التعويض عن التوقيف

 التعويض عن التوقيف في القانون الجزائي الأردني

لا جرم ونحن هنا في مقام الحديث عن إجراء التوقيف أو الحبس الاحتياطي؛ فإننا بصدد إجراء احترازي استثنائي وليس بقاعدة عامة، نظرا لخطورة هذا الأمر الذي قد يسلب أغلى شيء في الحياة للإنسان وهو حريته، ولا شك بأن المشرع حينما أناط بقاضي التحقيق النظر في أمر الحبس الاحتياطي؛ أناط به التعرض لموضوع وسند الاتهام والتأكد من جدية هذا الاتهام ومشروعية إجراء التوقيف، ويثور السؤال هنا عما إذا كان صدور هذا الأمر بالتوقيف على غير سند من القانون ومن الشريعة الإجرائية التي وضعها المشرع، وللإجابة نتعرض للتعويض كاثر للتوقيف في القانون الأردني على النحو التالي ذكره:

أولا: مدلول ومفهوم التوقيف:

ثانيا: الضوابط العامة للتوقيف:

ثالثا: ضوابط التعويض عن التوقيف في التشريع الأردني:

رابعاً: خاتمة:

أولا: مدلول ومفهوم التوقيف:

لا شك بأن التوقيف أو الحبس على ذمة التحقيقات هو أمر بالغ الخطورة وشديد الأثر على شخص المتهم، لا سيما وأن الأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته، فقد يصبح التوقيف عقوبة بحد ذاته؛ بغض النظر عما إذا كان المتهم بريئا أو مُدان، لذلك؛ وقبل أن نتعمق في دراسة التوقيف والتعويض عن التوقيف، كان لابد وأن نتعرف على المفهوم والمدلول الفقهي والقانوني للتوقيف، والتمييز بينه وبين المصطلحات القانونية الأخرى المشابهة للتوقيف على النحو التالي ذكره:

1- مفهوم التوقيف:

هو ” إجراء احتياطي وقتي يوضع بموجبه المتهم فـي مكان معين بأمر من جهـة قضائية مختصة وللمدة المقررة قانونًا، تحاول الجهات المختصة خلالها التأكد من ثبوت التهمة أو عدمها ويخضع المتهم الموقوف لنظام خاص “.[1]

وعرفه البعض بأنه: “حبس المتهم في دار التوقيف خلال فترة التحقيق الابتدائي كلها أو بعضها أو إلى أن تنتهي بصدور حكم النهائي في موضوع الدعوى”،[2] كما عرّفه جانب آخر من الفقه بأنه: ” سلب حرية المتهم فترة من الزمن غالباً ما يتصـف بالتأقيت تستوجبه مصلحة التحقيق وفق ضوابط قررها المشرّع “.[3]

ولا شك أن الشريعة الإسلامية قد تعرضت إلى أمر الحبس الاحتياطي أيضا، وقد تم تسميته بالأسر، وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة، ساعة من النهار ثم خلى سبيله، ولا يحل توقيف أحد دون حق ومتى تم توقيفه يجب المسارعة بالنظر في أمره، فإن كان مذنباً أخذ بذنبه وإن كان بريئاً أُطلق سراحه، ويحرم ضرب المتهم لما فيه من إذلال له وإهداراً لكرامته.[4]

ويتضح لدينا بعد استقراء التعريفات السابقة بأن التوقيف له ضوابط وشروط، إذ أنه أمر مؤقت تقتضيه المصلحة لسير التحقيقات على نحو سليم، وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه قد أطلق على أمر التوقيف عدة مصطلحات أخرى في التشريعات المقارنة، فعلى سبيل المثال أطلق عليه المشرع المصري أمر الحبس الاحتياطي، فيما استخدمت بعض التشريعات الأخرى لفظ الاعتقال التحفظي، والجدير بالذكر وأياً ما كان الاختلاف بين المصطلحات إلا أنه يطلق على ذات المعنى وهو التحفظ على المتهم على ذمة التحقيقات كإجراء وتدبير احترازي مؤقت.

ولما كان الأمر كذلك، وكان أمر التوقيف هو أمر سالب للحرية، لذلك كان يجب أن نفرق بين أمر التوقيف وبين المصطلحات الأخرى الواردة في ذات الإطار مثل القبض والاعتقال وغيره من العقوبات السالبة للحرية، نتعرض لتلك النقاط على النحو التالي ذكره:

2- الفرق بين التوقيف والقبض:

القبض عرّفه الفقهاء بأنه: “إمساك الشخص من جسمه وتقييد حركته وحرمانه من حريته في التجول كما يريد دون أن يتعلق الأمر بقضاء فترة زمنية معينة “.[5]

وباستقراء النص السابق يتضح لنا أن القبض هو أمر يمس بحُرّية الشخص وتنقله، ويعد القبض التمهيد الأولي الذي يسبق عملية التوقيف، ولعل أبرز الخصائص المميزة للقبض عن التوقيف هو أن القبض مؤقت لا يجوز أن يكون مستمر وإلا كان الإفراج الوجوبي في تلك الحالة، فلا بد أن يُرسَل المتهم بعد القبض عليه إلى جهات التحقيق حتى تنظر في مدى جدية الاتهام المسند إليه وتتخذ قرارا بالإفراج عنه أو توقيفه على ذمة التحقيقات، والجدير بالذكر أيضا أنه لا بد أن يكون هناك مبررا للتوقيف والقبض من الأساس، وإلا بطل هذا الإجراء – القبض – وما يليه من إجراءات، فعلى سبيل المثال يكون إجراء القبض بعد إصدار أمر الضبط والإحضار من قبل جهات التحقيق، أو حال وقوع جريمة في حالة من حالات التلبس وآثار تلك الجريمة مازالت تقترن بشخص المتهم الذي قبض عليه.

فعلى سبيل المثال قانون الإجراءات الجنائية المصري قد وضّح تلك النقطة بالتحديد، حيث نصت (المادة 36) منه على: ” يجب على مأمور الضبط القضائي أن يسمع فوراً أقوال المتهم المضبوط، وإذا لم يأت بما يبرئه، يرسله في مدى أربع وعشرين ساعة إلى النيابة العامة المختصة. ويجب على النيابة العامة أن تستجوبه في ظرف أربع وعشرين ساعة، ثم تأمر بالقبض عليه أو بإطلاق سراحه “.

ولعل أبرز الاختلافات بين القبض والتوقيف تتمثل في أن القبض قد يصدر من الجهات التنفيذية مثل الشرطة دون الحاجة إلى الرجوع إلى الجهات القضائية، عكس التوقيف الذي يصدر من الجهات المنوط بها التحقيق فقط، والخلاصة هي أن القبض هو أمر مؤقت يصدر من عدة جهات منها جهات التحقيق أو جهات التنفيذ، بعكس التوقيف الذي يكون مستمرا لفترات أكثر من القبض وكذلك لا يصدر إلا من جهات التحقيق ولأسباب محددة على سبيل الحصر تحددها قوانين الإجراءات الجزائية في كافة التشريعات المقارنة.

3- الفرق بين التوقيف والاعتقال:

والاعتقال هو حجز الشخص في مكان ما ومنعه من الانتقـال أو الاتصـال بغيـره أو مباشرة أي عمل من الأعمال إلا في الحدود التي تسمح بها السلطة الآمرة به”.[6] وعُرف أيضا بأنه: ” تدبير وقائي تتخذه السلطات المسؤولة عن الأمن العام في ظروف اسـتثنائية لا تحتمل التمهل ولا تتاح فيها فرصة استجماع عناصر اتهام قاطعة في جرائم محددة يقوم فيها الدليل علـى هـذا الاتهام”.[7]

ويتضح لدينا من استقراء النصوص السابقة بأن الفارق بين التوقيف والاعتقال يتمثل في أن التوقيف يُشترط وأن تكون هناك دلائل كافية على إسناد الاتهام حتى يُؤمر به، بينما الاعتقال فيكون أمر استثنائي وأمر طارئ لا يكون فيه متسع من الوقت لتجميع الأدلة، ومسألة أن تكون هناك دلائل كافية كشرط من شروط إصداره غير موجودة في أمر الاعتقال، كذلك تختص سلطة التحقيقات بإصدار أمر التوقيف، بينما في أمر الاعتقال تكون السلطة التنفيذية هي التي تختص بهذا الأمر.

ولمّا كان الأمر كذلك، وكان أمر الاعتقال من أخطر الأمور التي تنال من سلامة حرية الأفراد داخل المجتمع، نجد بأن كافة التشريعات قد أحاطت هذا الأمر بسياج من الضمانات الإجرائية، حتى تمنع إصدار هذا الأمر الخطير في غير موضعه،  فمسألة عدم وجود دلائل كافية  على صحة إسناد الاتهام مسألة تجعل من أمر الاعتقال أمر شديد الأثر على الشخص الواقع عليه، ويُعد الفارق الجوهري والفيصلي بين أمر التوقيف وأمر الاعتقال أن هذا الأخير لا يتطلب شروطا خاصة، وإنما فقط قد يصدر بناء على الخطر المحتمل في حالات الطوارئ التي تمر بها البلاد، أما أمر التوقيف فاشترط المشرع في جميع القوانين المقارنة بأن يكون هناك أدلة قوية تشير بأصابعها على الشخص المتهم. 

ثانيا: الضوابط العامة للتوقيف:

لا شك بأن أمر التوقيف كما أشرنا سلفا أنه أمر شديد الخطورة والأثر على شخص المتهم ويقيد من حقه القانوني والدستوري في حرية الانتقال والتنقل، لذلك عملت جميع التشريعات المقارنة والتشريع الجزائري الأردني على وضع ضوابط العامة لاستصدار أمر التوقيف، حتى تحيط أمر توقيف بسياج من الضوابط والقواعد الإجرائية لتضييق الخناق على فكرة استصداره بالخطأ أو في غير محله السليم.

لذلك وضع الشُرّاع ضوابطاً لعملية التوقيف أو الحبس الاحتياطي لضمان صحة هذا الإجراء؛ وإنزاله المنزل الصحيح على الواقعة محل الاتهام، ولتلافي وتوقي الخطأ في استصدار هذا الأمر بالغ الأثر والتعقيد، ويرى الشُرّاع أنه لا بد وأن تكون هناك دلائل كافية لإصدار التوقيف، ولما كان الأصل في الإنسان البراءة، وكان التوقيف مثله مثل الحبس، كلاً منهما يسلب حماية حرية الإنسان التي أقرتها أغلب الدساتير والقوانين حول العالم، لذلك ولضمان وتوقي سلب ذلك الحق الأصيل للإنسان في الحرية، اشترط الشراع أن يكون هناك دليلا كافيا على صحة إسناد الاتهام حتى يؤمر بالحبس الاحتياطي ويؤمر بأمر التوقيف.

فيما سلك اتجاه آخر من الفقه مسلكا بأنه حتى وإن كانت هناك دلائل كافية على صحة إسناد الاتهام لا يجوز الأمر بالحبس الاحتياطي أو التوقيف أو التحفظ المؤقت على المتهم، بل يجب أن تكون هناك دلائل شديدة الخطورة تفيد بقيام هذا المتهم بالجرم المسند إليه حتى يؤمر بأمر التوقيف من قبل  جهات التحقيق، والمشرع المصري في هذا المقام قد اشترط عدة ضوابط على سبيل الحصر في (المادة 134) من قانون الإجراءات الجنائية، من أهم تلك الضوابط أن تكون الجريمة في حالة تلبس، وحاله التلبس هنا تعتبر دليلا كافيا على صحة إسناد الاتهام، ينظر فيها قاضي التحقيق ليرى مدى جديتها وتطابقها مع العقل والواقع والمنطق، ومدى معقوليتها بحسب ما هو مسطر في الأوراق.

وأيضا هناك ضابطا يحكم مدة الأمر بالتوقيف، فلا تكون المدة مفتوحة، ولكن تكون مرتبطة بوقت وإطار زمني محدد، فعلى سبيل المثال قد وضع المشرع المصري عدة ضوابط لمدة الحبس الاحتياطي، فأناط بالنيابة العامة أن تأمر به لمدة أقصاها أربعة أيام فقط على ذمة التحقيقات، وإذا رأت النيابة أنها تحتاج إلى مدة أكبر من ذلك  فيتم عرض الأمر على قاضي التحقيق وهو قاضي جزئي، والذي ينظر في أمر الحبس الاحتياطي لمدة أقصاها 45 يوما، ومن ثم يعرض الأمر على غرفة المشورة بمحكمة الجنح المستأنفة لأخذ الرأي في استمرار الحبس الاحتياطي من عدمه، وفي كل الأحوال لا يجوز أن تستمر مدة الحبس الاحتياطي أكثر من ثلثي المدة المقررة للعقوبة، ولا يختلف الأمر كذلك في التشريعات الأردنية والعراقية والكويتية، فقد حددت مدة الحبس الاحتياطي ومدة سريانها في حق المتهم.

ولا يجوز أن يؤمر بالحبس الاحتياطي إلا بعد سماع أقوال المتهم فيما هو منسوب إليه، حيث إنه من الممكن أن يدفع هذا المتهم الاتهام المسند إليه، كذلك وأنه حق أصيل من حقوق الإنسان أن يعرف سبب احتجازه والتحفظ عليه حتى يستطيع أن يدافع عن نفسه، لذلك أرسى الشُرّاع مبدأ بأنه لا يجوز الأمر بالتوقيف إلا بعد سماع أقوال المتهم واستجوابه، والا شاب الإجراءات البطلان، ولا يجوز توقيف المتهم في تلك الحالة.

ثالثا: ضوابط التعويض عن التوقيف في التشريع الأردني:

التعويض هو: ” الالتزام بتعويض الغير عما لحقه من تلف المال أو ضياع المنافع، أو عن الضرر الجزئي أو الكلي الحادث بالنفس الإنسانية “.[8]

وهديا بما سلف، وبعيدا عن موضوع التوقيف فان التعويض يكون مستحقا حاله وقوع ضرر أدبي أو مادي على الشخص، ولما كان الأمر كذلك، وكان أمر التوقيف يلحق أضرارا مادية ومعنوية وأدبية على شخص الواقع عليه هذا الأمر، فيثور السؤال هنا إذا ما كان هذا الشخص بريئا من إسناد الاتهام الذي على إثره تم التوقيف، فمتى يستحق التعويض؟

ولا شك وقبل الإجابة على هذا السؤال لا نستطيع أن ننكر أن أمر التوقيف هو أمر هام للغاية لضمان سير التحقيقات على نحو سليم، حتى لو تمت تبرئة هذا المتهم فيما بعد، وفي حقيقة الأمر فإن موضوع التعويض عن أمر التوقيف يستلزم عدة شروط موضوعية وشكلية، حتى يصبح شخص الواقع عليه التوقيف مستحقا لهذا التعويض، سنتعرض في السطور التالية إلى الشروط والضوابط التي حددها المشرع حتى يستحق هذا الشخص التعويض عن التوقيف الباطل:

شروط استحقاق التعويض عن التوقيف في التشريع الأردني:

أ- أن يكون التوقيف باطل أو غير مشروع:

لا شك بأن التعويض هو أمر يستحق عن الضرر الذي يلحق الشخص الواقع عليه الاعتداء، ولا شك بأنه لا بد وأن يكون هناك رابطة سببية بين هذا الضرر وبين الخطأ الذي تم من قبل الشخص المطلوب منه هذا التعويض، إذ إنه لا يتصور أن يكون هناك تعويضا ناتج على اقتراف شيء مشروع، فلا بد ولكي يستحق هذا التعويض أن يكون الأمر الذي يبنى عليه غير مشروع وباطلا وفق توصيف الحالات التي نظمها القانون.

وهديا بما سلف، فإن المشرع قد أرسى قواعد تضمن الحماية الجنائية لاستصدار أمر التوقيف، فهناك حالات يكون فيها أمر التوقيف غير مشروع، مثلا حال صدور حكم قضائي على المتهم بتبرئته من إسناد الاتهام الذي بني عليه أمر التوقيف، ففي تلك الحالة يكون أمر التوقيف واستمراره هو أمر غير مشروع، ويضحى باطلا بقوة القانون التي شرعتها القوانين الجزائية المنظمة لعملية التوقيف والتحفظ على ذمة التحقيقات.

كما أنه في حالة عدم استجواب المتهم والشروع في عملية التحقيقات يكون أمر التوقيف على غير سند من القانون، ومخالفة القواعد التي شرعتها القوانين الجزائية كحماية العملية إصدار أمر التوقيف تجعل من هذا الأمر أمرا باطلا وغير مشروع في مواجهة الشخص المتهم.

كذلك مخالفة الشروط الشكلية التي وضعها المشرع تجعل من أمر التوقيف باطلا وغير مشروع، مثل عدم تسبيب قرار التوقيف الذي يعد بمثابة ضمانة قانونية في غاية الأهمية للمتهم، يؤسس عليها دفاعه لمواجهة هذا الأمر بالتوقيف، ومواجهة إسناد الاتهام بشكل عام، كذلك عدم صدور قرار التوقيف كتابة يجعل من أمر التوقيف أمرا باطلا، حيث أن الكتابة في تلك الأحوال تعد الإثبات الوحيد المقبول لكي يكون أمر التوقيف أمراً مشروعاً، وذلك حتى يتسنى للمتهم وللقائمين على الأمر التنظيمية وجهات التحقيق معرفة مواعيد الحبس والأمور الأخرى المتعلقة بأمر التوقيف.

وخلاصة القول إن عدم المشروعية في أي مرحلة من مراحل النظر في أمر التوقيف يجعل من فكرة التعويض فكره مطروحة ولها أساس قانوني ترتكز عليه، لاسيما أن هناك رابطة سببية قوية بين الضرر الواقع على شخص المتهم وبين عدم مشروعية قرار التوقيف جراء الخطأ الناتج من تلك الجهة المختصة بإصدار التحفظ على ذمة التحقيقات.

ب- أن يكون هناك خطأ من جهة الإدارة:

اشترط المشرع الأردني أن يكون هناك خطأ واقعا من جهة الإدارة، حيث إنه الثابت في قضاء المحكمة الأردنية العليا ومحكمة التمييز الأردنية، حيث قررت بأنه يشترط لجواز التعويض حصول خطأ من قبل الجهة أو الإدارة المختصة بالتوقيف.[9]

واتفقت مع المشرع الأردني التشريعات المصرية والعراقية وغيرها من التشريعات المقارنة التي أخذت بمبدأ الخطأ والتعويض عن هذا الخطأ، وليس الضرر المحتمل حدوثه في المستقبل، ويعتبر قرار استمرار التحفظ على المتهم على ذمة التحقيقات بدون سبب أو مبرر قانوني خطأ يرتكبه قاضي التحقيق الذي ينظر في أمر الحبس على ذمة تلك التحقيقات، ويستوجب معه التعويض للمتحفظ عليه عن هذا الخطأ الذي لحق بشخصه، ومس بحريته وحقه في الانتقال والتنقل والتي كفلهم الدستور له، لا سيما بأن هذا الأمر صادر بدون سبب أو مسوغ  قانوني لهذا الاستمرار في التوقيف.

وينقسم الخطأ إلى نوعان؛ الخطأ البسيط والخطأ الجسيم، وهذا الأخير قد يعرض القاضي أو من صدر منه إلى التحقيق معه أو اتخاذ مسلك تأديبيا معه، عكس الخطأ البسيط الذي في غالب الأحوال يكون بشكل غير متعمد أثناء نظر وسير التحقيقات، ولا بد أن يكون هناك سببا بين الخطأ والضرر الواقع على المتهم، وهذا ما يأخذنا إلى الشرط الثالث وهو كالتالي:

ج- أن يكون هناك ضرر واقع على المتهم:

وقوع الضرر على شخص المتهم هو الشرط الثالث الذي ترتكز عليه عملية التعويض، حيث أن ذلك الضرر لا بد أن يكون مرتبطا بفعل الخطأ الواقع على شخص المتهم، والذي يطلب تعويضا جراء ما وقع عليه، فعدم حصول ضرر لا يصح معه المطالبة بالتعويض حسب ما هو ثابت في القانون وفي القضاء.

أما عن الضرر فهو ينقسم إلى نوعان؛ أضرار مادية وأضرار أدبية، أما الأضرار المادية فحدث ولا حرج؛ فيعاني شخص المتهم على ذمة القضية من الخسارة المادية الكبيرة والفادحة التي تلحق به جراء ذلك التوقيف، حيث أن أمر التوقيف قد شل حركته وعطله عن القيام بمهام عمله التي كان يعمل بها، وذلك قبل أن يسند إليه الاتهام وأمر الحبس على ذمة التحقيقات، فيتحمل هذا الشخص الخسائر المادية جراء عدم القدرة على الكذب أو حتى قد يؤدي هذا الأمر إلى فقدان وظيفته أو خسارة تجارته الخاصة أو أيا ما كان العمل الذي يعمل به،

أما الأضرار المعنوية فتتمثل في تلك الأضرار التي تنتج عن إسناد الاتهام له فيطعن في شرفه وفي سلوكه أمام المجتمع، وعدم مخالفته للقانون إذا ما كان بريئا وحتى إذا استرد حقه وصدر حكما بالبراءة، فتلك التجربة النفسية التي مر بها قد تسبب له أضرار معنوية بشكل بالغ وكبير، وكذلك حرمانه من حريته ومن هذا الحق الأصيل الذي كفله الدستور قد يلحق ذلك به ضررا كبيرا معنويا.

وخلاصة شروط استحقاق التعويض هي حدوث خطأ مرتبط بالضرر، وأن يكون أمر التوقيف غير مشروع وعلى غير سند من القانون.

رابعاً: خاتمة:

وختاماً يتضح لدينا أن التعويض عن التوقيف لا يوجد له من القانون سند صريح يستند عليه، وإنما تكون دعوى التعويض عن التوقيف خاضعة لأحكام المسئولية المدنية مما يعني ضرورة توافر عناصر دعوى التعويض المتمثلة في الخطأ والضرر وعلاقة السببية، فإن انتفى أياً من تلك العناصر انتفى الحق في الحصول على التعويض جراء التوقيف.

وفي هذا الصدد تقرر محكمة بداية حقوق عمان بأن: ” تجد المحكمة بأن أمر توقيف المدعي الثاني على ذمة القضية التحقيقية والقضايا الجمركية كان ضمن صلاحيات المدعي العام وضمن أحكام القانون, ولم يتم التعسف في استعمال ذلك الحق وحيث أنه من الثابت قانوناً وفقهاً وقضاءً بأن لا يجوز التعويض عن مدة التوقيف التي يتم فيها توقيف أي أحد على ذمة أي قضية لدى القضاء, كما تجد المحكمة بأن قرار إحالة المدعي إلى المحكمة الجزائية بالجرم المسند إليه ومطالبتهما بالتعويض عن ذلك لصدور حكم ببراءتهما فهنا تجد المحكمة بأنه يستفاد من أحكام المادة (101) من الدستور أن المحاكم مفتوحة للجميع, وأن قرارات محكمة التمييز الموقرة استقرت على أن اللجوء إلى المحاكم رخصة لا يترتب على استعمالها تعويض عما لحقه من ضرر لمن أحيل للقضاء بأي تهمة في حال لم تثبت عليه تلك التهمة ما دام أن إحالته تمت ضمن القانون والأصول, كما أن الجهة المدعى عليها مارست حقها في ذلك ضمن أحكام القانون ولم يثبت المدعي للمحكمة تعسف الجهة المدعى عليها باستخدام حقها بإحالته إلى المحكمة الجزائية واتخاذ كافة الإجراءات المترتبة على تلك الإحالة, مما يستوجب معه والحالة هذه رد دعوى المدعية لعدم قيامها على أساس قانوني سليم “.[10]

إعداد / عماد محمد.

[1] سعيد حسب الله عبد الله، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، دار الحكمة للطباعة والنشر، الموصل، 1990، ص 227.

[2] د. بوكحيل الأخضر، الحبس الاحتياطي والمراقبة القضائية في التشريع الجزائري والمقارن، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992، ص ٧.

[3] الشهاوي، قدري عبد الفتاح، ضوابط الحبس الاحتياطي، منشأة المعارف بالإسكندرية، 2003، ص 13.

[4] السيد، فقه السنّة، المجلد الثالث، دار الربان للتراث، الطبعة الثانية، القاهرة، 1990، ص 440.

[5]  المر، محمد عبد الله محمد: الحبس الاحتياطي، دار الفكر العربي، الإسكندرية، 2006، ص 50، ونقـض، رقم 110، س 17، 1966/5/16نقض، المصرية النقض أحكام، ص853.

[6] حومد، عبد الوهاب: الوسيط في الإجراءات الجزائية الكويتي، ص 245.

[7] التعويض عن التوقيف الباطل دراسة مقارنة، د. لمى عامر محمود، جامعة بابل/ كلية القانون، ص515.

[8] علي صالح، أيمن، حكمة ضمان الفعل الضار وأثرها في تحديد موجباته في الفقه الإسلامي، مجلة مؤته للبحوث والدراسات: سنوية رقم العدد:4، رقم الطبعة: 119 الدولة المملكة الأردنية الهاشمية، ص 3.

[9]أبو زيتون، مأمون محمد سعيد، التعويض عن التوقيف في القانون الجزائي الأردني: دراسة مقارنة، مجلة الحقوق العدد 1، ص482.

[10] الحكم رقم 3031 لسنة 2019 – بداية حقوق عمان.

Scroll to Top