إثبات الجرائم بتسجيل المكالمات الهاتفية

إثبات الجرائم بتسجيل المكالمات الهاتفية

لقد كان ومازال موضوع الكشف عن الحقيقة من الموضوعات والأساسية والتي تهدف إلى تحقيق العدالة، وتعتبر نظرية الإثبات هي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها قواعد الإجراءات الجنائية منذ وقوع الجريمة وبدايتها وحتي الانتهاء منها بصدور حكم جنائي على المتهم من قبل المحكمة المختصة، والإثبات هو كل دليل سواء مادي أو معنوي يؤدي إلى ظهور الحقيقة ومعرفة المتهم حتي يتم الحكم عليه وفق إجراءات قانونية  عادلة، وهناك وسائل وطرق متعددة للإثبات كالاعتراف، وشهادة الشهود، والخبرة، وضبط الأشياء المستعملة في ارتكاب الجريمة، وغيرها من الطرق المعروفة والتي يستعين بها القاضي للوصول للحقيقة ومعرفه المتهم.

إلا أنه ومع التطور التكنولوجي الرهيب الذي شهده العالم أجمع، والذي تطورت معه طرق وأساليب ارتكاب الجرائم، وقيام المجرم باستخدام أساليب وطرق حديثة لم يعتاد عليها المجتمع تجعله يقوم بارتكاب جريمته دون التعرض للعقاب والمسؤولية ويتخلص من قبضة العدالة، وذلك من خلال إخفاء أثار جريمته والقضاء على الأدلة الثبوتية التي تكشف صلته بالجريمة، وهو ما أدي للمناداة بوجوب الاعتماد على الوسائل التقنيات الحديثة في الإثبات لكشف الحقيقة والوصول لمرتكب الجريمة، كما أنه وباستخدام التقنيات الحديثة في الإثبات تكون المحكمة على يقين بثبوت الأدلة وصحتها ولا مجال للتشكيك فيها حيث أن تلك الأدلة لا تعتمد على الصلات ولا العواطف، وهو ما يبعث الطمأنينة لدي جميع الأطراف وأن المتهم  المحكوم عليه في القضية هو الفاعل الحقيقي للجرم، وبناء على ذلك ولما كانت وسائل الإثبات التقليدية غير كافية وحدها للاعتماد عليها في الإثبات، فإننا سنحاول ومن خلال هذا المقال إلقاء النظر على التقنيات الحديثة في إثبات الجرائم، وذلك على النحو التالي:[1]

أولا: التعريف بالإثبات وأنظمته:

ثانيا: الوسائل التقليدية في الإثبات:

ثالثا: التقاط المكالمات الهاتفية ودورها في الإثبات:

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بتسجيل المكالمات الهاتفية ودورها في إثبات الجرائم:

 

أولا: التعريف بالإثبات وأنظمته:

بداية نود أن نؤكد أنه لا يمكن العيش وحماية وتنظيم العلاقات والمصالح الاجتماعية بين أفراد المجتمع بدون وجود إجراءات قانونية وإجرائية يمكن بمقتضاها توقيع العقوبات على من يرتكب فعل مخالف يترتب عليه ضرر للغير أو للمجتمع، ويندرج تحت تلك النصوص العقابية، ومن ثم كان الحق في اللجوء للقضاء هو الضمانة الأولى المقررة لجميع الأفراد لإثبات حقوقهم والحصول عليها، والتي تعد بمثابة عمل إجرائي من أجل تطبيق العقاب على المتهم.

1ـ تعريف الإثبات:

خلت نصوص التشريع الأردني من نص صريح يعرف الإثبات، وأن ما ورد النص عليه هو نظام الإثبات وليس تعريف الإثبات، حيث نصت المادة (147) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على ”

  • المتهم برئ حتى تثبت إدانته.
  • تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية.
  • إذا نص القانون على طريقة معينة للإثبات وجب التقيد بهذه الطريقة.
  • إذا لم تقم البينة على الواقعة يقرر القاضي براءة المتهم أو الظنين أو المشتكى عليه من الجريمة المسندة إليه”.

وقد عرفة البعض بأنه: ” إقامة الدليل أمام المحكمة بكافة الطرق والوسائل التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتب آثارها”.[2] وهناك تعريف أخر للإثبات بأنه: ” إقامة الدليل على وقوع جريمة معينة ونسبتها للمتهم، وإثبات الوقائع، وحقيقة قصد المتهم منها، والأمر هنا يتعلق بتطبيق القانون وتفسيره وهو عمل من صميم اختصاص محكمة الموضوع التي تستقل به.[3]

2ـ نظم الإثبات:

تعتبر نظم الإثبات من أكثر النظم القانونية التي لحق بها التطور، فقد مرت بمراحل متعددة من أجل مواكبة التطور الاجتماعي، فقد مرت بمرحلة السحر، ثم اللجوء للآلهة، ثم اللجوء للأدلة القانونية، ثم الاحتكام لمدي القناعة الشخصية للقاضي، وأخيراَ مرحلة الأدلة العلمية، ومن ثم فمراحل تطور الإثبات تطورت لمواكبة العصور التي مرت بها، وقد نتج عن هذا التطور وجود ثلاث أنظمة  أساسية في الإثبات، وهما الإثبات الحر، والإثبات المقيد، الإثبات المشترك، وسوف نحاول الحديث عن هذه الأنظمة، ثم موقف التشريع الأردني وعن أي نظام مطبق داخل المملكة.

أ- الإثبات الحر:

وهو ما يترتب على الاقتناع الشخصي لقاضي الموضوع فهو وحده الذي يتحكم في القرار، ويجب أن يكون هذا الاقتناع صادر بكل حرية ونابع من ضمير القاضي دون تقيد بشيء، فهذا المبدأ يكرس مبدأ حرية القاضي في اختيار أي وسيلة أو دليل من أدلة الإثبات ولا سلطان عليه في ذلك سوي ضميره الشخصي، وهو غير مطالب بتفسير أو تبرير سبب اختياره دليل دون أخر، ولكن لا يفهم من ذلك أن هذه الحرية الممنوحة للقاضي تجعل من هذا الإثبات يخضع لتصورات القاضي وتخيلاته الشخصية المخالفة للواقع والحقيقة، بل هذه الحرية مقيدة وفق قواعد وأسس قانونية تحدد له كيفية استخلاص قناعته الذاتية بصورة متماشية مع الواقع والمنطق، وذلك حفاظاَ على الحقوق والحريات، وحماية المتهم من تعسف القاضي.

كما أن الإثبات الحر يعطي الحرية للخصوم بجمع الأدلة والإثبات بكافة وسائل الإثبات دون التقييد بوسائل إثبات معينة، بل يكون الإثبات بكافة طرق الإثبات، وهو ما يترتب عليه عدم الحكم على الشخص إلا بعد إتاحة الفرصة له وللمحكمة بالبحث عن كافة الدلائل والسبل لإثبات براءته أو إدانته، وبالتالي لا يكون لدليل قوة على دليل أخر، ومن ثم فلجميع الخصوم تقديم ما يرونه وما يملكون من أدلة دون التقيد بدليل بعينة، ثم بعد ذلك يكون لقاضي الموضوع السلطة التقديرية على هذه الأدلة وفق ضميره وقناعته الشخصية وفق القواعد القانونية المحددة والمطابقة للواقع والقانون.

ب ـ الإثبات المقيد:

يقوم هذا النظام على قيام المشرع بتحديد أدلة الإثبات من خلال وضع قواعد قانونية ثابتة ومحددة يسير عليها القاضي وتوضح له كيفية الإثبات بها وتحديدها وبيان ودورة في الإثبات، ومن ثم يكون دور القاضي فيها هو مراعاة تطبيق القانون من حيث توافر الأدلة القانونية المحددة من عدمه، ومن ثم لا يجوز له الحكم بالإدانة على شخص ما لم تتوافر ضده الأدلة المحددة قانوناَ، وكذلك لا يجوز له تبرئة شخص متي توافر في حقه أدلة الإدانة المقررة قانوناَ ولو كان هذا الحكم غير متفق مع قناعة القاضي الشخصية، طالما أن القانون حدد طرق ووسائل الإثبات المتاحة والمعمول بها والتي لا يجوز الخروج عليها، ولكن يعيب على هذا النظام أنه لا يضمن الوصول للحقيقة بمعناها المطلق حيث يقتصر دور القاضي على التأكد من توافر الأدلة المحددة قانوناَ من عدمه.

جـ ـ الإثبات المختلط:

وهو النظام المشترك الذي يجمع بين كل من الإثبات الحر والإثبات المقيد، فتكون هناك نصوص تشريعية تحدد الأسس والمبادئ العامة في الإثبات، ولكن تتيح للقاضي والخصوم الحرية في الإثبات، ولكن وفق أسس وضوابط قانونية محدده.

3ـ نظام الإثبات في التشريع الأردني:

المبدأ العام المتبع في الإثبات وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني هو مبدأ الإثبات الحر، والذي يعتمد على الحرية المطلقة في الإثبات، وعلى القناعة الشخصية للقاضي وتقديره لهذه الأدلة وفق ما يمليه عليه ضميره لأحدها وفق الواقع والقانون.[4] وخير دليل على ذلك نص المادة (162/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني والتي نصت على: ” للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى وفي أي دور من أدوار المحاكمة فيها بتقديم أي دليل وبدعوة أي شاهد لازم لظهور الحقيقة “. كما نصت المادة (201) من ذات القانون على ” يتمتع رئيس محكمة الجنايات بسلطة يكون له بمقتضاها الحق في أن يتخذ من تلقاء نفسه جميع التدابير التي يراها مؤدية لتأمين العدالة. ويكل القانون إلى ضميره وشرفه بذل غاية جهده في سبيل هذا الأمر”. وهو ما يعني أن القانون قد منح القاضي الحرية الكاملة في المفاضلة بين الأدلة وفق ما يراه ويمليه عليه ضميره ووفق الوقائع المرتبطة بالقضية.

وإذا كان هذا هو المبدأ العام المعمول به في التشريع الأردني، إلا أن هناك بعض الاستثناءات على هذا المبدأ العام وهي:

أ ـ حيث نصت المادة (183) من قانون العقوبات الأردني المعدل عام 2010 على: “الأدلة التي تقبل، وتكون حجة لإثبات جريمة الزنا هي: ضبط الزاني والزانية في حالة التلبس بالفعل، أو أن يصدر عنهما اعتراف قضائي، أو وثائق قاطعة بوقوع الجريمة، أو أن يصدر عن أحدهما اعتراف قضائي، وعن الآخر وثائق قاطعة بوقوع الجريمة”.

فقد تلاحظ هنا أن المشرع الأردني أورد نص خاص بجريمة الزنا على خلاف الجرائم الأخرى، وفرض أدلة بعينها، ومن ثم فإن المشرع في مثل هذه الجرائم قد اشترط أدلة بعينها، وهو ما يدل بما لا يدع مجالاَ للشك أن المشرع قد أخذ هنا بمبدأ الإثبات المقيد حرصاَ على خصوصية هذه الجريمة.

ب ـ نصت المادة (149) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على: ” إذا وجد ادعاء بالحق الشخصي في القضية الجزائية، وجب على القاضي اتباع قواعد الإثبات الخاصة بها “.

فالقاضي الجزائي يقوم أولا بالفصل في المسائل الأولية المعروضة عليه، طبقاَ للقاعدة المعمول بها والتي تقول: ” إن قاضي الأصل هو قاضي الفرع، وأن قاضي الدعوى هو قاضي الدفع”. ولما كانت وسائل الإثبات ترتبط وجوداَ وعدماَ بنوعية الخلاف فإن كان مدنياَ فعلى القاضي اتباع وسائل وطرق الإثبات المدني، وعلى العكس إن كان جزائي اتبع طرق الإثبات الجزائية، أما إذا كانت الدعوى جزائية وتم الدفع فيها بدفع فرعى مدني فعلى القاضي إثبات هذا الدفع بطرق الإثبات المنصوص عليها في القانون المدني.[5]

جـ ـ كما نصت المادة (152) من قانون العقوبات الأردني على: ” لا يجوز إثبات واقعة بالرسائل المتبادلة بين المتهم أو الظنين، أو المشتكي عليه ومحاميه “.

وقد فرض المشرع الأردني هذا النص حفاظاَ على حقوق الدفاع، فقيام متهم بإرسال رسالة لمحاميه باعترافه بارتكاب الجريمة لا يمكن التعويل عليها واعتبارها دليل ضده حفاظاَ على حقوق المتهم في الدفاع والتي كفلها له القانون.

ثانيا: الوسائل التقليدية في الإثبات:

إن الوسائل والطرق التقليدية المتبعة والمعروفة في السابق والتي تعتمد على القناعة الشخصية لقاضي الموضوع لإثبات الجريمة هي الكتابة، الإقرار أو الاعتراف، الشهود، القرائن، اليمين، الخبرة، وهي ما نصت عليه المادة الثانية من قانون البينات الأردني، وسوف نقوم بإيجاز بإلقاء الضوء على كل وسيلة على حدا وذلك على النحو التالي:

1ـ الكتابة:

وهي المحرر المكتوب والذي يتعلق بالجريمة ونسبتها للمتهم، وهي من الدلائل التي ترجع للاقتناع الشخصي للقاضي ولا سلطان عليه طالما كان اقتناعه مبنيا على أسس وقواعد مستخلصة استخلاص سائغ ومقبول قانوناَ ومستمدة من أوراق ووقائع الدعوى، فقيام المتهم بكتابة أسباب قيامة بالجريمة أو غير ذلك ووضع هذه الورقة في مكان الجريمة أو كتابه ذلك في أي مكان بجوار مكان الجريمة يُعد دليلاً على ارتكابه لتلك الجريمة، ولكن ذلك كله يخضع لمدى اقتناع القاضي، حيث من الممكن أن يكون المتهم قد تم إكراهه على ذلك.

2ـ الشهادة:

وهي تعني إثبات واقعة بعينها من قول أحد الأشخاص كما شاهدها أو سمعها أو أدركها بحواسه عن الواقعة محل التحقيق بطريقة مباشرة.[6]

هذا وقد نصت المادة (162/2) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على: ” للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها أثناء نظر الدعوى وفي أي دور من أدوار المحاكمة فيها بتقديم أي دليل وبدعوة أي شاهد تراه لازماَ لظهور الحقيقة”.

وإذا كانت القاعدة العامة أنه لا يجوز سماع شهادة شاهد بدون حلف يمين، وذلك وفق نص المادة (174/1) من ذات القانون، والتي تضمنت قيام رئيس المحكمة بتحليف اليمين بالله العظيم للشاهد، كما يجب أن يكون الشاهد ذو أهلية قانونية، وغير مشوب بعيب من عيوب الإرادة، واستثناء على هذه القاعدة العامة فقد نصت المادة (158/1/أ، ب) من ذات القانون على: ” يجوز سماع الشهود الذين لم يبلغوا خمس عشرة سنة بدون حلف يمين على سبيل الاستدلال إذا تبين أنهم لا يدركون كنة اليمين. وإن الشهادة التي تؤخذ على سبيل الاستدلال لا تكفي وحدها للإدانة ما لم تكن مؤيدة ببينة أخرى “.

كما أن هناك قاعدة متبعة في محكمة الجنايات الكبرى بالأردن مخصصة لسماع أقوال الشهود ممن لم يبلغوا سن الخامسة عشرة من عمرهم، وذلك بأن يتم ربط المكان الذي يوجد فيه الشاهد بشاشات مع القاعة التي تجري فيها المحاكمة، بعيداَ عن القضاء والمتهم والمحامين مما يشعر الطفل براحة بالطمأنينة.

ويكون تقدير الشهادة أيضا خاضع لسلطة القاضي التقديرية ولا سلطان عليها في ذلك، فلها أن تقبل الشهادة كلها أو تقوم بتجزئتها، ولها أن ترفضها أو تقبل جزء منها وتعرض عن الأخر، وكذلك لها الحق في قبول الشهادة ولو من قريب، ولكن يجب على المحكمة عند إعمال قناعتها أن يكون حكمها مبنياَ على أسس وثوابت واقعية سائغة قانوناَ ومنطقياَ.

3ـ القرائن:

وهي عبارة عن الأدلة الثبوتية التي لم ينص عليها القانون ويستخلصها القاضي من وقائع وملابسات الدعوى، ويقتنع بها القاضي كدليل للإدانة أو للبراءة، فبعض الوقائع لا يوجد عليها دليل مباشر، فمن ثم يلجأ القاضي لما تحويه الأوراق وملابسات الدعوى للوصول للقرينة المؤيدة على ارتكاب المتهم لجريمته أو المؤيدة لبراءة المتهم، والقرينة هي من الدلائل التي تخضع لسلطان القاضي ولا رقابة عليه من محكمة التمييز طالما أنه بينها في حكمه وكانت مطابقة لمجريات ووقائع الدعوى.

4ـ الإقرار أو الاعتراف:

وهو قيام المتهم بالإقرار على نفسه بأنه هو من قام بارتكاب الواقعة الإجرامية كلها أو جزء منها، والاعتراف هو سيد الأدلة، ويجب أن يصدر الاعتراف عن المتهم بإدارة حرة واعية، دون ضغط أو إكراه أو تعذيب سواء بدني أو معنوي، ويجب أن يكون الاعتراف واضح لا لبس فيه بشكل صريح لا يحتمل التأويل، ولا يعتبر سكوت المتهم اعترافاَ، ويكون لقاضي الموضوع السلطة الكاملة في الأخذ بالاعتراف من عدمه، وله كذلك أن يقوم بتجزئة الاعتراف والأخذ بما يقتنع به القاضي بذات الشروط السابقة من أن تكون تلك القناعة مبنية على أسس وقواعد ثابتة، والاعتراف ينقسم إلى اعتراف قضائي أمام المحكمة، واعتراف غير قضائي أمام جهات التحقيق.

5ـ الخبرة والمعاينة الفنية:

في بعض الجرائم قد يلجأ القاضي للاستعانة بأهل الخبرة الفنية في الأمور التي تحتاج إلى أهل الخبرة والتي لا تستطيع المحكمة القضاء بدون الحصول على تقرير فني بها، وقد يلجأ إليها القاضي بناء على طلب من الخصوم أو من تلقاء نفسه، والتقرير الصادر من الخبرة الفنية هو دليل استرشادي للقاضي يجوز له أخذه والاعتماد عليه أو أخذ جزء منه وطرح الباقي، كما يجوز له عدم الاعتداد به، بشرط أن يكون ذلك مطابقاَ لوقائع ومجريات القضية وليس لسلطان القاضي الشخصي.

ثالثا: التقاط المكالمات الهاتفية ودورها في الإثبات:

أدي التطور العلمي الرهيب الذي شهده العالم في كافة المجالات إلى ظهور وسائل جديدة في الإثبات، وقد أثر ذلك في زيادة حالات مراقبة ومتابعة خطوات الأفراد سراَ وعلانية، فوسائل الإثبات الحديثة عموماَ والسمعية خصوصاَ ونتيجة للتقنيات الحديثة والمتطورة فلم يعد الأمر يقتصر على التنصت بالإذن وإنما أصبحت خصوصيات الأفراد مكشوفة أمام هذه الأجهزة الحديثة، وإذا كان استخدام هذه الوسائل يساعد بشكل كبير في الإثبات الجنائي فإنه وبلا شك ينطوي على المساس بحقوق وحريات الأفراد في حياتهم الخاصة، ومن هذا المنطلق سوف نحاول بيان ماهية التقاط المكالمات الهاتفية والتنصت عليها، ومدي مشروعيتها وحجيتها في الإثبات على النحو التالي.

1ـ ماهية التقاط المكالمات الهاتفية:

تعني هذه العبارة أن تقوم الجهات المعنية بالتنصت على المكالمات الهاتفية والتي تتكون من محادثة صادرة من تليفون ما إلى تليفون آخر، بأن يتنصت عليها بشكل سري، أو تقوم بالتقاطها باستخدام وسائل تقنية حديثة من أجل الحصول على مضمون تلك المكالمة موضوع المراقبة.

ويعد استخدام أجهزة التصنت في التقاط المكالمات الهاتفية وتسجيلها إحدى الوسائل المهمة في مكافحة بعض أنواع الجرائم، كالجريمة المنظمة، هذا وقد أجاز المشرع الأردني مراقبة الاتصالات الهاتفية في المادة (88) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني بالنص على: ” للمدعى العام أن يضبط لدى مكاتب البريد كافة الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود ولدى مكاتب البرق كافة الرسائل البرقية كما يجوز له مراقبة المحادثات الهاتفية متى كان لذلك فائدة في إظهار الحقيقة “.

وبرغم ذلك ورغم صدور نصوص قانونية لهذا التنصت وأهميته، إلا أن هذا الالتقاط أو التنصت على المكالمات لا يؤكد أن هذا الحديث صادر عن الشخص المراقب لتشابه الأصوات وتقليدها، ومن السهل أن يقوم شخص باستخدام تليفون شخص آخر دون علمه، إلا أن ذلك لا ينفي أهميتها حال توافر أدلة أو قرائن أو مستندات آخري تؤيد هذا التسجيل، أو أن يعترف المتهم بصحته.

2ـ مدي مشروعية التقاط المكالمات وحجيتها في الإثبات:

رغم أن هذا الإثبات يمس الحرية والحرمة الخاصة بحياة الأفراد، إلا أن ذلك لا يدفع لاستبعاد هذا الدليل وحرمان العدالة منه كوسيلة مهمة وفعالة في الإثبات، وقد أجازه المشرع الأردني بالنص سالف الذكر، إلا أنه وحفاظاَ على سرية المكالمات وخصوصياتها فقد فرض المشرع الأردني عقوبات على من يقوم بهذا العمل دون إذن من السلطات المختصة، ولا يجوز الاطلاع على هذه التسجيلات إلا من المدعى العام وحده ولا يجوز أن ينيب غيره في ذلك، وهو ما أكدت عليه المادة (89/3) من قانون أصول المحاكمات الجزائية بالنص على: ”  يطلع النائب العام وحده على الرسائل والبرقيات المضبوطة حال تسلمه الأوراق في غلافها المختوم فيحتفظ بالرسائل والبرقيات التي يراها لازمة لإظهار الحقيقة أو التي يكون أمر اتصالها بالغير مضراَ بمصلحة التحقيق ويسلم ما بقي منها إلى المشتكى عليه أو إلى الأشخاص الموجهة إليهم “.

كما أن المشرع الأردني وحرصاَ منه على حرمة الأشخاص وحرياتهم الخاصة فقد نظم ذلك التنصت أو التسجيل للمكالمات الهاتفية والتقاطها ويكون ذلك بهدف إظهار الحقيقة في القضية، ولكن يؤخذ على المشرع أنه جعل موضوع التقاط المكالمات مطلق ولم يتم تقيده سواء بجرائم معينة، أو أن يتم التسجيل والتقاط المكالمات خلال فترة زمنية معينة، إلا أن ذلك لا يمنعنا من القول بأن التقاط المكالمات الهاتفية يعتبر من أهم الأدلة التي تساعد العدالة في الوصول للحقيقة بسرعة وسهولة، وما أدي لذلك هو استخدام التقنيات العلمية الحديثة، وذلك باستخدام ميكروفونات مخفية يتم استخدامها ضمن الحدود والضوابط القانونية للكشف عن الجريمة.

وتعتبر مراقبة الهواتف من أهم وأخطر الوسائل المستخدمة في الإثبات، وذلك بخلاف الوسائل الأخرى كتفتيش المنزل أو ضبط المراسلات وغيرها حيث أن مراقبة الهاتف تتم بدون علم الشخص وينتج عنها سماع كافة أسراره وأدقها، ويعد المبدأ العام هو احترام حق الإنسان وخصوصياته، وأن مشروعية التقاط المكالمات الهاتفية وتسجيلها هو استثناء على المبدأ العام بغرض تحقيق التوازن بين حق الشخص في الخصوصية والحرية وحق المجتمع في مكافحة الجريمة والكشف عنها بوسائل لا تقل أهمية وفاعلية عن تلك الوسائل التي يستخدمها الجناة في تنفيذ جرائمهم.

هذا وقد تم تقديم بحثين إلى المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات بروما 1953، وجاء في البحث الأول أن عملية تسجيل الأحاديث تمس الحرية الشخصية للأفراد إذا استخدمت في التحقيقات الجنائية، لأن الإقرارات تؤخذ من المتهم رغماَ عن إرادته عن طريق تسجيل حديثه وتقديمه كدليل إثبات ضده، وجاء البحث الثاني أن مسألة التسجيل الواقع بين المتهمين أو متهم وشخص آخر، قد انتهي إلى اعتباره غير مشروع إذا أوهموا عمداَ بأنهم غير مراقبين أو حملوا على هذا الاعتقاد.

كما أوصي المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المنعقد في طهران عام 1968 القيام بدراسة المسائل ذات العلاقة بحقوق الإنسان في مواجهة التطور العلمي والتقني، خاصة فيما يتعلق باحترام الحياة الخاصة في مواجهة الطرق التقنية للتسجيلات واستخدام الأجهزة الإلكترونية التي يمكن أن تؤثر على حقوق الشخص ضمن الضمانات المقررة في المجتمعات الديمقراطية.

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بتسجيل المكالمات الهاتفية ودورها في إثبات الجرائم:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1201 لسنة 2020 ما يلي:

لا يرد القول بأن إفراد الضابطة العدلية ليس من حقهم مراقبة المحادثات الهاتفية والاستماع إلى التسجيلات كون ذلك مخالف لأحكام المادتين (158/3 و88) من قانون أصول المحاكمات الجزائية.  إذ أن أفراد الضابطة العدلية لم يقوموا بمراقبة هواتف المميزين قبل القبض عليهما، وإنما بعد ضبطهما وضبط الهواتف وتفريغ محتوى هذه الهواتف من تسجيلات ومكالمات مع وجود الهواتف بمرفقات القضية وذلك لا يدخل من ضمن الصلاحيات الممنوحة حكراً للمدعي العام وبالتالي فإن الأسباب المتعلقة بالطعن من هذه الناحية غير واردة على القرار المميز.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 4333 لسنة 2019 ما يلي:

أن الاعتراف الذي يعتد به هو الاعتراف الصريح والواضح الذي لا لبس ولا غموض فيه ولا يشوبه أي نوع من أنواع الإكراه المادي أو المعنوي والذي يتفق أيضاً مع وقائع الدعوى والبينات المقدمة فيها وعليه وحيث إن ما ورد بالتسجيل الهاتفي ما بين المشتكية وزوجها من جهة والمميز ضده من جهة أخرى لا يمكن الاعتداد به أو الاعتماد عليه بهذه الصورة خاصة أن مثل هذه التسجيلات تعتبر مخالفة للمادة (88) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأمر الذي يتعين معه استبعاد مثل هذا الدليل لعدم المشروعيـــة ولعــــدم الدقــــة والوضوح وبالتالـــــــــي عدم الاطمئنان لما هو وارد بهذه التسجيلات مما يتعين معه رد هذين السببين وعليه وحيث إن الأحكام الجزائية تبنى على الجرم واليقين وليس الشك والتخمين وإن الدليل إذا طرقه الشك فسد الاستدلال به فإنه والحالــــــــــة هذه يتعين إعــــــلان براءة المميز ضده من الجرائم المنسوبة إليه لعدم قيام الدليل القانوني المقنع بحقه مما يتعين رد الطعن التمييزي.

إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.

[1] آمال عبد الرحمن يوسف، الأدلة العلمية الحديثة ودورها في الإثبات الجنائي، رسالة ماجستير في القانون العام، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، عمان، 2011، صـ 2.

[2] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد ـ نظرية الالتزام بوجه عام ـ الإثبات ـ أثار الالتزام، المجلد الثاني، 1968، صـ 13 ـ 14.

[3] محمود محمود مصطفي، شرح قانون الإجراءات الجنائية، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، القاهرة، 1988، صـ 377.

[4] حسن محمد أمين جوخدار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، بدون دار نشر، عمان، 1993، صــ 266.

[5] محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، القاهرة، دار النهضة العربية، 1982، صــ 443.المصدر : موقع محامي الأردن 

[6] أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، القاهرة، دار النهضة العربية، 1985، صــ 291.

Scroll to Top