شرط عدم المنافسة في العقود التجارية

شرط عدم المنافسة في العقود التجارية

نظرا لما تلعبه التجارة من دورا كبيرا في اقتصاديات الدول فلقد خصها المشرع بأحكام في القوانين المختلفة لحمايتها، ذلك أن الانتشار الكبير للتجارة سواء على المستوى المحلي أو الدولي ولجوء الدول إليها بوصفها المحرك الأساسي للاقتصاد، فلقد اتجه البعض إلى حيل في التجارة، الغرض منها هو تحقيق أكبر قدر من الربح على حساب أصحاب الحقوق.

وتعد المنافسة في العقود التجارية هي من أولى الوسائل التي يلجأ إليها البعض من أجل الحصول على أكبر قدر من الربح، ويأتي ذلك في ظل ما تتمتع به التجارة من حرية كبيرة في الوقت الراهن، لذلك لقد عني المشرع بالنص على عدم المنافسة في العقود التجارية بما يحفظ حق الموكل أو صاحب المصلحة في عدم المنافسة.

أولا: مفهوم المنافسة في العقد التجاري

ثانيا: شرط القصر وشرط عدم المنافسة في العقود التجارية

ثالثا: صور عدم منافسة الوكيل للموكل

أولا: مفهوم المنافسة في العقد التجاري

 

لقد عرف البعض المنافسة في العقد التجاري بأنها” ذلك التزاحم بين التجار أو الصناع قصد تسويق وترويج أكبر قدر ممن من منتجاتهم أو خدماتهم، سواء المادية منها كالبضائع والسلع أو المعنوية كخدمات الصحة والاستشارات، ويحقق التجار هذه الغاية بالعامل الأساس الذي يحركه ألا وهو حرية المنافسة فيما بينهم وحرية الاختيار المكفولة لجمهور المستهلكين ([1]).

أما عدم المنافسة فيقصد بها ممارسة أعمال التجارة من جانب العاملين بها في إطار الشرف والأمانة ووفقا للعادات التجارية المتعارف عليها والاتفاقات الخاصة، وما تم الاتفاق عليه في مضمون العقد، وبعيدا عن تحقيق الأغراض الخاصة.

وعدم المنافسة هو الالتزام بالامتناع عن عمل، ولقد عرفه البعض بأنه” التزام يستلزم من المدين أن يمتنع عن إتيان عمل كان جائزا له القيام به لولا وجود هذا الالتزام على عاتقه ويعد المدين في هذا النوع من الالتزامات منفذا لالتزامه تنفيذا عينيا ما دام ممتنعا عن القيام بالعمل الذي امتنع عنه”([2]).

وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة\ 359من القانون المدني على أنه” إذا كان موضوع الحق هو الامتناع عن عمل وأخل به المدين جاز للدائن أن يطلب إزالة ما وقع مخالفا له أو أن يطلب من القضاء إذنا بالقيام بهذه الإزالة على نفقة المدين”.

ولقد مثل المشرع الأردني هذا النوع من العمل بالالتزام بعدم المنافسة كما هو منصوص عليه في المادة \818من القانون المدني بالتزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل، وكذلك التزام العامل بعدم إفشاء أسرار صاحب العمل كما هو من صوص عليه في المادة \ 814من ذات القانون، وكذلك التزام الوكيل بعدم منافسة موكله في نطاق عقد الوكالة.

ثانيا: شرط القصر وشرط عدم المنافسة في العقود التجارية

 

1- شرط القصر

ولقد عرفه البعض بأنه” التزام أحد طرفي العقد بالتعامل مع الطرف الآخر (وحده) فقط في منطقة أو في حدود معينه يتفقان عليها”([3]).

ومقتضى هذا الشرط يشترط الموكل على الوكيل الاقتصار على بيع بضائعه بحيث لا يبيع غيرها من جنسها مما تنتجه مصانع أو جهات أخرى، مثال، أن تشترط شركة تورد نوعا خاصا من الصابون على المستورد الوكيل الحصري ألا يستورد أنواعا أخرى من الصابون حتى لا تزاحم منتجاتها ([4])، وبالمقابل يتعهد الموكل ألا يتعاقد أو يمون أو يبيع السلعة موضوع العقد لجهة أخرى غير الوكيل الحصري ضمن منطقة محددة يتفقان عليها وبذلك يكون الحصر متبادلا بين الطرفين ([5]).

كما وأن عقد الوكالة وهو من العقود التجارية يعتبر عقد غير لازم حيث يكون للموكل الحق في عزل الوكيل في أي وقت قبل انتهاء العمل محل الوكالة. ( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد )

وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن” الوكالة عقد غير لازم فيجوز للموكل أن يعزل الوكيل في أي وقت قبل انتهاء العمل محل الوكالة وعزل الوكيل يكون بإرادة منفردة تصدر من الموكل موجهة إلى الوكيل فتسري في شأنها القواعد العامة “([6]).

ومن أهم تلك الصور للإنهاء من قبل الموكل هو مخالفته شرط القصر الوارد بعقد الوكالة التجارية، وهو يعني أن يمنح الموكل وكيله التجاري وحده الحق في إبرام الصفقات التجارية دون أن يشاركه في ذلك أي وكيل تجاري آخر ([7]).

وحق القصر قد يكون مكانيا وقد يكون نوعيا، ومكانيا إذا كان قاصرا على منطقة جغرافية معينه يعقد فيها صفقاته، ويكون نوعيا إذا كان هذا الحق قاصرا على نوعيه معينه من السلع دون الأخرى، كما قد يكون ذاتيا أو شخصيا وذلك متى كان الشرط بشأن عملاء محددين أو على فئة معينه من المستهلكين.

وقد يكون حق القصر ذاتيا وشخصيا وذلك متى ورد هذا الشرط بشأن عملاء محددين كما لو ورد الشرط بقصر التعامل مع فئة معينة من المستهلكين أو مع تجار الجملة أو تجار التجزئة.

2- شرط عدم المنافسة

إذا كان العقد التجاري هو عقد رضائي ملزم للجانبين شأنه في ذلك شأن عقد العمل الفردي إلا أنه يختلف عنه في أنه ليس عقد تابع، فالوكيل لا يتبع الموكل في كل شيء رغم أنه يتبع تعليماته في بعض الأمور التي تتعلق ببيع بضاعته أو عقد صفقاته، ولكنه لا يتبعه كتبعية العامل لرب العمل كما في عقد العمل الفردي.

لذلك فإذا كان المشرع الأردني قد نص صراحة على شرط عدم المنافسة في عقد العمل الفردي

في المادة \818 على أنه” 1- إذا كان العامل يقوم بعمل يسمح له بالاطلاع على أسرار العمل ومعرفة عملاء المنشأة جاز للطرفين أن يتفقا على ألا يجوز للعامل أن ينافس صاحب العمل أو يشترك في عمل ينافسه بعد انتهاء العقد.

2- على أن الاتفاق لا يكون مقبولا إلا إذا كان مقيدا بالزمان والمكان ونوع العمل بالقدر الضروري لحماية المصالح المشروعة لصاحب العمل”.

كما نص في المادة \19\ب من قانون العمل رقم \8لسنة1996على أنه”…….. ب- المحافظة على أسرار صاحب العمل الصناعية والتجارية وألا يفشيها بأي صورة من الصور ولو بعد انقضاء عقد العمل وفقا لما يقتضيه الاتفاق أو العرف”.

ووفقا لهذه النصوص فانه لا يجوز للعامل أن ينافس رب عمله بعد انتهاء عقده معه، وإذا كان هناك عملا يماثل عمل رب عمله فيكون مقيدا من حيث المكان والزمان ونوع العمل الذي يمارسه.

إلا أن المشرع فيما يتعلق بالعقود التجارية، قد نص في قانون التجارة الأردني رقم\ 12 لسنة1966 في المادة\90 على أنه” لا يحق للوكيل بالعمولة أن يتعاقد مع نفسه باسم موكله إلا برضاه”.

وبالتمعن في هذه المادة يتبين لنا أن المشرع الأردني قد قصد منها تغليب مصلحة الموكل على مصلحة الوكيل، إذ أنه قد حرم على الوكيل التعاقد مع نفسه باسم موكله لما في ذلك من تغليب لمصلحته على مصلحة موكله وهو ما فيه تضارب في المصالح بينهما.

ذلك أن التعارض يكون واضحا وجليا في حالة لو اشترى الوكيل البضائع المملوكة للموكل بدلا من بيعها للغير، إذ أنه في هذه الحالة سيقوم بما يؤدي إلى ترجيح مصلحته على مصلحة موكله وهو ما فيه تعارض، وبالتالي يكون داخلا فيه منافسة من الوكيل في عمل الموكل.

ولقد أجاز المشرع للوكيل التعاقد مع نفسه باسم موكلة، ولكن بشروط ويفهم ذلك من هذه المادة وذلك في حالتين:

أ- إجازة الموكل ذلك، أي رضاه بأن يتعاقد مع نفسه باسم موكله.

ب- أن يكون البيع بثمن تم الاتفاق عليه مسبقا من الموكل.

ففي هاتين الحالتين يكون تعاقد الوكيل مع نفسه صحيحا باسم موكله ولا يكون هناك فرصة تغليب مصلحة على أخرى.

وإذ كان من حق الموكل إنهاء العقد التجاري إلا أن شرط عدم المنافسة يظل قائما بين الوكيل وبين موكله ولا ينتهي ويستمر الالتزام الناشئ عنه قائما على عاتق الوكيل التجاري خلال مدة الشرط، ذلك لأن الحكمة من هذا الشرط ما زالت قائمة حيث إن الوكيل التجاري يكون قد اطلع على أسرار الموكل في أغلب الأحوال وذلك من خلال نشاطه وحجم أعماله في السوق.

ويظل التزام الوكيل التجاري بهذا الشرط قائما طوال المدة المحددة لذلك العقد وإذا خالف الوكيل هذا الالتزام فانه يكون للموكل التجاري الحق في المطالبة بالتعويض جراء مخالفة الشرط وما ترتب على ذلك من أضرار لحقت به.

ثالثا: صور عدم منافسة الوكيل للموكل

لقد نصت المادة \2 من قانون الوكلاء والوسطاء التجاريين الأردني أن المقصود بالوكيل التجاري” الشخص المعتمد من الموكل ليكون وكيلا أو ممثلا له في المملكة أو موزعا لمنتجاته فيها سواء كان وكيلا بالعمولة أو بأي مقابل آخر أو كان يعمل لحسابه الخاص ببيع ما يستورده من منتجات الموكل”.

وعرف الوكالة التجارية في ذات المادة بأنها” عقد بين الموكل والوكيل يلتزم بموجبه باستيراد منتجات موكله، أو توزيعها، أو بيعها، أو عرضها، أو تقديم خدمات تجارية داخل المملكة أو لحسابه نيابة عن الموكل”، وكذلك نص المادة \90 سالفة البيان من ذات القانون.

ويتبين من هذه النصوص أن الوكيل وهو أحد أطراف العقد التجاري تكون مهمته هي تقديم معلومات للموكل عن السوق وكيفية ترويج بضاعته وبيعها وإبرام الصفقات لإتمام البيع، كما يتوجب على الوكيل أن يحافظ على بضاعة الموكل وأن يمده بالمعلومات اللزمة في الوقت المناسب وبما لا يترتب على ذلك أية أضرار للموكل، وبالتالي فدوره يحتم عليه أن يكون معينا له وليس منافسا له في السوق بأي حال من الأحوال.

وعلى ذلك فانه يمكن أن نجمل صور أو الحالات التي يمكن أن تكون فيها منافسة للموكل وهي:

يمتنع على الوكيل في العقد التجاري أن ينافس الموكل في ذات منتجاته ببيع مثلها أو الإتجار فيها بأي حال من الأحوال.

كما يمتنع عليه قبول توكيل من آخر في ذات المنطقة لتوزيع منتجات، حتى لو كانت مختلفة عن تلك المكلف بتوزيعها أو ببيعها.

ويمتنع عليه أيضا التعامل مع أشخاص آخرين منافسين لموكله إلا بعد الحصول على موافقة كتابية من موكله بذلك، وإلا كان قد أخل بالتزاماته تجاه موكله ويحمل بالتعويض إذا ما ترتب على ذلك أضرار.

كما لا يحق للوكيل بالعمولة باعتباره طرفا في العقد التجاري أن يبرم تعاقدا مع نفسه باسم موكله إلا برضاه، وهو ما نصت عليه المادة \90 من القانون التجاري الأردني على انه” لا يحق للوكيل بالعمولة أن يتعاقد مع نفسه باسم موكله إلا برضاه”.

كما يلتزم الوكيل بكتمان سر موكله، فيقع عليه التزام بعدم إفشاء الأسرار الخاصة بأسعار منتجاته وسلعه حتى لا يعرضه للخسارة أو اتفاق الخصوم عليه مما يعرضه للخسارة.

كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي

دكتوراه القانون المدني

([1]) د. عبدالفتاح مراد, شرح قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية, دار البهاء, الإسكندرية، 2005، ص17.

([2]) شمس الدين قاسم محمد، التنظيم القانوني للالتزام بالامتناع عن عمل وتطبيقاته في القانون الأردني, بحث منشور, مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية, ص85.

([3]) أشرف رسمي أنيس, الوكالة التجارية الحصرية في الفقه الإسلامي والقانون, رسالة ماجستير, جامعة النجاح الوطنية, 2012, ص72.

([4])أشرف رسمي أنيس, مرجع سابق, ص72.

([5]) أشرف رسمي أنيس, مرجع سابق, ص72. ( انظر مقال عن كيفية كتابة العقد )

([6]) حكم نقض مصري, طعن رقم\ 960لسنة46ق, جلسة 18\4\1983, مكتب فني, س34, ع1, ق199, ص991.

([7]) د. عمرو حسبو, الوكالة التجارية في القانون الإماراتي, مجلة الفكر الشرطي, القيادة العامة لشرطة الشارقة, مركز بحوث الشرطة, دولة الإمارات العربية المتحدة, المجلد 6, ع2, 1997, ص265.

مراجع منشورة على الانترنت

1- مقال كيفية كتابة وصياغة العقد التجاري.

2- مقال كيفية مراجعة العقود وتدقيقها من ناحية قانونية

3- مقال كيفية كتابة العقد وفق الأنظمة السعودية .

Scroll to Top