التزام العامل بالمحافظة على أسرار صاحب العمل

التزام العامل بالمحافظة على أسرار صاحب العمل في التشريع الأردني

المستقر عليه فقهاً وقضاءً أنه يجب أن يتم تنفيذ العقود كافة ومن بينها عقد العمل بما يتفق ومبدأ حسن النية الذي يجب أن يسود المعاملات كافة، ويتفرع التزام العامل بالمحافظة على أسرار العمل عن مبدأ حسن النية، ولما كان عقد العمل يقوم على الاعتبار الشخصي وتتوافر به رابطة التبعية بين العمل ورب العمل، فإن العامل يلتزم بالمحافظة على أسرار صاحب العمل والتي أطلع عليها بمناسبة العمل لدى الأخير، وسوف نتناول في هذا المقال مناقشة التزام العامل بالحفاظ على أسرار العمل وذلك من الوجوه الآتية:

وقد قامت شركة حماة الحق بإطلاق حاسبة الحقوق العمالية الإلكترونية لحساب مقدار حقوق العامل عن فترة عمله.

أولاً: مضمون التزام العامل بالحفاظ على أسررا العمل:

ثانياً: السر الصناعي والتجاري:

ثالثاً: الطبيعة القانونية لالتزام العامل بالمحافظة على أسرار العمل:

رابعاً: المنع من المنافسة:

خامساً: أحكام مسئولية العامل عند إفشاء أسرار العمل:

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن التزام العامل بالمحافظة على أسرار العمل:

 

أولاً: مضمون التزام العامل بالحفاظ على أسررا العمل:

نصت المادة (19/ب) من قانون العمل الأردني على أنه يتوجب على العامل: ” المحافظة على أسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية وألا يفشيها بأي صورة من الصور ولو بعد انقضاء عقد العمل وفقاً لما يقتضيه الاتفاق أو العرف “.

ويرى البعض بأن السر المهني،[1] بشكل عام هو ما يتوصل إليه العامل  من خلال عمله، ويتوجب عليه كتمانه حفاظاً على مصلحة صاحب السر وعدم الإفصاح عنه، ويتمثل مضمون التزام العامل بالحفاظ على أسرار صاحب العمل وفق ما استقر عليه الفقه والقضاء في عدم نقل هذه الأسرار إلى الغير والتي أطلع عليها العامل أثناء أداء وظيفته لدى رب العمل، ولا يقتصر الأمر على الأسرار الصناعية والتجارية بل يمتد ليشمل المعلومات المتعلقة بالمواد المستخدمة وطريقة الإنتاج وكذا الأمور المالية كموقف المنشأة المالي وما يتصل بالعمال من أمور تعد سرية بطبيعتها وفقاً للعرف أو الاتفاق المبرم بين العامل ورب العمل.

ثانياً: السر الصناعي والتجاري:

لا يوجد تعريف محدد متفق عليه للسر الصناعي وإنما اتجه الفقه إلى الربط بين المعرفة الفنية والسر الصناعي بالرغم من كون الأولى أوسع وأعم من الأخير وهما في حقيقة الأمر ليسا شيئاً واحداً، وقد اتجهت محكمة النقض الفرنسية إلى القول بأن سر المصنع يتألف من كل وسيلة من وسائل المصنع، ذات منفعة عملية أو تجارية يعمد الصانعون إلى اتخاذها وإعمالها مع إخفائها عن منافسيهم الذين لا يعلمون بها.[2] ولا يشمل السر فقط المعلومات السرية بطبيعتها بل يشمل المعلومات التي قد يصدر أوامر كتابية من صاحب العمل باعتبارها سرية ويلتزم العامل بعدم إفشائها، كما يعد من أسرار صاحب العمل المعاملات المادية والمدنية وأيضاً ما يخص العمال في بعض الحالات.

ويشمل التزام العامل بالمحافظة على السر الصناعي عدم جواز إفشاء الأسرار المتعلقة بالرسم الصناعي أو النموذج الصناعي حيث يتمتع صاحبهما بالحماية القانونية ويمتنع الاعتداء عليهما، ويمنحان صاحبهما نوعان من الحقوق: معنوي ويتمثل في نسبة الابتكار إليه وآخر مالي بما له من حق استغلاله، ولذلك يُحرم على العامل إفشاء أسرار صاحب العمل في هذا الشأن.[3]

أما السر التجاري فقد أشارت المادة (4) من قانون المنافسة غير المشروعة الأردني لما يعتبر سراً تجارياً يتوجب على العامل عدم إذاعته فأوردت أنه:

أ- لمقاصد هذا القانون تعتبر أي معلومات سراً تجارياً إذا اتسمت بما يلي:

  • أنها سرية لكونها غير معروفة عادة في صورتها النهائية أو في مكوناتها الدقيقة أو أنه ليس من السهل الحصول عليها في وسط المتعاملين عادة بهذا النوع من المعلومات.
  • وأنها ذات قيمة تجارية نظراً لكونها سرية.
  • وأن صاحب الحق أخضعها لتدابير معقولة للمحافظة على سريتها في ظل ظروفها الراهنة.

وترتيباً على ما تقدم يعد سراً تجارياً معاقباً على إفشائه أي معلومات أو بيانات أو غير ذلك مما ينطبق عليه الوصف الوارد بالمادة سالفة الذكر، ولم يحدد المشرع على سبيل الحصر كل ما يعد سراً تجارياً لعدم إمكانية حصر تلك الأسرار لتنوعها بتنوع المهن والحرف والصناعات واكتفى بإيراد أمثلة لما يعد سراً تجارياً، كما يعد سراً تجارياً ما جرى العرف على اعتباره كذلك، وقد تضمنت (الفقرة ب) من المادة السابق الإشارة إليها إلى عدم انطباق أحكام هذا القانون على الأسرار التجارية التي تتعارض مع النظام العام أو الآداب العامة.

ولا يعد من قبيل إفشاء السر توصل العامل إلى ما يدين صاحب العمل جنائياً، فقام بالإبلاغ عن ذلك للجهات المختصة لا يعتبر إفشاء للسر المهني في قانون العمل، لأن ذلك واجب العامل.[4]

ثالثاً: الطبيعة القانونية لالتزام العامل بالمحافظة على أسرار العمل:

يثور التساؤل بشأن الطبيعة القانونية لالتزام العامل بالمحافظة على أسرار العمل وذلك نظراً لتعدد الأصول التي قد يرجع إليها أصل هذا الالتزام، فهل هو التزام بقوة القانون ومن ثم فلا يشترط الاتفاق عليه في العقد، أم هو التزام عقدي ومن ثم يخضع لقواعد المسؤولية العقدية، أم أنه يخضع لأحكام المسؤولية التقصيرية؟

إن تحديد الطبيعة القانونية لهذا الالتزام يستلزم مع بيان نصوص القانون الواجب التطبيق هل هو القانون المدني أم قانون العمل أم قواعد المنافسة غير المشروعة.

ومما يساعد في وجود هذه الإشكالية أنه لا يمكن وضع قاعدة تحدد ما يُعد سراً وما لا يعد كذلك وإن كان المشرع الأردني قد تناول بعض هذه الأسرار، كالأسرار التجارية والصناعية، وإن لم يحددها في النهاية على سبيل الحصر وأضاف لذلك ما يحدده الاتفاق والعرف كما هو الحال في نص المادة (814) من القانون المدني، خاصة وأن أسرار العمل كثيرة ومتنوعة فهناك السر الصناعي والتجاري والأسرار المالية وكذا أسرار العمال داخل المنشأة الواحدة وهو ما يختلف ويتغاير من منشأة لأخرى، وسوف نناقش طبيعة هذا الالتزام من عدة جوانب:

1- الالتزام بقوة القانون:

نص المشرع الأردني في المادة (814/5) من القانون المدني على أنه: ” يجب على العامل أن يحتفظ بأسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية ولو بعد انقضاء العقد وفقاً لما يقتضيه الاتفاق أو العرف “. كما ورد النص على التزام العامل ذاك أيضاً بموجب نص المادة (19/ب) من قانون العمل والسالف ذكرها، ومن ثم يعد الالتزام بعدم إفشاء أسرار العمل من قبل العامل هو التزام بقوة القانون فلا يشترط النص أو الاتفاق عليه فيما بين الطرفين لإعماله وإنتاج أثره، بل هو مقرر بقوة القانون ويلتزم به العامل دون حاجة إلى تقريره والاتفاق عليه بعقد العمل المبرم بينه وبين رب العمل.

وترتيباً على ذلك فلا يجوز للعامل في حالة قيامة بمخالفة هذا الالتزام بإفشاء أي من الأسرار التي يتوجب عليها المحافظة عليها سواء أثناء سريان العقد أو بعد انتهائه وترك العامل المنشأة التحدي بأن عقد العمل المبرم بينهم لم يرد النص فيه على هذا الالتزام لكون هذا الالتزام مقرر بقوة القانون ولا يجوز للعامل التحلل منه على الإطلاق.

ونظراً لأهمية هذا الالتزام وما يترتب على مخالفته والإخلال به من أضرار قد تصيب المنشاة والعاملين بها، فقد منح المشرع الأردني – وكذا معظم التشريعات المقارنة – الحق لصاحب العمل في فصل العامل مباشرة في حال قيامه بإفشاء أسرار العمل أياً كانت هذه الأسرار التي تم إذاعتها، دون اشتراط أن يسبق ذلك توجيه لوم أو إنذار أو خصم من المرتب أو غير ذلك من الجزاءات التي قد تسبق قرار الفصل من العمل في حالة ارتكاب العامل لبعض لمخالفات الأخرى وذلك لشدة خطورة هذا الأمر وما قد يترتب عليه من نتائج قد تصل إلى انهيار المنشأة بالكامل، فقد نصت المادة (28/و) من قانون العمل على أنه: ”  لصاحب العمل فصل العامل دون إشعار وذلك في أي من الحالات التالية: إذا أفشى العامل الأسرار الخاصة بالعمل “.

ولم يحدد المشرع أسرار بعينها صناعية أو تجارية لمساءلة العامل، فقد تتعلق الأسرار التي تم كشفها بالموقف المالي للمنشأة، أو طريقة الإنتاج، أو المواد المستخدمة، أو غير ذلك، وتوقيع جزاء الفصل من العمل لا يخل بما لصاحب العمل من حق في مطالبة العامل الذي أفشى أسرار المنشاة بالتعويض إن كان له مقتض.

2- الالتزام وفقاً لقواعد المسئولية العقدية:

يلتزم العامل بحكم القانون بالمحافظة على أسرار العمل، ولكن قد يحدث أن يتضمن عقد العمل المبرم بين العامل وصاحب العمل النص على هذا الالتزام وهو الغالب في الواقع العملي، سواء كانت تلك الأسرار المتفق على عدم إفشائها من قبيل الأسرار الصناعية أو التجارية أو غير ذلك من الأمور التي تعد من قبيل الأسرار والتي سبق أن أشرنا إليها، وطالما تضمن العقد النص على هذا الالتزام صراحة بجانب كونه مقرر بقوة القانون التزم العامل بالحفاظ على كافة الأسرار التي أطلع عليها أثناء أو بسبب أداء عمله ولا يحق له إذاعتها أو تبليغها للغير، ويظل هذا الالتزام قائماً في حق العامل طوال مدة عمله وبعد تركه العمل أياً كان سبب الترك.

وفي حالة قيام العامل بإفشاء أسرار المنشأة يحق لصاحب العمل بخلاف فصله من العمل الرجوع عليه وفقاً لقواعد المسئولية العقدية ومطالبته بالتعويض عما يصيبه من أضرار سواء كانت تلك الأضرار مادية أو أدبية.

3- الالتزام وفقاً لقواعد المسئولية التقصيرية:

يمكننا القول بأن مساءلة العامل وفقاً لقواعد المسئولية التقصيرية عن إفشاء أسرار صاحب العمل تقوم في حالة إفشاء العامل أسرار صاحب العمل بعد انتهاء مدة العقد أو تركه المنشأة لأي سبب كان، ففي هذه الحالة لا يوجد ثمة رابطة عقدية فيما بين العامل ورب العمل حتى يمكن مساءلة العامل وفقاً لأحكام المسئولية العقدية، فبترك العامل للعمل تنقضي الرابطة العقدية بين الطرفين، إلا أن ذلك لا يمنع صاحب العمل من مساءلة العامل عن إفشاء أسراره حتى بعد انتهاء الرابطة بينهم، وذلك لكون هذا الالتزام يظل قائماً في ذمة العامل حتى بعد انقضاء تلك الرابطة ولو لم يتضمن عقد العمل النص على هذا الشرط باعتبار أن هذا الالتزام مقرر بقوة القانون، ولا يؤثر على ذلك إدراجه من عدمه ضمن بنود عقد العمل.

وقد قضي بقيام المسئولية لتقصيرية في حق العامل الذي يكون قد ترك العمل ثم استغل لمصلحته الشخصية المعرفة الفنية التي اكتسبها من صاحب العمل، أو التي يكون قد نقلها لصاحب العمل الجديد الذي ألتحق به.[5]

كما تظهر أهمية المساءلة وفقاً لقواعد المسئولية التقصيرية في حالة اعتداء الغير على أسرار صاحب العمل سواء كان هذا الاعتداء مرجعه الغير نفسه أو نتيجة إخباره من أحد العاملين ففي هذه الحالة لا يجوز مساءلة الغير وفقاً لأحكام المسئولية العقدية لعدم وجود ثمة رابطة عقدية تجمع بينه وبين صاحب العمل، ولا يجوز أن تمتد الرابطة العقدية بين العامل وصاحب العمل لتشمل الغير لكونه ليس طرفاً فيها، وعليه فلا يجوز مساءلة الغير القائم بالاعتداء على أسرار صاحب العمل إلا وفقاً لقواعد المسئولية التقصيرية الواردة بالقانون المدني.

4- الالتزام وفقاً لقواعد المنافسة غير المشروعة:

تضمن قانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية الأردني رقم 15 لسنة 2000 النص على التزام العامل بالمحافظة على أسرار المنشأة التجارية في المادة (6/أ، ب) بنصها على أنه:

أ- يعد حصول أي شخص على سر تجاري أو استعماله له أو الإفصاح عنه بطريقة تخالف الممارسات التجارية الشريفة دون موافقة صاحب الحق إساءة لاستعمال السر التجاري.

ب- لغايات تطبيق أحكام الفقرة (أ) من هذه المادة يعتبر مخالفا للممارسات التجارية الشريفة على وجه الخصوص ما يلي:

  • الإخلال بالعقود.
  • الإخلال بسرية المعلومات المؤتمنة أو الحث على الإخلال بها.
  • حصول شخص على الأسرار التجارية من طرف آخر إذا كان يعلم أو كان بمقدوره أن يعلم بأن حصول ذلك الطرف عليها كان نتيجة مخالفة للممارسات التجارية الشريفة.

وبالبناء على ما تقدم فإنه يجوز مساءلة العامل عن إفشاء الأسرار التجارية طبقاً لأحكام قانون المنافسة غير المشروعة عملاً بنص المادة السادسة من القانون سالفة البيان.

وقد أشارت (الفقرة ج) من المادة السادسة من ذات القانون إلى حكم هام وهو أنه لا يعتبر مخالفا للممارسات التجارية الشريفة على وجه الخصوص التوصل إلى السر التجاري بصورة مستقلة أو عن طريق الهندسة العكسية، ومن ثم فلا تسريب على العامل في هذه الحالة ما دام قد توصل لذلك السر بنفسه وبصورة مستقلة ولم يكن ذلك نتاج اطلاعه عليه بمناسبة أداء عمله.

رابعاً: المنع من المنافسة:

الأصل أن العامل يتمتع بكامل حريته بعد الانتهاء من أوقات العمل ولا يجوز لصاحب العمل معارضة ذلك، إلا أن هناك بعض الحالات التي تعطي لصاحب العمل الحق في الاعتراض على ذلك، وهذه الحالات هي:

1- اشتغال العامل بعمل آخر مما يؤثر على التزامه وكفاءته لدى صاحب العمل، فقد ورد بنص المادة (805/2) من القانون المدني ما يشير بشكل ضمني إلى أنه يجوز إلزام العامل، بأن لا يعمل لدى أي شخص آخر بخلاف رب العمل، وتأكد ذلك بنص المادة (816) من ذات القانون التي أجازت لصاحب العمل فيهذه الحالة فسخ عقد العمل أو إنقاص اجر العامل.[6]

2- ممارسة العامل لعمل من شانه منافسة رب العمل، كقيامه بتصنيع ذات الأشياء أو توزيعها لصالح منافسيه مما يضر بصاحب العمل.

3- إذا وما وجد اتفاق بين الطرفين يمنع العامل من منافسة رب العمل وكان الاتفاق مشروعاً.

شروط صحة الاتفاق على منع المنافسة:[7]

بينت المادة (818) من القانون المدني الأردني الشروط اللازمة لصحة الاتفاق بمنع المنافسة فنصت على أنه:” 1- إذا كان العامل يقوم بعمل يسمح له بالاطلاع على أسرار العمل ومعرفة عملاء المنشاة جاز للطرفين أن يتفقا على ألا يجوز للعامل أن ينافس صاحب العمل أو يشترك في عمل ينافسه بعد انتهاء العقد. 2- على أن الاتفاق لا يكون مقبولا إلا إذا كان مقيدا بالزمان والمكان ونوع العمل بالقدر الضروري لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل “.

ويستخلص من ذلك أنه يشترط لصحة الاتفاق بمنع المنافسة ما يأتي:

1- أن يكون المنع من المنافسة نسبياً فلا يمكن أن يكون شرط عدم المنافسة مطلقاً لمعارضة ذلك لمبدأ حرية العمل وهو من المبادئ الأساسية التي لا يجوز المساس بها، ومن ثم يجب أن يكون شرط المنع محدد المدة الزمنية والمكان ونوع العمل:

  • فمن حيث المدة: يجب أن يكون شرط المنع لمدة محددة وهي المدة المناسبة لحماية مصالح صاحب العمل المشروعة، فلا يجوز أن يكن المنع مطلقاً أو طوال حياة العامل أو صاحب العمل.
  • ومن حيث المكان: يجب أن يرتبط المنع بمنطقة أو مكان معين فلا يجوز أن يشمل المنع البلاد بأكملها أو مناطق لا يصل إليها صاحب العمل ومتى خالف الشرط ذلك كان باطلاً.
  • أما من حيث نوع العمل: فيجب أن يكون المنع بالقدر الكافي لحماية مصالح رب العمل المشروعة، فقد يقتصر المنع على المهنة أو الحرفة التي يمارسها رب العمل وما ق يتصل بها من أعمال مرتبطة بها بشرط وجود مصلحة جدية ومشروعة لصاحب العمل في ذلك المنع، وفي جميع الحالات السابقة يخضع مدى مشروعية الشرط من عدمه للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع وفق ما تستخلصه وما تنتهي إليه من واقع الدعوى.

2- أن يكون من شان العمل الموكول للعامل الاطلاع على أسرار صاحب العمل والاتصال بعملائه في الحالات التي يخشى فيه أن يقوم العامل باجتذاب عملاء رب العمل بعد انتهاء عقد العمل طبقاً لنص المادة (818) مدني كما هو الحال في شركات الصناعات الكيماوية والروائح العطرية، ويترتب على ذلك أنه متى كان شرط المنع صحيحاً ألتزم العامل بعدم منافسة رب العمل وفق ما تضمنه الشرط، ولكن يجوز للعامل التحلل من هذا الشرط في حالتين:

الأولى: قيام صاحب العمل بفسخ عقد العمل أو فصل العامل تعسفياً أو رفض تجديد العقد بعد انتهاء مدته دون مبرر مشروع.

الثانية: إذا وقع من رب العمل ما يبرر للعامل فسخ عقد العمل.

وطبقاً لنص المادة (819) من القانون المدني فإن شرط المنع من المنافسة يكون باطلاً إذا اتفق الطرفان على تضمين العامل في حالة الإخلال بالامتناع عن المنافسة تضميناً مبالغاً فيه بقصد إجباره على البقاء لدى صاحب العمل.

خامساً: أحكام مسئولية العامل عند إفشاء أسرار العمل:

لكي تقوم مسئولية العامل عند الإخلال بالمحافظة على أسرار صاحب العمل طبقاً لأحكام المسئولية العقدية أو المسئولية التقصيرية أو قواعد المنافسة غير المشروعة، يجب أن يتوافر ثلاثة عناصر أياً كانت نوع المسئولية التي يستند إليها صاحب العمل في مساءلة العامل وهذه العناصر هي الخطأ والضرر رابطة السببية بينهما وذلك على النحو التالي:

1- الخطأ:

يتمثل ركن الخطأ في قيام العامل بإفشاء أسرار رب العمل والتي أطلع عليها أثناء أو بسب أداء عمله لدى صاحب العمل، وكانت الأمور التي أذاعها العامل مما يعتبر سراً كأن تتعلق بالأسرار الصناعية أو التجارية أو المالية لصاحب المنشأة أو تتعلق بالمواد المستخدمة، أو طريقة الإنتاج، أو تكوين المواد، أو غيره مما يعتبر سراً طبقاً للعرف، ولا يعتبر من أسرار العمل التي يحاسب العامل على إفشائها تلك التي وصلت إليه دون أن تكون بمناسبة عمله، أو كانت شائعة ومعلومة للعامة أو توافر رضاء صاحب العمل بشأن إذاعتها.

2- الضرر:

لا يكفي لتحقق مسئولية العامل أن يتوافر في جانبه ركن الخطأ بعدم المحافظة على أسرار صاحب العمل بإذاعة تلك الأسرار، بل يجب أن يترتب على إفشاء تلك الأسرار وقوع ضرر لصاحب العمل، وقد يكون هذا الضرر مادي بأن فوت عليه منفعة مشروعة أو رتب في حقه خسارة، وقد يكون الضرر معنوي كتشويه سمعة المنشأة.

3- رابطة السببية:

يجب أن تتوافر رابطة السببية بين الخطأ الواقع من العامل والضرر الذي أصاب صاحب العمل بأن كان خطأ العامل بإذاعة أسرار صاحب العمل هو السبب المباشر الذي أدى لوقوع الضرر، ويجوز للعامل نفي مسئوليته عن طريق نفي رابطة السببية بين فعله والضرر الذي أصاب صاحب العمل، أو عن طريق إثبات العامل أن السر المهني تم إفشاؤه عن طريق الغير، أو كان نتيجة قوة قاهرة أو سبب أجنبي عملاً بنص المادة (261) من القانون المدني.

سادساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن التزام العامل بالمحافظة على أسرار العمل:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3097 لسنة 2014 بأن:

التزام العامل بالمحافظة على أسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية وفقاً للمادة (19/5) من قانون العمل و(814/5 و818) من القانون المدني وصحة هذا الشرط مرهونة بعدم مخالفته للقانون أو الآداب العامة أو النظام العام وبالرجوع إلى البند التاسع من عقد العمل نجد أنه أورد منع العامل القيام بأي عمل (منافس أو مشابه) للعمل الذي كان يقوم به لدى رب العمل.

وبالرجوع إلى البينات المقدمة في الدعوى نجد أن المميز ضده كان يعمل (حلاق/كوافير سيدات) في صالون الجهة المميزة وترك العمل وفتح صالون حلاقة مع آخرين… وبالتالي فإنه ينبغي التفرقة بين العمل (المنافس) والعمل (المشابه) لأن المقصود بمنع العمل المنافس هو ما قصده الشارع في المواد السالف بيانها من الحفاظ على أسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية أما الانتقال إلى عمل (مشابه) فهو ليس (منافسة) لأنه من الطبيعي أن من يمتهن التجارة يذهب إلى منجرة أخرى ومن يمتهن الحدادة يذهب إلى محددة أخرى وكذلك من يمتهن (الحلاقة وغيرها)…

ولذلك فإن اعتبار العمل (المشابه) نوعاً من المنافسة المقصودة في القانون هو تحميل للنص على غير ما يحتمل، بل هو تعد على حق دستوري وبما يؤدي إلى احتكار وتضييق على حق العامل وحريته في العمل… ولذلك فإنه طالما لم يثبت في الدعوى القيام بعمل منافس وإنما عمل المميز ضده عملاً مشابهاً فإنه لا يمكن إعمال ما ورد بالشرط الوارد في البند التاسع من عقد العمل لعدم إثبات المنافسة من جهة ولمخالفته الشق الثاني المتعلق بالعمل (المشابه) وفق المادة (4/ب) من قانون العمل ”

إعداد المحامي/ رفعت حمدي عبد الغني.

[1] راجع في ذلك المحامي/ محمد حسن القضاة، التزام العامل بالمحافظة على السر المهني في القانون الأردني، المجلة العربية للنشر العلمي، العدد التاسع عشر، 2020، ص 188.

[2] راجع في ذلك د/ محمد خليل يوسف أبو بكر، التزام العامل بالمحافظة على أسرار صاحب العمل في التشريع الأردني، الجمعية العلمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية، مجلة العلوم القانونية والسياسية، عام 2019، دار المنظومة، ص 144.

[3] راجع في ذلك/ رانية عيد أبو الحسن، الحماية المدنية للرسم والنموذج الصناعي في التشريع الأردني، رسالة ماجستير، كلية لحقوق، جامعة الشرق الأوسط، 2021، ص 47.

[4] المحامي/ محمد حسن القضاة، مرجع سابق، ص192.

[5] د. محمد خليل يوسف أبو بكر، مرجع سابق، ص 161. مشار إليه لدى د/ عبد الرازق محمد، ذكرى، 2007، حماية المعلومات السرية من حقوق الملكية الفكرية، دار الجامعة الجديدة، مصر، ص 148.

[6] راجع في ذلك شمس الدين قاسم محمد الخزاعلة، التنظيم القانوني للالتزام بالامتناع عن عمل وتطبيقاته في القانون الأردني، جامعة كركوك، مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية، 2016، ص 106، 107.

[7] يراجع في ذلك المحامي/ محمد حسن القضاة، مرجع سابق، ص 195، 196. ويراجع أيضا/ سمير محمد جمعة العواودة، واجبات العمال وحقوقهم في الشريعة الإسلامية مقارنة مع قانون العمل الفلسطيني، رسالة ماجستير، كلية الدعوة وأصول الدين، جامعة القدس، 2010، ص65.

Scroll to Top