التعريف بالنظام القانوني الأنجلوسكسوني

التعريف بالنظام القانوني الأنجلوسكسوني

تختلف الأنظمة القانونية من دولة لأخرى بحسب تعدد الدول واختلاف أشكالها، ويعتبر النظام القانوني الأنجلوسكسوني هو إحدى الفئتين التي ينقسم إليهما النظام القانوني العالمي.

ولقد شكل النظام الأنجلوسكسوني مجموعة من القواعد العرفية التي استمر العمل بها مدة طويلة من الزمن وأيضا السوابق القضائية التي تلعب دورا كبيرا في هذا النظام، بعكس القانون اللاتيني أو المدني فالأهمية فيه تكون للقوانين التي ترسمه الدولة.

ولقد تبنت هذا النظام عدد كبير من الدول على مستوى العالم، إذ بلغ ما يتبناه هذا النظام ما يقرب من ثمانين دولة حول العالم، وتعتبر إنجلترا هي مهد هذا النظام.

جدول المحتويات 

أولا: مفهوم النظام الأنجلوسكسوني ونشأته:

ثانيا: تشكيل النظام الأنجلوسكسوني

ثالثا: خصائص النظام الأنجلوسكسوني

رابعا: دور القاضي والمحامي في النظام الأنجلوسكسوني

خامسا: نشأة النظام الأنجلوسكسوني والتاريخ الإنجليزي

أولا: مفهوم النظام الأنجلوسكسوني ونشأته:

1- مفهوم النظام الأنجلوسكسوني:

ويمكن تعريفه بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تشكل من القواعد العرفية المكتوبة والسوابق القضائية والتي كانت موجودة خلال الفترة الأنجلوسكسونية في إنجلترا.

2- نشأته:

لقد ساد النظام الأنجلوسكسوني في إنجلترا في الفترة التي سبقت الغزو النورماندي والتي بدأت من القرن الخامس الميلادي، منذ غزو قبائل جرمانية هي الأنجلز والسكسكون والذي انتهى حكم الرومان على يديها بعد أن امتد ما يزيد عن أربعة قرون ([1]).

ولقد كانت حياة الأنجلز والسكسون في إنجلترا تحكمها الأعراف المحلية وتنظر في المنازعات التي تنشا بين الناس محاكم المناطق ([2]).

ولم تكن المحاكم التي أنشأت في ذلك الوقت تعرف وسائل التحقيق التي حدده القانون الروماني كوسيلة للتحقيق والاستجواب الشامل بواسطة القضاة.

ولقد اهتم الأنجلوسكسوني بالتنظيم القضائي بنفس تلك الأهمية التي تمتع بها التنظيم الإداري لديهم، وتميزت تلك الفترة بتنوع الهيئات القضائية التي ارتبط وجوده بالتقسيم الإداري.

ولقد كان لتلك القبائل قانون مستمد من الأعراف القبلية البدائية، وتطور هذا النظام ولم يتأثر بالنظم القانونية الأخرى إلا بمقدار ضئيل، وبذلك كانت إنجلترا هي مهد هذا النظام وبداية ظهوره على أراضيها ومنها امتد إلى كثير من دول العالم حتى وقتنا هذا.

ثانيا: تشكيل النظام الأنجلوسكسوني

يتشكل النظام الأنجلوسكسوني من:

1- القواعد العرفية غير المدونة التي درج الناس على اتباعها والمعمول بها.

وتشمل جميع القواعد التي اعتاد الناس على اتباعها في حل المسائل والإشكاليات بينهم، والتي تطبق في حالة نشوء نزاع بينهم وتقوم مقام النصوص القانونية الموجودة في الأنظمة الأخرى.

2- السوابق القضائية والتي تعتبر مصدرا رسميا إلزاميا للتشريع.

ولا تعتبر السوابق القضائية في هذا النظام مصادر أولية فيه وإنما تعد مصادر تفسيرية للقانون، حيث يتم تدوين كافة الأحكام القضائية كي تقوم مقام النصوص القانونية المعمول بها في النظام المدني أو اللاتيني، ويمكن الرجوع إليها في حالة تكرار الواقعة محل الدعوى وصدور ذات الحكم إن لم يكن هناك أي اختلاف في الوقائع أو إذا لم تكن هناك ظروف مغايره.

ثالثا: خصائص النظام الأنجلوسكسوني

يمتاز النظام الأنجلوسكسوني بخصوصية عن غيره من الأنظمة في الآتي:

1- أن قواعده التشريعية تتكون من السوابق القضائية

فأساس هذا النظام هو التشريع الذي يتم تطويره على أساس الأحكام القضائية الصادرة في الحالات المشابهة التي تعرض على المحكمة، فالسوابق القضائية في هذا النظام تعتبر مصادر أساسية وليست تفسيرية كما في النظام اللاتيني أو المدني.

فالنظام القانوني في هذا النظام يقوم على نظام المحكمة الواحدة، فهي تنظر كافة أنواع القضايا من إداري وجنائي ومدني وغيره، وبالتالي فتكون سوابق قضائية يتم اتخاذها كتشريع يتم تطويره على أساس أحكام المحكمة.

ويعد النظام الإنجليزي أوضح مثال على هذا النظام، فلا يزال القانون الإنجليزي معتمدا على السوابق القضائية كمصدر أساس ورسمي لنظرياته ومن الأسباب التي ساعدته على هذا الدور الأسباب الآتية:

أ- تأخر ظهور التشريع كمصدر أساس للقانون الإنجليزي حتى القرن التاسع عشر

ب- عدم تقنين القانون الإنجليزي، لأن التقنين ينصب عادة على كل من القواعد الجزئية والمبادئ الكلية، وبإتمام التقنين يتقيد الدور الإنشائي إلى حد كبير.

ج- الأخذ بنظام السوابق القضائية وهو ما ترتب عليه أن أصبح القضاء الإنجليزي مصدرا رسميا للقواعد القانونية ([3]).

2- يمتاز هذا النظام بسلطة واسعة للقضاء

فيتمتع القضاة في هذا النظام بسلطة واسعة في أنهم يستطيعون تأليف قاعدة جديده تعتبر كسابقة قضائية، إذا لم يكن للحالة المعروضة أي واقعة مشابهه، أي ما يمكن إطلاق عليه تغيير السابقة المعتمدة.

3- أن معظم قوانين هذا النظام هي قوانين عرفية غير مدونة.

4- أنه نظام مجهول البداية.

لا يعتبر النظام الأنجلوسكسوني كالشريعة الإسلامية أو كغيره من الأنظمة، وإنما هو نظام ليس له أية معالم تدل على بدايته.

5- عدم التقنين.

ويقصد بالتقنين جمع القوانين بفرع معين من فروع القانون في مجموعة واحدة أو مدون، بحيث ترد هذه القواعد في صورة مواد مبوبة ومرتبة ومرقمة وذلك بعد التنسيق بينها بإزالة ما يكون بينها من تعارض ([4]).

فالنظام الأنجلوسكسوني هو نظام غير مقنن وإنما هو قائم على مجموعة أعراف غير مدونة أو مكتوبة كما هو الحال في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية.

6- أن الدستور في النظام الأنجلوسكسوني غالبية قواعده تكون مسمده من قواعد عرفية استمر بها العمل مدة طويلة من الزمن.

7- القضاء الموحد.

فجميع الدول التي تأخذ بنظام الأنجلوسكسوني يسود فيها نظام القضاء الموحد، فلا يكون هناك محكمة متخصصة في القضاء الإداري وأخرى مختصة في القضاء العادي، ولكن المحكمة تنظر جميع القضايا عادية وإدارية.

رابعا: دور القاضي والمحامي في النظام الأنجلوسكسوني

يترتب على اعتماد هذا النظام على السوابق القضائية كمصدر للتشريع والقواعد العرفية غير المدونة أن القاضي يلعب دورا كبيرا، بل ومرونة كبيرة عند إصدار الحكم، ذلك أن القاضي يستطيع أن يخترع أساس للواقعة المنظورة أمامه إذا لم يكن هناك سابقة قضائية في هذا الموضوع.

أما المحاميين فتكون مسئوليتهم أمام هيئة المحلفين كبيرة، إذ انهم يقع على عاتقهم مهمة إقناع المحلفين، كما يقومون باستجواب الشهود بأنفسهم ومناقشتهم، ولا يقوم المحاميين بمهمة إعداد صحاف الدعاوى.

خامسا: نشأة النظام الأنجلوسكسوني والتاريخ الإنجليزي

يرتبط النظام الأنجلوسكسوني بتاريخ إنجلترا ارتباطا وثيقا، إذ أن القانون الإنجليزي قد مر بمراحل رئيسية إلى أن تشكل في صورته الحالية وهي:

1- المرحلة الأنجلوسكسونية

وهي المرحلة التي سبقت الغزو النورماندي وتبدأ من القرن الخامس الميلادي، إذ تعرضت إنجلترا لغزو قبائل الأنجلز والسكسون، والتي أزاحت حكم الرومان.

ولقد ظلت هذه القبائل على اتصال وثيق بعادات وتقاليدهم الأصلية ولم تترك أية بصمات على القانون الإنجليزي ([5]).

ولقد كانت حياتهم تحكمها الأعراف المحلية وتنظر المنازعات التي تنشا محاكم تسمى محاكم المناطق، ثم أصدروا قوانين لتنظيم علاقاتهم الاجتماعية.

ولم تكن تلك المحاكم تعرف وسائل التحقيق الحالية وإنما يكون الشخص إما مذنبا أو بريئا، فلقد كانت وسائل الثبات بدائية وقاسية تختارها القبيلة ([6]).

فلقد اهتم الأنجلوسكسوني بالتنظيم القضائي بنفس درجة اهتمامه بالنظام الإداري، وتميزت تلك الفترة بتنوع المحاكم والهيئات القضائية التي ارتبط وجودها بالتقسيم الإداري، فقد كانت هناك محكمة المدينة موجودة في المدينة وهي بمثابة المجلي الشعبي المحلي ([7]).

2- مرحلة نشأة النظام القانوني الإنجليزي

يتشكل النظام الإنجليزي من دعامتين هما:

أ- تكوين الكومن لو

ب- قواعد العدالة

لقد انتهى حكم القبائل الأنجلوسكسونية وتأسس نظام الإقطاع في إنجلترا، ولقد كان لهذا الغزو دورا كبيرا في التاريخ الإنجليزي.

وبعد ذلك أنشأ الملك مجلسا خاصا يضم أهم الشخصيات وأقربها إليه، وبين فيه الشؤون المتعلقة بأمن وسلامة البلاد وانبثق عن هذا المجلس في القرن الثاني عشر مجموعة هيئات قضائية سميت بالمحاكم الملكية وهي:

1- المحكمة المدنية

وتختص تلك المحاكم بالنظر في كل المنازعات المتعلقة بالعقار وتتمثل في الاعتداءات على الملكية العقارية أو منازعات الحيازة، إلى جانب الدعاوى التي تتناول حق الملكية.

2- المحكمة المالية

وتختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بالضرائب وكل القضايا المتعلقة بمنازعات موارد الخزينة الملكية.

3- المحكمة الجزائية

وتتناول كل ما يتعلق بالنظر في كل ما ينظر فيه المجلس الخاص للملك، ويرأس جلساتها الملك شخصيا.

ب- قواعد العدالة

نظرا لعدم فلاح قضاء المحاكم الملكية في مسايرة القضايا المستجدة نظرا للدقة المبالغ فيها والتعقيد في الإجراءات الشكلية التي رفعت من درجة تعقيد القضايا واحتمال ضياع الحق، مما دفع المتقاضين إلى رفع الالتماسات إلى الملك والتي يقضي فيه بالعدالة المطلقة التي تنبع من ضميره دون التقيد بأحكام القانون ([8]).

ونظرا لظروف الحرب التي كانت دائرة في ذلك الوقت فلم تعد ظروف الملك تسمح له بالنظر في الالتماسات مما جعله يحيلها إلى مستشاره ليقضي فيها بالعدالة.

وترسخت الممارسة تدريجيا ولم يكن ما يصدر عن المستشار أحكاما قضائية بالمفهوم الفني، ففي بداية الأمر لم تكن تلك الأوامر تهدف إلى قلع جذور قواعد الكومن لو بقدر ما كانت تهدف إلى سد ما به من ثغرات وإتمام ما به من نقص وتصحيح ما اعتراه من قصور وتعديل ما طرأ عليه من أخطاء، وبذلك تكونت وتطورت قواعد جديدة وبسيطة ومرنة ومتماشية مع ظروف العصر ([9]).

3- مرحلة العصر الحديث

لقد أدى ازدواجية القضاء إلى جعل الأمر صعبا على المتقاضين في معرفة المحكمة المختصة لنظر منازعاتهم، إلى جانب دخول إنجلترا السوق الأوربية المشتركة، إلى بوادر تغيير النظام القانوني الإنجليزي.

وبصدور قانون التنظيم القضائي عام 1873 الذي ألغى التمييز بين المحاكم الملكية من حيث الاختصاص وبينها وبين محكمة العدالة، وأصبح للمتقاضين الحق في اختيار المحكمة المختصة بنظر منازعاتهم، هذا إلى جانب تعديل صلاحيات الهيئات القضائية المحلية التي تختص كمحكمة درجة أولى بنظر جميع الدعاوى، ومن جانب آخر تحديث القواعد الإجرائية من اجل تبسيطها، والتمييز بين الأدلة في الإثبات ([10]).

كما تم استبعاد القوانين غير المعمول بها وإحلال حلول جديدة مكان الحلول القديمة التي لم تعد تتلاءم مع تطورات العصر

كما طرأ تطور كبير على القانون الإنجليزي وهو موقفه من مراقبة أعمال الإدارة ومدى تحقيقها للمصلحة العامة، بل وفرض عليها رقابة في إطار ما تتمتع به من سلطة تقديرية خاصة في مجال حماية الأمن الوطني ([11])، فأدى كل ذلك إلى جعله في وضعه الحالي كنموذج للنظام الأنجلوسكسوني.

 

كتابة دكتور \عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

د. حميد شاوش، الأنظمة القانونية المقارنة، محاضرات ألقيت على السنة الثالثة، قانون عام، الجزائر، 2017\2018، ص12.

([2]) د. حميد شاوش, مرجع سابق, ص13.

([3]) نضال بوعون، محاضرات في مقياس مقارنة الأنظمة القانونية، 2020\2021.

([4]) انظر مقال محامي أردني قوي  و د. احمد عبادة, ملخص في مقارنة الأنظمة القانونية, 2021\2022, ص8.

([5]) د. قاسم عبد قاسم، التاريخ الوسيط قصة حضارة البداية والنهاية، ط5،عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ص150،145.

([6]) د. حميد شاوش، الأنظمة القانونية المقارنة، مرجع سابق، ص13.

([7])د. حميد شاوش، الأنظمة القانونية المقارنة، ص14.

([8]) د. حميد شاوش, المرجع السابق, ص

([9])د. حميد شاوش, المرجع السابق, ص22

([10]) د. عصام نجاح، القانون المقارن والأنظمة القانونية الكبرى، دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، 2011،ص71.

([11]) د. حميد شاوش، مرجع سابق، ص25.

Scroll to Top