الظروف المخففة للعقوبة
إن المشرع الأردني حينما أناط بالقضاء تقويم المجتمع، قرر بأن هذا التقويم لا يتأتى إلا بعد وضع إطار وأساس لنظام عقابي متوازن بين التشديد والتخفيف، فأخذ من المعيار الشخصي أساسا يرتكن إليه في توقيع العقاب الجنائي على المتهمين، حتى تكون هناك رابطة سببية بين جسامة الفعل وبين العقوبة التي قد تصل إلى حد الإيقاف في بعض الظروف المخففة لها، ذلك على أساس أن هذا العقاب شرع كي يراعي مصلحة المجتمع في المقام الأول؛ ولم يشرع لمجرد توقيعه على المتهمين بشكل مجرّد ودون النظر للغاية المرجوة منه، ولما كان ذلك، وكان موضوع الظروف المخففة للعقاب غاية في الأهمية للمجتمع والأفراد بداخله، لذلك نخصص له الحديث بصدر هذا المقال على النحو التالي:
أولا: مفهوم ومدلول الظروف المخففة للعقوبة:
ثانيا: أنواع الأسباب المخففة للعقوبة:
ثالثا: حدود وضوابط سلطة القاضي في تخفيف العقوبة:
رابعا: تطبيقات للظروف المخففة للعقوبة في التشريع الأردني:
خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الظروف المخففة للعقوبة:
أولا: مفهوم ومدلول الظروف المخففة للعقوبة:
إن اتجاه الأخذ بالأسباب والظروف المخففة للعقاب هو اتجاه تم تبنيه حديثا من قبل فقهاء القانون، فقديما كان القاضي له سلطة مطلقة في توقيع الجزاء المناسب على المتهم دون التقيد بنص عقابي يطبقه في حالة المخالفة، ولكن مع كثرة حالات الانحراف بتلك السلطة المطلقة لبعض القضاة، اتخذ الفقه اتجاه تقيد تلك السلطة بنصوص قانون عقابية لا يمكن للقاضي أن يخرج عنها، وبدأت أصوات فقهاء القانون والفلاسفة تعلوا في بدايات القرن الثامن عشر لإلغاء فكرة السلطة المطلقة للقاضي في توقيع الجزاء، إرساءً لمبدأ المساواة بين المتهمين في توقيع العقاب، ولكن أعطى للقاضي سلطة تخفيف وتشديد العقاب، لذلك نتعرض إلى تعريف الظروف المخففة للعقاب على النحو التالي:
تعريف الظروف المخففة للعقوبة:
سلف وأن أشرنا بأن الاتجاه الحديث للعقاب عند فقهاء القانون هو الأخذ بالمعيار الشخصي، ونجد أن المشرع قد أفرد سلطة تقديرية للقضاء في تخفيف أو تشديد العقوبة، وحيث إنه ولما تقدم، كان من المهم قبل أن نسترسل في الحديث عن الظروف المخففة أن التعرض لتعريف تلك الظروف، فعرفها صاحب النظرية العامة للظروف بأنه عنصر أو وقائع عرضية تبعية تضعف من جسامة الجريمة وتكشف عن ضآلة خطورة فاعلها وتستتبع تخفيف العقوبة،[1] واتخذ جانب آخر من الفقه تعريفها على أنها: ” تلك الوقائع أو الصفات التي قد تقترن بشخص المجرم أو بشخص المجني عليه أو بالعلاقة بين المجرم والمجني عليه، أو تقترن بالنشاط الإجرامي في حد ذاته، والتي تركها المشرع لتقدير القاضي وخول له حق تخفيض العقوبة في الحدود التي رسمها له “[2].
وهديا بما تقدم، يتضح لدينا بأن الأسباب المخففة للعقاب ترتكن إلى تحديد شخصية المتهم والدافع والباعث الذي أدى إلى مقارفته لتلك الجريمة، حيث يمكن أن يُتخذ من ذلك أساس لتخفيف العقاب والأخذ بالحد الأدنى للعقوبة في بعض الحالات، ولا شك بأن هناك أنواع للظروف المخففة للعقاب، فهناك ظروف تسمى بالأعذار القانونية، وهي تلك التي نص عليها القانون صراحة، والتي قد يصل الأمر فيها إلى حد الإعفاء من العقاب أو التخفيف عندما يتوافر ذلك العذر القانوني في أوراق القضية، ولا مناص من أن يأخذ القاضي بها حينما ينزل حكمه على القضية الماثلة أمامه، أما النوع الآخر وهو الأسباب المخففة فتبقى متروكة لسلطة القاضي التقديرية، ولما كان ذلك، وكان هناك فارقا بين العذر والسبب، فنتعرض لتعريف تلك الأسباب والأعذار والظروف المخففة للعقاب، وأيضا أنواع كل منهما على النحو التالي ذكره:
ثانيا: أنواع الأسباب المخففة للعقوبة:
كنا قد أشرنا من قبل إلى أن الأعذار القانونية هي التي عينها القانون على سبيل الحصر داخل نصوص القوانين الجزائية، أما أسباب التخفيف هي التي ترك المشرع للقاضي فيها سلطة تقديرية ليأخذ بها أثناء توقيع حكمه الجنائي على المتهمين، فيكمن الفارق الجوهري بين الأعذار والأسباب المخففة للعقوبة في أن تلك الأخيرة تكون مصدرها سلطة القاضي التقديرية وما يراه من أسباب ودوافع لدى الجاني تجعل من العقاب المناسب له مخففاً، فيكون الأخذ بالأسباب المخففة أمر جوازي لدي محكمة الموضوع، يجوز الأخذ بها أو تركها حسبما تتطلب ظروف وملابسات الواقعة الجنائية المنظورة أمام المحكمة.
أما فيما يخص الأعذار القانونية فيكون الأخذ بها إلزامي بقوة القانون، ولا مناص من ترك السلطة التقديرية للمحكمة فيها، إذ أن القاضي الجنائي هنا يكون مقيدا بالنصوص الواردة بالقوانين الجزائية ولا يستطيع إغفال تلك الأعذار أو عدم ذكرها في حيثيات حكمه، وإلا كان الحكم مشوبا بالبطلان ويجوز الطعن عليه وإلغاؤه بكافة طرق الطعن التي أقرها القانون، ولما كان الأمر كذلك، وكانت الظروف المخففة تنقسم إلى أعذار وأسباب، فكان لابد للتعرض لكل منهما بشيء من التفصيل على النحو التالي:
1- الأعذار المخففة للعقوبة:
إن فلسلفة العقاب في الاتجاه الفقهي المعاصر قائمة على معاقبة ومحاسبة الإرادة الآثمة، ولكن لكي نحاسب تلك الإرادة التي هي وراء ذلك السلوك الإجرامي؛ فلا بد وأن تكون إرادة كاملة ومطلقة، يكون للمجرم الاختيار الكامل وراء مقارفة السلوك الإجرامي، ويعتبر كل شيء ينتقص من حرية الاختيار المطلقة عذراً قانونياً يخفف من العقاب أو حتى يوقفه بقوة القانون، لذلك نجد بأن تعريف الأعذار القانونية “عبارة عن منح تمنح لبعض المجرمين فيتخلصون بصورة كلية أو جزئية من العقوبة التي لولا هذه المنح، لكانت تامة “،[3] وعرفها بعض الفقهاء بأنها: ” أحوال وأفعال وعناصر تبعية تضعف من جسامة الجريمة وتكشف عن درجة خطورة فاعلها، خصها المشرع بالنص الصريح توجب تخفيف العقوبة إلى أقل من حدها الأدنى المقرر قانونا، أو الحكم بتدبير يلائم تلك الخطورة “.[4]
ولما كان العذر القانوني أمر يتسم بالشرعية المستمدة من القوانين على سبيل الحصر، فكانت هناك ضوابط لتلك الأعذار حتى يتم استخدامها في تخفيف العقاب، ولقد اتجهت أغلب التشريعات المقارنة إلى الأخذ بتلك الضوابط، مثل الضوابط المادية والضوابط الشخصية وغيرها من الضوابط التي تبحث في حالة الدوافع والبواعث الإجرامية للجاني من ناحية، ومن ناحية أخرى مدى ضآلة الضرر الواقع جراء السلوك الإجرامي، مع الموازنة بين المصلحة العامة والعقوبة المقررة في كل قضية على حدة.
وتنقسم الأعذار القانونية إلى أعذار عامة وأعذار خاصة، والأعذار القانونية المخففة العامة: “هي أعذار يتسع نطاقها إلى جميع أنواع الجرائم، جنايات وجنح ومخالفات متى توافرت شروط العذر”،[5] مثل عذر الحداثة في السن، والذي تم تشريع مواد عقابية خاصة لمعاقبة كل شخص لم يبلغ سن الرشد، فنجد أن بعض التشريعات المقارنة قد أعفت صغار السن من العقاب، وأناطت بالقضاء الأمر بوضعهم في مصحات نفسية تابعة للدولة، حتى يتم إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع مرة أخرى، خاصة وأنهم في تلك المرحلة السنية ناقصي الأهلية وناقصي الاختيار والإرادة.
وتنقسم الأعذار أيضا إلى أعذار قانونية مُعفية للعقاب، وأعذار أخرى مخففة للعقاب، ولعل من أبرز الأعذار القانونية المعفية من العقاب وهو عذر الإبلاغ عن الجريمة، ففي بعض الحالات يعفي المبلغ عن الجريمة من العقاب، ولكن وفق شروط وضوابط معينة، فعلى سبيل المثال في القانون المصري وفي جريمة الرشوة؛ يُعفي المبلغ من العقاب، حيث نصت (المادة ١٠٧) مكرراً من قانون العقوبات على أن: ” يعاقب الراشي والوسـيط بالعقوبة المقررة للمرتشي. ومع ذلك يعفى الراشي أو الوسيط من العقوبة إذا أخبر الـسلطات بالجريمة أو اعترف به “.
وغيرها من الأعذار الأخرى التي أخذت بها التشريعات المقارنة، مثل عذر القرابة وعذر تأثير المواد المخدرة الذي يصل حد التخفيف فيهما إلى الإعفاء في بعض التشريعات المقارنة، مثلما اتجه المشرع الجزائري لذلك، حيث نصت المادة الثامنة من (القانون 04-18) المتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية على: ” يجوز للجهة القضائية المختصة أن تلزم الأشخاص المذكورين في المادة 7 أعلاه، بالخضوع لعلاج إزالة التسمم وذلك بتأكيد الأمر المنصوص عليه في ذات المادة أعلاه، أو تمديد آثاره، وتنفذ قرارات الجهة القضائية المختصة رغم المعارضة أو الاستئناف”، ويكون الإلزام بالعلاج في تلك الحالة بديلا عن عقوبة الحبس المقررة بذات القانون في المادة الثانية عشرة منه.
أما فيما يخص الأعذار القانونية الخاصة فهي تلك الأعذار التي ترتبط حصرا بجرائم معينه، ولا تكون في مجال تطبيق عام على كل الجرائم الجنائية، مثل أعذار الزوج الذي يجد زوجته في حالة زنا مع شخص آخر فيقوم بقتله بدافع حماية الشرف، فيعاقب عقاب مخفف في تلك الحالة التي انعدمت فيها إرادته جراء انفعاله الشديد على خيانة الزوجة له، فيكون ذلك العذر الخاص مرتبط بأنواع معينة من الجرائم.
2- الأسباب المخففة للعقوبة:
تحدثنا سلفا عن اختلاف الأعذار المخففة عن الأسباب المخففة للعقاب في أن تلك الأخيرة تخضع إلى سلطة القاضي ولا تخضع إلى تشريعات محددة كما هو متبع في الأعذار القانونية، فلما كان الأمر كذلك، وكانت الأسباب هي التي يراعيها القاضي في الأخذ بالحد الأدنى للعقوبة أو الحد الأقصى لها، وقد عرفها الفقهاء بأنها: ” هي وسيلة مرنة لتشخيص العقوبة إذ على خلاف الأعذار المخففة، فإنه غير منوه عنها من طرف القانون بصفة محددة، واختيار تطبيقها مرتبط بالسلطة التقديرية للقاضي، فإذا كنا بصدد عقوبة محددة إذا تبين للقاضي وجود ظروف مخففة فباستطاعته أن يجد نوعا من الحرية أثناء النطق بالعقوبة أي ينزل بالعقوبة إلى ما دون العقوبة المحددة “.[6]
وهديا بما سلف، نجد بأن المشرع لم يتدخل في تحديد الأسباب المخففة للعقاب، وإنما ترك الأمر لشيوخ القضاء الذين أفنوا أعمارهم في المنصات القضائية وبين أروقة المحاكم، ذلك لما لهم من خبرة كبيرة في تقدير العقاب المناسب وتكيفه وإنزاله المنزل الصحيح على الواقعة الإجرامية محل التقاضي، والناظر في مسألة الأسباب المخففة للعقاب يجد بأن دورها يقتصر فقط على تحديد الحد الأقصى للعقوبة أو الحد الأدنى لها.
والناظر أيضا في القوانين والتشريعات المقارنة يجد بان نطاق تطبيق الأسباب المخففة للعقاب يقتصر فقط على الجنح والجنايات، ولا يكون قابلا للتطبيق في مجال المخالفات أو غيرها من العقوبات التي لا تستدعي التخفيف، والتي لا يوجد هناك حكمه من تخفيفها طبقا للاتجاه الفقهي المعاصر، ولعل أبرز مثال على الأخذ بالأسباب المخففة للعقاب ما جاء في نص (المادة 17) من قانون العقوبات المصري والتي نصت على: ” يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة على الوجه الآتي: – عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد أو المشدد. – عقوبة السجن المؤبد بعقوبة السجن المشدد أو السجن. – عقوبة السجن المشدد بعقوبة السجن أو الحبس الذي لا تجوز أن تنقص عن ستة شهور. – عقوبة السجن بعقوبة الحبس التي لا يجوز أن تنقص عن ثالثة شهور “.
ولا شك بأن الأسباب المخففة للعقاب تتشابه مع الظروف المخففة له في أن كلا منهما يكون سببا في النزول بالعقاب إلى الحد الأدنى أو على الأقل تخفيفه، لكن نجد بأن الأسباب المخففة للعقوبة يكون مصدرها سلطة القاضي التقديرية بينما الظروف المخففة للعقاب يكون مصدرها هو التشريعات الجزائية التي أوردها المشرع على سبيل الحصر والتي لا مجال للاجتهاد فيها.
وهديا بما سلف، فنكون قد تحدثنا عن الظروف المخففة للعقاب وأوضحنا الفارق بين الأعذار القانونية وبين الأسباب المخففة للعقاب، ولكن يثور السؤال عن مدى حدود وضوابط تلك السلطة التقديرية التي أعطاها المشرع في الأخذ بالظروف المخففة للعقاب، نفرد الحديث لتلك النقطة في السطور التالية:
ثالثا: حدود وضوابط سلطة القاضي في تخفيف العقوبة:
1- الضوابط المتعلقة بالجريمة:
لا شك بأن لكل جريمة أركان تقوم عليها؛ ماديه ومعنويه، والقاضي حينما اختصته المشرع بالسلطة التقديرية في تقدير العقاب المناسب، كان ذلك الاختصاص يحتم عليه دراسة الجريمة، واستظهار الظرف المخفف للعقاب فيها، فيدرس القاضي السلوك الإجرامي الذي يمثل الركن المادي للجريمة، ذلك حتى يستظهر إذا ما كان هناك ظرفا مشددا للعقوبة أو ظرفا مخففا لها، فالسلوك الإجرامي الذي قارفه الجاني في الواقعة الإجرامية يظهر الباعث والدافع لديه، ويستظهر إذا ما كان هناك ظرفا مخففا من عدمه، فيكون على سبيل المثال السلوك اللاحق على ارتكاب الجريمة ظرفا مخففه للعقاب، كأن يعترف أحدهم للسلطات المختصة عن كافة تفاصيل الجريمة، ليعبر عن ندمه وتوبته عن مقارفة الفعل الإجرامي المعاقب عليه بنصوص القانون، مثل أن يعترف الراشي بتفاصيل جريمة الرشوة ويخبر السلطات بكل شيء.
وفيما يخص الركن المعنوي للجريمة والقصد الجرمي؛ فإنه من المهم دراسته دراسة جيدة من قبل القاضي، لأن على أساسه قد يتحدد العقاب أو قد تعطل العقوبة بشكل كلي، فدراسة الباعث والدافع على الجريمة قد يغير العقاب، بل ويغير التكييف القانوني للواقعة برمتها، مثل القتل في سبيل الدفاع عن النفس، أو القتل العمدي، فإن في تلك الأخيرة فتكون العقوبة في بعض التشريعات المقارنة هي الإعدام، بينما في الأخرى تكون البراءة، أو مثل القتل بدافع الشرف الذي يحكم فيه بعقوبة مخففة بعد إعذار القاتل.
2- الضوابط المتعلقة بالنتيجة الإجرامية:
فالنتيجة الإجرامية؛ هي النتيجة الواقعة بعد مقارفة الجاني للسلوك الإجرامي محل النظر أمام قاضي الموضوع، ولا شك بأنه لا تتحدد درجة الجسامة إلا بتحديد تلك النتيجة الإجرامية الواقعة بعد قيام الجاني بسلوكه الإجرامي، فإذا ما كانت النتيجة الإجرامية قليلة الأهمية أو ضئيلة، وكان الضرر الواقع على المجني عليه قليل أو غير موجود، فيتخذ القاضي ذلك كسبب من أسباب التحفيف أو كظرف من الظروف المخففة للعقاب.
ولا جرم أنه يجب أن تكون هناك رابطة سببية بين السلوك الإجرامي أو الفعل الذي قرفه الجاني وبين النتيجة الإجرامية الحادثة للمجني عليه، وذلك حتى تقع الجريمة من الأساس، فدراسة النتيجة الإجرامية من أحد أهم الأشياء التي يقوم بها قاضي الموضوع لتوقيع الجزاء والعقاب المناسب على الواقعة الماثلة أمام المحكمة.
3- العوامل المتعلقة بحالة الجاني:
لا شك بأن العوامل المتعلقة بحاله الجاني هي من أهم العوامل التي يبحثها قاضي الموضوع حينما يتعرض إلى مسألة تخفيف العقاب أو حتى إيقافه، فاتجهت التشريعات المقارنة إلى الأخذ بحاله الجاني كأساس ترتكن عليه في تخفيف العقاب، كالحالة الصحية والنفسية والذهنية له، فعلى سبيل المثال إذا كان الجاني في حاله حالات السكر وقد قارف وهو في تلك الحالة سلوكا إجراميا، فإن ذلك يكون مبررا لتخفيف العقاب أو إيقافه، وذلك لانعدام الاختيار لدى شخص الجاني في تلك اللحظة، فلا نستطيع أن نحاسبه على سلوك لم يقم هو باختياره بإرادة كاملة ومنفردة.
كذلك في حالة حداثة السن، فان شخصية الجاني في تلك اللحظة تكون غير مكتملة، ويكون الشخص حديث السن سواء كان طفلا أو حتى لم يبلغ سن الرشد القانوني عديم الأهلية لا يحاسب إلا في حدود إدراكه الفكري في تلك المرحلة العمرية، ونجد أن هناك تشريعات نظمت تلك المسائل مثل القانون الأحداث الذي أصدره المشرع المصري، فذلك الضابط من أهم الضوابط التي يأخذها القاضي أثناء نظر الظروف المخففة للعقاب.
وفي هذا الصدد أرست محكمة النقض المصرية مبدأ هام في الطعن رقم ١٢٨٠٣ لسنة ٨٨ قضائية، حيث قضي فيه بأن: ” معاقبة الطاعن دون مراعاة الحد الأدنى المقرر للجريمة التي دانه بها طبقاً للمادة ١١٦ مكرراً من قانون الطفل رغم ثبوت أن المجني عليه طفل. خطأ في تطبيق القانون. يوجب نقضه في حدود مصلحة المتهم رافع الطعن والالتزام بحدود ما قضى به الحكم المطعون فيه وإن كان يقـل عن المدة الواجبة التطبيق “.
ولما كان ذلك، وهديا بما سلف، يثور السؤال عن مدى مطابقة القواعد القانونية سالفة البيان في التشريعات الوطنية الأردنية، نتعرض للظروف المخففة للعقوبة في التشريع الأردني على النحو التالي:
رابعا: تطبيقات للظروف المخففة للعقوبة في التشريع الأردني:
1- في مجال الأعذار القانونية المخففة للعقاب:
لا شك بأن المشرع الأردني قد أفرد الحديث داخل نصوص قانون العقوبات إلى الأعذار المخففة للعقاب والأعذار المحلة من العقاب، وهي تكون في حالات محددة على سبيل الحصر، فنصت المادة (95) من قانون العقوبات الأردني على: ” لا عذر على جريمة إلا في الحالات التي عينها القانون “، فيما تحدثت أيضا مواد القانون عن العذر المحل من العقاب، حيث نصت المادة (96) من ذات القانون على: ” أن العذر المحِل يعفي المجرم من كل عقاب على أنه يجوز أن تنزل به عند الاقتضاء تدابير الاحتراز كالكفالة الاحتياطية مثلا “.
والعذر المحل هو الذي يعفي تماما من العقاب، وقد نصت عليه نصوص قانون العقوبات في عدة مواضع، فجاءت المادة (109) من قانون العقوبات منظمة لجريمة المؤامرة على أمن الدولة على النحو التالي ” يعفى من العقوبة من اشترك في مؤامرة على أمن الدولة وأخبر السلطة بها قبل البدء بأي فعل مهيأ للتنفيذ. وإذا ارتكب فعل كهذا أو بدء به لا يكون العذر إلا مخففا. ويستفيد من العذر المخفف، المتهم الذي أخبر السلطة بمؤامرة أو بجريمة أخرى على أمن الدولة قبل إتمامها أو أتاح القبض – ولو بعد مباشرة الملاحقات – على المتهمين الآخرين أو على الذين يعرف مخبأهم. ولا تطبق أحكام هذه المادة على المحرض “.
وكذلك المادة (172) من ذات القانون في فقرتها الثانية والتي نصت على أن: ” يعفى الراشي والمتدخل من العقوبة إذا باحا بالأمر للسلطات المختصة أو اعترفا به قبل إحالة القضية إلى المحكمة.”
وغيرها من المواد الأخرى الخاصة بالأعذار المحلة من العقاب، فهي مذكورة على سبيل الحصر لجرائم معينة داخل النصوص العقابية بالتشريعات الأردنية، أما فيما يخص الأعذار القانونية المخففة للعقاب، فقد أفرد لها القانون أساسا يرتكن إليه القاضي، فجاء نص المادة (97) من ذات القانون على أنه: ” عندما ينص القانون على عذر مخفف:
- إذا كان الفعل جناية توجب الإعدام أو الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد حولت العقوبة إلى الحبس سنة على الأقل.
- وإذا كان الفعل يؤلف إحدى الجنايات الأخرى كان الحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
- وإذا كان الفعل جنحة فلا تتجاوز العقوبة الحبس ستة أشهر أو الغرامة خمسة وعشرين دينارا “.
والجدير بالذكر أن المشرع الأردني قد أخذ بمبدأ تقسيم الأعذار المخففة إلى عامة وخاصة، وأناط أيضا بالقضاء التقيد والالتزام بها، وإلا كان الحكم الصادر مشوبا بالخطأ والقصور، فقد نصت المادة (98) من قانون العقوبات على: ” يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بسورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه “، فكان العذر المخفف هنا نتيجة عمل غير محق من جانب المجني عليه أدي لفقد السيطرة من قبل الجاني، ومن ثم يتم تخفيف العقاب في تلك الحالة.
2- في مجال الأسباب المخففة للعقاب:
لا شك بأن الأسباب المخففة للعقاب لم يتم ذكرها على سبيل الحصر في النصوص العقابية كما هو الحال في الأعذار القانونية، فكما سلف وأن أشرنا من قبل أن الأسباب المخففة تكون خاضعة لسلطة القاضي التقديرية، فله أن يأخذ بها أو أن يتركها حسب حالة القضية المنظورة أمامه، ولقد نصت المادة (99) من قانون العقوبات الأردني على تخفيف العقوبات دون التطرق لأسباب التخفيف على النحو التالي: إذا وجدت في قضية أسباب مخففة فيجوز للمحكمة أن تقضي:
- بدلا من الإعدام بالأشغال المؤبدة أو بالأشغال من خمس عشرة سنة إلى خمس وعشرين سنة.
- بدلا من الأشغال المؤبدة أو الاعتقال المؤبد بالعقوبة نفسها من خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة.
- بدلا من الأشغال أو الاعتقال عشرين سنة بالعقوبة نفسها من اثنتي عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة.
- ولها أن تحط من أي عقوبة جنائية أخرى بما لا يزيد عن ثلثها.
- ولها أيضا ما خلا حالة التكرار، أن تخفض أية عقوبة لا يتجاوز حدها الأدنى ثلاث سنوات إلى الحبس سنة على الأقل.
- إذا أخذت المحكمة بالأسباب المخففة فلا تلزم بالنزول إلى الحد الأدنى للعقوبة.
ولقد أناط المشرع بقاضي الموضوع أنه حينما يأخذ بأسباب تخفيف العقاب فلا بد أن يذكر ذلك جملة وتفصيلا في حيثيات الحكم التي ساقته إلى النتيجة المؤدية إلى تخفيف العقاب، وذلك حتى يكون التخفيف على أساس سليم وواضح، إذ إن السلطة التقديرية لا تكون أبدا مطلقة، وإنما مقيدة بحدود المنطق والمبادئ القانونية العامة، ولقد نصت المادة رقم (100) من قانون العقوبات على أنه:
- إذا أخذت المحكمة بالأسباب المخففة لمصلحة من ارتكب جنحة، فلها أن تخفض العقوبة إلى حدها الأدنى المبين في المادتين (21 و22) على الأقل.
- ولها أن تحول الحبس إلى غرامة أو أن تحول – فيما خلا حالة التكرار- العقوبة الجنحية إلى عقوبة المخالفة.
- يجب أن يكون القرار المانح للأسباب المخففة معللا تعليلا وافيا سواء في الجنايات أو الجنح.
وخلاصة القول نجد بأن المشرع الأردني قد أخذ في الاعتبار الظروف المخففة للعقاب، واتخذ من المعيار الشخصي مرجعا يرتكن إليه في تحديد العقاب المناسب، موازنا بين مصلحة المجتمع والأفراد وبين سلوك الجاني الإجرامي في الواقعة المراد توقيع ظروف التخفيف عليها.
خامسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز بشأن الظروف المخففة للعقوبة:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 84 لسنة 2022 ما يلي:
وفي ذلك نجد أنه يستفاد من المادة (98) من قانون العقوبات أنه يشترط لاستفادة فاعل الجريمة من العذر المخفف تحقق الشروط التالية:
- أن يقوم المجني عليه بفعل غير محق ويقع على نفس الجاني.
- أن يكون العمل الذي قام به المجني عليه على جانب من الخطورة يثير غضباً شديداً وأن تقع الجريمة قبل زوال مفعول الغضب.
- أن يكون فعل المجني عليه ضد الجاني مادياً.
وأن الغضب الشديد حالة نفسية تصيب الفاعل حيث يفقد خلالها السيطرة على أعصابه ويفلت منه زمام نفسه ويختل تفكيره كما أنه يختلف في ظهوره على الجاني وفي مدة زوال مفعوله من شخص لآخر.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1359 لسنة 2021 ما يلي:
وفي ذلك نجد أن المادة (99) من قانون العقوبات نصت على أنه (إذا وجدت في قضية أسباب مخففة فيجوز للمحكمة أن تقضي …إلخ) وهذا يعني أن تخفيض العقوبة هو سلطة تقديرية لمحكمة الموضوع فهو مسألة جوازية لمحكمة الموضوع يخضع تقديرها وفقاً لظروف ملابسات القضية ولا معقب عليها في ذلك.
إعداد/ عماد محمد.
[1] عبيد حسين، إبراهيم صالح، نظرية العامة للظروف المخففة، دار النهضة العربية، د.ب، ص144
[2]عبد العزيز محمد محسن، الأعذار القانونية المخففة من العقاب في الفقه الإسلامي وقانون الوضعي، دار الجامعة الجديدة، 2013، ص 52.
[3] الدكتور عبد الوهاب حومد، الحقوق الجزائية العامة، المطبعة الجديدة، دمشق 1963، ص 443.
[4] جمال إبراهيم الحيدري، أحكام المسؤولية الجزائية، العراق، طبعة 2010، مكتبة السنهوري، بغداد، ص 204/205.
[5] العابد جلاب، الظروف المخففة وأثرها على المسؤولية الجنائية، مذكرة تكميلية لنيل درجة الماجستير، ص 12.
[6] محمد علي سالم عباد الحلبي، شرح قانون العقوبات، القسم العام، مكتبة الثقافة للنشر والتوزيع، 1997، ص 556.

