الحكم القضائي

الحكم القضائي 

أول ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر الحكم القضائي هو المقولة الشهيرة (الحكم القضائي هو عنوان الحقيقة)، وفي الواقع تعتبر تلك المقولة صادقة تتفق مع الحقيقة والواقع، حيث إن الأحكام القضائية تستهدف من صدورها إماطة اللثام عن حقيقة النزاع المطروح على المحكمة، وتقرير الحقوق لأصحابها، كما أن هدف الخصوم الرئيسي من دفاعهم ودفوعهم في النزاع هو الوصول إلى نهاية له من خلال حكم قضائي تستقر معه المراكز القانونية، لذلك سوف يتمحور هذا المقال حول إجابة تساؤل هام وهو ما هو الحكم القضائي؟

أولاً: ماهية الحكم القضائي

ثانياً: تصنيفات الحكم القضائي

ثالثاً: الآثار المترتبة على الحكم القضائي

رابعاً: متى لا يترتب على الحكم القضائي آثاره القانونية؟

خامسًا: الخاتمة

أولاً: ماهية الحكم القضائي

1- تعريفه

الحكم القضائي يمثل الهدف المنشود والمرجو من وراء اللجوء إلى القضاء، فلا تنتهي الدعوى من تداولها أمام المحكمة إلا بصدوره، ويستخدم مصطلح الحكم القضائي من قبل رجال القانون للدلالة على مقصدين، المقصد الأول هو المقصد الواسع الذي يشمل جميع ما تصدره الجهات القضائية من قرارات، ومقصد ضيق يتمثل في القرارات التي تصدرها الجهات القضائية طبقاً لطرق وإجراءات ومراحل محددة من قبل مواد ونصوص القانون.

وقد اتجه السواد الأعظم من فقهاء القانون إلى اعتناق المقصد الضيق في تعريف الحكم القضائي، حيث يرون أن الحكم القضائي هو الحكم الذي تقوم بإصداره الجهة القضائية التي يتم تشكيلها بصورة تتفق مع القانون، وفي خصومة مطروحة أمامها، وأن يكون قد صدر وفقاً للطريق الذي رسمه قانون أصول المحاكمات المدنية لذلك، سواء من حيث الشكل الخارجي للحكم أو التكوين العضوي له، وذلك لوضع حد للمنازعة القائمة بين أطراف الخصومة[1].

وقد أقر المشرع الأردني هذا الاتجاه حيث تبنى المقصد الضيق بشأن تعريف الحكم القضائي، حيث إنه قد أورد في قانون أصول المحاكمات المدنية رقم (24) لسنة 1988 وتعديلاته وتحديداً في (المادة 160) منه ما يلي:

(يجب أن يبين في الحكم المحكمة التي أصدرته وتاريخ إصداره ومكانه وأسماء القضاة الذين اشتركوا في إصداره وحضروا النطق به وأسماء الخصوم بالكامل وحضورهم أو غيابهم وأسماء وكلائهم كما يجب أن يشتمل الحكم على عرض مجمل لوقائع الدعوى وطلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم الجوهري وأسباب الحكم ومنطوقه).

مما يتبين معه أن المشرع الأردني قد ضيق نطاق المقصود بالحكم القضائي في الحكم الذي يصدر على الصورة التي رسمتها تلك المادة المبينة سلفاً، بحيث يتوافر فيه الجوانب الشكلية والموضوعية التي تضمنتها واستلزمت توافرها في الحكم القضائي.

2- خصائصه

يتمتع الحكم القضائي بجملة من الخصائص والسمات التي تميزه عن غيره من القرارات والأوامر الأخرى التي تصدرها الجهات القضائية المختلفة، ويمكننا أن نوجز هذه الخصائص في النقاط الآتي بيانها:

أ- لا يصدر الحكم إلا من محكمة ذات ولاية

أولى الخصائص التي تميز الحكم القضائي هو أن تكون الجهة التي أصدرته هي محكمة تختص بنظر الدعوى المطروحة عليها، وتتمتع بسلطة وولاية للفصل في تلك الدعوى، ووفقاً لهذه الخاصية فإنه يجب لتحققها ولاعتبار أن المحكمة التي أصدرت الحكم تتمتع بولاية إصداره أن تتوافر لها بعض المعطيات الأساسية التي تتمثل في:

– أن تكون الجهة التي أصدرت الحكم هي محكمة، ويجب أن تكون المحكمة التي أصدرت الحكم تابعة لجهة قضائية، كالمحاكم الإدارية أو المدنية أو التجارية أو غيرها.

– أن تثبت لهذه المحكمة الولاية القانونية للفصل في المنازعة المطروحة أمامها، فإذا كانت المحكمة التي تصدت للفصل في نزاع ما غير مختصة بنظره ولا تتمتع بالولاية لذلك، وعلى الرغم من ذلك أصدرت فيه حكماً فاصلاً، فإن حكمها في تلك الحالة يعد منعدماً، ويقصد بكون المحكمة مختصة أن تتمتع بكافة أوجه الاختصاص سواء القيمي أو النوعي أو المكاني أو غيرها من أوجه الاختصاص الأخرى.

– أن تكون هيئة المحكمة التي أصدرت الحكم مشكلة طبقاً لما يقره القانون لها من تشكيل، أي أن يكون عدد أعضاء هيئة المحكمة متوافقاً مع العدد الذي تطلبه القانون في تشكيلها، وهو ما يختلف من محكمة إلى أخرى مما يستوجب معه الرجوع إلى التشكيل القانوني الذي وضعه القانون لكل محكمة للوقوف على مدى صحة تشكيلها عند إصدارها للحكم.

– أن يكون القاضي الذي قام بإصدار الحكم متمتعاً بالسلطة والاختصاص لإصدار مثل تلك الأحكام، ويقصد بذلك صدور الحكم ممن منحتهم الدولة الصفة لمباشرة الوظيفة القضائية وأناطت بهم إصدار الأحكام.

ب- لا يصدر الحكم إلا في خصومة قائمة ومنعقدة

يقصد بذلك أن الخصومة التي يصدر فيها الحكم القضائي يجب أن تكون قد قائمة بالفعل ومطروحة أمام القضاء، وأن يكون علم جميع الخصوم قد اتصل بها سواء اتصالاً فعلياً أو حكمياً، بمعنى أن تكون صحيفة الدعوى قد أعلنت للخصوم (المدعى عليهم)، أو أن يكون الخصوم قد مثلوا أمام المحكمة أثناء جلسات نظر الدعوى، وأن يكون الخصوم في الدعوى (مدعي ومدعى عليه) متمتعين بالأهلية القانونية التي تجيز لهم أن يكونوا خصوماً فيها (شرطي الصفة والمصلحة).

ويستتبع ذلك أن الخصومة التي لم تستوف شروط الانعقاد كما لو لم تعلن صحيفتها إعلاناً قانونياً صحيحاً للخصوم، فإن ما يصدر فيها من حكم يكون هو والعدم سواء.

ج- يتمتع الحكم القضائي بشكل محدد رسمه له القانون

وضع القانون بيانات أساسية لا يصدر الحكم القضائي في شكل صحيح ونافذ إلا بتوافرها فيه، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر أن يكون الحكم مكتوباً، وأن يتضمن اسم المحكمة التي أصدرته وتشكيلها، وأسماء الخصوم وصفاتهم، وبيان حضورهم أو غيابهم، بجانب الأسباب القانونية التي يستند إليها الحكم، والمواد والنصوص القانونية التي تؤيده، وغيرها من الشروط الشكلية التي تطلبها قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني في (المادة 160) سالفة الإشارة.

ثانياً: تصنيفات الحكم القضائي

هناك العديد من التصنيفات التي اعتمدها القانون والفقه للأحكام القضائية، وتختلف هذا التصنيفات باختلاف الركيزة والأساس الذي يتم الاستناد إليه في كل تصنيف، وسنتعرض إلى أهم وأبرز هذه التصنيفات.

1- التصنيف استناداً إلى المساس بموضوع النزاع

تصدر الأحكام وفقاً لهذا الأساس على نوعين:

أ- النوع الأول: الأحكام القطعية

يقصد بالأحكام القطعية الأحكام التي تعد فاصلة ومنهية لموضوع الدعوى وتضع حداً للنزاع القائم بشأن الحق المتنازع عليه، وتلك الطائفة من الأحكام يحق لمن صدرت ضده أن يطعن عليها بسلوك المسلك الذي قرره القانون للطعن، كما أنها تتمتع بحجية الأمر المقضي[2].

ب- النوع الثاني: الأحكام التمهيدية

أما الأحكام التمهيدية فهي الأحكام التي وردت في بعض القوانين بمسمى (القرار)، وتتمثل في الأحكام التي تصدرها المحكمة أثناء تداول الدعوى المطروحة أمامها في جزئيات وإن كانت تخص الدعوى إلا أنها لا تفصل في موضوعها الأساسي، فلا ينتهي معها موضوع النزاع، ومنها على سبيل المثال الحكم بندب خبير في الدعوى أو الحكم بإحالتها للحقيق.

ولا يقبل الطعن على الأحكام التمهيدية بشكل منفصل ومستقل، بل يتم ذلك بشكل ضمني عند الطعن على الحكم القطعي الصادر في الدعوى إلا فيما استثناه القانون من حالا يجيز فيها ، وقد نظمت (المادة 170) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني تعريف الأحكام التمهيدية وبياناً بالأحكام – والتي أشار إليها المشرع الأردني في نص المادة بالقرارات – التي أجاز الطعن عليها بشكل مستقل وقبل صدور حكم قطعي في الدعوى، حيث جاء بنص هذه المادة أن:

(لا يجوز الطعن في الأحكام التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها ويستثنى من ذلك القرارات الصادرة في المسائل التالية: 1- الأمور المستعجلة. 2- وقف الدعوى. 3- الدفع بمرور الزمن. 4- طلبات التدخل والإدخال. 5- عدم قبول الدعوى المتقابلة).

2- التصنيف استناداً إلى مضمون ما يقرره الحكم

تختلف الأحكام باختلاف مضمونها إلى نوعين:

أ- النوع الأول: الأحكام الكاشفة

وتسمى هذه الأحكام أيضاً بالأحكام المقررة، وذلك يرجع إلى أن تلك الطائفة من الأحكام لا تنتج أو تخلق مركز قانوني جديد لم يكن موجود من قبل، ولكنها تكشف عن وضع أو مركز قانوني موجود بالفعل وبشكل سابق على صدور الحكم، ويقتصر دور الحكم على إماطة اللثام عن ذلك المركز القانوني وكشفه وتقريره، ومن أهم الأمثلة على هذه الطائفة من الأحكام الحكم بالصحة والنفاذ للعقود، حيث يقر ذلك الحكم ويكشف حقيقة أن العقد قد تم صحيحاً ونافذاً، وبالتالي يكون هذا الحكم بمثابة الكاشف لتلك الحقيقة.

ب- النوع الثاني: الأحكام المنشئة

أما الأحكام المنشئة فتتمثل في الأحكام التي تقر وتنشئ مراكز قانونية لم يسبق لها الوجود من قبل، ومثال عليها أحكام الطلاق والفسخ، فهي تخلق وضعاً جديداً يعد الحكم هو أساس وجوده، أو تنهي أوضاع ومراكز قانونية كانت قائمة بالفعل قبل صدور الحكم.

ج- النوع الثالث: الأحكام الملزمة

المقصود بالأحكام الملزمة الأحكام التي تشتمل على إلزام لطرف من طرفي الخصومة لصالح خصمه، سواء كان هذا الإلزام بالقيام بعمل أو أداء مبلغ مالي أو أي حق آخر يلزم الحكم أحد الخصوم بأدائه إلى الخصم الآخر، ويعد هذا النوع من الأحكام أقوى الأنواع ضمن هذا التصنيف، إلا أن ذلك لا ينال من القوة الإلزامية لباقي أنواع الأحكام – الكاشفة والمنشئة – حيث تمنح من صدر لصالحه الحكم سنداً يدعمه في الحصول على حقه.

3- التصنيف استناداً إلى مدى وجاهية الحكم

نصت (المادة 67) من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني في فقراتها (1) و(2) و(3) على أنه:

(1- لا يجوز أن تجري المحاكمة إلا وجاهياً أو بمثابة الوجاهي. 2- إذا حضر أي من فرقاء الدعوى في أية جلسة كانت الخصومة وجاهية (اعتبارية) بحقه ولو تخلف بعد ذلك ولا يقبل حضوره فيما بعد إذا كانت القضية معدة للفصل. 3- إذا كان الحكم وجاهياً (اعتبارياً) تترتب عليه ذات الآثار التي تترتب على الحكم الصادر وجاهياً في هذا القانون وفي أي قانون آخر).

ومن خلال ما ورد بهذه المادة يتبين لنا أنه ووفقاً لذلك التصنيف تنقسم الأحكام القضائية إلى أحكام وجاهية، وأحكام وجاهية اعتبارية، وأحكام بمثابة الوجاهية.

أ- النوع الأول: الأحكام الوجاهية

يقصد بوجاهية الحكم أن يكون الحكم حضورياً، والحكم الحضوري هو الحكم الذي يصدر في حضور الخصوم في الدعوى وفي مواجهتهم أو في حضور ومواجهة من يمثلهم أو ينوب عنهم قانوناً، حتى لو كان الخصوم أو ممثليهم قد غابوا عن كل أو بعض جلسات تداول الدعوى أمام المحكمة[3].

ب- النوع الثاني: الأحكام الوجاهية الاعتبارية

أما الأحكام الوجاهية الاعتبارية فهي الأحكام التي تصدر في دعوى يكون المدعى عليه أو يمثله قانوناً قد مثل أمام المحكمة أثناء نظر الدعوى بإحدى – أو بعض – جلسات تداولها، إلا أنه تخلف عن المثول أمامها في باقي الجلسات ومن ضمنها الجلسة التي تصدر فيها المحكمة حكمها في الدعوى.

ج- النوع الثالث: الأحكام بمثابة الوجاهية

هو الحكم الذي يصدر فيها الحكم في غياب الخصم الذي لم يحضر أياً من جلسات المرافعة ولا جلسة النطق بالحكم، وذلك على الرغم من اتباع كافة طرق الإعلان التي نص عليها القانون في حقه.

وقد تعامل المشرع الأردني مع الأحكام الوجاهية الاعتبارية ذات المعاملة التي تعامل بها مع الأحكام الوجاهية، ويمكننا أن نفسر ذلك بأن المشرع أراد أن يعتبر الخصم حاضراً على الرغم من كونه غائباً بجلسة الحكم، وذلك لكونه قد حضر إحدى جلسات المرافعة وعلم بوجود الدعوى ولم يهتم بمتابعتها.

4- التصنيف استناداً إلى إمكانية الطعن في الحكم

تنقسم الأحكام من حيث إمكانية الطعن عليها إلى ثلاث أنواع من الأحكام.

أ- النوع الأول: الأحكام التي تصدر من محكمة البداية

يطلق على تلك الطائفة من الأحكام بالأحكام الابتدائية باعتبار أن محكمة البداية تعد هي المحكمة الابتدائية أو محكمة الدرجة الأولى، وهذه الأحكام هي الأحكام التي تتوافر إمكانية الطعن عليها بطريق الاستئناف.

ب- النوع الثاني: الأحكام النهائية

يقصد بالحكم النهائي الحكم الذي منع القانون الطعن عليه بطريق الاستئناف، وقد يحدث ذلك في أكثر من حالة، كما لو كان هذا المنع مقرراً بموجب نص قانوني، أو كان هناك إمكانية للطعن عليه خلال مدة محددة فوتها المحكوم عليه دون إقامة هذا الطعن فيصبح نهائي، أو أن يكون هذا الحكم قد صدر من محكمة ثاني درجة، حيث تستنفذ بشأنها جميع طرق الطعن العادية.

ج- النوع الثالث: الأحكام الباتة

الأحكام الباتة هي الأحكام التي تحصنت من جميع طرق الطعن، بحيث لا يكون هناك إمكانية للطعن عليها بسلوك طرق الطعن العادية أو حتى طرق الطعن غير العادية، وهذه الأحكام تتمتع بقوة الأمر المقضي.

ثالثاً: الآثار المترتبة على الحكم القضائي

متى صدر الحكم القضائي صحيحاً مستوفياً شروطه وبياناته وأركانه التي نص عليها القانون، فإن ذلك يترتب عليه مجموعة من الآثار التي يمكن أن نجمل أهمها بصورة موجزة في النقاط التالية:

– بمجرد صدور الحكم صحيحاً من المحكمة فإن ذلك يُخرج النزاع الصادر فيه هذا الحكم من حوزة المحكمة، حيث تستنفذ المحكمة ولايتها على ذلك النزاع، بحيث لا يجوز أن يعاد طرحه على المحكمة وهو ما يسمى بحجية الحكم القضائي، ويقتصر هذا الأثر على الحقوق التي فصلت فيها المحكمة في حكمها دون باقي الحقوق التي لم تفصل فيها أو تتعرض لها، كما يقتصر على المحاكم التي تنتمي لذات درجة التقاضي التي تنتمي إليه المحكمة التي أصدرت الحكم.

– بمجرد صدور الحكم فإن المراكز والأوضاع القانونية لأطراف النزاع الصادر فيه الحكم تتكشف وتتحدد وتستقر، فالحكم الكاشف يترتب عليه الكشف عن وضع قانوني قائم بالفعل، بينما يترتب على الحكم المنشئ خلق لوضع أو مركز قانوني جديد.

– يترتب أيضاً على صدور الحكم القضائي استقرار الرسوم والمصاريف والأتعاب في ذمة المحكوم عليه، حيث نصت (المادة 189) من قانون أصول المحاكمات المدنية على أنه:

(تحكم المحكمة في الرسوم والمصاريف وأتعاب المحاماة المترتبة على الدعوى من حيث إقامتها في محكمة الدرجة الأولى إلى حين الحكم بها استئنافاً).

فالمدعي دائماً هو من يتحمل رسوم الدعوى باعتباره هو القائم على رفع الدعوى، إلا أنه عند صدور الحكم الفاصل في الدعوى فإنه يشتمل على بيان الخصم المتحمل بمصاريف الدعوى ومقابل أتعاب المحاماة، وفي الغالب يكون المتحمل بتلك المصروفات هو من خسر الدعوى وصدر ضده الحكم فيها، وفي بعض الحالات يتم تحميل كل خصم من الخصوم في الدعوى بنسبة من المصاريف، ويكون ذلك في الحالة التي يثبت للمحكمة أن كل منهم كان محقاً في جزء من طلباته ومخطئاً في جزء آخر، فيتحمل كل خصم نسبة من المصاريف توازي الجزء الذي أخطأ فيه من طلباته باعتباره خاسراً لهذا الجزء.

رابعاً: متى لا يترتب على الحكم القضائي آثاره القانونية؟

سبق وأن أوضحنا الآثار القانونية التي تترتب على صدور الحكم القضائي صحيحاً، إلا أن هناك حالات قد يصدر الحكم القضائي ولا ينتج تلك الآثار القانونية، وهذه الحالات إما أن تكون حالات بطلان للحكم أو انعدام له.

1- بطلان الحكم القضائي

أ- تعريفه

يعد بطلان الحكم القضائي بمثابة جزاء يتم تقريره من قبل القانون أو تحكم المحكمة به متى جاء الحكم مفتقداً لشرط من الشروط التي يستلزمها القانون لصحة الحكم، سواء كانت تلك الشروط التي خالفها الحكم شكلية أو موضوعية.

ب- أنواعه

ينقسم البطلان بوجه عام وبطلان الأحكام القضائية بوجه خاص في نوعين من أنواع البطلان.

– النوع الأول هو البطلان المطلق، ويقصد به البطلان الذي ينشأ نتيجة لمخالفة الحكم لأي قاعدة من القواعد القانونية المصنفة كقواعد آمرة تقرر للصالح العام، كمخالفة الحكم لما قرره القانون من قواعد تخص الصفة أو الأهلية، وهذا النوع من البطلان يحق لأي خصم من الخصوم في الدعوى الصادر فيها الحكم أن يتمسك به. كما يمكن للمحكمة أن تقضي به من تلقاء ذاتها وفقاً لما جاء بنص (المادة 111/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية، والتي نصت على أنه:

(الدفع بعدم اختصاص المحكمة لانتفاء ولايتها أو بسبب نوع الدعوى أو قيمتها أو بعدم جواز نظرها لسابقة الفصل فيها أو بأي دفع آخر متصل بالنظام العام يجوز إثارته في أية حالة تكون عليها الدعوى وتحكم به المحكمة من تلقاء ذاتها).

– النوع الثاني هو البطلان النسبي، وهو البطلان الذي ينشأ نتيجة لمخالفة الحكم لقاعدة من القواعد القانونية التي تصنف كقواعد آمرة تم تقريرها لصالح أطراف الدعوى، وبالتالي فإن الحق في التمسك بهذا النوع من البطلان يثبت فقط لمن قرر البطلان لمصلحته، ولا يجوز للمحكمة القضاء به من تلقاء ذاتها، وقد أقر قانون أصول المحاكمات المدنية ذلك فيما نص عليه بمادته رقم (110/1) والتي نصت على أنه:

(1- الدفع بالبطلان غير المتصل بالنظام العام وسائر الدفوع المتعلقة بالإجراءات غير المتصلة بالنظام العام، والدفع بعدم الاختصاص المكاني أو بوجود شرط التحكيم يجب إبداؤها معاً قبل إبداء أي دفع إجرائي آخر أو طلب أو دفاع في الدعوى وإلا سقط الحق فيها، كما يسقط حق الطاعن في هذه الدفوع إذا لم يبدها في لائحة الطعن، ويجب إبداء جميع الوجوه التي بنى عليها الدفع المتعلق بالإجراءات غير المتصل بالنظام العام معاً وإلا سقط الحق فيما لم يبد منها).

2- انعدام الحكم القضائي

المقصود بانعدام الحكم القضائي هو أن يشوب هذا الحكم عيباً جسيماً يصيب أحد الأركان الأساسية التي يقوم عليها بما ينعكس على الحكم بتجريده من صفته كحكم قضائي وتنعدم كافة آثاره.

وبالرجوع إلى قانون أصول المحاكمات المدنية سيتبين لنا أنه لم ينظم حالة الانعدام للحكم القضائي، واكتفى بتنظيم حالة بطلانه، وعلى الرغم من ذلك فقد رسخ الفقه القانوني والقضاء فكرة انعدام الحكم القضائي.

أ- الانعدام في الفقه القانوني

اعتبر الفقه القانوني أن إمكانية انعدام الحكم القضائي قائمة بحيث ويصبح هو والعدم سواء فلا ينتج عنه أي آثار قانونية، وتقوم تلك الحالة متى شاب أحد أركانه ودعائمه الأساسية عيب جسيم وجوهري، بحيث يترتب على ذلك العيب أن يفقد الحكم القضائي عنصر أو أكثر من عناصره الرئيسية ومقوماته التي يستند إليها في قيامه.

ب- الانعدام في القضاء الأردني

أقر القضاء الأردني أيضاً فكرة الانعدام، بل وقد أخذت بها محكمة التمييز الأردنية واستندت إليا في العديد من أحكامها، حيث قضت في حكم بها بأن (إذا لم يكن قرار الحكم بالإضافة إلى مسودته موقعة من الهيئة الحاكمة التي أصدرت الحكم فإن الحكم الابتدائي المطعون فيه والحالة هذه يكون باطلاً ومنعدماً لمخالفته أحكام المادتين (159) و(160) من قانون أصول المحاكمات المدنية لتعلق ذلك بالنظام العام)[4].

مما يتبين لنا معه أن أساس انعدام الحكم من وجهة نظر قضاء محكمة التمييز هو العيب الجسيم الذي يشوب أياً من أركان ودعائم الحكم القضائي فيفقده وجوده ويعدمه آثاره.

أوجه الاختلاف بين بطلان وانعدام الحكم القضائي

يختلف بطلان الحكم القضائي كحالة قانونية عن انعدامه، ويمكننا أن نحصر أهم أوجه هذا الاختلاف في صورة نقاط نوجزها فيما يلي:

– ينشأ البطلان عن عيب من العيوب التي تشوب صحة الحكم القضائي، في حين ينشأ الانعدام كنتيجة لعيب من العيوب الجسيمة التي تصيب أحد الأركان والدعائم التي يقوم عليها الحكم، فالبطلان هو عيب من عيوب صحة الحكم، بينما الانعدام هو عيب من عيوب وجود الحكم من حيث الأصل.

– تتحقق حالة الانعدام بقوة القانون، بحيث لا يستدعي الأمر إلى صدور حكم قضائي بالانعدام، بل يكفي في ذلك أن يتم إنكار هذا الحكم، في حين أن بطلان الحكم القضائي لا يرتب آثاره إلا بعد صدور الحكم به، وقبل صدور حكم البطلان يظل الحكم الباطل مرتباً لجميع آثاره كحكم بغض النظر عن كون البطلان المشوب به مطلق أو نسبي.

– أجاز القانون تصحيح الحكم الباطل متى كان لم يصبح باتاً بعد، فيجوز تصحيحه خلال هذا الأجل، أما الحكم المنعدم فلا يجوز تصحيحه لكونه غير موجود من حيث الأصل.

– يعد انعدام الحكم القضائي بمثابة جزاء يتقرر للحكم الذي يشوب أحد عناصر وشروط وجوده التي يتم تقريرها للصالح العام، بينما يعد البطلان النسبي جزاء قرره القانون لما يشوب الحكم من مخالفة لقواعد وشروط تم تقريرها لتحقيق صالح الخصوم.

– في حالة الانعدام لا تستنفذ المحكمة التي أصدرت الحكم ولايتها لنظر النزاع الصادر فيه هذا الحكم، في حين أن حالة البطلان بخلاف ذلك تستنفذ ولاية المحكمة التي أصدرت الحكم الباطل بحيث لا يمكنها أن تتعرض إلى موضوع النزاع الذي فصل فيه مرة أخرى.

مما يتبين معه أن نظام الانعدام في الأحكام القضائية هو نظام منفصل تماماً عن نظام البطلان، فلكل منهما أسبابه وآثاره وتبعاته الخاصة به، والتي تختلف في كل منهما عن الآخر، وهو ما يحدو بنا إلى مناشدة المشرع الأردني لتعديل قانون أصول المحاكمات المدنية بحيث يشتمل على تنظيم لفكرة انعدام الحكم القضائي، وذلك لما يتمتع به هذا النظام من أهمية، ومن جهة أخرى باعتباره نظاماً فرض نفسه على ساحات القضاء بحيث أصبح يجد تطبيقاً عملياً له من قبل الدوائر القضائية فيما يعرض عليها من منازعات.

خامسًا: الخاتمة

يمثل القضاء صرح العدالة الذي يلجأ إليه أصحاب الحقوق لاقتضاء حقوقهم، لذلك يعد الحكم الصادر في المنازعات القضائية هو الهدف الرئيسي الذي يستهدفه المتقاضين من خلال اللجوء للقضاء، ونحن إن كنا قد تعرضنا في هذا المقال لتعريف الحكم القضائي وأنواعه وآثاره وحالات بطلانه وانعدامه، إلا أن ذلك يمثل نقطة في بحر الحديث عن الحكم القضائي، حيث لم نتطرق بشكل متعمق لأركانه وشروطه وتنفيذه وغيرها من أوجه الحديث التي لابد من إثارتها عند الحديث عن الحكم القضائي، لذلك سيكون هناك العديد من المقالات التي سنطرحها مستقبلاً ونتطرق فيها لهذه الأوجه التي لم يتسع مقامنا في هذا المقال للتعرض إليها.

كتابة: أحمد عبد السلام.

[1] – مفلح عواد القضاة – أصول المحاكمات المدنية والتنظيم القضائي – الطبعة الثانية – جار الثقافة – الأردن – 2013 – ص351.

[2] – عبد الحكيم فودة – موسوعة الحكم القضائي في المواد المدنية والتجارية – منشأة المعارف – مصر – 2002 – ص 19.

[3] – عبد الناصر أبو البصل – نظرية الحكم القضائي في الشريعة والقانون – دار النفائس – الأردن – بدون عام نشر – ص 494.

[4] – محكمة التمييز الأردنية – الطعن رقم 3487 لسنة 2018 تمييز حقوق – جلسة 9/7/2018.

Scroll to Top