التأمين الإلزامي في المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث السيارات
يعد عقد التأمين الإلزامي على المركبات من أكثر عقود التأمين ذيوعًا وانتشارًا، إن لم يكن أكثرها على الإطلاق، ذلك أن المشرع في الدول المختلفة جعل منه “عقدًا إلزاميًا” على جميع المركبات، نظرًا لما تشكله هذه المركبات والحوادث الناشئة عنها من تهديد خطير لحياة وصحة ممتلكات الأفراد في المجتمع، الأمر الذي حظى باهتمام المشرع الأردني عندما أصدر أول تشريع للتأمين الإلزامي، وهو “نظام التأمين الإلزامي على المركبات لتغطية أضرار الغير رقم (29) لسنة 1985، والذي ظل ساريًا إلى أن صدر نظام التأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناجمة عن استعمال المركبات رقم (32) لسنة 2001م. وسوف نتناول جميع ما يتعلق بالتأمين الإلزامي في المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث السيارات من خلال هذا المقال، وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية:
أولًا: تعريف عقد التأمين الإلزامي
ثانيًا: التمييز بين التأمين الإلزامي والتأمين الاختياري
ثالثًا: الحكمة من التأمين الإلزامي
رابعًا: مدى مشروعية إبرام عقد التأمين الإلزامي
خامسًا: السوابق القضائية الخاصة بالتأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناجمة عن حوادث السيارات
ونُقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريف عقد التأمين الإلزامي
يُعرف عقد التأمين الإلزامي من المسؤولية الناجمة عن استعمال المركبات بأنه: “عقد يقوم من خلاله المؤمِّن بتأمين الذمة المالية للمؤمَّن له من خطر تعرضها للمطالبة بالتعويض نتيجة استعمال المؤمَّن له مركبته وما قد ينجم عن هذا الاستعمال من ضرر للغير وهذا العقد يُلزم المشرع المؤمَّن له بإبرامه”.
ثانيًا: التمييز بين التأمين الإلزامي والتأمين الاختياري
بدايةً يجب أن نُشير إلى أن التأمين الإلزامي للمركبات هو صورة من صور التأمين من المسؤولية. والتأمين من المسؤولية بوجه عام قد يكون “اختياريًا” وقد يكون “إلزاميًا”، وذلك على النحو التالي:
1. التأمين الاختياري
“في التأمين الاختياري من المسؤولية يهدف المؤمَّن له من وراء إبرام عقد التأمين إلى رفع الآثار المالية للمسؤولية عن كاهله وتوفير ضمانة لكل متضرر من مصدر هذه المسؤولية، وفي هذا السياق فإن ضمان المؤمِّن لا يشمل مبلغ التعويض وحسب، بل يمتد ليشمل كافة المصاريف والنفقات التي تكبدها المؤمَّن له في سبيل دفع المسؤولية عن كاهله. وهو ما يعني أن هذا النوع من التأمين هو تأمين من الأضرار التي تلحق المؤمَّن له من جراء تحقق مسؤوليته وتسود الصفة التعويضية العلاقة بين طرفيه ويهدف إلى تأمين الذمة المالية للمؤمَّن له”([1]).
والأصل في هذا النوع من التأمين -حسبما يرى الفقه- هو أن يعوض المؤمِّن “المؤمَّن له” عما غرمه من مال في سبيل تعويض المضرور أو في دفع المسؤولية عن كاهله، غير أن المشرع الأردني قد خرج على هذا الأصل وهو ما يستفاد من نص في (المادة 931) من القانون المدني بنصها على أنه: “لا يجوز للمؤمِّن أن يدفع لغير المضرور مبلغ التأمين المتفق عليه كله أو بعضه ما دام المتضرر لم يعوض عن الضرر الذي أصابه”.
وتُعلل المذكرة الإيضاحية ذلك بقولها “وأما عدم دفع مبلغ التأمين لغير المتضرر فهو ناشئ عن أن عقد التأمين من المسؤولية المدنية يُراد منه في الحقيقة جعل بدل التأمين تعويضًا عن الفعل الضار، فهو لذلك معقود لقصد تجنيب المؤمَّن له تحمل نتائج الإضرار بالغير..”، ونعتقد أن ما حدا بالمشرع للنص على ذلك هو حرصه على أن يأخذ المضرور حقه في التعويض، وتلافيًا لخطر إعسار المؤمَّن له عن الضرر.
2. التأمين الإلزامي
تتمثل الصورة الثانية للتأمين من المسؤولية في “التأمين الإلزامي” الذي يفرضه المشرع في بعض المجالات بمقتضى نصوص قانونية كما هو الحال بالنسبة للتأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية للمهندس المعماري، والتأمين الإلزامي من المسؤولية الناجمة عن استعمال المركبات (وهو موضوع المقال) بغية تحقيق أهداف ومقاصد اجتماعية تُمثل غرض المشرع من تقنين التأمين الإلزامي، وهو ما سوف نتناوله تباعًا عند الحديث عن الحكمة من التأمين الإلزامي في المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات.
والتأمين الإلزامي يعني أن الإرادة ليست حرةً في تكوين هذا العقد أو حتى في تحديد بنوده والتزامات طرفيه أو حتى آثاره إلى الحد الذي يمكن معه القول بإن العلاقة التعاقدية ثنائيةً كما هو الحال بالنسبة لبقية عقود التأمين، بل أصبح وجود العقد يتوقف على إرادة مشتركة بين كل من المؤمِّن والمؤمَّن له، والمشرع أيضًا، وتدخل المشرع هنا أدى إلى إنشاء علاقة قانونية بدون إرادة ذوي الشأن، ولكن هذه العلاقة أخضعها المشرع لقواعد الالتزامات التعاقدية، بحيث وضع الأفراد في علاقة واقعية هذا مع أنه في الوقت ذاته تنطبق عليهم أحكام العقد الأصلي ذاته الذي يمكن أن يسري على مثل هذه العلاقة.
كما أن المشرع الأردني في التأمين الإلزامي على المركبات والذي يهدف إلى تأمين الذمة المالية للمؤمَّن له من خطر تعرضها للمطالبة بالتعويض نتيجة استعمال المؤمَّن له لمركبته وما قد ينتج عن هذا الاستعمال من أضرار قد تلحق بالغير قد أُجبِّرَ الأطراف على إبرام هذا العقد، فقد أُجبِّرَ المؤمَّن له إبرام هذا العقد حفاظًا على حقوق المتضررين وامتثالًا لما تطلبه القانون قبل القيام بترخيص المركبة، وسمح -في الوقت ذاته- بإنشاء شركات تأمين لهذا الغرض وألزمها بقبول التعاقد مع الشخص الراغب في ذلك طالما أنه قد امتثل للشروط المطلوبة كالتوقيع على العقد ودفع قسط أو رسم التأمين.
ويتضح إلزام المشرع لكل من يقتني مركبة سواء كان شخصًا طبيعيًا أو معنويًا بأن يعقد تأمينًا عما تحدثه هذه المركبة من أضرار تلحقه بالغير بسبب استعمالها من نص (المادة 5/ أ) من قانون السير الأردني التي نصت على أنه: “باستثناء المقطورات وأنصاف المقطورات، لا يجوز تسجيل أي مركبة أو ترخيصها أو تجديد ترخيصها إلا بعد تقديم عقد تأمين يغطي مدة الترخيص لدى شركة تأمين مجازة في المملكة لممارسة أعمال تأمين المركبات ليغطي هذا العقد المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحق بالغير الناجم عن استعمال تلك المركبة..”.
وهو ما عاد المشرع ليؤكده بموجب المادة (4) من نظام التأمين الإلزامي، والتي جاء فيها ما نصه: “مع مراعاة الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة بما في ذلك الاتفاقيات الخاصة بالتأمين الإلزامي للمركبات، تخضع لأحكام هذا النظام جميع المركبات بما فيها المركبات غير الأردنية القادمة إلى المملكة أو المارة فيها”.
وبناءً على ما تقدم؛ فإنه يجب على كل من يرغب بامتلاك مركبة واستعمالها التأمين عليها لدى إحدى شركات التأمين العاملة في المملكة الأردنية الهاشمية، إذ إنه لا يُسمح بترخيص أية مركبة ما لم يتم إبراز وثيقة تأمين تُبين تغطية الأخطار الناجمة عنها؛ لذلك يُعد هذا العقد إلزاميًا (إجباريًا) بالنسبة لأصحاب المركبات جميعًا، فلا خيار أمامهم إن هم أرادوا ترخيص المركبة واستعمالها.
“وعلى الرغم من الطبيعة الإجبارية أو الإلزامية لهذا العقد إلا أن محكمة التمييز أكدت على طبيعته التعاقدية حيث جاء في أحد قراراتها أن عقد التأمين عقد رضائي ويجب العمل بما نص عليه باعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين”([2]).
ثالثًا: الحكمة من التأمين الإلزامي
يهدف المشرع الأردني من فرض التأمين الإلزامي تحقيق عدة اعتبارات، ويمكن في هذا الصدد أن نفرق بين هذه الاعتبارات على النحو التالي:
3. تحقيق مصلحة المضرور
“تكمن الحكمة من جعل التأمين إلزاميًا في ضمان حصول المضرور من حوادث السير على قدر من التعويض وفي أسرع وقت ممكن، فقد يكون المضرور ممن يتمتعون بصحة جيدة، أو يعتمدون على أنفسهم لقضاء حوائجهم، أو من الذين يعتمدون على أنفسهم في كسب معيشتهم، فيترتب على الحادث إلحاق أذى به أو عجزه عن القيام بشؤون نفسه أو العمل؛ مما قد يلحق ضررًا بالغًا به لا سيما إذا ما تم الرجوع على المتسبب بالحادث، ولم يتم الحصول منه -لضعف قدراته المالية- على التعويض كاملًا أو جزئيًا، أو لم يتم الحصول على دفعة واحدة أو في غضون مدة معقولة، فيبرز في مثل هذه الحالة دور شركة التأمين التي تعد شخصًا مليئًا من الناحية المالية، والتي تتولى بدورها سداد مبلغ التعويض إلى المضرور”([3]).
وعلى نحو ذلك، فقد يكون المصاب بالحادث رب أسرة أو مُعيلًا لها، حيث يترتب على إصابته بحادث سير وفاته أو عجزه، فيترك وراءه ضعافًا يتكففون الناس، إلا أنه وبواسطة التامين الإلزامي، سيستطيع المضرورون أن يجدوا وسيلة؛ لسد بعض حاجاتهم ودرء الحاجة عنهم.
على أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه لضمان حصول المضرور على العلاج، أو حصوله على تعويض عما أصاب ممتلكاته من ضرر، فعقد التأمين الإلزامي وفقًا للقانون الأردني يُغطي بالتعويض -ضمن حدود معينة- الأضرار اللاحقة بالمضرور، سواء تعلقت إصابته أو عجزه أو علاجه، أو تعلقت بحياة أحد أقربائه، أو تلف أحد الممتلكات.
4. تحقيق مصلحة صاحب المركبة
مما لا شك فيه أن حصول المضرور على التعويض من شركة التأمين يحقق بالإضافة إلى مصلحة المضرور مصالح أخرى، وعلى رأس هذ المصالح مصلحة صاحب المركبة؛ لأن الضرر ناجم عن مركبة تعود ملكيتها إليه، هذا فضلًا عن السائق الذي تسبب بفعله في الضرر الذي لحق المضرور، حيث إن السائق هو مرتكب الفعل الضار ذاته، وتتمثل مصلحة المذكورين في إعفائهما من أعباء -في الغالب- لا يقدران على تحملها لو تُركا منفردين في أداء التعويضات المستحقة للمتضررين من جراء الحادث، حيث تتولى شركة التأمين بموجب العقد المبرم معها أداء مبالغ التعويض عن صاحب المركبة والسائق، ولا يُثقل كاهلهما برجوع المضرور ومطالبته بالتعويض، وهذه الفكرة الأساسية من التأمين من المسؤولية المدنية بحسب الأصل.
5. تحقيق مصلحة المجتمع
إذا كان عقد التأمين الإلزامي يُحقق مصلحة المضرور وصاحب المركبة والمتسبب بصورة مباشرة، فإنه يُحقق في الوقت ذاته مصلحة اجتماعية على قدر من الأهمية، إذا إن المضرور لا يعود عالة على المجتمع أو على غيره من الأشخاص، كما لا يعود المتسبب أو صاحب المركبة عاجزًا عن القيام بأعماله ونشاطه؛ لعجزه عن سداد التعويضات المترتبة عليه،
يُضاف إلى ذلك أن حوادث المركبات، وما قد ينتج عنها من آثار، وإن كانت تصيب أفرادًا بعينهم، إلا وأننا وأمام جسامة حجم هذه الحوادث واتساعها، نُلاحظ أن ضحاياها عادةً ما يُشكلون نسبة كبيرة من المجتمع، كانت الدولة ستتكلف مبالغ طائلة من خزينتها؛ لترميم آثار هذه الحوادث لولا فرض نظام التأمين الإلزامي التعويض على المؤمِّن ومن بعده المؤمَّن له أو سائق المركبة؛ لذلك كله، يمكن القول إن فرض التأمين من حوادث المركبات يرجع لاعتبارات عدة، بعضها فردي والآخر اجتماعي.
رابعًا: مدى مشروعية إبرام عقد التأمين الإلزامي
إن الصفة الأساسية لعقد التأمين على المركبات -كما هو واضح من تسميته- هي أنه عقد إلزامي (إجباري)، فالقانون يحظر الترخيص لأي مركبة إلا بعد إبراز وثيقة تأمين خاصة بها.
ومؤدى ذلك أن الشخص مُجبر بحكم القانون على إبرام عقد التأمين عند امتلاكه لمركبة ما، خاصةً وأن القول بغير ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بمصالحه وإيقاعه في حرج شديد، ذلك أنه يتعذر الاستغناء عن المركبات لدى شريحة كبيرة من الناس إن لم يكن لدى معظمهم، لذلك فلا مناص من التسليم بإباحة هذا النوع من العقود لما في ذلك من رعاية لمصالح الناس، ولأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة بحسب القاعدة الفقهية.
“وما لا يجب أن يغيب عن الأذهان أيضًا هو أنه يجب على من يبرم هذا العقد ألا يتعاقد مع غير شركات التأمين التعاوني التي تزاول نشاطها وفق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، لأن هذا النوع من عقود التأمين هو المباح لدى فقهاء الشرع الحنيف، أما إذا تعذر ذلك لعدم وجود شركات تأمين تعاوني، أو لوجود عوائق قانونية تحول دون اختيار الراغب بالتأمين للشركة التي يتعاقد معها، فلا مناص في هذه الحالات من السماح بإبرام عقود التأمين مع شركات التأمين التجاري، وبالرغم من أن أعمالها لا تعد موافقة للشريعة الإسلامية”([4]).
خامسًا: السوابق القضائية الخاصة بالتأمين الإلزامي من المسؤولية المدنية الناجمة عن حوادث السيارات
لقد ورد في الحكم رقم (6366) لسنة 2020م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 17/02/2021م بما نصه: “3- لا تجيز المادة (5/أ) من قانون السير تسجيل أي مركبة او ترخيصها أو تجديد ترخيصها إلا بعد تقديم عقد تامين يُغطي مدة الترخيص لدى شركة تأمين مجازة ليغطي المسؤولية المدنية عن الضرر الذي يلحق بالغير الناجم عن استعمال تلك المركبة وفق احكام قانون تنظيم اعمال التأمين”.
وكذلك ما ورد في الحكم رقم (4568) لسنة 2021م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 02/11/2021م بما نصه: “3- مع مراعاة الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة بما في ذلك الاتفاقيات الخاصة بالتأمين الإلزامي للمركبات، تخضع لأحكام هذا النظام جميع المركبات بما فيها المركبات غير الأردنية القادمة إلى المملكة أو المارة فيها، وفقًا لأحكام المادة (4) من نظام التأمين الإلزامي”.
إعداد/ محمد محمود
([1]) عبد الله بن محمد الفليتي، النظام القانوني للتأمين الإلزامي من حوادث المركبات في التشريع الأردني، (ص15).
([2])المرجع السابق ، (ص17)، محامي تأمين أردني ، حماة الحق
([3]) هيثم حامد، ذاتية عقد التأمين الإلزامي على المركبات: دراسة قانونية مقارنة بالفقه الإسلامي، (ص208).
([4]) أفضل محامي تأمين، حماة الحق، وهيثم حامد، ذاتية عقد التأمين الإلزامي على المركبات: دراسة قانونية مقارنة بالفقه الإسلامي، (ص227).

