جريمة هتك العرض عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة
في مستهل الحديث عن جريمة هتك العرض عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة ينبغي أن نؤكد على أنه لا يمكن أن ننكر ما يشهده العالم من ثورة في مجال التكنولوجيا والاتصالات، والتي تطورت بشكل سريع للغاية، وعلى الرغم من الاستفادة من هذه التكنولوجيا في مختلف القطاعات والمجالات، لكن كان لها – للأسف الشديد – دورها في تعقد الجرائم وتنوعها، مما دفع العديد من الدول إلى إصدار التشريعات وعقد الاتفاقيات لمكافحة هذا النوع الحديث من الجرائم، والتي ظهرت بسبب الاستخدام السيئ لهذه التكنولوجيا.
ولا شك أن حداثة بعض الجرائم الإلكترونية ومن ضمنها جريمة هتك العرض باستخدام الرسائل الإلكترونية أثار العديد من الصعوبات، حول البحث في أدلة إثباتها للتوصل إلى معرفة مرتكبها، ومن أجل مكافحة هذه الجريمة النكراء ومحاولة القضاء عليها.
فالواقع القانوني لجرائم هتك العرض يستلزم أن يكون هناك نوع من الاستطالة من الجاني على جسم المجنى عليها، ومع التطور التكنولوجي الهائل أصبحت ترتكب هذه الأفعال الإجرامية لهذه الجريمة من خلال شبكة الأنترنت، لكى يسهل للجاني الكشف عن عورات المجنى عليهن والاستطالة لأجسامهن بالتصوير أو المشاهدة، وهى من أفعال الفحش التي تخدش عاطفة الحياء العرضي للمجنى عليها، والتي يجب التصدي لها من قبل المشرع والمجتمع في آن واحد.
أولاً: مفهوم وأركان جريمة هتك العرض بوسيلة إلكترونية والعقاب عليها:
ثالثاً: الصعوبات المرتبطة بجرائم هتك العرض الإلكتروني:
رابعا: الآليات الفنية والتشريعية لمكافحة جرائم هتك العرض الإلكترونية:
خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية الهاشمية بشأن جريمة هتك العرض الإلكتروني:
أولاً: مفهوم وأركان جريمة هتك العرض بوسيلة إلكترونية والعقاب عليها:
1- مفهوم جريمة هتك العرض الإلكتروني وأركانها:
بادئ ذي بدء لابد أن نعرف جريمة هتك العرض عبر الوسائل الإلكترونية، بأنها الجريمة التي تقع بكل فعل مخل للحياء، يقوم به الجاني من خلال محاولته للكشف عن عورات الضحية، ولا يشترط أن يستطيل إلى جزء من جسم المجنى عليه الذى قد يكون ذكرا أو أنثى بل يكفى أن يخدش عاطفة الحياء العرضي للمجنى عليه ويجرح الشعور بالكرامة ويبلغ بذلك درجة كبيرة من الجسامة أو الفحش، ولا فرق أن يقع سرا أو علنا، ويتم من خلال الوسائل الإلكترونية الحديثة والشبكة المعلوماتية سواء بمكالمة هاتفية أو عبر تقنية الفيديو.
ويلاحظ أن جريمة هتك العرض قد تقع من ذكر على أنثى، أو من ذكر على ذكر أو من أنثى على أنثى، بخلاف الاغتصاب الذى لا يقع إلا من ذكر على أنثى فقط، كما أن أداة جريمة هتك العرض عبر الوسائل الإلكترونية هي الشبكة المعلوماتية.
أما بالنسبة لأركان جريمة هتك العرض الإلكترونية فسيتم إيضاحها بشيء من التفصيل من خلال النقاط الأتية:
الركن الأول: الركن القانوني (الشرعي):
يوجد نص قانوني عام يشمل جميع الجرائم الإلكترونية ومن ثم يستوعب جريمة هتك العرض الإلكتروني وهو نص (المادة 15) من قانون الجرائم الإلكترونية والتي نصت على أنه: (كل من ارتكب أي جريمة مُعاقب عليها بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة المعلوماتية، أو موقع إلكتروني، أو اشترك أو تدخل أو حرض على ارتكابها، يعاقب بالعقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع).
كذلك فإن المشرع الأردني قد أورد في المواد (296: 301) في الباب السابع من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته أحكاماً تجريميه لأفعال هتك العرض، وحدد صورها وأفرد عقوبات خاصة بها، تتراوح بين 3 سنوات وقد تصل إلى الأشغال المؤبدة حسب الوصف القانوني للجريمة.
الركن الثاني: الركن المادي:
غنى عن البيان أن جريمة هتك العرض تقع بتوافر ركنها المادي وسلوكها الإجرامي والمتمثل في كل فعل يمس جسم المجنى عليه ويمثل إخلالا جسيماً بحيائه.[1] ويتحقق ذلك بالأفعال الأتية:
أ- الاستطالة لجسم المعتدى عليه:
من المسلم به أن جسم الإنسان مُصان، فلا يجوز لأحد المساس به وإلا وقعت جريمة هتك العرض، ولقد استقرت محكمة التمييز على أنه لابد أن يستطيل فعل الجاني إلى جزء من جسم المجنى عليه والذى يُعد عورة من العورات التي يحرص الناس على سترها وصونها حتى تقع منه جريمة هتك العرض.
أما إذا وقع الفعل على غير جسم المعتدى عليه فمهما بلغ من قبح وبذاءه، فلا يعد هتك عرض، لانتفاء عنصر المساس والاستطالة لجسم المجنى عليه.[2]
ب- حالات الفحش الشديد في الاجتهاد القضائي الأردني:
القضاء الأردني توسع في المعنى القانوني لجريمة هتك العرض، بأن جعلها لا تقع فقط بكل فعل مخل بالحياء يستطيل جزء من جسم المجنى عليه مما يعد عورة، بل ذهب إلى أن الجريمة تقوم بأفعال يصاحبها الفحش الشديد وتصيب جسم المجنى عليه فتخدش حياءه العرضي سواء على جزء يُعد عورة أم لا ويترك تقدير جسامة فُحش هذه الأفعال لمحكمة الموضوع.
ج- أن يكون الفعل على درجة معينة من الجسامة:
فيجب لتوافر الركن المادي لجريمة هتك العرض أن يكون الفحش على درجة كبيرة الجسامة تؤدى إلى الإخلال بعاطفة الحياء العرضي للمجنى عليه ويجرحها جرحاً بليغاً، وهكذا يتضح الفارق بين جريمتي هتك العرض والفعل المنافي للحياء، فالفعل المنافي للحياء يقع بعمل يوقعه الجاني على جسم غيره يخدش حياءه، ولا يلزم أن يكون جسيم فيكفى فقط أنه إهانة للحياء.[3]
الركن الثالث: الركن المعنوي:
إن جريمة هتك العرض هي جريمة مقصودة يلزم أن يتوافر فيها القصد الجنائي لدى الجاني ولا يفترض هذا القصد افتراضاً قانونياً، بل ينبغي على المحكمة التعرض له في حكمها، وهو يتمثل في إرادة الجاني الفعل والنتيجة، وعلمه بهما.
الركن الرابع: انعدام الرضا:
إن جريمة هتك العرض هي من الجرائم التي يتم فيها الاعتداء على جسم المجنى عليه، ولابد أن يكون ذلك الاعتداء بغير رضاه، لأنه لو تم برضاه فإن الجريمة لا تقع.
وقد ينعدم الرضا بسبب العنف والتهديد أي بالإكراه المادي كضرب الجاني للمجنى عليه ليتمكن من الإخلال بحيائه العرضي، وكذلك ينعدم الرضا بالمباغتة، أو باستخدام الخداع بأن يظهر بمظهر صاحب الصفة الشرعية ليتمكن من تحقيق غايته، أو ينتهز فرصة أن المجنى ليه لديه عجز جسدي أو نفسى، كأن يكون مجنون أو معتوه أو سكران أو تحت تأثير مخدر، ففي كل هذه الحالات ينعدم الرضا لدى المجنى عليه في جريمة هتك العرض، وكذلك إذا كان المجنى عليه لم يتجاوز عمره الثامن عشر عاماً فإنه لا يعتد برضائه.
ويُستفاد من ذلك أنه إذا تجاوز المجنى عليه سن الثامنة عشرة وكان الفعل تم برضاه فلا مجال للعقاب عن جريمة هتك العرض، فإذا سلمت المجنى عليها صورها وهى عارية برضاها إلى المتهم فلا تقع منه جريمة هتك العرض طالما أن سنها يتجاوز الثامنة عشر عاما.
الركن الخامس: استخدام وسيلة إلكترونية:
جدير بالذكر أن الذى يميز جريمة هتك العرض بمعناها الحديث عن جريمة هتك العرض بمعناها التقليدي، هو أن الجاني يستخدم في الأولى وسيلة إلكترونية، فيلزم وجود جهاز إلكتروني حيث أنه يعد الأداة المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وهو أيضاً وسيلة لتنفيذها، وبالتالي فإنه يجب على المجرم أن يكون لديه معرفة وخبرة كافية في جهاز الكمبيوتر وشبكة الإنترنت.
وهتك العرض بوسيلة إلكترونية لا يترك آثر مرئي، ويسهل حجب السلوك المكون لها وإخفائه، مما يصعب إثباتها واكتشافها.
2- عقوبة جريمة هتك العرض الإلكتروني:
أ- هتك العرض بصورتها العادية:
تختلف جريمة هتك العرض بصورتها العادية باختلاف صورتها:
الصورة الأولى: عقوبة جريمة هتك العرض بالعنف والتهديد:
نصت (المادة 296) من قانون العقوبات الأردني على هذه الصورة في الفقرة الأولى منها حيث جاء فيها أنه: (كل من هتك بالعنف أو التهديد عرض إنسان عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن أربع سنوات)، ولقد نصت الفقرة الثانية على أنه: (ويكون الحد الأدنى للعقوبة سبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره).
الصورة الثانية: هتك العرض بسبب العجز الجسدي أو النقص النفسي:
نصت على عقوبة هذه الجريمة نصت (المادة 297) من قانون العقوبات الأردني التي جاء فيها أنه: (يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة من هتك عرض إنسان لا يستطيع المقاومة بسبب عجز جسدي أو نقص نفسى، أو بسب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع أو حمله على ارتكابه).
الصورة الثالثة: هتك العرض بدون عنف أو تهديد:
لقد نصت على عقوبة هذه الجريمة (المادة 298) من قانون العقوبات الأردني حيث جاء فيها (كل من هتك بغير عنف أو تهديد عرض ولد – ذكراً كان أو أنثى – أكمل الخامسة عشرة من عمره ولم يكمل الثامنة عشرة من عمره، أو حمله على ارتكاب فعل هتك العرض، يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تزيد على عشر سنوات).
وفى الفقرة الثانية من ذات المادة جاء فيها: (ويكون الحد الأدنى للعقوبة خمس سنوات اذا كان المجنى عليه قد أكمل الثانية عشرة ولم يكمل الخامسة عشرة من عمره).
كما نصت (المادة 299) من ذات القانون المشار إليه على أنه: (كل من هتك بعنف أو تهديد أو بدونهما عرض ولد – ذكر كان أو أنثى– لم يكمل الثانية عشرة من عمره، أو حمله على ارتكاب فعل هتك العرض بعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن ثماني سنوات).
ب- هتك العرض في صورتها المشددة:
تشدد عقوبة هتك العرض بحيث يضاف إليها من ثلثها إلى نصفها إذا كان المتهم أحد أصول أو محارم المجنى عليه، أو أحد الموكلين بتربيته أو ممن لهم سلطة قانونية أو شرعية عليه، أو رجل دين أو مدير مكتب استخدام أو عاملاً فيه.
كما أنه يتم تشدد العقوبة من الثلث إلى النصف إذا ارتكبها شخصان أو أكثرن للتغلب على مقاومة المجنى عليه، أو تعاقبوا على إجراء الفحش به.
وتشدد أيضاً اذا أصيب المعتدى عليه بمرض جنسي أو كانت فتاة أزيلت بكارتها بفعل جناية هتك العرض، ويضاف إلى العقوبة من الثلث إلى النصف. أما اذا أدت جناية هتك العرض إلى موت المجنى عليها، ولم يكن الفاعل قد أراد النتيجة، فتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة خمس عشرة سنة.
وأخيراً اذا أدت جناية هتك العرض إلى إصابة المعتدى عليه بمرض نقص المناعة المكتسب، مع علم الفاعل بإصابته بهذا المرض، فتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة.
عقوبة هتك العرض بالوسائل الإلكترونية:
قد يثار في الأذهان تساؤلاً هاماً بالنسبة لجريمة هتك العرض بوسيلة إلكترونية، هل تطبق ذات مواد العقاب سالفة الذكر والمتعلقة بهتك العرض بالطرق التقليدية أم ينطبق نص (المادة 15) من قانون الجرائم الإلكترونية السابق الإشارة إليه عند التحدث عن الركن الشرعي للجريمة؟
في الحقيقة وفى ظل التوصل إلى أن هتك العرض يمكن حصوله بالوسيلة الإلكترونية، يتساوى فاعلها مع من ارتكبها بشكل مباشر وملموس، فيجب أن يتدخل المشرع ويعدل حالات هتك العرض الواردة في الفصل السابع من قانون العقوبات ويصنف الوسائل الإلكترونية كإحدى تلك الحالات، حتى لا يحدث تداخل بينها وبين أحكام (المادة 15) من قانون الجرائم الإلكترونية، خاصة أن هذه المادة الأخيرة لا تتضمن أي إضافة إلى الجريمة الأصلية ولا تتضمن أي نص عقابي، وكل ما هنالك أن أي جريمة تمت بوسيلة إلكترونية فلا بد من الإشارة إليها أنها بدلالة (المادة 15) من قانون الجرائم الإلكترونية.[4] بمعني أنه تُطبق العقوبات المنصوص عليها في (المواد ٢٩٦: ٣٠١) الواردة في الباب السابع في قانون العقوبات رقم ١٦ لسنة ١٩٦٠ وتعديلاته.
ثانيا: التفرقة بين جريمة هتك العرض الإلكتروني وجريمة هتك العرض بصورتها التقليدية وجريمة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت:
1- الفرق بين جريمة هتك العرض الإلكتروني وجريمة هتك العرض بصورتها التقليدية:
ونحن بصدد التفرقة بين جريمة هتك العرض بوسائل إلكترونية والجريمة في صورتها التقليدية ينبغي التأكيد على أن الفارق الجوهري بينهما يتجسد في وسيلة ارتكاب الجريمة، فغالباً ما تقع جريمة هتك العرض التقليدية بفعل مادى ملموس يفعله الجاني بشكل مباشر مع الضحية، وتحتاج من الجاني جرأة أكبر في ارتكابها عن جريمة هتك العرض الإلكتروني والتي لا تنتهك الجسد بفعل مادى ملموس، فضلاً عن تخفى الفاعل في هذه الجريمة الأخيرة بسبب كونه في الغالب شخصاً خجولاً في معظم الأحوال، ويحاول أن يتغلب على خجله ويعوضه بأن يستخدم صور جنسية تارة، أو عبارات فاضحة تارة أخرى، لهتك عرض المجنى عليه باستخدام وسائل إلكترونية، كغرف الدردشة أو منتديات الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي أو البريد الإلكتروني أو الوسائل الفورية، وغيرها من الوسائل التي لا تتطلب عنفاً في تنفيذها ولا مجهوداً كبيراً.
2- الفرق بين جريمة هتك العرض بوسيلة إلكترونية وجريمة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت:
ورد الحديث عن جريمة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت بموجب (المادة 9/ج) من قانون الأعمال الإباحية والاستغلال الجنسي والتي نصت على أن: ( يعاقب كل من قام قصدا باستخدام نظام معلومات أو الشبكة المعلوماتية لغايات استغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من العمر أو من هو معوق نفسيا أو عقليا، في الدعارة أو الأعمال الإباحية بالأشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (15000) خمسة عشر الف دينار).
وهكذا يستفاد من النص السالف بيانه أن المشرع الأردني بهذه الفقرة لا يحمى فقط فئة الأطفال من الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، بل يوسع الحماية ليشمل أيضاً البالغ المعاق نفسياً أو عقلياً. هذا من ناحية الشخص المجنى عليه في الجريمة. أما جريمة هتك العرض الإلكتروني فالضحية قد يكون ذكراً أو أنثى بالغ أو قاصر وسواء كان متمتعاً بقواه أو معاق نفسياً أو عقلياً بل إنه اذا كان معاق نفسياً أو عقلياً يكون ذلك سبباً لتشديد العقوبة.
وغنى عن البيان أن جريمة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت حددها المشرع، وحصر السلوك الإجرامي للجاني في استغلاله للمجنى عليه في الدعارة، أو الأعمال الإباحية.
أما السلوك المكون للركن المادي لجريمة هتك العرض فيتمثل في المساس الجسيم بجسد المجنى عليه، أو الاستطالة إلى جسم المجنى عليه الذى يعد من قبيل العورات التي يحرص الشخص على صونها وحجبها عن الأنظار، كما أن جعل المجنى عليه يكشف جزءاً من جسمه الذى يعد عورة بوسيلة إلكترونية بدون رضاه يمثل جريمة هتك عرض إلكتروني.
ومن هذا المنطلق فإن الفعل المكون للركن المادي لجريمة هتك العرض الإلكتروني – وعلى العكس من جريمة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت – لا يمكن حصر حالاته، فهي لا تقتصر على أفعال تتصل بالجسد فقط أو عورات المجنى عليه، بل قد تحدث أفعال لا تمس عورة المجنى عليه ولكنها تبلغ درجة من الجسامة تمس جسده، ومن ذلك إجبار شخص على نزع ثيابه أمام الكاميرا، وكشف مواطن العفة لديه، وأما بالنسبة للركن المعنوي فهو واحد في الجريمتين فكلاهما لابد أن تتجه إرادة الجاني إلى السلوك الإجرامي وإلى تحقيق النتيجة الإجرامية مع علمه بهما.
وترتيباً على ما تقدم فإن جريمة هتك العرض الإلكتروني مجالها في التطبيق العملي أوسع من جريمة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، سواء من حيث شخص المجنى عليه، أو السلوك الإجرامي المكون للركن المادي للجريمة.
وبالإضافة إلى تم ذكره من اختلافات بين جريمتي هتك العرض بوسيلة إلكترونية وجريمة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، فلقد أظهر حكم محكمة التمييز الأردنية الهاشمية بصفتها الجزائية الاختلاف بينهما من خلال الحكم رقم ٣١٢٥ لسنة ٢٠٢٠ والصادر والتي قررت فيه أن:( الصور التي قامت المجني عليها بإرسالها إلى المتهم إنما هي صور ثابتة وليست فيديو وبالتالي فإنها تبقي في دائرة الجرائم الإلكترونية بالمخالفة (للمادة ٩/ج) من قانون الجرائم الإلكترونية الأردني ولا ترقي لمستوي جرم هتك العرض خلافا لأحكام (المادة ٢٩٨/١) من قانون العقوبات مما يجعل قرار محكمة الجنايات الكبرى بتعديل وصف التهمة مخالفا للقانون ويستوجب نقضه).
ثالثاً: الصعوبات المرتبطة بجرائم هتك العرض الإلكتروني:
1- صعوبة اكتشاف جرائم هتك العرض الإلكتروني:
لا يخفى عن الفطنة أن هناك فارق جوهري يميز جريمة هتك العرض التقليدية عن هتك العرض عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة، فالأولى يكون هتك العرض فيها بفعل مادى ملموس يفعله الجاني بشكل مباشر مع الضحية، أما الجريمة الثانية فلا يحدث انتهاك ملموس للجسد بالإضافة إلى تخفي فاعله، كما أن هتك العرض بالمعنى التقليدي يحتاج إلى جرأة أكبر من نظيره الإلكتروني، حيث أن الأخير قد يحدث من شخص شديد الخجل في الحقيقة لكنه يعوض ذلك بتحوله إلى ذئب على شبكة الإنترنت، مستغلاً أن أحداً لا يعرف شخصيته الحقيقية،[5] فيستخدم ما يساعده في مهمته من صور جنسية وعبارات فاضحة، وذلك عبر غرف الدردشة ومنتديات الإنترنت، ومواقع التواصل والبريد الإلكتروني، والرسائل الفورية وغيرها.
2- الصعوبات المتعلقة بالأدلة:
أ- غياب الدليل المرئي الذى يمكن فهمه:
إن الأدلة في تلك الجرائم يتم استخلاصها من معلومات وبيانات في صورة نبضات إلكترونية غير مرئية، تمر عبر الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت وغالبا مشفرة، ولا يمكن للإنسان العادي قراءتها، وبالتالي يمكن للجاني العبث في بيانات الحاسب الآلي وارتكاب جريمته دون ترك أي دليل مادى ملموس، ومحو الدليل في وقت قياسي فلا تصل إليه المحكمة ولا جهات التحقيق ويستطيع المجرم طمس دليل جريمته طمساً كاملاً فيتعذر كشف شخصيته وملاحقته،[6] فضلا عن أن الجناة الذى يستخدمون الوسائل الإلكترونية في ارتكاب جرائمهم يتميزون بالذكاء والإتقان الفني للعمل الذين يقومون به، مما يسهل لهم إخفاء الدليل، وهذه من الصعوبات التي تعترض الإثبات في مجال الجرائم الإلكترونية و تجعل من إقامة الدليل على هذه الجرائم أمر في منتهى الصعوبة.[7]
ب- صعوبات قانونية تتعلق بمدى قبول الأدلة الإلكترونية في الإثبات:
وتظهر تلك الصعوبات في الأنظمة القانونية التي تأخذ بنظام الإثبات المقيد، والذى يقوم على تقييد القاضي بالأدلة المنصوص عليها في القانون على سبيل الحصر، وبالتالي فلا يقبل الدليل الإلكتروني إلا إذا نص القانون على قبوله، وفى الغالب لا يوجد في تلك القوانين نص على حجية الأدلة الإلكترونية.
وفى المقابل ففي نظام الإثبات الحر فإن القانون يمنح للخصومة الحرية الكاملة في اختيار الدليل الذى يقنع القاضي، وبالتالي تخضع الأدلة الإلكترونية لحرية القاضي في تقديرها فقد يأخذ بها وقد يطرحها، ويشترط لقبول الأدلة الإلكترونية كدليل في الإثبات أن تكون يقينية تقترب من الحقيقة الواقعية، ويتعين على القاضي مناقشة كافة مستخرجات الأدلة الإلكترونية مع المتهم وهو أمر أيضاً يتسم بالصعوبة.[8]
ج- قصور إجراءات الحصول على الدليل الإلكتروني:
من المعلوم أنه يشترط لصحة الدليل الإلكتروني أن يكون الحصول عليه تم بطريقة مشروعة، وبالشروط والإجراءات التي نص عليها القانون والصعوبة هنا تكمن في إجراءات الحصول على الدليل الإلكتروني في جريمة هتك العرض الإلكتروني فهي إجراءات كثيرة ومرهقة بسبب أن هذه الأدلة غير ظاهرة أو مرئية، وهناك مشكلات عدة تظهر على السطح تتعلق بضبط الأدلة، وذلك عندما تتعدد أماكن ارتكاب الجريمة داخل الدولة الواحدة، أو يمتد نطاقها ليشمل الكثير من الدول عبر شبكة الإنترنت.
3- المشكلات المتعلقة بالاستدلال والتحقيق:
مما لا شك فيه أن إجراءات الاستدلال والمعاينة في الجرائم الإلكترونية ليست سهلة كالجرائم العادية بسبب طبيعة الجرائم الإلكترونية وأن الجناة يقومون بمحو آثار الجريمة بمسح ملفات الكوكيز الموجودة على أجهزتهم أو إخفاء عناوينهم الإلكترونية الخاصة بأجهزتهم بطرق مختلفة وتظهر هذه الصعوبات في جريمة هتك العرض الإلكتروني من خلال ما يلى:
أ- أن الجرائم الإلكترونية التي تقع على شبكة الإنترنت ليس لها آثار مادية، ومنها جريمة هتك العرض الإلكتروني.
ب- الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين يترددون على مسرح الجريمة خلال مدة غالباً طويلة نسبياً، ما بين ارتكاب الجريمة والكشف عنها، فيمكن أن يحدث تغيير، أو تلفيق، أو عبث بآثار الجريمة، أو زوال بعضها.[9]
ج- صعوبة إجراء الاستدلال والمعاينة التي تختلف حسب موضوع الجريمة الإلكترونية ذاتها، ففي الجرائم الواقعة على المكونات المادية للحاسب الآلي – الكمبيوتر – مثل الجرائم الواقعة على أشرطة الحاسب والكابلات وسرقة الأقراص، فتلك الجرائم يستطيع مأموري الضبط القضائي القيام بالمعاينة والتحفظ على الأشياء المادية التي تُعد أدلة على الجريمة وضبطها دون صعوبة وإخطار النيابة العامة، أما الجرائم الواقعة على المكونات غير المادية، مثل اختراق بيانات الحاسب الآلي أو التزوير المعلوماتي وغيرها من الجرائم التي تقع على أشياء غير مادية، فتظهر صعوبة عملية الاستدلال والمعاينة والضبط.[10]
4- الصعوبات المتعلقة بالتحقيق والتفتيش والضبط:
أ- نقص الخبرة الفنية لدى جهات التحقيق:
إن أغلب الصعوبات التي تواجه رجال التحقيق أثناء التحقيق في جريمة هتك العرض عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة تحدث بسبب افتقادهم للخبرة الفنية في أساليب وطرق ارتكابها والتي تتم بأحدث الوسائل الإلكترونية، فحداثة هذه الجرائم وتقنياتها العالية تحتاج من القائمين، بإجراءات التحقيق والتفتيش الإلمام بالأمور الفنية في مجال الجرائم الإلكترونية، للقيام بهذه الإجراءات على الوجه الصحيح القانوني.
ب- كثرة المعلومات والبيانات التي يجب ضبطها:
حيث يجد المحقق نفسه أمام مهمة شاقة وصعبة وهى الاطلاع على عدد كبير من السجلات الخاصة بأجهزة الحاسب والملفات، وكم كبير من المعلومات على شبكة المعلومات الأمر الذى يستلزم جهد وخبرة فنية كبيرة.
ج- خروج بعض الإجراءات عن نطاق الدولة:
تكمن الصعوبة أيضاً في أن الكثير من البيانات والمعلومات التي يُراد تفتيشها توجد في شبكات وأجهزة تابعة لدولة أجنبية، مما يستدعى زيادة التنسيق الدولي لمكافحتها.
د- عدم وجود قواعد فنية لحفظ المضبوطات في الجرائم الإلكترونية:
في الحقيقة إن التشريعات الجنائية لم تعرض لقواعد خاصة لحفظ المضبوطات في الجرائم الإلكترونية، لا سيما من الإتلاف أو التدمير، مثل عدم ثنى الأقراص الصلبة أو تعريضها لدرجات الحرارة العالية وغيرها من القواعد التي كان يجب النص على ابتاعها لحفظ المضبوطات في الجرائم الإلكترونية.[11]
رابعا: الآليات الفنية والتشريعية لمكافحة جرائم هتك العرض الإلكترونية:
لما كانت الجرائم الإلكترونية وجريمة هتك العرض على وجه الخصوص من الظواهر الإجرامية التي تدق أجراس الخطر، باعتبارها من الجرائم التي تنشأ في بيئة إلكترونية من أشخاص ذوى قدرات تقنية وفنية عالية، وأصبحت مصدر تهديد للمجتمعات ككل، لذا لابد من الجميع بذل أقصى جهد لمواجهتها تشريعياً وفنياً من سلطات التحقيق، والضابطة العدلية على المستويين الدولي والوطني.
وفى المملكة الأردنية الهاشمية تم إنشاء قسم الإسناد والتحقيق الفني لدى إدارة البحث الجنائي الأردني سنة 2008 للتحقيق في جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت، وفى عام 2015 تم تطويره وسمى (بوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية) ولقد اتبعت وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية أساليب تحقيقية في التتبع الفني مثل التصيد الإلكتروني، والهندسة الاجتماعية التي تعتمد على المهارة الفردية للمحقق، وتتبع الهوية الرقمية للمستخدم وصولاً إلى العنوان الرقمي (IP)، الذى يمكن به تحديد هوية المستخدم الذى يرتكب جريمة هتك العرض الإلكتروني،[12] وذلك بالتعاون مع المؤسسات والشركات الدولية والمحلية وشركات الاتصالات ومؤسسات المجتمع الدنى، ولقد أقرت السلطة التشريعية قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015 لمعالجة الجرائم الإلكترونية.
خامساً: بعض اجتهادات محكمة التمييز الأردنية الهاشمية بشأن جريمة هتك العرض الإلكتروني:
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 439 لسنة 2022 ما يلي:
أما قيام المتهم بتصوير المشتكية وقيامه وإرسال تلك الصورة إلى والدها دون رضاها يشكل كافة أركان وعناصر جنحة مخالفة أحكام الجرائم الإلكترونية وفقاً لأحكام المادة (11) من قانون الجرائم الإلكترونية وليس كما جاء بإسناد النيابة العامة بإسناد جرم هتك العرض يشكل بدلالة الجرائم الإلكترونية وفقاً لأحكام المادة (15).
وحيث إن محكمة الجنايات الكبرى وبقرارها المطعون فيه قد ناقشت أدلة الدعوى مناقشة وافية وتوصلت إلى قناعة وجدانية إلى وجود علاقة حب بين المشتكية والمتهم وأن هناك اتصالات ورسائل بينهما وأن لقاء المشتكية مع المتهم ونزع ملابسها أمامه واطلاع المتهم على جسدها وهي بالملابس الداخلية الستيانة والكلسون كان برضاها وذلك ثابت من خلال عدم قيامها بتقديم أي شكوى أو إبلاغ أي أحد نظراً للعلاقة التي كانت بينهما إلا أن قيام المتهم بإرسال صورة المشتكية وهي بالستيانة والكلسون إلى والدها دون رضاها قد سبب لها غضب وامتعاض مما حدا بها إلى تقديم الشكوى ضده بعد واقعة لقائها معه وتصويرها بشهر فإن ذلك يشكل بالتطبيق القانوني كافة أركان وعناصر مخالفة أحكام المادة ( 11) من قانون الجرائم الإلكترونية.
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 307 لسنة 2021 ما يلي:
المتهم كان بصدد مشاجرة مع المشتكية وآخرين، وأثناء العراك بالأيدي انكشف صدر المشتكية (….) دون أن يكون قاصداً الاعتداء على مواطن العفة لديها، وخدش عاطفة الحياء لديها، بل كان في سبيل الاعتداء بالضرب والإيذاء الواقع، وفى ضوء ذلك تقرر عدم مسئولية عن جناية هتك العرض المسندة له لعدم اكتمال أركان وعناصر الجرم).
ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 18 لسنة 1971 ما يلي:
هتك العرض بالمعنى القانوني لا يتكون فقط من كل فعل مخل بالحياء يستطيل إلى جزء من جسم المجنى عليه مما يعبر عنه بالعورة، بل يتكون أيضاً من كل فعل يستطيل إلى جزء آخر لا يعد عورة، ولكنه يخدش عاطفة الحياء العرضي عنده.
إعداد/ جمال مرعي.
1 انظر محمد موسى حسن اليخت، المشكلات القانونية والعملية في جرائم هتك العرض (دراسة مقارنة) رسالة ماجستير، قسم القانون العام، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، عمان، الأردن، 1432هـ، ص 16، ص 17.
2 انظر الجبور/ د. محمد، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات الأردني، دراسة مقارنة، ط1، دار المكتبة الوطنية، ص 298.
3 انظر أبو عامر، محمد ذكى، الحماية الجنائية للعرض في التشريع المصري، 2011، دار الجامعة الجديدة، ص 76.
4انظر الخوالدة، مهند محمد على حامد، جريمة هتك العرض عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة دراسة مقارنة، 2021، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، كلية القانون ، الأردن، ص 79.
5 انظر دعلي إبراهيم فضل، الإساءة إلى المرأة، طبعة مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 2003، ص 7.
[6] أنظر د. عبدالفتاح بيومي حجازي، الدليل الجنائي والتزوير في جرائم الكمبيوتر والإنترنت، دار الكتب القانونية، ٢٠٠٤، ص ٢٤.
[7] أنظر د. محمد محمود عمري، الإثبات الجزائي الإلكتروني في الجرائم المعلوماتية، دراسة مقارنة، مجلة العلوم القانونية والسياسية، السنة السادسة عدد ٢، ٢٠١٦، ص ٢٩٥.
[8] أنظر د. أحمد محمود مصطفي، جرائم الحاسبات في التشريع المصري، دار النهضة العربية، القاهرة، ٢٠١٠، ص ٢٦٠.
[9] انظر نبيلة هروال، الجوانب الإجرائية لجرائم الإنترنت في مرحلة جمع الاستدلالات، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، ٢٠٠٧، ص ٢١٧.
[10] انظر د. عبد الفتاح بيومي حجازي، مبادئ الإجراءات الجنائية في جرائم الكمبيوتر والإنترنت ، دار الكتب القانونية، المحلة الكبرى، مصر، ٢٠٠٧، ص ١٨٢.
[11] أنظر د. محمود احمد القرعان، الجرائم الإلكترونية، دار وائل للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى، ٢٠١٧، ص ٢٣٣.
[12] انظر نداء نائل فايز المصري، خصوصية الجرائم المعلوماتية، رسالة ماجستير، كلية الدراسات العليا جامعة النجاح الوطنية، فلسطين ٢٠١٧، ص ٧٧.

