جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات

 جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات

تُعتبر جريمة انتزاع القرار والمعلومات من أشد الجرائم خطورة خاصة وأنه يغلب ارتكابها من قبل رجال السلطة العامة والضبطية العدلية بهدف الحصول على معلومات وإقرارات، حتى لو كانت تحت وسائل قصرية يُعذب فيها المجني عليه ويكره مادياً ومعنوياً حتى تُسلب إرادته ويدلي بما لا يرغب الإدلاء به، وإزاء هذه الخطورة الشديدة لتلك الأفعال الإجرامية رأى المشرع الأردني ضرورة النص على النموذج الإجرامي لتلك الجريمة مع تحديد العقوبة الملائمة له للحد من انتشارها، وفي هذا المقال سوف يدور حديثا حول التعريف بهذه الجريمة وصورها والعقوبات المقررة لها على التفصيل الآتي:

أولا: تعريف جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

ثانيا: صور جريمة انتزاع الإقرار أو المعلومات:

ثالثا: أركان جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

رابعا: عقوبة جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

خامسا: حجية المعلومات والإقرارات المتحصلة عن جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

سادسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بجريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

 

أولا: تعريف جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

رغم عدم إدراج القانون الأردني تعريفا صريحا لجريمة انتزاع الإقرار والمعلومات إلا أنه قد اعتبر أن التعذيب أحد الوسائل الغير مشروعة للحصول على الإقرار أو المعلومات، ويشمل التعذيب جميع أنواعه المادية منه والتي قد تصيب جسد المتهم أو النفسية طالما كانت بغرض الحصول على إقرار ما أو معلومة محددة.[1]

ولما كان لفظ الانتزاع يدل في معناه اللغوي على الحصول على الشيء بالقوة ودون إرادة المنتزع منه فإن ذلك يشير إشارة صريحة إلى أن هذه الجريمة هي الجريمة التي يقوم فاعلها بتوجيه إيذاء قاسي للمتهم وتعذيبه جسديا أو نفسيا، يجعله يقبل الإقرار بمعلومة أو الإدلاء بمعلومة حتى ينجو بنفسه من هذا الإيذاء.

وعلى ذلك فيمكن القول أن انتزاع الإقرار أو المعلومة هو في حقيقته مبني على التعذيب والذي وحده القادر على جعل الشخص يدلي بمعلومات أو يقر بشيء وما كان ليفعل ذلك لولا ما تعرض له من تعذيب وإيذاء، وقد عرف إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة الصادر عام (1975) التعذيب  في (المادة الأولى) منه بأنه: (لأغراض هذا الإعلان، يُقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عناء شديد، جسديا كان أو عقليا، يتم إلحاقه عمدا بشخص ما بفعل أحد الموظفين العموميين، أو بتحريض منه، لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر علي معلومات أو اعتراف، أو معاقبته علي عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، أو تخويفه أو تخويف أشخاص آخرين. ولا يشمل التعذيب الألم أو العناء الذي يكون ناشئا عن مجرد جزاءات مشروعة أو ملازما لها أو مترتبا عليها، في حدود تمشي ذلك مع “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء”. ويمثل التعذيب شكلا متفاقما ومتعمدا من أشكال المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة).

ثانيا: صور جريمة انتزاع الإقرار أو المعلومات:

تقوم هذه الجريمة تحت عدة صور يمكن إجمالها في صور ثلاثة متمثلة في ارتكاب الجريمة بتوقيع إكراه مادي على المتهم، وثانيها وقوع الجريمة بتوقيع إكراه معنوي بالمتهم، وثالثها ارتكابها باستخدام أساليب ووسائل حديثة في التحقيق تؤدي إلى انتزاع الإقرار والمعلومات من المتهم دون إراداته، وسوف نتحدث عن كل صورة من هذه الصور على التفصيل الآتي:

1- الإكراه المادي:

وفي هذه الصورة يستعمل الجاني وسائل مادية لإجبار المتهم على الإقرار أو الإدلاء بمعلومات رغما عن إرادته، حيث يقوم الجاني بأفعال مادية محسوسة تلحق الأذى بجسد المجني عليه وذلك عن طريق قيام الجاني بتعذيب المتهم أو تهديده بالتعذيب، ولا يشترط أن يؤدي هذا التعذيب أو التهديد  إلى اعتراف المجني عليه في هذه الجريمة، بل يكفي مجرد اتجاه نية الجاني القائم بالتعذيب إلى تعذيب المتهم لحمله على الإقرار أو الإدلاء بمعلومات، حتى ولو لم ينتج عن هذا التعذيب أو التهديد إلى تحقق النتيجة التي يرجوها الجاني،[2] كما لا يشترط أن يقوم الجاني في هذه الجريمة بفعل مادي معين بل تتحقق صورة الإكراه المادي بامتناع الجاني عن القيام بفعل كان يجب القيام به إلا أنه قد امتنع عن القيام به بقصد إجبار المجني عليه على الإقرار أو الإدلاء  بمعلومة  بحيث يكون هذا الفعل المادي أو الامتناع سببا في شل اختيار المجني عليه ويجعله يدلي بمعلوم هاو يقر دون رضاه.[3]

ويعتبر العنف من أهم الوسائل التي يلجأ إليها الجاني لحمل المجني عليه على الاعتراف، ويُعرف العنف بأنه شل إرادة المتهم ومنع مقاومته باستخدام قوة مادية تجعل إرادته معطلة وقد تنمحي كلية للدرجة التي يمكن أن ينسب إليه سوى الحركة العضوية دون الصفة الإرادية، ويتمثل هذا العنف في التعذيب الذي يتعرض له المجني عليه وهو أقوى التأثيرات التي قد تجعل المجني عليه يعترف رغما عن إرادته،[4] والعنف أو التعذيب يقوم كلما ثبت تعرض المجني عليه لأي منهما دون النظر إلى مقدار الألم الذي تعرض له المجني عليه، سواء كان ذلك العنف بالقيام بأداء فعل مادي أو الامتناع عن القيام به، كما لم يشترط المشرع الأردني أن يكون ذلك العنف أو التعذيب على درجة معينة من الجسامة كما لم يشترط أن يكون له مظهر خارجي معين دالا عليه.[5]

ويأتي بعد العنف الاستجواب المرهق من حيث الوسائل التي تستخدم بقصد انتزاع الإقرار أو المعلومة من المجني عليه، ويُعرف الاستجواب المرهق بأنه الأفعال التي يُقصد منها التأثير على الحالة الذهنية والنفسية والعصبية للمجني عليه مما يحد من حريته في الإنكار أو الاعتراف أو يعدم هذه الحرية كلية،  ورغم أن الاستجواب  من حيث الأصل إجراء جائز ومشروع إلا أن الجاني في هذه الصورة يقوم بأفعال يقصد منها تحويل الاستجواب إلى إجراء مرهق للمجني عليه، وذلك بزيادة وقت الاستجواب أو حرمانه من النوم أو من الطعام أو استجوابه في أوقات غير مناسبة، بقصد الوصول إلى نتيجة مفادها فقدان المجني عليه للسيطرة على أعصابه مما يجعله مسلوب الإرادة ويسهل انتزاع المعلومات أو الإقرارات منه.[6]

2- الإكراه المعنوي:

ويقصد بالإكراه المعنوي هو استخدام وسائل ضغط على المجني عليه ليست مادية ولا تمس جسد المجني عليه، بل تصيب نفسه أو عقله أو إحساسه بأذى يؤثر على حرية اختياره ويجعله يعترف أو يدلي بمعلومات ما كان ليدلي بها أو يقر بها ما لم يتعرض لهذا الإكراه المعنوي وتتعدد صور وأساليب الإكراه المعنوي ومنها:

أ- الوعد أو الأغراء:

فقد يكون الإكراه المعنوي عن طريق وعد أو إغراء المجني عليه، والغرض من هذه الوسيلة بث روح الأمل والتفاؤل لدى المجني عليه بأن يوهمه الجاني بأن إدلائه بمعلومة معينة أو إقراره بشيء معين سوف يحسن مركزه القانوني في القضية المتهم فيها، أو أن يقوم الجاني بالتعهد للمجني عليه بإخراجه من التهمة المنسوبة إليه إذا اعترف أو أقر أو أدلى بمعلومة معينة، مما يكون له الأثر البالغ على إرادة المتهم الذي قد يقر أو يدلي بمعلومة فقط لتحقيق النتيجة الذي تم وعده بها، وإذا ما ثبت للمحكمة أن الإقرار أو المعلومة قد تحصل عليها بهذا الأسلوب فإنه لا يصح الاستدلال بها لآنها نتيجة إجراء باطل، ويشترط في هذه الصورة أن يكون الوعد أو الإغراء من الصعب على الشخص مقاومته بحيث يكون من شأنه دفع المجني عليه على الإقرار حتى لو لم يكن هذا الإقرار في صالحه حقيقة.[7]

ب- التهديد:

كما قد يكون الإكراه المعنوي بتهديد المجني عليه ويقع هذا الفعل سواء كان التهديد بإيذاء المجني عليه في نفسه أو في أهله أو في ماله أو في عرضه، كما لا يشترط أن يكون ذلك التهديد قد صدر صريحا أو ضمنيا طالما كان قد حقق النتيجة التي يهدف إليها وهي إخافة المجني عليه واجباه على الإقرار أو الإدلاء بمعلومات، ويشترط في التهديد الذي يؤدي إلى بطلان الإقرار الصادر من المجني عليه أو الاعتراف أن يكون التهديد مبنيا على أسباب غير مشروعة وأن يكون التهديد هو السبب المباشر لانتزاع الإقرار أو المعلومات من المجني عليه.[8]

ج- استخدام أساليب الحيلة والخداع:

ويُقصد بأساليب الحيلة والخداع في جريمة انتزاع المعلومات والإقرارات هو إيهام المجني عليه بواقعة غير حقيقية يكون لاقتناعه بها وتصديقه لها أثرا على إرادته واختياره، وتجعله يُقر بشيء أو يدلي بمعلومة ما كان ليقر بها لولا الكذب عليه واستخدام الحيلة والخداع، ومن أمثلته الكذب على المجني عليه وإبلاغه أن المتهم الأخر قد اعترف عليه دون أن يكون ذلك حقيقيا.

3- استخدام أساليب ووسائل حديثة في التحقيق:

مع التقدم العلمي ظهرت بعض الوسائل العلمية الحديثة التي تمكن المحقق من التأثير على وعي المتهم وتمكنه من انتزاع بعض المعلومات منه على غير رغبته ومن هذه الوسائل الحديثة:

أ- التنويم المغناطيسي:

ويُعرف التنويم المغناطيسي بأنه وضع الشخص في حالة نوم اصطناعي وذلك عن طريق حجب الذات الشعورية للنائم والإبقاء على الذات اللاشعورية باستخدام طرق عليمة معينة والتي تجعل النائم مسلوب الإرادة لا يقدر على التحكم في مكنونات نفسه.[9]

ب- استخدام العقاقير المخدرة:

وتستخدم تلك العقاقير بقصد التأثير على ذاكرة الشخص وجوانبه الشعورية وتجعل لديه الرغبة في الإجابة على ما يوجه إليه من اسأله دون أن يكون لديه القدرة على التحكم في إرادته أو اختياره، فيصبح أكثر استعدادا للإفصاح عن المعلومات المخزنة في عقله الباطن ويكون مسلوبا الإرادة بحيث يدلي بمعلومات ما كان ليدلي بها لو لم يتناول الحبوب أو الأدوية المخدرة.[10]

3- استخدام جهاز كشف الكذب:

وهو عبارة عن جهاز يقوم بقياس الحالة النفسية والصحية وحالة بعض وظائف أعضاء الجسم عند الإجابة عن الأسالة الموجه إلى المجني عليه، بحيث يؤدي أي تغير في المقاييس الطبيعية لأعضاء الجسم إلى اكتشاف كذب الشخص من عدمه، إذ يقوم الجهاز بمراقبة الانفعالات الحسية التي تصيب الشخص إذا أثيرت أعصابه أو نبهت حواسه كشعوره بالخجل أو المسئولية أو بالندم ومن ثم يسهل كشف كذب المتهم وإجباره على الإدلاء بالحقيقة،[11] وهذه الوسيلة أيضا تعد من الوسائل التي يجتمع فيها الإكراه المادي والمعنوي ويبطل الدليل المستمد من خلالها.

ثالثا: أركان جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

تتكون جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات من ركن مادي وركن معنوي على النحو الآتي:

1- الركن المادي لجريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

والمقصود بالركن المادي في تلك الجريمة هو الأفعال المادية الخارجية والظاهرة التي تؤدي إلى المساس بجسد المجني عليه أو المساس بعقله وتؤثر على إرادته واختياره، سواء كانت هذه الأفعال إيجابية أو سلبية مع اشتراط وجود رابطة سببية بين هذا الفعل المادي الغير مشروع والنتيجة التي نتجت عنه، بحيث إذا انتفت هذه العلاقة بين الفعل والنتيجة انتفى الركن المادي للجريمة،[12] وعلى ذلك فكل فعل إيجابي أو سلبي يؤدي إلى الإضرار بالمجني عليه في هذه الجريمة سواء إضرارا بدنيا أو عقليا يُعد سلوكا إجراميا مكوناً للركن المادي لتلك الجريمة، والملاحظ أن السلوك الإجرامي في تلك الجريمة يتسم بالحداثة والتطور فدائما ما يبحث الجناة في هذه الجريمة عن أحدث الوسائل التي تمكنهم من السيطرة على إرادة المجني عليه وإجباره على الإقرار أو الإدلاء بمعلومات جبرا عنه.

2- الركن المعنوي لجريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

جريمة انتزاع الإقرارات والمعلومات من الجرائم العمدية التي اشترط القانون لوقوعها أن  يتوافر لدى المتهم  القصد الجنائي العام وكذلك القصد الجنائي الخاص، بحيث أن فقدان أي من هذين القصدين يمنع من قيام الركن المعنوي لتلك الجريمة وما يترتب على ذلك من انتفاء التهمة عن الجاني لانتفاء القصد الجنائي، والمقصود بالقصد الجنائي العام في صدد الحديث عن جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات هو أن يثبت لدى المتهم علمه وإرادته الجنائية وقت ارتكابه للفعل المادي لتلك الجريمة، بحيث تكون إرادته قد اتجهت إلى ارتكاب الأفعال المادية الإجرامية سواء كانت إكراه مادي أو معنوي للمتهم مع علمه بما يترتب على هذا الفعل من أثار ضارة على سلامة جسد المتهم أو عقله أو تعرض حياته لخطر شديد أو الإضرار الشديد بنفسيته.[13]

كما يتمثل القصد الجنائي الخاص في تلك الجريمة في أن يكون لدى المتهم دوافع وأهداف خاصة يبغي تحقيقها جراء قيامه بالأفعال المادية لهذه الجريمة، ويتمثل هذا الدافع في سعيه للحصول على إقرار من المجني عليه أو معلومة معينة، ويشترط لقيام الجريمة أن يتوفر ذلك القصد الخاص لدى المتهم فلا يكفي القصد الجنائي العام وحده لقيام تلك الجريمة، كما أن هذا القصد يكون متوفرا سواء انتهى إلى تحقيق ما سعى الجاني لتحقيقه واستطاع انتزاع المعلومات أو الإقرار أو أخفق في ذلك.[14]

رابعا: عقوبة جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

نصت المادة (208) من قانون العقوبات الأردني في فقراتها (1، 3، 4) على العقوبات التي يجب توقيعها على كل متهم بجريمة انتزاع المعلومات والإقرار بالعنف حيث جاء نصها على: (من سام شخصا أي نوع من أنواع التعذيب بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. وإذا افضى هذا التعذيب إلى مرض أو جرح بليغ كانت العقوبة الأشغال المؤقتة. وعلى الرغم مما ورد في المادتين (54) مكرر و(100) من هذا القانون لا يجوز للمحكمة وقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها في الجرائم الواردة في هذه المادة كما لا يجوز لها الأخذ بالأسباب المخففة).

وعلى ذلك فيكون المشرع الأردني قد حاول مواجهة هذه الجريمة بجميع صورها سواء الصورة البسيطة منها، والتي لا تتعدى مرحلة التعذيب ولا ينتج عنها أي جرح أو مرض وجعلها من طائفة جرائم الجنح وحدد عقوبتها بالحبس الذي لا تزيد مدته عن ثلاث سنوات.

كما عالج المشرع الصورة المشددة لهذه الجريمة وهي أن ينتج عن التعذيب مرض أو جرح بليغ وجعل لها عقوبة أشد قسوة وهي الأشغال المؤقتة، أما إذا نتج عن هذا التعذيب وفاة المجني عليه فيتم تطبيق مواد الاتهام الواردة في المادة (330) من قانون العقوبات باعتبارها جناية ضرب أفضى إلى موت والتي تقضي في فقرتها الأولي بأن: (من ضرب أو جرح أحداً بأداة ليس من شأنها أن تفضي إلى الموت أو أعطاه مواد ضارة ولم يقصد من ذلك قتلا قط، ولكن المعتدى عليه توفي متأثرا مما وقع عليه، عوقب الفاعل بالأشغال مدة لا تنقص عن سبع سنوات).

ورغبة من المشرع في إيقاع العقوبة على الجاني في هذه الجريمة وعدم الإفلات منها تحت أي ظرف قرر المشرع عدم جواز القضاء بوقف تنفيذ العقوبة أو الأخذ بالأسباب المخففة لها حتى توقع العقوبة على المتهم في أشد صورها ولكي تحقق العقوبة الردع العام والخاص ويرتعد كل من يفكر في ارتكابها ويتراجع عن مجرد الشروع فيها.

خامسا: حجية المعلومات والإقرارات المتحصلة عن جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

إذا ثبت أن الإقرارات أو المعلومات المتحصل عليها كانت نتاج لارتكاب تلك الجريمة فإن أهم ما يترتب على ذلك هو بطلان الاحتجاج بتلك المعلومات أو الإقرارات في مواجهة المجني عليه أو في مواجهة غيره، كون القانون قد اشترط صراحة أن يكون الدليل الذي تم الاعتماد عليه في توجيه الاتهام لشخص ما قد تم الحصول عليه بطرق مشروعة غير مخالفة للقانون أو النظام العام.

سادسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بجريمة انتزاع الإقرار والمعلومات:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 697 لسنة 1999 ما يلي:

فإنه بالرجو ع إلى شهادة المحقق الملازم (—) الذي قام بالتحقيق مع المميز بتكليف من المقدم (—-)، تبين أن التحقيق استمر معه لمدة أربع ساعات إلى أن تم تدوين إفادته خطيا في الساعة الثانية والنصف صباحا وأنه كان أثناء أخذ هذه الإفادة يناقشه فيما يدلي به، وأنه لم يكن يدونها أولا بأول، وإنما دونها في وقت متأخر، كما ذكر المقدم (–) وعليه، وحيث أن مناقشة المميز تفصيلا فيما أدلى به، يعتبر استجوابا له، وممنوع على الضابطة العدلية ، فإن ما قام به المحقق من هذه الناحية مخالف للقانون، وإن هاتين المخالفتين، تنصبان على حقوق أساسية للدفاع، وعليه فإن الإفادة المنسوبة للمميز، موضوع الطعن هي إفادة باطلة ولا يجوز التعويل عليها في الحكم، مما يجعل هذا السبب واردا على الحكم المميز.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 541 لسنة 1997 ما يلي:

اعتراف المميز ضده لدى مدعي عام شرطة الكرك فقد استبعدته محكمة الشرطة من عداد البينات كما استبعدت الاعترافات التي صدرت عن أخويه (ن.و.ي) بشأن اشتراكه في المشاجرة بعد أن قنعت محكمة الشرطة بأن المميز ضده قد تعرض هو وأقاربه الذين اشتركوا في المشاجرة إلى إكراه مادي ومعنوي بسبب ما تعرضوا له من صنوف مختلفة من الضرب من قبل ضباط وأفراد مركز امن القصر، وقد ثبت للمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه أن المميز ضده قد تعرض للضرب المبرح والشديد من أقوال شهود الدفاع ومعظمهم من رجال الشرطة في الكرك ومن ضباط وأفراد قيادة البادية، كذلك من أقوال مدير مركز الصالح والتأهيل في ناعور الذي رفض استلام المميز ضده كموقوف إلى أن يزود بتقرير طبي بحالته الصحية بعد أن شاهده مضروبا وبحالة صحية سيئة. وبما أن محكمة الشرطة عندما قضت ببراءة المميز ضده من التهم المسندة إليه فقد بنت قضاءها على بينات من شانها أن توصل حسب القواعد والمنطق والعقل والنتيجة التي توصلت إليها ولذلك نقرر رد التمييز وتأييد القرار المميز.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 271 لسنة 1991 ما يلي:

إن اعترف المتهمين شأن باقي الأدلة في المواد الجزائية التي تخضع لتقدير القاضي وقناعته الشخصية بصحتها عمال بأحكام المادة (117) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وعليه فإذا توصلت محكمة الجنايات الكبرى إلى أن هذه الاعترافات أخذت من المتهمين في ظروف توجب الشبهة في صحتها وإثناء ما كانت اثأر الضرب والتعذيب والإنهاك بادية عليهم ، بالإضافة إلى تدخل بعض الحاضرين (من رجال الشرطة بما فيهم أخصائية الطب النفسي) في هذه الاعترافات وأثناء الإدلاء بها أمام المدعي العام وبشهادة كاتب التحقيق لدى المدعي العام، فإن من حق محكمة الجنايات الكبرى أن لا تأخذ بهذه الاعترافات إعمالا لسلطتها في تقدير الأدلة التي لا تخضع فيها لرقابة محكمة التمييز.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 86 لسنة 1986 ما يلي:

أن الاعتراف الذي يعتبر حجة ضد المتهم هو الذي يصدر عن إرادة حرة واعية فإذا شاب إرادته إكراه مادي أو أدبي عد الاعتراف باطلا.

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] علي أبو زيد، جريمة انتزاع الإقرار والمعلومات في التشريع الأردني، رسالة ماجستير، جامعة عمان العربية، ص 36.

[2] عبد القادر القيسي، تعذيب المتهم لحمله على الاعتراف بين الجريمة والمسؤولية، القاهرة، المركز القومي للإصدارات القانونية، ص75.

[3] سردار علي عزيز، ضمانات المتهم أثناء الاستجواب، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، ص 81.

[4] سامي صادق، اعتراف المتهم، ص، 115-116.

[5] مراد احمد العبادي، اعتراف المتهم وأثره في الإثبات دراسة مقارنة، الأردن، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2005, ص 113.

[6] عدلي خليل، استجواب المتهم فقها وقضاء، ط1, المكتبة القانونية, 1946, ص 71.

[7] سامي صادق، مرجع سبق ذكره، ص133-131.

[8] مراد احمد العبادي، مرجع سبق ذكره، ص 71.

[9] علاء عبد المحسن، تعريف المتهم في المنظورين القانوني والشرعي، ط1 , ص 137

[10] هبة المدور، الحماية من التعذيب في إطار الاتفاقيات الدولية والإقليمية، بيروت، منشورات الحلبي الحقوقية، ص: 176.

[11] حسن جوخدار، السلطة المختصة باستجواب المتهم وحقه في الاستعانة بمحام في قانون أصول المحاكمات الجزائية، ص 313-311.

[12] راشد علي، القانون الجنائي، المدخل وأصول النظرية العامة، ط1, دار النهضة العربية، ص 163.

[13] محمد أبو بكر، جريمة التعذيب في القانون الدولي الجنائي والقانون الداخلي دراسة تأصيلية تحليلية مع بيان قطاعات التعذيب التي ارتكبت في يوغسلافيا السابقة، المكتب العربي الحديث، الإسكندرية، ص 53.

[14] محمد الموسى، دليل تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لحظر ومناهضة التعذيب، ص934.

Scroll to Top