ثماني خطوات لكتابة مرافعة متميزة

ثماني خطوات لكتابة مرافعة متميزة

إن السبيل إلى كتابة مرافعة قانونية متميزة؛ دفع التهمة عن بريء أو طلب الحق المسلوب يتعين أن تحتوي على ألفاظ جزلة وحجج واضحة جلية، وأن تكون مسندةً إلى نصوص نظامية أو شرعية أو مبادئ قانونية تدعم بها ما تريد إيصاله من مرافعتك، وتؤكد من خلالها على صحة ما تدفع به من دفوع، وتؤثر عن طريقها على قناعة القاضي، وبالطبع يتعين أن تكون المرافعة مختصرة دون خلل، والأهم تجني الإسهاب والاكتفاء يما قل ودل. قريبة لقناعة الحكم بعيدة عن العي والإسهاب. ويمكن بيان خطوات كتابة مرافعة مميزة من خلال العنصر الرئيسية الآتية:

أولًا: معنى المرافعة لغةً واصطلاحًا

ثانيًا: عناصر المرافعة القانونية

ثالثًا: ثماني خطوات لكتابة مرافعة متميزة

ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة، فيما يلي:

أولًا: معنى المرافعة لغةً واصطلاحًا

درجت العادة على تسمية المرافعة بالفن، وأي فن وأي حرفة أسمى من كتابة المرافعات من أجل الدفاع عن الحقوق في ساحات القضاء، ويمكن تعريف لفظ الفن على أنه: “ما يأتي به الشخص من إبداع”، أما المرافعة فهي الدفاع عن رأي، أو شخص، أو فكرة، أو قضية أمام المحاكم أو أي هيئة مختصة بالفصل في الدعاوي.

ثانيًا: عناصر المرافعة القانونية

يجب أن تشتمل المرافعة القانونية على عناصر رئيسة هي: المقدمة والموضوع والخاتمة.

1- المقدمة: إن من أهمية المقدمات أنها تترك أثرا لا يستهان به عند السامع والحكم، فكلما كانت فصيحة وموجزة وهادفة كانت الأسماع منصتةً ومهيأةً لما بعدها، واجتذبت العقول إلى ساحتك؛ لكي ترى ما يراه عقلك، وتسمع ما يقول لسانك، وتفهم ما تريد إيصاله. ولعل من أهم الأساليب البلاغية ما يسمى ببراعة الاستهلال وهو ببساطة أسلوب يُنبئ القارئ بمضمون السطور التي سيشارف على قراءتها، ويجذب انتباه السامع إلى ما سيقال.

2- الموضوع: موضوع المرافعة يكمن في الدفوع الموضوعية المتعلقة بالقضية محل المرافعة، والأسانيد القانونية، أو المبادئ الفقهية، أو المبادئ القضائية التي تُقررها المحاكم العليا ومحاكم التمييز، ولا شك أن أهم عنصر من عناصر المرافعة هو موضوعها، إذ من خلاله تستطيع إيصال ما تود طرحه على المحكمة الموقرة.

ومن الأهمية ان يكون موضوع المرافعة يشمل مناقشة قوية للفكرة التي تريد إيصالها، مع طرح جميع الفروض التي يمكن أن تطرأ بفكر المحكمة الموقرة؛ لتجعل موضوع المرافعة شاملًا ووافيًا لجميع الأمور المتعلقة بالقضية، وتصل بالمستمع أو القارئ إلى ما تريد إيصاله من جميع الاتجاهات أو الأفكار التي يمكن له أن يتخذها بشأن القضية، وتعلق عليه أي منفذ يمكنه من خلاله القدح فيما تطرح في موضوع مرافعتك.

ومن الجدير بالذكر أن كتابة موضوع وافي وكافي لأي مرافعة يحتاج إلى بحث كافة أركان القضية محل دفاعك، وأن تكون على وعي كامل بكل جزئية -مهما كانت صغيرة- بموضوع المرافعة، وكلما تعمقت أكثر في البحث كلما تعمقت الفكرة في مرافعتك واستطعت الوصول إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه.

3- الخاتمة: غالبا ما يذكر السامع خاتمة الشيء فاحرص على خاتمة مختصرة جدًا لكامل موضوع المرافعة، تكون شاملة مرتكزةً على أهم النقاط التي تم طرحها في موضوع المرافعة، كما يتعين تجنب الإسهاب في الخاتمة بالذات، مع حث القاضي بطريق غير مباشر إلى الحرص عند الفصل في الدعوى ووجوب نظر البينات المقدمة من جانبك، مثل ذكر الآتي: “إن القاضي ظل الله في الأرض وإنما استخدمه ليجري أحكامه وأقداره جل وعلى على الناس، فاقض ما أنت قاض إنما تقضي ما كتبه الله”، وهذا ما يكثر ذكره، وننصح بالاطلاع على كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذهن والهاجس للإمام ابن عبد البر القرطبي.

ثالثًا: ثماني خطوات لكتابة مرافعة متميزة

إن كتابة مرافعة متميزة تحتاج إلى العديد من الخطوات الهامة جدًا، منها ما هو متعلق بتقوية الكاتب ذاته من حيث اللغة والمعلومات، ومنها ما يتعلق بموضوع المرافعة ذاته، وذلك على النحو الآتي:

الخطوة الأولى: دراسة القضية محل المرافعة

دراسة القضية محل المرافعة دراسة وافية وشاملة قبل البدء في كتابة أي شيء في المرافعة، فيتعين أولًا الوقوف على كل كلمة متعلقة بالقضية، وتحديد نقاط القوة ونقاط الضعف، وتدوينها، وكذلك الأفكار التي يمكن لك الدفع بها من أجل تقوية جانبك في المرافعة التي ستكتبها، والوصول لهدفك.

ويتعين قراءة ملف الدعوى بعناية، مع الاهتمام أولًا بتكييف الدعوى أو بالقيد أو بالوصف الجنائي ومطابقتهما مع وقائع الدعوى، ومراجعة اختصاص المحكمة التي تنظر الدعوى، والتأكد أنها المنوط بها وفقًا لأحكام النظام النظر في الدعوى محل المرافعة، ثم التأكد من سلامة الإجراءات المتبعة من قِبَل جهات الضبط والتحري ومن قِبَل النيابة العامة، وأخيرًا من قِبَل المحكمة المختصة، فقد تجد مُرادك في ثغرات تلك الإجراءات، ثم بأقوال الخصوم والشهود، واستخرج القرائن المادية التي تعضد حجتك.

ولعل من ضمن الأشياء الرئيسية في المرافعة هو تحديد الهدف الذي تكتب من أجله المرافعة، فيتعين بعد دراسة القضية دراسة وافية وكافية تحديد الهدف الرئيسِ الذي تريد الوصول إليه ثم الأهداف الفرعية التي ستعمل عليها أثناء كتابتك للمرافعة.

الخطوة الثانية: ترتيب الدفوع

ترتيب الدفوع، بحيث البدء بالدفوع القوية والمؤثرة في المرافعة، ومن ثم ذكر الدفوع الأقل أهمية ثم الأقل، مع ملاحظة عدم الدفع بأي دفوع لا فائدة منها أو لا يتحقق منها غرض أو فات الغرض منها ولم يعد لها تأثير في المرافعة. مع الوضع في الاعتبار أهمية البدء بالدفوع الشكلية التي تسقط عند دخولك في موضوع المرافعة مثل دفع الاختصاص المكاني وغير ذلك من الدفوع الشكلية.

الخطوة الثالثة: السوابق القضائية

التدليل على الدفوع المذكورة في المرافعة من وقائع الدعوى بالأسانيد والنصوص النظامية والشرعية والمبادئ القانونية التي أرستها المحاكم العليا ومحاكم التمييز في الدعاوي المدنية والأحوال الشخصية، مع إنزال وقائع الدعوى على النصوص القانونية وتطبيقها بشكل واضح وصريح، مع تجنب ذكر النصوص القانونية أو الشرعية بشكل مجرد؛ لأنه لا فائدة من ذكرها دون بيان علاقتها بموضوع المرافعة.

الخطوة الرابعة: كتابة المرافعة بأسلوب شيق

كتابة المرافعة بأسلوب شيق يعتمد على مخاطبة القارئ، وكأنك تتحدث حقيقةً وليس مجرد كتابة كلمات مرصوصة بجوار بعضها البعض دون وجود حس الكاتب، وفن الإلقاء، فلغة المرافعة لغة حديث لا كتابة. ومن الأمور التي يجب أن يمتلكها المحامِ فن الإلقاء، فهذا الفن لا يقتصر على المرافعة الشفوية، بل والمكتوبة أيضًا.

ولعل وجود فن الإلقاء في المرافعة المكتوبة أهم منه في المرافعة الشفوية؛ لأن الأخيرة يمكن أن تلفت انتباه القارئ بأكثر من أسلوب ومن تعابير وجهك، وحركة يديك، نبرة صوتك، وخلافه، ولكن في المرافعة المكتوبة التي تقتصر على تسليم مذكرة المرافعة إلى فضيلة القاضي دون إلقائها عليه شفويًا، فحينها يتعين أن تكون تلك المذكرة تحوي على أسلوب مميز في إلقاء الكلمات وتناسقها مع بعضها البعض يمنع القارئ من الملل أثناء قراءته لها، مع تجنب وجود أي قطع في الأفكار وأن تكون كل فكرة قائمة بذاتها.

الخطوة الخامسة: الإيجاز في المقدمات والخواتيم

تعمد الإيجاز في المقدمات والخواتيم والإطناب في شرح الموضوع والدفوع والأسانيد القانونية، ودائمًا ما تراعي أن تكون لكل فكرة مقدمة في مرافعتك نتيجة مختصرة تُبين منها ما تريد إيصاله من خلال ما ذكرت في الفقرة أو الفقرات التي ذكرتها، ولا تعتمد مطلقًا على أن النتيجة التي تريد إيصالها ظاهرة وواضحة ولا تحتاج إلى كتابتها بصراحة، فمن الممكن أن تكون ظاهرةً بالنسبة لك، ولكن بالنسبة لغيرك لا يصل إليها.

الخطوة السادسة: القراءة المستمرة في جميع العلوم

القراءة المستمرة في جميع العلوم سواء القانونية أو غير القانونية، ولعل من أهم الكتب فيما يتعلق بكتابة المرافعات كتب البلاغة والبيان، وبالطبع كتب القانون أمثال رؤوف عبيد في القانون الجنائي والعلامة السنهوري في القانون المدني وأقرانهم، وشيخ المحامين أ. د/ رجائي عطية.

ويتعين الدوام على ورد ثابت من القراءة في اليوم مع اختلاف أنواع العلوم، وذلك من أجل زيادة مخزون الألفاظ؛ مما يُمكنك من التعبير عما تريد ذكره في مرافعتك بأكثر من لفظ مع تناغم الألفاظ مع بعضها البعض. وبالطبع فإن كثرة القراءة في العلوم المختلفة تُكسبك عقل مستنير، وتوسع مداركك، وتُكسبك لسانًا مرنًا؛ فيعود أثر ذلك على قلمك، ولغتك، ولسانك.

الخطوة السابعة: الاعتدال في لغة المرافعة

مجال اللغة العلمية في المرافعات أقصر طريقة على قضاء الحكم، والاعتدال في لغة المرافعة يكسبك ثقة الحكم والخصم، ومطابقة لغة المرافعة لمقتضى الحال ووقائع الدعوى أظهر للحجة، والالتماس في المرافعة إطارها العام الذي يجب على المحامِ ألا يحيد عنه، فاحرص على الإلمام بكافة النصوص القانونية المعنية بموضوع المرافعة سواء الإجرائية منها والموضوعية. ويتعين الالتزام بأدب الترافع مع جميع الأطراف، ولا تخرج عن موضوع الدعوى، مع إبداء كامل الاحترام للخصم في الدعوى ووكيله.

وفي الأخير وإذا انتبه المحامِ إلى مراعاة الخطوات التي تم ذكرها سابقًا؛ فإنه سيصل إلى مرافعة متميزة حاسمة بإذن الله.

 الخطوة الثامنة: سلامة اللغة نحويا وإملائيا

إتقان علم النحو، فلا يعقل أن يكون المرء كاتبًا بارعًا وليس معه من علم النحو الشيء الكثير الذي يحفظ قلمه من ركاكة الأسلوب، والاخطاء الإملائية الفجة التي يمكن أن تصرف القارئ أو المستمع عن الاهتمام بما يُذكر أمامه.

وإذا لم يكن الكاتب على علمٍ كافٍ بقواعد النحو الأساسية على الأقل؛ فيتعين البدء فورًا في تعلم قواعد النحو، ويتعين أن تتدرج في تعلمها؛ حتى تتمكن منها، ومن أراد تقوية ذاته في علم النحو؛ فعليه فقط بكتاب الدروس النحوية للأساتذة الأربعة المصريين حفني ناصف، ومحمد دياب، وسلطان محمد، ومصطفى طموم، وشرح هذا الكتاب موجود للمدرس السوري أدهم العاسمي، وحينها سيتحسن أسلوبك في الكتابة والصياغة القانونية تحديدًا.

ويجب الاهتمام بالإملاء وعلامات الترقيم، ووفي هذا الأمر يمكنكم الاطلاع على كتاب قواعد الإملاء وعلامات الترقيم للعلامة عبد السلام محمد هارون.

وهذا يتطلب الاطلاع على كتب متن اللغة والنهل منها على قدر الإمكان؛ لكي تنمو حصيلتك اللغوية فهي -كما يُقال عنها- أدوات الكاتب، وهناك العديد من الكتب التي يُمكن أن تُساعدك في الوصول إلى متانة اللغة ومنها على سبيل المثال كتاب جواهر الألفاظ.

إعداد/ سامي العوض ومحمد محمود

Scroll to Top