التزام المؤمِّن تجاه الغير في التأمين الإلزامي للمركبات

التزام المؤمِّن تجاه الغير في التأمين الإلزامي للمركبات

إن عقد التأمين من المسؤولية المدنية يُرتب التز امات متبادلة بين طرفيه، المؤمَّن له الذي يسعى للحصول على التغطية التأمينية للأخطار المحتملة من قيام مسؤوليته المدنية تجاه الغير، والمؤمِّن الذي يقدم هذه التغطية ويأخذ على عاتقه ضمان هذه الأخطار، ويلتزم المؤمِّن طوال مدة سريان عقد التأمين بضمان تبعة وقوع حادث السير بتحقق خطر رجوع الغير على المؤمَّن له بالتعويض، وسنتناول بالتفصيل التزام المؤمِّن تجاه الغير في التأمين الإلزامي للمركبات من خلال العناصر الآتية:

أولًا: تعريفات هامة

ثانيًا: المقصود بالتزام المؤمن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

ثالثًا: مفهوم مبدأ الصفة التعويضية لالتزام المؤمن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

رابعًا: مبررات الصفة التعويضية لالتزام المؤمِّن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي

خامسًا: شروط قيام التزام المؤمن بالتعويض تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

سادسًا: محل التزام المؤمِّن في التأمين الإلزامي للمركبات

سابعًا: الأحكام القضائية المتعلقة بالتزام المؤمن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

سوف نقدم شرح تفصيلي لكلًا من هذا العناصر الرئيسية السابقة:

أولًا: تعريفات هامة

نُبين بعض التعريفات الهامة التي تضمنها قانون التأمين الإلزامي والمتعلقة بموضوع المقال، وذلك فيما يلي:

1.    الحادث:

لقد عرفت (المادة ٢) من قانون التأمين الإلزامي الأردني رقم ١٢ لسنة ٢٠١٠م أنه:” كل واقعة ألحقت أضرارًا بالغير ناجمة عن استعمال المركبة، أو انفجارها، أو حريقها، أو سقوط أشياء منها”

2.    الضرر:

“الوفاة أو أي إصابة جسمانية تلحق بالغير، أو أي أضرار معنوية ناجمة عنها والخسائر، أو الأضرار التي تلحق بممتلكات الغير بسبب حادث ناجم عن استعمال المركبة”

3.    المتضرر:

لقد عرفت (المادة ٢) من قانون التأمين الإلزامي الأردني رقم ١٢ لسنة ٢٠١٠م المتضرر على أنه: “أي شخص تعرض للضرر بسبب الحادث بما في ذلك المؤمن له وسائق المركبة المتسببة بالحادث”

4.    التعويض:

“هو محل التزام المؤمِّن في عقد التأمين الإلزامي، والأصل أنه يكون نقديًا، وقد يكون عينيًا، وهو شغل الذمة بما يجب الوفاء به من مال أو عمل”([1])

5.    الغير:

أي شخص، غير المؤمَّن له أو سائق المركبة، يتعرض للضرر بسبب حادث ناجم عن استعمالها، ويشمل لفظ المتضرر في النظام الغير، إذ إنه في الأخير قد تضرر من جراء فعل المؤمَن له أو سائق المركبة.

ومن الجدير بالذكر “أن المشرع الأردني في نظام التأمين الإلزامي الجديد اتجه إلى توسيع نطاق التأمين الإلزامي ولم يقصره على تغطية المسؤولية المدنية الناشئة عن حوادث استعمال المركبات الآلية. بل جعله يغطي الأضرار التي تلحق بالمؤمَّن له وقائد المركبة بسبب الحوادث التي قد ترتكب من أي منهما، على الرغم من كونهما يتحملان المسؤولية القانونية عن الأضرار التي تلحق بالغير نتيجة هذه الحوادث. فجاءت (المادة 2) من النظام شاملة لكل من المؤمَّن له وقائد المركبة بتعريف المتضرر الذي يستفيد من التأمين. وبهذا يكون المشرع الأردني قد جعل من هذا التأمين تأمينًا مزدوجًا. فهو تأمين من المسؤولية بالنسبة للضرر الذي يلحق بشخص ثالث ليس طرفًا في عقد التأمين، وتأمين من الحوادث الشخصية الناشئة عن استعمال المركبة بالنسبة للمؤمَّن له وقائد المركبة”([2]).

ثانيًا: المقصود بالتزام المؤمن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

” مما لا شك فيه أن التأمين من المسؤولية المدنية الناشئة عن استعمال المركبات يُعد وسيلةً لدرء أثر تحقق المخاطر الناتجة عن التهديد السلبي الذي يحيق الذمة المالية للمؤمَّن له بالانتفاص؛ بسبب الالتزام بضمان مسؤوليته تجاه الغير؛ مما يُترجم عملًا بالتزام المؤمِّن بضمان الانتقاص المُحتمل الذي يُهدد الذمة المالية للمؤمَّن له، وهذا الضمان يتوقف تنفيذه من الناحية العملية عند توافر كافة الشروط الخاصة بانعقاد مسؤولية المؤمَّن له تجاه الغير، إذ إنه يرجع الأخير حينها على المؤمن له”([3]).

ثالثًا: مفهوم مبدأ الصفة التعويضية لالتزام المؤمن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

من أهم خصائص عقد التأمين أنه عقد ملزم للجانبين، أي أنه بمجرد إبرامه؛ تتولد عنه مجموعة من الالتزامات تقع على عاتق كلا الطرفين ويستطيع كل طرف أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا ما أخل الطرف الاخر بالتزامه المقابل، والالتزام الاساسي للمؤمن هو سداد التعويضات المستحقة في حالة تحقق الخطر المؤمن منه.

ويُعد مبدأ التعويض من أهم المبادئ في التأمين، ويتعلق فقط بالتأمينات من الأضرار لارتباطه بقيمة الخسارة الناتجة عن وقوع الخطر المؤمَّن منه، ويُقصد بمبدأ الصفة التعويضية أن يكون التعويض الذي يلتزم المؤمِّن بسداده في حدود الخسارة المالية التي لحقت بالغير عن الحادث بحيث يتم إرجاع الغير إلى الحالة المالية التي كان عليها قبل الحادث مباشرةً.

ولا يجوز للغير أن يكون في وضع أفضل مما كان عليه قبل حدوث الخطر المؤمن منه؛ لأنه ليس من دور عقد التأمين أن يكون وسيلةً لإثراء الغير، إذ إنه يقتصر دوره على تعويض الغير عما لحق به من ضرر، حيث إنه عند تحقق الخطر المؤمن منه يجب على الغير أن يحصل من المؤمِّن على تعويض يعادل قيمة الضرر الذي أصابه في حدود مبلغ التأمين، بمعنى أنه إذا كان الضرر الذي لحقه أكبر من قيمة مبلغ التأمين، فلن يتقاضى الغير إلا مبلغ التأمين كما يقضي عقد التأمين، وإذا كان مبلغ التأمين أكبر من قيمة الضرر؛ فلن يتقاضى إلا قيمة الضرر وفقًا لمبدأ الصفة التعويضية للتأمين، والقول بحصول الغير على تعويض أعلى مما لحق به من ضرر من شأنه أن يدفع المذكور إلى أن يتعمد إيقاع الخطر المؤمن منه للحصول على ربح من وراء عملية التأمين.

رابعًا: مبررات الصفة التعويضية لالتزام المؤمِّن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي

يُعتبر من أهم مبررات الصفة التعويضية لالتزام المؤمن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات، أنه لولا الصفة التعويضية لكان التأمين سببًا خطيرًا من أسباب إتلاف المال، إذ إنه سيؤدي إلى قيام العديد من الغير بتعمد التعرض إلى حوادث سير؛ للحصول على ربح من وراء التأمين الإلزامي على المركبات؛ لذلك فإن وجود الصفة التعويضية يؤدي إلى منع جميع أشكال تعمد الغير التعرض لحوادث السير؛ للحصول على مبلغ التأمين.

كما أن الصفة التعويضية للتأمين من الأضرار تُعتبر من النظام العام؛ فلا يجوز الاتفاق على ما يخالفها، أي لا يحق للمؤمن له أن يشترط الحصول على مبلغ التأمين كاملًا، إذا كان قيمة الضرر الذي لحقه أقل من هذا المبلغ، ولا يلتزم المؤمِّن إلا بدفع قيمة الضرر فقط إلى الغير؛ لذلك تكون الصفة التعويضية لالتزام المؤمِّن تجاه الغير من الأضرار هي الحصن الذي لا يستطيع المؤمَّن له أو الغير من خلالها السعي وراء تحقيق إثراء بلا سبب من خلال التأمين من الأضرار.

“قد يقوم المؤمن له بإبرام عدة تأمينات عند مؤمنين مختلفين على نفس الشيء ضد خطر واحد خلال مدة تأمينية معينية بمبالغ قد تزيد في مجموعها عن قيمة الشيء المؤمن عليه ففي هذه الحالة تلتزم شركات التأمين (المؤمِّن) طبقًا لمبدأ التعويض بتعويض المؤمن له عن الأضرار والخسائر الفعلية التي لحقت به كل شركة حسب حصتها النسبية”([4]).

خامسًا: شروط قيام التزام المؤمن بالتعويض تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

يجب لقيام التزام المؤمن بالتعويض تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي من توافر الشروط الآتية:

1- وقوع الخطر المؤمن ضده:

لقد تضمن نص (المادة ٩٢٩) من القانون المدني الأردني على أنه: “على المؤمن أداء الضمان أو المبلغ المستحق إلى المؤمَّن له او المستفيد على الوجه المتفق عليه عند تحقق الخطر أو حلول الاجل المحدد في العقد”.

ويتضح من خلال المادة السابقة أن وقوع الخطر المؤمَّن ضده شرط أساسي لقيام التزام المؤمِّن بالتعويض تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات، ويترتب على ذلك ألا يقوم التزام المؤمِّن بالتعويض تجاه الغير في حالة عدم تحقق الخطر المؤمَّن ضده، ويتعلق هذا الشرط بجوهر التأمين الذي كان الهدف منه التأمين من الآثار التي يُرتبها وقوع الخطر المؤمَّن منه؛ لذا كان من البديهي أن ينعدم الالتزام بالتأمين عند عدم وقوع الخطر المؤمَّن ضده.

2- أن يكون الخطر من الأخطار المشمولة في عقد التأمين:

يشترط لقيام التزام المؤمِّن بالتعويض عن الخطر المؤمَّن ضده أن يكون من الأخطار المشمولة في عقد التأمين، وهذا الشرط ضروري؛ لأنه إذا كان الخطر الواقع من غير الأخطار المشمولة بالتأمين؛ فلا يقوم التزام المؤمن بالتعويض عنه ويقع على المؤمَّن له إثبات وقوع الخطر المؤمَّن منه، وأنه من ضمن الأخطار المشمولة في عقد التأمين، وتحديد الأخطار المشمولة في عقد التأمين يكون بالنسبة للأخطار التي دفع المؤمَّن له بالنسبة لها مبلغ التقسيط للمؤمِّن.

3- يجب أن يقع الخطر المؤمن منه خلال مدة العقد:

لا يكفي لقيام التزام المؤمِّن بالتعويض عن الخطر المؤمَّن ضده أن يكون من الأخطار المشمولة في عقد التأمين؛ بل لا بد أن يقع الخطر المؤمَّن منه بعد بدء مدة سريان عقد التأمين، وقبل مدة انتهائه، ويعتبر مدة العقد من البيانات التي يتم ذكرها في عقد التأمين، فيُذكر تاريخ بدء سريان العقد، وتاريخ انتهائه؛ وبالتالي إذا وقع الخطر المؤمن منه خلال مدة سريان العقد، يكون المؤمِّن ملزمًا بالتعويض عنه، بشرط ألا يجاوز قيمة الخطر مبلغ التأمين الذي يشكل الحد الأقصى لالتزام المؤمِّن.

4- أن ينتج عن هذا الخطر ضررًا يلحق الغير:

يشترط لقيام التزام المؤمِّن بالتعويض عن الخطر المؤمَّن ضده أن يكون الخطر من الأخطار المشمولة في عقد التأمين، وأن يكون واقعًا خلال مدة سريان العقد، وأن ينتج عن هذا الخطر ضررًا يلحق الغير، ويرجع ذلك إلى أن الهدف من التأمين هو تعويض المضرور عما لحقه من ضرر من جراء وقوع الخطر المؤمَّن ضده؛ وبالتالي إذا لم ينتج عن الخطر المؤمن ضده ضررًا يلحق بالغير؛ فلا يقوم التزام المؤمن بالتعويض، كما يُعتبر الضرر أحد الأسس الضرورية لتقدير التعويض، بحيث لا يكون التعويض إلا بمقدار الضرر، كما يشترط أن يكون الضرر ناتجًا عن الخطر المؤمن ضده وليس أي خطر آخر، بمعنى أن تكون هناك علاقة سببية بين الضرر والخطر المؤمَّن ضده.

سادسًا: محل التزام المؤمِّن في التأمين الإلزامي للمركبات

يُقصد بمحل التزام المؤمن تجاه الغير في التأمين الإلزامي للمركبات ما يلتزم المؤمن بأدائه للغير، وهو مبلغ التعويض، وما يلتزم المؤمن بأدائه للغير إما أن يكون نقديًا وهو الأصل، وإما أن يكون عينيًا على النحو الآتي:

١- التزام المؤمِّن بالتعويض النقدي:

الأصل في نظام التأمين الإلزامي أن يوفي المؤمِّن بالتزامه تجاه الغير نقديًا، ولقد أكد القانون المدني الأردني على الطابع النقدي للتأمين من خلال نص (المادة ٩٢٠)، بما نصت عليه: “التأمين عقد يلتزم به المؤمن أن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده او تحقق الخطر المبين في العقد”.

٢- التزام المؤمن بالتعويض العيني:

يُقصد بالتزام المؤمِّن بالتعويض العيني إعادة وإصلاح المؤمِّن للشيء المؤمَّن منه إلى الحالة التي كان عليها قبل وقوع الخطر، فإذا وقع حادث سير، وأحدث أضرارًا بالغير تمثلت في قطع إحدى قدميه؛ فإن لهذا الغير مطالبة المؤمِّن بتركيب طرف صناعي عن طريق أحد المستشفيات في المملكة ما دام أن ثمن تكلفة تركيب الطرف الصناعي لا تتخطى مبلغ التعويض المقرر، وهنا يثور التساؤل عن حق شركة التأمين في رفض التعويض العيني والتمسك بالتعويض النقدي للغير لا سيما وأن الأصل هو التعويض النقدي.

سابعًا: الأحكام القضائية المتعلقة بالتزام المؤمن تجاه الغير في نظام التأمين الإلزامي للمركبات

لقد وردَّ في الحكم رقم (2616) لسنة 2018م، الصادر من محكمة صلح حقوق الزرقاء، بتاريخ   ١٩/١٢/٢٠١٨م، بما نصه: “وبتطبيق القانون على الوقائع الثابتة تجد المحكمة أن المدعى عليه الثاني/…… قد تسبب بالحادث وبالإضرار للمركبة المؤمنة لدى المدعية نتيجة مخالفته لقانون السير بسبب الرجوع إلى الخلف المؤدي لوقوع حادث وعدم صلاحية الفرامل فإن هذا فيه تعدٍ وتقصيرٍ منه أدى إلى ارتكاب هذا الجرم، وحيث إن المدعية وبصفتها الشركة المؤمنة قد أوفت بالتزاماتها تجاه الغير المتضرر بأن عوضته عن الضرر الذي لحق بمركبته بسبب ارتباطها معه بعقد تأمين، فإنه والحالة هذه يكون لها الحق في ان ترجع على المتسبب بالحادث لاستيفاء ما قامت بدفعه للمتضرر، وحيث أن المدعية قامت بدفع مبلغ (2150 دينارًا) للمتضرر فإن المدعى عليهما ملزمين بدفع هذا المبلغ للمدعية على اعتبار أن المدعى عليه الثاني/….. كان متسببًا في إحداث الضرر والمدعى عليه الاول مالك المركبة المتسببة بالحادث عملًا بنظام التامين الالزامي من المسؤولية المدنية الناجمة عن استعمال المركبات”.

كما وردَّ في الحكم رقم (829) لسنة 2020م، الصادر من محكمة صلح حقوق الكرك، بتاريخ ١٥/٩/٢٠٢٠م، بما نصه أنه: “ولما كان الاجتهاد القضائي الأردني قد استقر على أن للمتضرر من الغير أن يتقاضى من شركة التأمين كامل التعويض الذي يستحقه بما لا يتجاوز الحد الأعلى لمبلغ التأمين في الحادث الواحد ضمان المتضررين جميعًا واحدًا كان أو أكثر. وقد نصت المادة (9) من نظام التأمين الإلزامي رقم (12) لسنة 2010م على التزام شركة التأمين بتعويض الغير عن أي مبالغ يكون المؤمن له مسؤولًا عن دفعها كتعويض عن الضرر، وتحدد مسؤولية شركة التأمين في التعويض وفق أسس بمقتضى تعليمات يصدرها مجلس الوزراء بناء على تنسيب المجلس”.

إعداد/ محمد محمود

[1]) د. غدير إدريس العزام، ضوابط التعويض في التأمين الإلزامي للمركبات، (ص٩).

([2]) بهاء بهيج شكري، قراءة في نظام التأمين الإلزامي الأردني الجديد، (ص3). ومقال عن أفضل محامي تأمين ،  حماة الحق

([3]) د. إبراهيم مضحي أبو هلالة، التزام المؤمن بالتعويض في التامين من المسؤولية المدنية، (ص٢٣٤).

[4] د. سمير صادق عادل، التأمين من الحريق، (ص٢٦٠).

Scroll to Top