الإثبات بالمعاينة والخبرة في القانون الأردني
بمجرد لجوء الشخص إلى القضاء مطالبا بحق شخصي له، يقع عليه عبء إثبات هذا الحق، ولم يترك المشرع عملية إثبات الحقوق محض حرية المدعي، بل ألزمه باتخاذ أحد وسائل الإثبات المنصوص عليها صراحة في القانون، ومن هذه الوسائل المعاينة والخبرة واللتين تقعا في المرتبة الأخيرة من حيث وسائل الإثبات المنصوص عليهم في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، وفي خلال هذا المقال سوف نتطرق إلى كل وسيلة من هاتين الوسيلتين من حيث التعريف بها وشروطها ومدى حجيتها في الإثبات على التفصيل الآتي:
رابعاً: خصائص المعاينة كأحد طرق الإثبات:
خامساً: الضوابط اللازم اتباعها عند إجراء المعاينة:
سادساً: حجية المعاينة كأحد طرق الإثبات في التشريع الأردني:
تاسعاً: الضوابط اللازم اتباعها عند إجراء الخبرة:
عاشراً: حجية تقرير الخبير في الإثبات:
حادي عشر: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالمعاينة والخبرة:
أولا: تعريف الإثبات وأهميته:
يُعرف الإثبات بأنه: ” إقامة الدليل أمام القضاء باستخدام احدى الطرق التي نص عليها القانون والتي تؤكد وجود واقعة قانونية معينة ترتب أثرها القانوني “.[1]
وتظهر أهمية الإثبات عند التنازع بين أطراف الخصومة حول ثبوت الحق من عدمه إذ يبقى الحق مجرداً من قيمته ولا يمكن الاحتجاج به في مواجهة الغير مالم يقم الدليل على الحادث المبدئ له، ويقول الدكتور السنهوري في تدليله على مدى أهمية الأثبات: (والواقع أن الدليل هو قوام حياة الحق ومعقد النفع فيه، لهذا كان الإثبات من الإجراءات القانونية التي لا تنقطع وأكثرها إفادة في الواقع العملي ).[2]
وقد ذكر قانون أصول المحاكمات المدنية وسائل الإثبات على سبيل الحصر وجعل لكل وسيلة من تلك الوسائل أحكامها الخاصة، ومن ضمن هذه الوسائل التي عددها القانون الإثبات بالمعاينة والإثبات بالخبرة وسوف نوضح مفهوم كل وسيلة من هاتين الوسيلتين وأحكامهما على التفصيل الآتي:
ثانياً: مفهوم المعاينة:
استخدم المشرع في قانون أصول المحاكمات الأردنية لفظ الكشف للدلالة على المعاينة ولم يتطرق القانوني الأردني لمفهوم المعاينة، إلا أن المادة (83) من قانون أصول المحاكمات قد احتوت على مفهوم عام للمعاينة المقصودة قانونا، وهي الكشف والمعاينة للمال سواء كان منقولا أو غير منقول وأي شيء أخر ترى المحكمة ضرورة معاينته، ويحدث ذلك بصدور قرار مسبب منها وفي خلال أدوار المحاكمة.
وتُعرف المعاينة أو الكشف في الفقه القانوني بأنها: (الكشف الحسي المباشر بغرض إثبات حالة شيء ما أو شخص معين وذلك عن طريق الرؤية أو الفحص المباشر ).[3] وتعرف أيضا بأنها قيام القاضي بمشاهدة موضوع النزاع أو محل النزاع.[4] وقد عرفها الدكتور أحمد فتحي سرور بأنها: (إثبات مباشر ومادي لحالة شيء أو شخص معين ويكون ذلك من خلال الرؤية المباشرة لهذا الشيء أو الشخص عن طريق من باشر هذا الإجراء).[5]
ثالثاً: نطاق المعاينة:
نصت المادة (83) من قانون أصول المحاكمات المدنية في فقرتها الأولى على أن: (للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه، على أن تبين المحكمة في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك وتحدد بدقة تفاصيل المهمة الموكلة إلى الخبير).
ومن خلال هذا النص يمكن القول إن نطاق المعاينة يتمثل في الأشياء التي تصلح أن تكون محلا للمعاينة وتشمل الأموال سواء كانت منقولة أو غير منقولة، كما أن النص في المادة (83) من المادة سالفة الذكر توسع في نطاق إجراء المعاينة وجعل من حق القاضي إجراء المعاينة على أي أمر يرى لزوم إجراء المعاينة عليه ويترتب على تحديد نطاق إجراء المعاينة عدة أمور منها:
1- المعاينة على العقارات تشمل العقار نفسه وحدوده وكذلك حقوق الارتفاق وقنوات صرف المياه، ومعاينة أي نزاع يتعلق بوضع اليد عليه، وكذلك معاينة الضرر الذي أصاب العقار نتيجة فعل الغير الضار، أو نتيجة الحرائق أو الهدم وغيرها من نزاعات يكون للمعاينة دورا في الوقوف على حقيقة الوضع.
2- إذا كان محل المعاينة مال منقول فللمحكمة أن تامر بنقل المنقول إلى المحكمة لمعاينته ومناظرته إذا رأت أهمية لذلك، وإذا كان من الصعب نقله لأسباب امنيه أو لصعوبة نقله بطبيعته يجوز للمحكمة أن تنتقل اليه بنفسها أو أن تندب أحد الخبراء لإجراء المعاينة.
3- إذا كانت المعاينة تقع على أحد الأشخاص فيفضل أن تجري المحكمة المعاينة بنفسها ما دامت المعاينة لا تحتاج إلى خبرة فنية أو علية خاصة.[6]
رابعاً: خصائص المعاينة كأحد طرق الإثبات:
1- تتميز المعاينة بأنها إجراء قضائي تقوم به المحكمة بكامل تشكيلها وهيئتها، كما قد ينتدب أحد قضاة المحكمة المنظور أمامها الدعوى لإجراء المعاينة، ويجوز للمحكمة أن تندب محكمة أخرى لإجراء المعاينة نيابة عنها إذا كان الشيء المراد معاينته لا يمكن نقله ويتعذر على المحكمة الانتقال اليه لبعد مكانه فتعهد بالمعاينة للمحكمة التي يقع في دائرتها العقار أو الشيء المراد معاينته، كما يترتب على اعتبار المعاينة إجراء قضائي أن يترتب للخصوم الحق في طلب إجرائها.
2- ومن خصائص المعاينة أيضا أنها تأتي لاحقة على إقامة الدعوى أمام المحكمة المختصة، فلا معاينة إلا بعد رفع الدعوى وطلب إجرائها أمام المحكمة التي تنظر الدعوى، أو إصدار تلك المحكمة لقرار بإجراء المعاينة دون طلب من الخصوم، فهي تحتاج إلى قرار قضائي والذي لا يصدر إلا من خلال وجود دعوى منظورة أمامها.
3- لا تلتزم المحكمة بإجابة طلب إجراء المعاينة من قبل الخصوم فلها قبول الطلب أو رفضه بما تملكه من سلطة تقديرية كما أن لها الحق في إصدار قرارها بإجراء معاينة دون طلب من الخصوم.
4-لا يتقيد إجراء المعينة بنوع معين من الأموال فيجوز إجراءها على الأموال المنقولة وكذلك الغير منقولة، وأي أمر أخر ترى المحكمة لزوم إجراء المعاينة عليه وفقا لمفهوم (المادة 83) من قانون أصول المحاكمات المدنية.
5- ومن أهم خصائص المعاينة أنها أحد أدلة الإثبات المباشرة باعتبارها منصبة على الواقعة منشئة الحق المُطالب به في الدعوى، مما يمكن القاضي من تحصيل وتكوين قناعته وذلك بمشاهدته لواقع الأمر بنفسه ومعاينته لمحل النزاع بشكل يؤدي إلى وصوله لحقيقة الأمر ويسهل عليه استنتاج الدليل الذي يؤسس عليه قناعته وحكمه من خلال معاينته المباشرة.[7]
6- يجب على القاضي حتى تكون معاينته منتجة في الدعوى أن يقوم بإجرائها في أوقات عمله الرسمية وهو على رأس وظيفته وبصفته.
7- كما تعتبر المعاينة وفي بعض الأحوال الدليل الوحيد في الدعوى القضائية الذي يصلح بناء الحكم عليها إذ أنها من أدالة الإثبات المباشرة التي تكفي وحدها لتكوين قناعة القاضي وعقيدته في الموضوع محل الدعوى.[8]
خامساً: الضوابط اللازم اتباعها عند إجراء المعاينة:
1- لا يجب إجراء المعاينة إلا وفقا لقرار قضائي ويجب أن يكون ذلك القرار قد صدر قبل البدء في إجراءات المعاينة وإلا بطلت المعاينة وما ترتب عليها من إجراءات.
2- أن يكون الغرض من المعاينة هو الوصول إلى وجه الحقيقة في الدعوى ويتوفر ذلك كلما كانت المعاينة منتجة في الدعوى وإلا انتفت أهميتها وأصبحت مجرد مماطلة وتزيداً في الدعوى.
3- أن يتم تحرير محضر تُنظم فيه الإجراءات والأفعال التي تمت خلال المعاينة ويدون فيه الملاحظات والأوصاف وكذلك النتائج التي يمكن الاعتماد عليها في الدعوى.
4- يجوز للقاضي أثناء إجرائه المعاينة الاستعانة بأحد الخبراء لتوضيح بعض الأمور الفنية أو العلمية التي تحتاج إلى متخصص ولتذليل الصعوبات الفنية والعلمية أمام القاضي وحتى يتمكن من تكوين صورة صحيحة ومطابقة للواقع عن الشيء محل النزاع.
5- في الحالات التي تكون فيها المعاينة واردة على أحد الأشخاص يجب الالتزام باتخاذ الإجراءات والاحتياطات اللازمة لحفظ وصون كرامة الشخص محل المعاينة.
سادساً: حجية المعاينة كأحد طرق الإثبات في التشريع الأردني:
حدد المشرع الأردني أدلة الإثبات على سبيل الحصر في المادة (2) من قانون البيانات الأردني رقم 30 لسنة 1952 وهي 1- الأدلة الكتابية 2- الشهادة 3- القرائن 4- الإقرار 5- اليمين 6- المعاينة والخبرة. وقد نصت المادة (71) من ذات القانون على: (تعتبر جزءا من البينات المعاينة والخبرة التي تجري وفقاً للأحكام المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية).
وترتيبا على ذلك فتعتبر المعاينة أحد أدلة الإثبات المباشرة والهامة التي يمكن من خلالها إثبات الوقائع المادية، حيث تقف المحكمة على حقيقة الواقعة من خلالها مما يمكنها من استظهار وجه الحقيقة فيها.[9]
سابعاً: مفهوم الخبرة:
لم يتعرض المشرع الأردني إلى تعريف الخبرة سواء في قانون أصول المحاكمات المدنية أو قانون البينات وذات الأمر في قانون أصول المحاكمات الجزائية مما يدعونا إلى الرجوع إلى الفقه القانوني للوقوف على معنى الخبرة، فقد عرفها البعض بأنها: (استشارة فنية تطلبها المحكمة من أهل الاختصاص بغرض الحصول على معلومات ضرورية وذلك للفصل في مسائل يستلزم الفصل فيها أمور فنية وعلمية لا تستطيع المحكمة الإحاطة بها).[10]
كما عرفها البعض بأنها: ” قيام القاضي أو الخصم بالاستعانة بأحد الأشخاص المختصين في مسألة فنية أو علمية لا يكون القاضي ملماً بها حتى يقوم بدوره بالبحث فينا وعلميا للوصول إلى النتائج بشكل غير ملزم “.[11]
ثامناً: خصائص الخبرة:
1- الخبرة ذات صفة فنية:
أجاز المشرع للقاضي حق انتداب الخبراء بغرض إثبات الوقائع التي تتعلق بمسائل فنية لا يمكن للقاضي بعلمه الوقوف على طبيعتها أو حقيقتها إذ تحتاج إلى معرفة خاصة والتي تتوفر في الخبير، وحتى تستطيع المحكمة الاسترشاد بها عند الفصل في النزاع المعروض عليها خاصة مع تعلق الأمر بمسالة فنية تخرج عن العلم القانوني للقاضي،[12] وعلى ذلك فإن الخبرة تتوفر فيها الصفة الفنية والتي تمنع القاضي من الفصل في مسألة فنية يصعب عليه فهم طبيعتها العلمية والفنية، أو أن يكون فصله استنادا إلى معلوماته الخاصة التي تفتقر إلى التأصيل العلمي، خاصة وأن فصله بعمله الشخصي في مسالة فنية يعد إخلالا بحق الخصم في الدفاع، إذ يؤدي فعله ذلك إلى عدم تمكين الخصوم من الرد على حكمه.
2- الخبرة ذات صفة قضائية:
يتوفر في الخبرة أيضا الصفة القضائية وتظهر هذه الصفة من خلال تخويل القاضي حق إصدار حكم الإحالة للخبير سواء كان ذلك بناء على طلب أحد الخصوم أو بناء على قرار المحكمة نفسها، فلا يمكن إجراء أعمال الخبرة دون صدور حكم قضائي تمهيدي من المحكمة التي تنظر النزاع يقضي بالإحالة إلى خبير، كما أن للمحكمة سلطة تقديرية في قبول طلبات الخصوم بإجراء الخبرة أو رفض تلك الطلبات، وكذلك حق المحكمة في الأخذ بما ورد في تقرير الخبير أو طرحه أو إعادة الملف إلى الخبير مرة أخرى لاستكمال أعمال الخبرة، كما يكون للمحكمة وحدها حق تحديد مهمة الخبير ومدته .[13] وهو ما أكدته المادة (83) من قانون أصول المحاكمات المدني في فقرتها الأولى حيث نصت على: (للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من قبل خبير أو أكثر).
3- الخبرة ذات صفة اختيارية:
والمقصود بالصفة الاختيارية للخبرة هو أن القاضي لا يلتزم بإحالة النزاع إلى الخبرة، بل الأمر متروك لسلطته التقديرية، فله الحق في ندب خبير في الدعوى من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم كما أن له الحق في رفض طلب الخصوم بندب خبير ما دامت لديه الأسباب السائغة لرفضه.[14]
تاسعاً: الضوابط اللازم اتباعها عند إجراء الخبرة:
1- أن يصدر حكما قضائيا بندب الخبير:
يجب قبل إحالة الدعوى إلى الخبير أو القيام بأي عمل من أعمال الخبرة أن تقوم المحكمة بإصدار حكما قضائيا بتعيين الخبير، وأن يتضمن ذلك الحكم الأسباب التي دعت إلى ندب خبير وما يبتغيه الحكم من ذلك، والمهمة الموكلة إلى الخبير ومدتها وتحديد الجهة التي يجب عليها سداد نفقات الخبير، حيث نصت المادة (83) في فقرتها الأولى على: (للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه على أن تبين المحكمة في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك وتحدد بدقة تفاصيل المهمة الموكلة إلى الخبير).
2- أن تكون أعمال الخبرة في أمور فنية وعلمية:
يجب أن يكون سبب ندب الخبير هو البحث والكشف عن أمر فني أو علمي، يصعب على المحكمة إدراكه ويحتاج إلى متخصص لبحثه وإيداع تقريره حتى تتمكن المحكمة من استظهار وجه الحق في الدعوى، وعلى ذلك فلا يجوز أن يكون قرار الإحالة للخبير متضمنا الفصل في مسألة قانونية بحتة أو في مسألة يسهل على العامة أو غير المتخصصين معرفتها أو الوقوف عليها، إذ أن ندب الخبير هو استثناء على الأصل لا يجوز التوسع فيه إلا للضرورة وبقصد تحقيق العدالة.
3- أن يقوم الخبير بإعداد تقرير الخبرة:
يجب على الخبير أن يقوم بأداء مهمته المكلف بها والصادرة بمنطوق حكم الإحالة اليه على الوجه الأكمل كما يلتزم بإعداد تقرير مفصل عن أعمال الخبرة التي قام بها والإجراءات التي قام بها أثناء بحثه وإجرائه الخبرة ومحاضر الجلسات التي استمع فيها للخصوم أو للشهود أو إجراءات المعاينة التي قام بها منتهيا بوضع رايه الفني في نهاية التقرير مع توقيعه على التقرير.
ويرجع الغرض من الزام الخبير بإعداد تقرير مفصل عن الأعمال التي قام بها تمكين الخصوم من إبداء الدفوع والاعتراضات على ما تضمنه التقرير أو على النتيجة التي توصل إليها الخبير،[15] ورغم عدم نص المشرع الأردني صراحة على وجوب إعداد وإيداع الخبير لتقرير الخبرة إلا أنه يمكن استخلاص ذلك من نص المادة (96) من قانون أصول المحاكمات المدنية الخاص بإجراء الخبرة على الخطوط والمضاهاة والاستكتاب حيث جاء نصها: ( بعد الانتهاء من التحقيق والمضاهاة والاستكتاب وسماع الإفادات يجب على الخبراء أن ينظموا تقريرا يوضحون فيه إجراءات التحقيق الذي قاموا به ويقررون من حيث النتيجة ما إذا كان الخط أو الإمضاء أو بصمة الأصبع هو للمنكر أم لا، معززين رأيهم بالعلل والأسباب ثم يوقعونه مع القاضي المنتدب الذي عليه أن يرفعه مع المستند المنازع فيه إلى المحكمة ).
حيث يستفاد من النص السابق أنه يجب على الخبير عند انتهائه من المهمة الموكول إليها أن يقوم بإعداد تقرير نهائي يوضح فيه الأعمال التي قام بها والنتيجة التي توصل إليها ومبررات وأسباب الراي النهائي له في موضوع الخبرة، وهو أمر تسير عليه المحاكم الأردنية فيما يتعلق بإعداد تقرير الخبرة بصورة عامة. [16]
عاشراً: حجية تقرير الخبير في الإثبات:
إذا استوفى تقرير الخبير الشروط اللازمة فيصبح أحد أدلة الإثبات إلا أنه لا يُعد دليلا مباشرا من أدلة الإثبات، بل يبقى تحت السلطة التقديرية للمحكمة التي قد تأخذ بما ورد فيه كله أو تأخذ بعض ما ورد فيه وتطرح الباقي، أو أن تطرحه كله، فالأصل أن رأي الخبير لا يقيد المحكمة ولا يجب عليها الالتزام به، حيث نصت المادة (86) من قانون أصول المحاكمات المدنية في فقرتها الرابعة على أن: (رأي الخبير لا يقيد المحكمة).
وإزاء السلطة التقديرية المخولة لمحكمة الموضوع في تقدير رأي الخبير فيمكن القول إن محكمة الموضوع يكون لها الحق في اتخاذ أحد الخيارات بصدد تقرير الخبير وهي:
1- أن تتبنى المحكمة تقرير الخبير كاملا وتجعله عمادا لحكمها:
ويحدث ذلك كلما كان تقرير الخبير قد استوفى جميع الشروط القانونية وكان الرأي الذي انتهى إليه الخبير مستساغ عقلا ومنطقا وأن تكون الأسباب التي بني الخبير عليها رأيه الفني تؤدي إلى النتيجة وهي الرأي النهائي له، وفي هذه الحالة يصبح تقرير الخبير دليلا كاملا للإثبات وكافيا وحده لتكوين عقيدة وقناعة المحكمة التي استخلصت ووازنت الأدلة منه بشكل سائغ ومنطقي، وهي في هذه الحالة تخرج من رقابة محكمة التمييز وقد قضي في ذلك بأن: ( تقدير محكمة الموضوع للأدلة ووزنها للبيانات والخبرة من ضمنها يخرج عن رقابة محكمة التمييز طالما لم يرد أي طعن قانوني على الخبرة التي تمت ضمن إجراءات صحيحة وفقا لحكم (المادة 83) من قانون المحاكمات المدنية ).[17]
2- أن تأخذ المحكمة بعض ما ورد في التقرير وترد الباقي:
وفي هذه الحالة تعمل المحكمة سلطتها التقديرية في تقدير ووزن تقرير الخبير فتأخذ ما ترى أنه مستساغا وتطرح مالم تقتنع به من أقوال الخبير، إلا أنها في هذه الحالة ملزمة بذكر الأسباب التي دعتها لطرح ما طرحته من أقوال الخبير.
3- أن تطرح المحكمة تقرير الخبير كاملا:
إعمالا للسلطة التقديرية المخولة لمحكمة الموضوع فلها أن تطرح تقرير الخبير كاملا إلا أنها يجب عليها تسبيب حكمها بالشكل الذي ينبئ عن سبب طرحها لتقرير الخبير، حتى لو لم تتعرض صراحة للأسباب التي دعتها لذلك فيكفي أن يكون حكمها له أصل ثابت من الأوراق ومستساغ عقلا ومنطقا ليكن بذلك قد بين سبب طرحه لتقرير الخبير بشكل ضمني.[18]
حادي عشر: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق بالمعاينة والخبرة:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 1281 لسنة 2022 ما يلي:
مما تقدم كان على محكمة الاستئناف وعندما توصلت إلى وجود فرق شاسع بين الخبرتين وإجراء خبرة جديدة أن تراعي طبيعة الأرض ونوع الاستغلال والذي تغله الأرض على مالكها حتى يتسنى للخبراء تقدير بدل أجر المثل على فرض الثبوت وهذا ما أدى بالخبراء وفي تقرير خبرتهم توصلوا إلى أن بدل أجر المثل (31910) دنانير وبدل إعادة الحال (750) ديناراً أي ما مجموعه (32660) ديناراً ولم يبين الخبراء ماهية الاستغلال والذي حرم منه المدعي (المميز ضده ) ولما كان قاضي الموضوع هو خبير الخبراء كما يذهب الفكر القانوني وله من الصلاحيات ما نصت عليها المادة (86/2) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي تقتضي بأن (رأي الخبير لا يقيد المحكمة). وكان على محكمة الاستئناف ومع احتفاظها بما تملكه من صلاحيات انتخاب خبراء من ذوي الخبرة والاختصاص في مجال الزراعة ومن المختصين بالأراضي الجافة والصحراوية لتقديم تقرير خبرة يتلاءم مع واقع الحال ويحقق العدالة بين الخصوم. وحيث إنها لم تفعل فيكون قرارها مخالفاً للقانون مما يجعل من هذه الأسباب ترد عليه ويتوجب نقضه دون حاجة للرد على باقي الأسباب.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 5232 لسنة 2021 ما يلي:
وحيث إن المستفاد من أحكام المادة ( 83/1) من قانون أصول المحاكمات المدنية والتي تنص على أنه (للمحكمة في أي دور من أدوار المحاكمة أن تقرر الكشف والخبرة من قبل خبير أو أكثر على أي مال منقول أو غير منقول أو لأي أمر ترى لزوم إجراء الخبرة عليه فإذا اتفق الفرقاء على انتخاب الخبير أو الخبراء وافقت المحكمة على تعيينهم وإلا تولت انتخابهم بنفسها ويتوجب عليها أن تبين في قرارها الأسباب الداعية لإجراء الكشف والخبرة والغاية من ذلك وتحديد مهام الخبير أو الخبراء) وأن الإجراءات التي حددتها المادة تتعلق بالنظام العام والذي لا تملك المحكمة مخالفتها ويترتب على عدم مراعاتها البطلان . وحيث إن ما قامت به محكمة الاستئناف من انتخاب الخبراء من تلقاء نفسها دون أن تسأل الفرقاء فيما إذا كانوا يتفقون على تسمية الخبراء يشكل مخالفة للمادة المذكورة مما يعيب تقرير الخبرة المقدم من قبلهم ويؤدي إلى بطلانه وبالتالي لا يصلح لبناء حكم عليه الأمر الذي كان يتعين على محكمة الاستئناف أن تراعي ما سبق بيانه وأن تجري الخبرة وفقاً لمقتضيات المادة (83) من قانون أصول المحاكمات المدنية ولما لم تفعل فإن قرارها يكون في غير محله وهذا السبب يرد على القرار المطعون فيه ويتعين نقضه.
إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.
[1] السنهوري، الوسيط في القانون المدني، الجزء الثاني، ص 614.
[2] السنهوري، مرجع سابق، ص 14.
[3] أحمد نشأت، رسالة الإثبات، الجزء الثاني، الطبعة السابعة، 421.
[4] رمضان أبو السعود، أصول الإثبات، دار الكتب الجامعية، بيروت، لبنان، 377.
[5] الأستاذ الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، ص 288.
[6] عبد الوهاب خيري العاني، نظام المرافعات دراسة فقهية بين الشريعة والقانون المدني الأردني، ط1، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، ص 471.
[7] قاسم، محمد حسين قاسم، قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، ص 375.
[8] محمد حسين منصور، شرح قانون الإثبات العماني، دار الجامعة الجديدة، مصر، ص 227.
[9] العاني، نظام المرافعات، مرجع سابق، ص 471. ومرجع :مقال محامي عقارات منشور على موقع حماة االحق 2020.
[10] عباس العبودي، شرح قانون البيانات الأردني، دراسة مقارنة، دار الثقافة للشر والتوزيع، عمان2005، ص 231، محامي الأردن.
[11] على الشحات الحديدي، الخبرة في المسائل المدنية والتجارية، دار النهضة العربية، ص 9.
[12] بكر عبد الفتاح السرحان، الإثبات بالخبرة في القضايا الحقوقية وفق القانون الأردني، رسالة ماجستير – الجامعة الأردنية.
[13] إدوار عيد، موسوعة أصول المحاكمات، المنشورات الحقوقية صادر، جزء 18، ص 13.
[14] رمضان أبو السعود، أصول الإثبات، مرجع سابق، ص 401. ومراجعة موقع محامي الأردن.
[15] أنيس منصور المنصور، شرح أحكام قانون البيانات الأردني، إثراء للنشر والتوزيع، 2001، ص 415. المصدر : موقع محامي الأردن
[16] مراد الشنيكات، الإثبات بالمعاينة والخبرة في القانون المدني، دار الثقافة والنشر والتوزيع, 2008، ص 207
[17] الحكم رقم 849 لسنة 1996 ( نقلا عن محامي أردني معروف ) مجلة نقابة المحامين الأردنيين لسنة 1997 ص 3501 تمييز حقوق.
[18] رمضان أبو السعود، أصول الإثبات، مرجع سابق، ص 469.

