طرق إثبات الالتزام
الالتزام هو رابطة قانونية تربط بين شخصين بحيث يكون كل منهما دائناً ومديناً للطرف الأخر في ذات الوقت، تلك العلاقة القانونية قد يتمخض عنها العديد من المنازعات أثناء سريانها وهو ما يدفع الطرف المدعي أن يثبت وجود الالتزام في ذمة المدين ليُلزِم الأخير بأداء ما يثقل كاهله من التزام، فإن استعصى على الدائن إثبات الالتزام في ذمة مدينه فإنه يخسر حقه ويخسر دعواه.
فمن خلال ما تقدم يتجلى لنا مدى أهمية الأثبات والتي تتمثل في الحفاظ على الحق وإمكانية المُطالبة به، حيث أن الحق الذي يتعذر إثباته يتجرد من كل قيمة قانونية ويصبح هو والعدم سواء بسواء.
وعلى ضوء ذلك سنتولى في مقالنا الحالي بيان الطرق القانونية التي رسمها المشرع لإثبات الالتزام، ونوضح مدى حجية كل طريقة على حدى والوسائل البديلة التي يمكن اللجوء إليها حال تعذر الإثبات بوسيلة بعينها.
ثانياً: الإثبات عن طريق الكتابة:
ثالثاً: إثبات الالتزام عن طريق الشهادة:
رابعاً: حالات الإثبات عن طريق الشهادة بغض النظر عن قيمة الحق المدعى به:
خامساً: مدى حجية الشهادة في إثبات الالتزام:
سادساً: إثبات الالتزام عن طريق القرائن:
سابعاً: إثبات الالتزام عن طريق اليمين:
ثامناً: إثبات الالتزام عن طريق الإقرار:
عاشراً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن طرق إثبات الالتزام:
أولاً: ماهية الإثبات:
الإثبات يعني إقامة الدليل أمام القضاء من خلال استعمال الطرق التي رسمها القانون على وقعة قانونية معينة ترتبت آثارها،[1] بحيث يترتب على ذلك أن يتمكن المدعي من إثبات ما يدعيه في ذمة مدينة، ذلك أن عبء الإثبات يقع دوماً على من يدعي خلاف الثابت أصلاً أو فرضاً أو عرضاً، استناداً إلى أن الأصل في الذمة البراءة، وعلى من يدعي خلاف ذلك أن يشرع في إثبات ما يدعيه.
وبإمعان النظر في التعريف المتقدم للإثبات يتجلى لنا أن الإثبات القضائي يختلف عن الإثبات في معناه العام، ذلك أن الإثبات القضائي لا يكون إلا بالطرق والمكنات التي حددها القانون، حيث لا يجوز اللجوء إلى غيرها في إثبات الالتزام، أما الإثبات في معناه العام لا يتقيد بثمة وسيلة بعينها حيث يكون للمدعي أن يثبت قوله بكافة الطرق الممكنة.
فالقانون عندما رسم الطرق الخاصة بالإثبات حدد الأوقات والحالات التي يجوز فيها استخدام كل طريقة بعينها ومدى الحجية القانونية التي تتمتع بها كل وسيلة من وسائل الإثبات، فضلاً عن ذلك؛ فقد بين القانون أن هناك وسائل للإثبات لا يجوز استعمالها في أحوال معينة حتى ولو لم يكن لدى المدعي دليل غيرها.
إن الدليل هو قوام حياة الحق ومعقد النفع منه، لذا إن لم يكن لدى المدعي المكنات القانونية التي تتيح له إثبات دعواه فإنه يخسر حقه ولا يكون له ثمة طريق للحصول على هذا الحق سوى الاحتكام إلى ذمة مدينه.
ثانياً: الإثبات عن طريق الكتابة:
تُعد الكتابة أحد أهم الطرق التي يتم اللجوء إليها لإثبات الالتزام في ذمة المدين، ذلك أن وجود دليل كتابي يثبت الالتزام في ذمة المدين يجعل الأخير مُقيد في نفي ما ورد في هذا الدليل، بحيث لا يمكنه إثبات عكس ما ورد به إلا من خلال إنكاره أو الدفع بتزويره – حسب نوع الدليل الكتابي – أو إثبات عكس ما تضمنه من خلال تقديم دليل كتابي أخر موقع من الدائن المدعي.
والكتابة التي تُعد دليلاً للإثبات لها نوعين، وهما:
1- الكتابة الرسمية:
أ- التعريف بالكتابة الرسيمة:
عرف المشرع الأردني السندات الرسمية بموجب (المادة 6/1) من قانون البينات بنصه على أن: (السندات الرسمية:
- السندات التي ينظمها الموظفون الذين من اختصاصهم تنظيمها طبقاً للأوضاع القانونية ويحكم بها دون أن يكلف مبرزها إثبات ما نص عليه فيها ويعمل بها ما لم يثبت تزويرها.
- السندات التي ينظمها أصحابها ويصدقها الموظفون الذين من اختصاصهم تصديقها طبقاً للقانون. وينحصر العمل بها في التاريخ والتوقيع فقط.
إذن فالسندات الرسمية هي الأوراق التي تُعد بواسطة الموظفين المختصين أو التي يُصدق عليها الموظفين المختصين طبقاً لأحكام القانون، بحيث إذا كان تدخل الموظف في تلك السندات مُخالف لأحكام القانون فإن ذلك يترتب عليه أن ذلك السند بفقد صفته الرسيمة ويتحول إلى مجرد سند عادي إذا كان موقع من أولي الشأن أو مزيل ببصماتهم أو أختامهم، وهذا ما قرره المشرع في الفقرة الثانية من ذات المادة سالفة البيان بقوله: (إذا لم تستوف هذه السندات الشروط الواردة في الفقرة السابقة فلا يكون لها إلا قيمة السندات العادية بشرط أن يكون ذوو الشأن قد وقعوا عليها بتواقيعهم أو بأختامهم أو ببصمات أصابعهم).
ب- حجية الكتابة الرسمية:
بداية وقبل بيان مدى حجية الكتابة الرسيمة حري بنا الإشارة إلى أن المشرع الأردني قد فرق بين نوعين من الأسناد الرسمية وترتب على تلك التفرقة اختلاف حجية كل منهم، فهناك الأسناد الرسمية التي ينظمها الموظفون وتلك الأسناد تتسم بصفة الرسمية في كل ما تشمله من بنود وبيانات، أما النوع الثاني من الأسناد الرسمية فهي تلك التي ينظمها أولي الشأن ويقدمونها إلى الموظف المختص والذي يُصدق على توقيعهم ويثبت تاريخ السند، وتلك السندات لا تعتريها صفة الرسمية إلا في حدود التاريخ والتوقيع فقط.
أما فيما يتعلق بحجية السند الرسمي فلقد نصت (المادة 7) من قانون البينات على أن: (تكون الأسناد الرسمية المنظمة حجة على الناس كافة بما دون فيها من أفعال مادية قام بها الموظف العام في حدود اختصاصه، أو وقع من ذوي الشأن في حضوره وذلك ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً. أما ما ورد على لسان ذوي الشأن من بيانات فيعتبر صحيحاً حتى يقوم الدليل على ما يخالفه، وأما الأوراق السرية التي يراد بها تعديل الأسناد الرسمية أو الأسناد العادية فلا مفعول لها إلا بين موقعيها).
يتبين مما سبق أن الأسناد الرسمية يكون لها حجة على الكافة، بحيث يمكن الاستناد إليها في مواجهة الموقع عليها أو الغير موقع عليها، وبالتالي فهي تمثل خروجاً على الأصل القاضي بنسبية حجية الدليل الكتابي والذي لا يكون حجة إلا على أطرافه الموقعين عليه.
ولا مجال لدحض ما ورد بالسند الرسمي إلا من خلال الطعن عليه بالتزوير، والذي يترتب عليه تعطيل قوة السند الرسمي في الإثبات إلى حين الفصل في دعوى التزوير أو تحقيق الدفع به، فإن ثبت تزوير السند الرسمي فإنه يفقد حجيته في الإثبات ويصبح غير ذي قيمة في الدعوى، أما إذا ثبت صحة التوقيع فتعود قوة السند مرة أخرى وتكون حجيته سارية في مواجهة كافة الأشخاص.
ج- حجية صورة السند الرسمي:
وفقاً للمتبع في قواعد التوثيق فإن الأشخاص لا يحصلون على السند الرسمي الأصلي وإنما يحصلون على صورة رسمية منه، وفي حالة بقاء السند الأصلي موجوداً تكون الصورة الرسمية للسند الرسمي لها ذات الحجية التي يتمتع بها الأخير طالما كانت مطابقة له، ويكون الأصل أن الصورة مطابقة للسند الأصلي ما لم يُثبت خلافاً لذلك.
أما في حالة عدم وجود السند الأصلي فإن الصورة الرسمية والتي نقلت مباشرة عن السند الأصلي بواسطة الموظف العام يكون لها نفس حجية السند الأصلي، أما بالنسبة للصورة الفوتوغرافية المأخوذة من الصورة الرسيمة للسند الأصلي فيكون لها ذات قوة السند الأصلي طالما كانت مطابقة للصورة الرسمية، ولكن يكون لكل من الطرفين أن يطلب مراجعة هذه الصورة على الأولى. فإذا تعذر الحصول على الصورة الرسمية فإن الصورة الأولى المأخوذة منها تفقد قوتها في الإثبات إلا إذا أمكن اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة.[2]
أما بالنسبة للصورة الثانية الفوتوغرافية المأخوذة من الصورة الفوتوغرافية الأولى فلا يكون لها ثمة قوة في الإثبات، ويمكن للقاضي أن يعتد بها حسب ظروف وملابسات كل دعوى باعتبارها قرينة تجعل الحق المدعى به قريب الاحتمال.
وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 9) من قانون البينات والتي نصت على أن: (إذا لم يوجد أصل السند الرسمي كانت الصورة الخطية أو الفتوغرافية حجة على الوجه الآتي:
- يكون للصورة الأولى قوة الأصل إذا صدرت عن موظف عام مختص وكان مظهرها الخارجي لا يتطرق معه الشك في مطابقتها للأصل.
- ويكون للصورة الخطية أو الفوتوغرافية المأخوذة من الصورة الأولى نفس القوة إذا صدرت عن موظف عام مختص يصادق على مطابقتها للأصل الذي أخذت منه ويجوز لكل من الطرفين أن يطلب مراجعة هذه الصورة على الأولى على أن تتم المراجعة في مواجهة الخصوم.
- أما الصورة المأخوذة عن الصورة الثانية فيمكن الاستئناس بها تبعاً للظروف.
2- الكتابة العادية ” السند العرفي “:
المحرر أو السند العرفي هو الذي يصدر عن ذوي الشأن ويكون “موقعا” منهم دون أن يكون للموظف المختص دور في تحرير هذا السند، وهذا المحرر لا يكون حجة في الإثبات إلا على أطرافه فقط، بحيث يفقد كل حجيته في الإثبات في مواجهة الغير.
ويمكن دحض حجية هذا المحرر ممن يحتج به عليه من خلال إنكاره، حيث يكون للمدعى عليه أن ينكر أن التوقيع أو البصمة أو الختم المزيل به المحرر لا يتعلق به، وفي هذه الحالة يتعين على الدائن أن يثبت أن التوقيع أو البصمة أو الختم يتعلق بالمدعى عليه، فإن استطاع إثبات ذلك جاز للمدعى عليه أن يدحض حجية المحرر مرة ثانية من خلال الدفع بالتزوير.
وفي حالة الاحتجاج بالمحرر على الخلف العام – أي الورثة أو الموصي لهم بحصة شائعة من التركة – فيكفيه لدحض حجية المحرر أن يقرر بأنه لا يعلم أن الخط، أو التوقيع، أو الختم، أو البصمة هو لمن تلقى عنه الحق.
أما إذا لم تدحض حجية المحرر العرفي بأي طريق من الطرق السابقة فإنه يكون حجة على كل من وقع عليه، ولا يجوز إثبات خلاف ما ورد بهذا المحرر إلا عن طريق تقديم دليل كتابي أخر حتى ولو كان نصاب الدعوى مما يجوز إثباته بالبينة.
وفي هذا الصدد يُثار تساؤل حول مدى إمكانية الاحتجاج بالرسائل المرسلة بين الدائن والمدين في إثبات الحق المدعى به؟
حيث من الغالب أن يكون هناك رسائل بين الدائن والمدين يمكن من خلالها التوصل إلى إثبات الحق أو إثبات مقداره أو إثبات مقدار ما تم الوفاء به منه، وفي تلك الحالة فقد قرر المشرع الأردني أن تكون لتلك الرسائل نفس حجية السندات العادية في الإثبات ما لم يثبت موقعها أنه لم يرسلها ولم يكلف أحد بإرسالها، فإن تعذر عليه إثبات ذلك فإنها تكون حجة عليه ولا يكون له إثبات عكس ما ورد بها إلا من خلال تقديم دليل كتابي.
وإذا كانت تلك الرسائل اتخذت صورة إلكترونية أي من خلال الواتس آب أو الماسنجر أو البريد الإلكتروني فقد بين المشرع قوتها في الإثبات بموجب (المادة 13) من قانون البينات بقولها: (مع مراعاة بنود هذه الفقرة، تكون لرسائل الفاكس والتلكس والبريد الإلكتروني وما ماثلها من وسائل الاتصال الحديثة قوة السندات العادية في الإثبات إذا اقترنت بشهادة من أرسلها لتأييد صدورها عنه أو بشهادة من وصلت إليه لتأييد تسلمه لها ما لم يثبت خلاف ذلك، تكون لرسائل البريد الإلكتروني قوة السندات العادية في الإثبات دون اقترانها بالشهادة اذا تحققت فيها الشروط التي يقتضيها قانون المعاملات الإلكترونية النافذ).
إذن يتضح أن تلك الرسائل يكون لها حجة بذاتها في الإثبات تُعادل السندات العادية شريطة أن تستوفي الشروط التي تطلبها قانون المعاملات الإلكترونية والتي يأتي على رأسها تحديد هوية أطراف الإرسال وحفظ محتوى الرسائل وضمان سلامة هذا المحتوى.[3]
ثالثاً: إثبات الالتزام عن طريق الشهادة:
1- الالتزام الغير تعاقدي:
للالتزام مصادر متعددة تتمثل في العقد والقانون والإرادة المنفردة والعمل الغير مشروع والإثراء بلا سبب، فإذا نشأ الالتزام عن أي من تلك المصادر بخلاف العقد كان للدائن أن يثبت التزام مدينه بكافة طرق الإثبات مهما بلغت قيمة هذا الالتزام.
حيث أنه إذا نشأ الالتزام – مثلاً – عن عمل غير مشروع كاصطدام سيارة المدين بسيارة الدائن، فيجوز للأخير أن يثبت خطأ المدين ويثبت مقدار الضرر الذي لحق به جراء هذا الخطأ بكافة طرق الإثبات دون أن يتقيد بطريق معين حال وصول مقدار المطالبة إلى مبلغ معين.
2- الالتزام التعاقدي:
أ- الالتزام التجاري:
إذا كان الالتزام التعاقدي ناشئ عن معاملة تجارية جاز لأطرافه إثبات هذا الالتزام بكافة طرق الإثبات بما فيها شهادة الشهود والقرائن والدفاتر التجارية والتي تُعد استثناء على الأصل العام القاضي بعد جواز أن يصطنع الشخص دليلاً لنفسه، حيث أن المشرع خرج على هذا الأصل وقرر أن دفاتر التجار الإجبارية تكون حجة على صاحبها سواء أكانت منظمة تنظيماً قانونياً أم لم تكن ولكن لا يجوز لمن يريد أن يستخلص منها دليلاً لنفسه أن يجزئ ما ورد فيها ويستبعد ما كان مناقضاً لدعواه.
ب- الالتزام الغير تجاري:
إذا كان الالتزام الغير تجاري – أي الالتزام المدني – ناشئ عن التزام تعاقدي فلا يجوز إثبات هذا الالتزام أو نفيه إلا وفقاً للأحكام التي قررها القانوني والتي تتمثل في عدم جواز إثبات ما يجاوز قيمته مائة دينار إلا بالكتابة، فإذا كان الالتزام غير محدد القيمة فلا يجوز إثباته هو الأخر إلا بالكتابة، أما الالتزامات التي لا تجاوز قيمتا مائة دينار فيجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات، مع مراعاة أنه لا يجوز إثبات ما يجاوز دليل كتابي – مهما بلغت قيمته قلت أو كثرت – إلا بالكتابة.
إذن يتضح مما تقدم أن إثبات الالتزام عن طريق شهادة الشهود محصوراً في حدود ضيقة تتمثل في كون قيمة الالتزام المدني لا تزيد قيمته عن مائة دينار أو أن يكون الالتزام التعاقدي المراد إثباته ناشئ عن معاملة تجارية.
رابعاً: حالات الإثبات عن طريق الشهادة بغض النظر عن قيمة الحق المدعى به:
قرر المشرع الأردني أن هناك حالات يجوز فيها اللجوء إلى الإثبات بالشهادة بغض النظر عن قيمة الدعوى، وتلك الحالات تتمثل فيما يلي:
1- وجود مبدأ الثبوت بالكتابة:
مبدأ الثبوت بالكتابة يتمثل في كل كتابة تصدر عن الخصم يكون من شأنها أن تجعل الحق المدعى به قريب الاحتمال، فإذا وجدت تلك الصورة من الكتابة جاز للخصم أن يثبت الالتزام في ذمة مدينة بتقديم تلك الكتابة وتعضيدها بالأدلة الأخرى.
ولكن حتى نكون بصدد كتابة يمكن الارتكان إليها كمبدأ ثبوت بالكتابة يجب أن نكون بصدد محرر مكتوب بخط يد المدين أو صادراً ممن يمثله قانونا، أو أن نكون بصدد محرر رسمي باطل أو بصدد محرر عرفي ولكن لم يتمكن المدعي من إثبات نسبة التوقيع إلى المدين. ويجب أن تكون تلك الورقة من شأنها أن تجعل الحق المدعى به قريب الاحتمال.
ففي هذه الحالة يكون للمدعي أن يقدم ما تحت يده من ورقة تصلح كمبدأ ثبوت بالكتابة، ولكن ينبغي عليه أن يقدم معها أدلة أخرى تؤكد وجود الحق، حيث أن مبدأ الثبوت بالكتابة لا يصلح وحده لأن يكون حجة تثبت الحق المدعى به.
2- وجود مانع مادي أو أدبي حال دون الحصول على دليل كتابي:
فإذا استحال على الدائن أن يحصل على دليل كتابي أو حصل عليه ولكنه فقده في ظروف قهرية استطاع أن يقيم الدليل عليها، أو كان المدين أحد الأشخاص ذوي السلطة الأدبية على الدائن مثل الأب أو الأخ أو الزوجة أو غيرهم، فإن الدائن في تلك الحالة يكون له الحق في إثبات الالتزام بكافة طرق الإثبات وذلك لوجود المانع المادي أو الأدبي والذي حال دون إمكانية الحصول على دليل كتابي.
وجدير بالذكر أن سمة الاستثنائيين المتقدم ذكرهم تنحصر في أنهما يجيزان الإثبات بشهادة الشهود فيما يجاوز نصاب الشهادة، كما أنهما يجيزان نقض الثابت بالكتابة ويجيزان الإضافة إليه، والبينة في هذه الحالة لا يقتصر دورها على إكمال الدليل الكتابي وإنما تحل محله.[4]
3- عدم مشروعية العقد:
إذا استطاع الدائن أن يثبت أن السند الذي بيد مدينه غير مشروع جاز له إثبات الالتزام بكافة طرق الإثبات، ويكون السند غير مشروع إذا كان مخالف للنظام العام أو كان يحظره القانون أو أخذ عن طريق الغش أو الاحتيال أو الإكراه.
خامساً: مدى حجية الشهادة في إثبات الالتزام:
يكون للمحكمة مطلق الحرية في تحديد حجية شهادة الشهود، فلها أن تأخذ بشهادة من تشاء أو تضرب بشهادة من تشاء عرض الحائط، وهذا ما قرره المشرع بموجب (المادة 33) من قانون البينات بنصه على أن: (تقدر المحكمة قيمة شهادة الشهود من حيث عدالتهم وسلوكهم وتصرفهم وغير ذلك من ظروف القضية دون حاجة إلى التزكية، وإذا لم توافق الشهادة الدعوى أو لم تتفق أقوال الشهود بعضها مع بعض أخذت المحكمة من الشهادة بالقدر الذي تقتنع بصحته).
وجديراً بالذكر أن المشرع لم يحدد سناً محدداً للشاهد الذي يتمكن من أن يدلي بشهادته، بل وضع معياراً عاماً للشاهد متمثل في ألا يكون الشاهد مجنوناً أو صبياً لا يفهم معنى اليمين، وأجاز المشرع للمحكمة أن تسمع أقوال الصبي الذي لا يفهم معنى اليمين على سبيل الاستدلال فقط.
وحتى تتمتع الشهادة بالحجية يجب أن تكون الشهادة صادرة من أكثر من فرد ذكوراً كانوا أم إناث، حيث لم يفرق المشرع الأردني بين شهادة الذكر والأنثى، ولكنه اشترط تعدد الشهود، فإذا لم يتمكن الخصم إلا من تقديم شاهد واحد فقط لإثبات الالتزام فلا يجوز للمحكمة أن تصدر حكماً في أية قضية بالاستناد إلى شهادة شاهد فرد إلا إذا لم يعترض عليها الخصم أو تأيدت ببينة مادية أخرى ترى المحكمة أنها كافية لإثبات صحتها وذلك وفقاً لما ورد (بالمادة 34/2) من قانون البينات الأردني.
سادساً: إثبات الالتزام عن طريق القرائن:
القرائن هي أدلة غير مباشرة لا ينصب الإثبات فيها مباشرة على الواقعة محل التداعي وإنما على واقعة أخرى بديلة يكون من شأن ثبوتها أن يجعل الواقعة الأصلية أو نفيها أمراً محتملاً وذلك بحكم اللزوم العقلي.[5] والقرائن بهذا المعنى تتخذ صورتين إما أن تكون قرائن قانونية وإما أن تكون قرائن قضائية:
1- القرائن القانونية:
القرينة القانونية هي تلك التي يتولى المشرع صياغتها وتقريرها، ويتمثل دور تلك القرينة في نقل عبء الإثبات إلى الطرف الأخير الذي يجوز له أن يقيم الدليل على عكس ما ورد بها إلا إذا نص المشرع على خلاف ذلك.
فالقرائن القانونية إما أن تكون قرينة بسيطة يجوز إقامة الدليل على ما يخالفها، مثل القرينة القاضية بأن الحيازة في المنقول سند الملكية، ولكن يجوز لمالك المنقول أن يثبت ملكيته للمنقول الذي يوجد في ملك الغير، أو أن تكون القرينة قاطعة تستعصي على إثبات عكس ما ورد بها، وذلك مثل القرينة التي تثبت للحكم القضائي بأنه عنوان الحقيقة نظراً لما يتمتع به الحكم القضائي من حجية، فالحكم إذا استنفدت طرق الطعن عليه أصبح عنواناً للحقيقة ولا يقبل من أحد أن يقيم الدليل على عكس ما ورد به بأي طريق من طرق الإثبات. وهذا ما قرره المشرع الأردني بموجب (المادة 41) من قانون البينات والتي نصت على أن: (الأحكام التي حازت الدرجة القطعية تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه القرينة ولكن لا تكون لتلك الأحكام هذه القوة إلا في نزاع قام بين الخصوم انفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بالحق ذاته محلاً وسبباً. ويجوز للمحكمة أن تأخذ بهذه القرينة من تلقاء نفسها).
2- القرينة القضائية:
القرينة القضائية هي التي يستنبطها القاضي من ظروف وملابسات الدعوى حيث يكون للقاضي أن يختار من بين الوقائع المعلومة ويعتبرها دليل استدلالي على الواقعة المراد إثباتها، فمثلاً يكون للقاضي أن يعتبر المخالصة الأخيرة للإيجار دليلاً على الوفاء بأجرة الأشهر السابقة عليها حتى ولو لم يكن لدى المدين ما يثبت أنه أوفى بأجرة تلك الأشهر.
ولكن يجب الإشارة إلى أن القاضي له السلطة الكاملة في تقدير حجية القرينة القضائية في الإثبات، ناهيك عن أن الإثبات بالقرائن القضائية لا يكون إلا في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بشهادة الشهود والتي سبق وأن عرضنا لها.
سابعاً: إثبات الالتزام عن طريق اليمين:
اليمين هي قسم بالله على صدق أمر معين،[6] وبهذه الطريقة من طرق الإثبات يحتكم الخصم إلى ذمة مدينه حينما يعوذه الدليل على صحة دعواه وذلك بأن يستحلف مدينه بالله العظيم على صحة أو عدم صحة ما يدعيه.
واليمين في مجال إثبات الالتزام لها نوعان وهما:
1- اليمين المتممة:
وهي تلك اليمين التي توجهها المحكمة من تلقاء نفسها إلى أحد الخصوم، لاستكمال أحد الأدلة التي طرحت في الدعوى، ولا يشترط أن يكون توجيه اليمين المتممة إلى الخصم الصادر منه الدليل، بل يكون للمحكمة أن تختار من الخصوم من تطمأن إليه وتوجه له اليمين المتممة.
ويكون توجيه اليمين المتممة إلى أحد الخصوم بناء على طلب من الخصم الأخر أو أن يكون توجيهها من تلقاء المحكمة، فلا تتقيد المحكمة في توجيه اليمين المتممة بطلب أحد الخصوم، فهي رخصة منحها لها المشرع بموجب (المادة 70/1) من قانون البينات الأردني بنصها على أن: (للمحكمة من تلقاء نفسها أن توجه اليمين المتممة إلى أي من الخصمين لإصدار حكمها في موضوع الدعوى أو في قيمة ما تحكم به شريطة أن لا يكون في الدعوى دليل كامل وان لا تكون الدعوى خالية من أي دليل).
وإذا وجهت المحكمة اليمين المتممة إلى أحد الخصوم في الدعوى فلها أن تأخذ بحلف الخصم أو أن تضرب بقوله عرض الحائط، إذ أن وزن البينة يكون من إطلاقات محكمة الموضوع، فيكون لها أن تأخذ بما استقر في عقيدتها وتطرح ما دون ذلك.
2- اليمين الحاسمة:
اليمين الحاسمة هي التي يُحسم بها النزاع، بحيث إذا وجهها أحد الخصوم إلى الخصم الأخر فإن ذلك من شأنه أن يضع حداً للنزاع، بحيث أن حلف الخصم التي وجهت إليه اليمين ينهي النزاع إما له أو عليه وذلك وفقاً لما قرره بعدما حلف اليمين.
وعلى ذلك فيكون توجيه اليمين الحاسمة من الخصم أو من وكيله الخاص، فلا يكون للمحكمة أن توجه اليمين الحاسمة إلى أحد الخصوم من تلقاء نفسها، ولكن يكون للمحكمة أن تفهم الخصم الذي يعوذه الدليل في الدعوى أن من حقه توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه الأخر.
وإذا طلب الخصم توجيه اليمين الحاسمة إلى الخصم الأخر فإن الأخير إما أن يقسم أو يرد اليمين على من طلبها إلا إذا انصبت اليمين على واقعة لا يشترك فيها الخصمان، بل يستقل فيها شخص من وجهت إليه اليمين. أما إذا نكل من وجهت له اليمين عن الحلف فإنه يخسر دعواه، وهذا ما تقرر بصريح نص (المادة 60) من قانون البينات الأردني بنصها على أن: (كل من وجهت إليه اليمين فنكل عنها دون أن يردها على خصمه وكل من ردت عليه اليمين فنكل عنها خسر دعواه).
ولا يجوز للخصم الذي طلب من المحكمة توجيه اليمين الحاسمة إلى خصمه أن يعدل عن طلبه متى تبين للمحكمة أن الخصم الذي وجهت إليه اليمين على استعداد بالحلف.
ثامناً: إثبات الالتزام عن طريق الإقرار:
الإقرار وفقاً لما ورد (بالمادة 44) من قانون البينات الأردني هو إخبار الإنسان عن حق عليه لآخر، فالإقرار هو أن يعترف الخصم أمام القضاء بواقعة معينة أثناء السير في الدعوى، وهذا الإقرار الحاصل أمام القضاء يسمى بالإقرار القضائي، أما الإقرار الحاصل خارج المحكمة فيسمى بالإقرار الغير قضائي:
1- الإقرار القضائي:
إذا كان اعتراف الخصم بالالتزام تم أثناء سير الدعوى وأمام القضاء فإن إقراره في هذه الحالة يُعد إقرار قضائياً ويكون بذلك حجة قاطعة على المقر بحيث لا يقبل من المقر أن يدعي عكس ما أقر به إقراراً صحيحاً ناشئ عن إرادة حرة غير مشوبة بثمة عيب من عيوب الرضا. مع ملاحظة أن الإقرار حجة قاصرة على المقر وحدة فلا ينشئ التزام على خلافه من أشخاصاً أخرين.
ولا يجوز لمن صدر عنه الإقرار القضائي أن يعدل عن إقراره إلا إذا أثبت أن ثمة خطأ شاب إرادته وذلك وفقاً لما قررته (المادة 50) من قانون البينات بقولها: (يلزم المرء بإقراره إلا إذا كذب بحكم، ولا يصح الرجوع عن الإقرار إلا لخطا في الواقع على أن يثبت المقر ذلك).
2- الإقرار الغير قضائي:
الإقرار الغير قضائي هو الذي يصدر من المقر في غير مجلس القضاء أو أمامه في غير الدعوى المتعلقة بمحل الإقرار، وهذا الإقرار لا يكون له حجة إلا إذا كان محل الالتزام من الممكن إثباته بكافة طرق الإثبات ويكون للقاضي تقدير القيمة الثبوتية لهذا الإقرار.[7]
تاسعاً: خاتمة:
ختاماً وقبل إنهاء الحديث عن بعض الأحكام الطفيفة التي عرضنا لها فيما يتعلق بإثبات الالتزام يتجلى لنا مدى أهمية وسائل الإثبات في حماية الحق، وتأتي الكتابة على رأس تلك الوسائل باعتبارها ذات السلطان الأعظم في الإثبات، لذا تعين على كل مدين أن يتحوط لحقه ويضفي عليه حماية مسبقة بأن يُعد دليل كتابي لإثبات هذا الحق.
ولكن ينبغي الإشارة إلى أن الأحكام التي عرضنا لها والمتعلقة بالإثبات هي أحكام وردت في قواعد مكملة لإرادة المتعاقدين لا تتعلق بالنظام العام، ومن ثم فيجوز للأطراف الاتفاق على ما يُخالفها وبالتالي فلهم مثلا الاتفاق على إثبات ما يجاوز قيمته مائة دينار بكافة طرق الإثبات.
أما حال تعذر إثبات حصول مثل هذا الاتفاق فلا يكون أما الدليل سبيل لإثبات حقه الذي يدعيه في ذمة مدينه إلا أن يقيم عليه الدليل بالطرق التي حددها القانون والتي عرضنا لأحكامها بصورة موجزة.
عاشراً: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن طرق إثبات الالتزام:
ورد في حكم محكمة التمييز رقم 6871 لسنة 2021 ما يلي:
إلا أننا نجد أن تلك البينات المقدمة من المدعى عليها (المميزة) سواء منها الخطية والتي تمثلت بالمسلسلات (1-5) والبينة الشخصية المتمثلة بخمسة شهود لإثبات أن فصل المدعي مبرراً وليس تعسفياً هي بينة جائز إثباتها بشهادة الشهود وبما أن محكمة البداية بصفتها الاستئنافية لم تراعِ ذلك فكان يتوجب عليها سماع البينة الشخصية المطلوبة ومن ثم أن تقوم بمناقشة البينات المقدمة في الدعوى ووزنها وحيث إنها لم تفعل فيكون قرارها مخالفاً للقانون ومستوجباً للنقض لورود هذه الأسباب عليه.
ورد في حكم محكمة التمييز رقم 1073 لسنة 2022 ما يلي:
في ذلك نجد أن محكمة الموضوع توصلت إلى أن سماع البينة الشخصية غير منتج للغاية التي من أجلها طلب وكيل المدعي سماعها وحيث إن السند المقدم من الجهة المدعى عليها سند رسمي لا يجوز إثبات عكسه إلا بدليل كتابي أو الطعن بالتزوير وعليه فإن ما توصلت إليه محكمة الموضوع تقرها عليه الأمر الذي يتعين معه رد هذا السبب.
ورد في حكم محكمة التمييز رقم 4905 لسنة 2021 ما يلي:
وحيث إن إثبات عكس ما ورد في السند الكتابي لا يكون إلا بواسطة سند كتابي أو، على أقل تقدير، بواسطة مبدأ ثبوت بالكتابة معزز ببينة شخصية أو قرائن وفق المادتين (29 و 30) من قانون البينات، ولما كان المدعى عليه لم يقدم في الدعوى أي بينة من هذا القبيل إذ إن بينته قد اقتصرت على تقديم صورة معاملة بيع قطعة الأرض موضوع الدعوى وصورة عن الشيكات المذكورة آنفاً والمحررة منه بقيمة (136000) دينار لأمر وكيل المدعي الذي أبرم عقد البيع (جريس صافي مضاعين) وحيث إن عقد البيع موضوع المطالبة وكما أسلفنا قد تضمن صراحةً أن ثمن المبيع هو (250000) دينار وأن الشيكات المذكورة لا تعتبر بينة خطية بالمعنى الوارد في المادتين (10 و 11) من قانون البينات لأنها ليست موقعة من المدعي ولا تعتبر كذلك مبدأ ثبوت بالكتابة كونها غير صادرة عنه ولم تقدم بينة شخصية أو قرائن تؤيدها فإن ما ينبني على ذلك أن المدعى عليه لم يقدم البينة المقبولة قانوناً لإثبات ادعائه بوجود ثمن بيع آخر متفق عليه مع وكيل المدعي خلاف الثمن الوارد في عقد البيع مع الإشارة إلى أن محكمة التمييز قد ذهبت في اجتهادها في هذا النطاق أيضاً إلى أنه لا يجوز حتى توجيه اليمين الحاسمة حول عدم صحة الثمن الوارد في عقد البيع الرسمي (تمييز حقوق رقم 3109/2016 ورقم 1864/1998) وبالتالي فإنه وكما أسلفنا فلا داعٍ لتوجيه اليمين المتممة في ضوء ثبوت مقدار ثمن المبيع ببينة خطية وكون المدعى عليه قد ادعى أن الثمن الحقيقي أقل من الثمن الوارد في عقد البيع ، فإن ذلك يعتبر تسليماً صريحاً منه بعدم وفائه بباقي الثمن المطالب به الوارد في ذلك العقد مما يؤكد أنه لا يجوز بعد ذلك توجيه يمين متممة لإثبات تلك الواقعة.
إعداد/ أحمد منصور.
[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني: نظرية الالتزام بوجه عام، 1968، دار النهضة العربية، ص 13، 14.
[2] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، الإثبات في المواد المدنية والتجارية في ضوء الفقه والقضاء، 2020، دار الجامعة الجديدة، ص 126.
[3] أنظر زينب غريب، حجية البريد الإلكتروني في الإثبات، 2017، مبمون خراط، ص 155.
[4] أنظر الأستاذ الدكتور/ عصام أنور سليم، أحكام الالتزام والإثبات، 2014، دار الجامعة الجديدة، ص 605.
[5] الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، مرجع سابق، ص 187.
[6] علي هادي العبيدي، قراءة في قانون البينات المعدل، 2005، جامعة آل البيت – عمادة البحث العلمي، ص 334.
[7] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، مرجع سابق، ص230، 231.

