذا الحكم الجزائي له حجية وقوة الحكم النهائي أمام المحكمة المدنية استنادا لقاعدة الجزائي يعقل المدني وعليه وما دام قد قضت المحكمة الجزائية ببراءة مالك البناء الذي تملك رخصته المدعى عليها في هذه الدعوى عن جرم الفاء السجاد على سيارة المدعية في هذه الدعوى لعدم قيام الدليل على ثبوت هذا الفعل لمالك الدراي الكلين ، وعليه لا يمكن بأي حال من الأحوال الزام المدعى عليها بالتعويض عن فعل تم إعلان براءتها عنه لعدم قيام الدليل إذ أن من اهم أركان التعويض عن المسؤولية التقصيرية علاقة السببية وهي قد انتفت بقرار المحكمة الجزائية ولهذا السبب لم تجز المحكمة سماع البينة الشخصية ولا إجراء الخبرة الفنية للجهة المدعية لعدم الإنتاجي.

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 528.

[2] د. إدوارد غالي الذهبي، حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، 1960، ص 187.

[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، عمان، 2021، ص 349.

[4] د. حسن صادق المرصفاوي، الجوانب العملية في التحقيق الجنائي، المجلة الجنائية القومية، العدد/3، المجلد 11/ 1968، ص 243.

[5] د. محمد زكي أبو عامر، الإجراءات الجزائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1984.

[6] د. محمد سعيد نمور، المرجع السابق، ص 351.

[7] د. عمر سعيد رمضان، أصول المحاكمات الجزائية في التشريع اللبناني، 1971.

Scroll to Top