حق الوكيل التجاري في التعويض عند انتهاء الوكالة
يعد عقد الوكالة التجارية من العقود الملزمة للجانبين، فهو يترتب على طرفيه التزامات بمجرد قيامه، ويترتب على أي إخلال من طرفيه بالتزاماته حق الطرف الآخر في المطالبة بالتعويض.
وعقد الوكالة التجارية كغيره من العقود ينقضي عن طريق أي من طرفيه سواء الموكل أم الوكيل، وينقضي العقد بطرق مختلفة فقد ينتهي بانتهاء العمل الموكل إلى الوكيل أو ينتهي بوفاة الموكل أو الوكيل.
ومن ناحية أخرى قد ينتهي بالإرادة المنفردة لأي من طرفيه وفي هذه الحالة قد يكون إنهائه بشكل مبرر كما لو كان لخطأ ارتكبه الوكيل وقد يكون بشكل تعسفي أو غير مشروع من جانب أي من الطرفين وهنا يترتب عليه تعويض للطرف الآخر.
جدول المحتويات
أولا: مفهوم عقد الوكالة التجارية وانقضاء العقد
ثانيا: مدى حق الموكل التجاري في انهاء العقد بالإرادة المنفردة
ثالثا: شروط انهاء الموكل لعقد الوكالة التجارية بالإرادة المنفردة
رابعا: المسئولية وتقدير قيمة التعويض من جراء انهاء العقد
أولا: مفهوم عقد الوكالة التجارية وانقضاء العقد
يمكن تعريف عقد الوكالة التجارية هو العقد الي بمقتضاه يقوم شخص يسمى الوكيل التجاري نيابة عن الموكل بعقد الصفقات والعقود فيما يتعلق بتجارته سواء في الداخل أو الخارج حسب الاتفاق المبرم بينهما في مقابل أجر يتم تحديده.
ولقد عرفه المشرع الأردني في المادة\ 833من القانون المدني على انه” الوكالة عقد يقيم الموكل بمقتضاه شخصا آخر مقام نفسه في تصرف جائز معلوم”.
بينما عرف قانون التجارة الأردني رقم \ 12لسنة1966الوكالة التجارية في المادة\ 80 منه على أنها” تكون الوكالة تجارية عندما تختص بمعاملات تجارية”.
وعرفته محكمة النقض المصرية في حكم لها بأنه” باعتبارها صورة من صور الوكالة التجارية – هي عقد يلتزم بموجبه الوكيل بأن يتولى على وجه الاستمرار في منطقة نشاط معينة الترويج والتفاوض وإبرام الصفقات باسم الموكل ولحسابه مقابل أجر، وقد يكون دور الوكيل مقصورا على إبرام الصفقات وقد يمتد ليشمل تنفيذ هذه الصفقات باسم الموكل ولحسابه”([1]).
ويمكن تعريف انقضاء عقد الوكالة التجارية بأنه ذلك الإنهاء المترتب عليه نشوء حقا في التعويض للوكيل في الوكالة التجارية والذي كون بسبب غير مبرر من جانب الموكل.
ثانيا: مدى حق الموكل التجاري في إنهاء العقد بالإرادة المنفردة
الأصل أن الوكالة التجارية مثلها مثل الوكالة العادية عقد غير لازم أي يجوز لطرفيه أن ينهيه أو يفسخه في أي وقت دون أن يتوقف ذلك على إرادة أو رضاء الطرف الآخر وبالتالي يكون للوكيل الحق في إنهاء الوكالة التجارية في أي وقت دون الحاجة إلى موافقة الوكيل التجاري.
ولقد أقر المشرع الأردني في قانون التجارة 1966 في المادة \97منه على حق الموكل والوكيل في الغاء الوكالة على أنه” إن الموكل الذي يلغي الوكالة وكذلك الوكيل بالعمولة الذي ينكل عن وكالته يلزم بالتعويض إذا وقع الإلغاء أو النكول بدون سبب مشروع”
كما تنص المادة\ 863من القانون المدني على أنه” للموكل أن يعزل وكيله متى أراد إلا إذا تعلق بالوكالة حق للغير أو كانت قد صدرت لصالح الوكيل فانه لا يجوز للموكل أن ينهيها أو يقيدها دون موافقة من صدرت لصالحة”.
كما نص المشرع الأردني في القانون المدني في نص المادة \ 864على أنه” يلتزم الموكل بضمان الضرر الذي يلحق بالوكيل من جراء عزله في وقت غير مناسب أو بغير مبرر مقبول”.
ويتضح من هذه النصوص أن المشرع الأردني قد منح الموكل حق إنهاء الوكالة التجارية إلا أنه اشترط ان يكون ذلك بمبرر مشروع، كما أنه منح الحق للموكل في الوكالة العادية الحق في عزل الوكيل شريطة أن يكون هناك مبررا مشروعا وألا يكون الإنهاء في وقت غير مناسب.
كما علق المشرع عزل الموكل لوكيله في حالة إذا تعلق بالوكالة حق للغير أو كانت قد صدرت لصالح الوكيل، ففي هذه الحالة استوجب المشرع حصول الموكل على موافقة من صدرت لصالحه قبل الإنهاء.
ويتميز عقد الوكالة التجارية عن الوكالة العادية في بعض المزايا منها المصلحة المشتركة للمتعاقدين، إذ أنه للوكيل والموكل في الوكالة التجارية مصلحة مشتركة من الوراء الوكالة.
فالوكيل يسعى من وراء الوكالة إلى مصدر رزقه وتعبر هي مهنته الأساسية التي يمتهنها وفي ذات الوقت يعمل لمصلحة الموكل الذي يكون له فيها مصلحة في توزيع منتجاته وتصريفها في الأسواق سواء الداخلية أو الخارجية وفي النهاية يعود بالنفع عليه، وبذلك فتكون المنفعة للطرفين معا.
ويترتب على المصلحة المشتركة لطرفي عقد الوكالة التجارية أنه لا يجوز لأي منهما أن ينهي العقد بالإرادة المنفردة ([2]).
إلا أنه رغم ذلك فانه يجوز للموكل إنهاء عقد الوكالة التجارية بإرادته المنفردة شريطة أن يكون ذلك بمبرر مشروع ولسبب جدي وهو ما نصت عليه المادة \97من قانون التجارة 1966 على حق الموكل والوكيل في الغاء الوكالة على أنه” إن الموكل الذي يلغي الوكالة وكذلك الوكيل بالعمولة الذي ينكل عن وكالته يلزم بالتعويض إذا وقع الإلغاء أو النكول بدون سبب مشروع”
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” إذا كانت القواعد العامة للوكالة التجارية للموكل – على ما يقضي به نص المادة 163من قانون التجارة- إنهاء عقد الوكالة غير محدد المدة في كل وقت دون استلزام صدور خطا من الوكيل فان المشرع قد خالف هذه القواعد في عقد وكالة العقود فاعتبره من العقود التي تنعقد لمصلحة الطرفين المشتركة ورتب على ذلك أنه لا يجوز للموكل إنهاء العقد غير محدد المدة بإرادته المنفردة إلا إذا صدر خطأ من الموكل”([3]).
– صور إنهاء عقد الوكالة التجارية بالإرادة المنفردة
وينتهي عقد الوكالة التجارية بأية صورة يقوم بها الموكل المهم هو إنهاء العقد، وسواء كان إنهاء صريح أو ضمني، ما دام أن التعبير قاطع الدلالة على إنهاء العقد، فلم يشترط المشرع شكلا معينا للتعبير عن الإنهاء ([4]).
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” الوكالة عقد غير لازم فيجوز للموكل أن يعزل الوكيل في أي وقت قبل انتهاء العمل محل الوكالة وعزل الوكيل يكون بإرادة منفردة تصدر من الموكل موجهة إلى الوكيل فتسري في شأنها القواعد العامة ولما كان القانون لم ينص على أن تكون في شكل خاص فأي تعبير عن الإرادة يفيد معنى العزل وقد يكون هذا التعبير صريحا كما قد يكون ضمنيا فتعيين الموكل وكيلا آخر لنفس العمل الذي فوض فيه الوكيل الأول بحيث يتعارض التوكيل الثاني مع التوكيل الأول يعتبر عزلا ضمنيا للوكيل الأول وسواء كان العزل صريحا أو ضمنيا فانه لا ينتج أثره إلا إذا وصل إلى علم الوكيل طبقا للقواعد العامة”([5]).
ومن أهم تلك الصور للإنهاء من قبل الموكل هو مخالفته شرط القصر الوارد بعقد الوكالة التجارية، وهو يعني أن يمنح الموكل وكيله التجاري وحده الحق في إبرام الصفقات التجارية دون أن يشاركه في ذلك أي وكيل تجاري آخر ([6]).
وحق القصر قد يكون مكانيا وقد يكون نوعيا، ومكانيا إذا كان قاصرا على منطقة جغرافية معينه يعقد فيها صفقاته، ويكون نوعيا إذا كان هذا الحق قاصرا على نوعيه معينه من السلع دون الأخرى، كما قد يكون ذاتيا أو شخصيا وذلك متى كان الشرط بشأن عملاء محددين أو على فئة معينه من المستهلكين.
كما وأن المشرع الأردني قد جعل من حق الموكل إنهاء عقد الوكالة العادية بالإرادة المنفردة، ولكنه شرط ذلك بأن يكون هناك مبررا مشروعا وهو ما نصت المادة \ 864على أنه” يلتزم الموكل بضمان الضرر الذي يلحق بالوكيل من جراء عزله في وقت غير مناسب أو بغير مبرر مقبول”.
ثالثا: شروط إنهاء الموكل لعقد الوكالة التجارية بالإرادة المنفردة
وبالتمعن في نصوص المادتين سالفتي الذكر، نص المادة \ 864على أنه” يلتزم الموكل بضمان الضرر الذي يلحق بالوكيل من جراء عزله في وقت غير مناسب أو بغير مبرر مقبول”.
والمادة \97من قانون التجارة الأردني 1966 على حق الموكل والوكيل في الغاء الوكالة على أنه” إن الموكل الذي يلغي الوكالة وكذلك الوكيل بالعمولة الذي ينكل عن وكالته يلزم بالتعويض إذا وقع الإلغاء أو النكول بدون سبب مشروع”.
نجد أن المشرع الأردني قد تطلب توافر شروط لإنهاء عقد الوكالة التجارية وهي:
1- ألا يكون الإنهاء في وقت غير مناسب
ولقد اشترط المشرع لصحة الإنهاء وكي يكون إنهاء مبرر ألا يكون في وقت غير مناسب، بمعنى أن يقوم الموكل بإنهاء العقد في توقيت مناسب، ويتحدد الوقت المناسب بالنظر إلى ظروف الوكيل التجاري وليس ظروف الموكل الذي أنهى العقد.
وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” النص في المادة\ 715\1 من القانون المدني يدل على أنه وإن كان للموكل أن يعزل الوكيل في أي وقت إلا أنه في حالة الوكالة بأجر يحق للوكيل أن يرجع على الموكل بالتعويض عما لحقه من ضرر بسبب عزله إذا كان في وقت غير مناسب أو بغير عذر مقبول ………. “([7]).
2- أن يستند الموكل في إنهائه إلى سبب جدي ومبرر
ولقد اشترط المشرع توافر سبب جدي أو مبرر لكي يكون الإنهاء من جانب الموكل مشروعا، بشكل يكون معه السبب في إنهائه العقد يتماشى مع المصلحة التي من أجلها أنهاه وإلا كان تعسفا في الإنهاء وبالتالي سبب غير جدي وغير مقبول.
وتحديد السبب الجدي ليس له حصر أو شكل معين، وإنما يخضع في جدية السبب من عدمه لرقابة القضاء، ومن أمثلة الأسباب الجدية هي صدور أحكام ضد الوكيل في جرائم ماسه بالشرف والأمانة ولو كانت غير نهائية، كما قد يعتبر سببا جديا أيضا كبر سن الوكيل أو ضعفه أو مرضه الذي لا يستطيع معه ممارسة عمله على الوجه الصحيح، أو الانخفاض الملحوظ في أرقام مبيعاته ([8]).
3- أن يرتكب الوكيل خطأ جسيم
فطبقا للقواعد العامة فانه يحق للموكل أن ينهي عقد الوكالة التجارية وخاصة لو غير محدد المدة إذا ارتكب الوكيل خطأ جسيما، وليس كل خطأ من جانب الوكيل هو مبرر لإنهاء العقد من جانب الموكل وإنما لابد من أن يكون الخطأ على قدر من الجسامة بحيث يجعل معه استمرار الرابطة العقدية أمرا مستحيلا.
فاذا ما توافرت أي من هذه الأسباب كان من حق الموكل إنهاء عقد الوكالة التجارية ولا يترتب على ذلك تعويض للوكيل، أما إذا لم يكن أي من هذه الأسباب موجودا كان إنهاء تعسفيا يستوجب التعويض من جانب الموكل.
رابعا: المسئولية وتقدير قيمة التعويض من جراء إنهاء العقد
إذا أنهى الموكل العقد ولم يتوافر سببا من الأسباب التي ذكرت أنفا كان إنهاء تعسفيا من جانب الموكل يستوجب التعويض للوكيل، وتكون المسئولية هنا هي المسئولية العقدية التي يترتب عليها التعويض والتي تتكون من:
أ- الخطأ الذي يرتكبه الموكل من عدم توافر سببا جديا للإنهاء من جانبه، إذ أن خطأ الوكيل الذي يستوجب الإنهاء من جانب الموكل هو الخطأ الجسيم الذي يؤثر على الغرض من الوكالة، ويقع عبء إثبات وجود الخطأ على عاتق الموكل، فاذا لم يستطع إثبات ذلك كان إنهاؤه تعسفيا يستوجب التعويض.
ب- وضرر يترتب على هذا الخطأ وهو الضرر الذي لحق بالوكيل من جراء الإنهاء غير المشروع من جانب الموكل.
ويقصد بالضرر الذي يصيب الوكيل هو الإخلال بحق أو مصلحة مالية للوكيل التجاري ويقع على الوكيل عبء إثبات الضرر الواقع عليه، إذ أنه المدعي.
وقد يكون الضرر مادي أو أدبي إذا أصاب الوكيل ضررا في سمعته المهنية من جراء إنهاء العقد بدون مبرر.
ج- وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر، أي أن يكون الضرر ناتج عن الخطأ الذي ارتكبه الموكل في الإنهاء، فلا يكفي توافر خطأ وضرر وإنما لابد من أن يكون هذا الخطأ هو المتسبب في الضرر الذي لحق بالوكيل التجاري.
ويدخل في تقدير قيمة التعويض ما فات الوكيل من مكسب وما لحقه من خسارة من جراء الإنهاء غير المشروع أو غير المبرر من الموكل، ذلك أن الوكالة هي المصدر الوحيد لعيش الوكيل وهي عمله الأساسي والذي يترتب على إنهاء العقد التأثير عليه وعلى كسب عيشه وقوته مما يتسبب له في ضرر مادي ونفسي كبير يستوجب التعويض ([9]).
كما أنه قد يترتب على إنهاء العقد آثار سيئة على الوكيل إذ قد يؤدي ذلك إلى إفلاسه وإلحاق الضرر بمهنته أو حرفته، كما أنه يهدم طموحاته في امتلاك ترويج السلع في منطقة معينه بعد أن كان هو الوكيل الوحيد في المنطقة وفجأة يفقد كل ذلك، بل ويصبح بلا عمل يقتات منه، وكذلك خسارته للعمولات التي كان من الممكن أن يحصل عليه لو لم ينته هذا العقد في ذلك الوقت وهو ضررا مستقبلا إلى جانب العمولات التي خسرها بالفعل ولم يحصل عليها من الصفقات التي قام بها قبل الإنهاء مباشرة وهو ضررا حال.
هذ بالإضافة إلى الضرر الناتج عن إنهاء العقد قبل انتهاء مدته ويشمل التعويض عن هذا الضرر وكل ما لحق الوكيل من ضرر وما فاته من كسب والمتمثل في النفقات والمصروفات التي أنفقها الوكيل لتنفيذ عقد الوكالة ومصروفات الدعاية والإعلان التي تكبدها في سبيل الترويج للسلعة.
وكذلك الأضرار الناتجة عن فقد العملاء الذي استطاع كسبهم بمجهود كبير وفي زمن طويل من العمل الدائب والذي فقدهم بمجرد إنهاء العقد من جانب الموكل بشكل غير مبرر.
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 14435لسنة79ق, جلسة 10\1\2012, مكتب فني, س63, ق15, ص113.
([2]) د. حمدي محمود بارود, استحقاق التعويض عند إنهاء وكالة العقود, دراسة مقارنة, مجلة الجامعة الإسلامية, غزة, فلسطين, المجلد الحادي والعشرون, ع2, 2013, ص278.
([3]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 14435لسنة79ق, جلسة 10\1\2012, مكتب فني, س63, ق15, ص113.
([4]) د. عبدالرازق السنهوري, الوسيط في شرح القانون المدني, المجلد السابع, ج1, العقود الواردة على العمل, القاهرة, 2006, ص551.
([5]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 960لسنة46ق, جلسة 18\4\1983, مكتب فني, س34, ع1, ق199, ص991.
([6]) د. عمرو حسبو, الوكالة التجارية في القانون الإماراتي, مجلة الفكر الشرطي, القيادة العامة لشرطة الشارقة, مركز بحوث الشرطة, دولة الإمارات العربية المتحدة, المجلد 6, ع2, 1997, ص265.
([7]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 368لسنة40ق, جلسة 29\4\1975, مكتب فني, س26, ق167, ص854.
([8]) د. حمدي محمود بارود, مرجع سابق, ص308.

