نظرية السببية في جريمة القتل

نظرية السببية في جريمة القتل

لا جرم بأن مسألة توقيع العقاب على المتهم في جريمة القتل تُعد من أعقد المسائل التي حيرت فقهاء القانون، ذلك لخطورة العقاب الذي قد يصل إلى الإعدام في بعض التشريعات المقارنة فيما يخص جرائم القتل العمدي، ولا شك بأن رابطة السببية تعتبر من أحد أركان الجريمة في الإثبات الجنائي بشكل عام وفي القتل بشكل خاص، ولا مندوحة عن دراسة رابطة السببية من قبل قاضي الموضوع؛ حتى ينزل الحكم الصحيح على واقعة القتل سواء كان عمد أو خطأ، ولما كان الأمر كذلك، وكانت علاقة السببية من أحد أهم مواضيع البحث الجنائي بشكل عام والقتل على وجه الخصوص، فنتعرض لها في السطور التالية على النحو الآتي:

أولاً: مدلول نظرية السببية في جريمة القتل:

ثانيا: النظريات الفقهية السائدة لعلاقة السببية في جريمة القتل:

ثالثا: الأسباب القاطعة لعلاقة السببية في جرائم القتل:

رابعا: موقف المشرع المصري من نظرية السببية في جريمة القتل:

خامسا: موقف المشرع الأردني تجاه نظرية السببية في جريمة القتل:

سادسا: اجتهادات محكمة التمييز فيما يخص السببية في جريمة القتل:

 

أولاً: مدلول نظرية السببية في جريمة القتل:

لا شك بأن علاقة السببية تعتبر جزء لا يجتزأ من الجريمة بشكل عام وجريمة القتل بشكل خاص، ولقد اهتم الفقهاء وعلماء الاجتماع ورجال الدين بدراسة الجريمة، وظهر لدينا في بدايات القرن التاسع عشر علم الجريمة بمفهومه الفقهي الحديث، حينما أصدر العالم الفرنسي “جيري” كتابه الذي أخذ فيه بالمعيار الشخصي للجريمة، ودراسة حالة الجاني والدوافع والبواعث التي دفعته إلى مقارفة السلوك الإجرامي المؤثم، وفي هذا الإطار؛ اهتم الفقهاء بدراسة كل الظروف والحيثيات للفعل الإجرامي، وذلك لمواجهة جمود النص العقابي أمام الحالات المختلفة للجريمة، ومن أحد أبرز تلك الحيثيات المحيطة بالجريمة هي علاقة السببية، لذلك نتعرض إلى تأصيل فقهي لمفهوم السببية بشكل عام في الجرائم، ومن ثم نتعرض لمدلول ومفهوم علاقة السببية في جريمة القتل على النحو التالي:

1- ماهية السببية:

لا شك بأن لكل جريمة أركان تقوم عليها، والركن هو ما لا تقوم الجريمة إلا به، فما إذا انهار أحد أركان تلك الجريمة؛ انهارت مع هذا الركن الجريمة برمتها، والجريمة تتكون من أركان مادية ومعنوية، والركن المادي هنا يتكون من السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية ورابطة السبب بين هذا السلوك والنتيجة الواقعة جراء الفعل الإجرامي، ومن هنا يبرز لدينا أهمية علاقة السببية كأحد مكونات الركن المادي للجريمة، ولقد تناول الفقهاء تعريف علاقة السببية بأنها: ” الصلة التي تربط بين الفعل والنتيجة وتثبت بان ارتكاب الفعل هو الذي أدى إلى حدوث النتيجة “.[1]

وهديا بما سلف يتضح لدينا أهمية دراسة رابطة السببية كعنصر يقوم عليه إسناد الاتهام والجريمة برمتها، تستوعب على أساسه المحكمة عناصر الواقعة الإجرامية، ولكن يمكن أن تتعدد العوامل المؤدية إلى النتيجة الإجرامية، مما تثور معه إشكالية تحديد السبب المؤدي لتلك النتيجة، لذلك سوف نتعرض إلى تلك النقطة لاحقا بصدر هذا المقال، ولما كان ذلك، وكان البين من مطالعة ما سلف من تعريف للرابطة والعلاقة السببية بشكل عام، أنه يثور التساؤل عن مدى مطابقة وإنزال ذلك على جريمة القتل؟، ونتعرض لتلك النقطة في السطور التالية:

2- مفهوم السببية في جرائم القتل:

إن جريمة القتل تنقسم إلى عدة أنواع؛ لعل أبرزها القتل العمدي والقتل الخطأ، والقتل العمدي هو الذي تتجه فيه إرادة الجاني إلى إزهاق روح المجني عليه، فتشكل تلك الإرادة الركن المعنوي والقصد الجرمي في تلك الحالة، والركن المادي يتمثل في السلوك المبني على تلك الإرادة الآثمة، وهناك بعض العوامل التي قد تؤدي إلى تغليظ العقوبة إلى حد الإعدام في بعض التشريعات المقارنة، إذا ما كانت الجريمة مقترنة بحالة من سبق الإصرار والترصد، لا سيما إذا ما وقعت النتيجة الإجرامية وتم قتل المجني عليه بالفعل.

وفي هذا النوع من القتل يكون مفهوم السببية هو أولا أن تتم الجريمة ويتم القتل، لأنه لو لم يتم القتل هنا يتغير التكييف القانوني للواقعة من القتل العمد إلى الشروع في القتل، فلا بد وأن تزهق روح المجني عليه حتى تكتمل جريمة القتل، والسببية هنا هي عنصر من الركن المادي المتمثل في السلوك الإجرامي وهو فعل الاعتداء بغرض القتل، والنتيجة الإجرامية، وهي حالة الوفاة، والعلاقة السببية بين فعل المتهم وبين النتيجة الإجرامية التي تربط سلوك القتل بنتيجة الوفاة، فلا بد وأن تكون الطعنة التي طعنها المتهم للمجني عليه هي السبب في وفاته، وليس عامل آخر مثل أن يكون المجني عليه قد توفى قبل أن يتم طعنه.

أما القتل الخطأ؛ فهو الذي ينتج عن المسؤولية التقصيرية من جانب المتهم جراء فعله الخاطئ الذي أدى إلى وفاة المتهم، كأن يقود أحدهم السيارة بسرعة جنونية غير مسموح بها ويقتل أحد المارة بسيارته، فالخطأ الواقع هنا من رعونة المتهم بقيادته المخالفة لقواعد وقوانين المرور هي التي أدت للوفاة، والقتل الخطأ مثله مثل القتل العمد في أنه لا بد وأن تكون النتيجة الإجرامية الواقعة على المجني عليه هي الوفاة وليس أي شيء آخر، إذ إن التكييف القانوني في تلك الحالة لو لم تتم الوفاة يقف عند حد الإيذاء الغير عمدي وليس القتل.

وأيضا تكون رابطة السببية هنا عنصرا من عناصر الركن المادي لجريمة القتل الخطأ، والتي تتمثل في سلوك المتهم بالتصرف برعونة وخطأ، والنتيجة الإجرامية وهي الوفاة كما أشرنا سلفا، ورابطة وعلاقة السبب بين ذلك التصرف الخاطئ وبين النتيجة الإجرامية هي وفاة المجني عليه، فيجب أن يكون فعل المتهم الذي قارفه بتصرفه هو الذي أدى إلى وفاة المجني عليه بالخطأ، ومن هنا تنشأ أركان الجريمة، ويتم محاكمة المتهم بناء على مدى حد المسؤولية التقصيرية الواقعة على شخص المتهم، وبناء على مدى خطأ المجني عليه مثل أن يكون عابر للطريق في غير المكان المخصص للمارة، فتبحث محكمة الموضوع علاقة السبب في الواقعة الإجرامية حتي تحكم بشكل يوائم ويتطابق مع إرادة المشرع الجنائي.

3- السببية في الفقه الإسلامي:

يقول الحق سبحانه وتعالى: ” إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا”، فالسبب مذكور في عدة مواضع في القرآن الكريم كمنهج رباني في كل شيء، ولقد تناول الفقهاء تعريف السببية بأنها: ” الرباط الذي يربط الفعل الحاصل من الجاني بالنتيجة التي يسأل عنها أو هي الرباط الذي يربط السبب بالمسبب أو العلة بالمعلول إذا توافرت هذه الرابطة كان الجاني مسؤولا عن نتيجة فعله، فعليه فإن السبب في الشريعة الإسلامية هو ما وضع شرعا لحكم “.[2]

ولما كان الأمر كذلك، وكانت المسؤولية تقوم في القتل غير العمدي في حالات معينة، مثل حالات الإهمال وعدم بذل العناية لتوقع الضرر، أو تقوم في حالة مخالفة القوانين، وكذلك القتل العمد إذا اتجهت الإرادة الآثمة إلى فعل القتل بشكل مباشر، وفي كل ما سبق تعتبر علاقة السببية العنصر الأساسي في تكييف تلك الجرائم، لذلك نتعرض للنظريات الفقهية السائدة لعلاقة السببية في جريمة القتل عن الفقهاء، وذلك تمهيدا لمطابقتها مع القوانين العربية المقارنة وكذلك القانون الأردني على النحو التالي:

ثانيا: النظريات الفقهية السائدة لعلاقة السببية في جريمة القتل:

قلنا من قبل أن رابطة السببية هي التي تحدد المسؤولية الجنائية الناتجة عن مقارفة السلوك الإجرامي، لاسيما عندما تتحقق تلك النتيجة الإجرامية بحدوث الوفاة للمجني عليه، ولكن يثور الأشكال هنا حول ما إذا تعددت العوامل التي أدت لتلك النتيجة الإجرامية، فكيف لنا أن نعاقب المتهم على فعل ليس هو الوحيد الذي تسبب فيه جراء السلوك الإجرامي، لذلك قد اهتم الفقهاء منذ بدايات القرن التاسع عشر بدراسة النظريات الفقهية والقانونية لعلاقة السببية كعنصر من عناصر الجريمة، نتعرض إلى النظريات الفقهية الأشهر التي تناولت علاقة السببية بين فقهاء القانون، وذلك على النحو التالي ذكره:

1- نظرية تعادل الأسباب:

تلك النظرية تعتبر بأن هناك عدة عوامل وأسباب قد أدت إلى النتيجة الإجرامية، منها سلوك المتهم الذي يمثل الركن المادي لجريمة القتل، سواء كان هذا القتل عمدا أو قتل خطأ، وأيضا تعتبر أن هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية عن هذا السلوك الإجرامي الحاصل من شخص المتهم، فيثور الإشكال هنا عن مدى محاسبة هذا المتهم على الفعل الإجرامي، ومثال على ذلك حالة الاعتداء على شخص المجني عليه المريض بأمراض القلب والذي توفي نتيجة سكتة قلبية جراء تعرضه لموقف الاعتداء وليس بسبب الاعتداء ذاته.

فيتضح لدينا من استقراء النصوص الخاصة بتلك النظرية أنها تجعل جميع العوامل المسببة للوفاة على قدم المساواة، فلا تفرق بينهما بل تجعل سبب الوفاة هو نتاج التعاون الحاصل ما بين تلك الأسباب التي أدت للوفاة، فهي لا تنفي رابطه السببية بين فعل المتهم وبين نتيجة الإجرامية حتى ولو كان هناك عاملا آخر قد تدخل وأدى إلى الوفاة، فبمجرد ما ساهم السلوك الإجرامي للمتهم بشكل أو بآخر في إحداث الوفاة فلا تنتفي رابطة السببية هنا حتى ولو كان سلوكا المتهم هو السبب الأضعف الذي توفى على إثره المجني عليه.[3]

وتلك النظرية تعرضت للكثير من الانتقادات من قبل فقهاء القانون، حيث إنها لم تقدم حلا حاسما لمسألة رابطه السببية في الإثبات الجنائي لجرائم القتل، ولم تراعي مدى جسامة السلوك الإجرامي الذي قارفه المجرم ومدى تسببه في إحداث الوفاة.

2- نظرية السبب الملائم:

تعتمد  تلك النظرية على مساءلة الجاني عن كلا من السبب المباشر الذي أدى للوفاة والسبب الغير مباشر الذي يكون مترتبا على فعل وسلوك الجاني الإجرامين، بمعنى أنه يسأل الجاني عن هذا السبب الغير متصل بفعله حينما يكون هذا السبب مألوفا وطبيعيا، كأن يتوفى المقتول جراء إهمال طبي بسيط من قبل الطبيب المعالج، فتلك الحالة تعتبر مألوفة داخل أروقة المستشفيات، لكن وإن كان سبب الوفاة هو سبب غير طبيعي أو غير متوقع حدوثه؛ مثل نشوب حريق في المستشفى التي يتعالج بها المجني عليه، ويؤدي ذلك الحريق إلى وفاته، ففي تلك الحالة تنقطع صلة المتهم بالاتهام وتنتهي في رابطة السببية، وبعد استقراء نصوص نظرية السبب الملائم يتضح لدينا أنها تأخذ بالأسباب الدارجة في إطار المعقولية والتي بدورها تؤدي إلى الوفاة، والتي لم تكن لتحدث لولا مقارفة السلوك الإجرامي الأساسي وهو فعل الاعتداء، فإذا ما دخلنا في نطاق الغير مألوف تنقطع على الفور رابطة السببية.

ثالثا: الأسباب القاطعة لعلاقة السببية في جرائم القتل:

بعد أن تعرفنا على الأثر البالغ لعلاقة السببية على توقيع العقاب المناسب في جرائم القتل، فيثور الإشكال الفقهي والقانوني هنا حول ما إذا كانت هناك أسباب أجنبية أخرى تقطع علاقة السبب بين فعل المجرم والنتيجة الحادثة جراء هذا الفعل، لذلك نتحدث هنا في هذا المقال عن تلك الأسباب القاطعة لعلاقة السببية في جرائم القتل على النحو التالي ذكره:

1- أثر خطأ المجني عليه على علاقة السببية:

غالباً ما يثور هذا الإشكال في جرائم القتل الغير عمدي، حيث يتم بحث مدى استغراق خطأ المجني عليه خطأ المتهم، ومدى اعتبار خطأ المجني عليه كافيا بذاته لأن يكون سببا للنتيجة الإجرامية، ولما كان ذلك وكانت مسألة بحث خطأ المجني عليه تحدد ما إذا كان المتهم قد قارف الفعل الإجرامي من عدمه، لذلك نجد أن محكمة النقض المصرية قد أرست عدة مبادئ قانونية في هذا الشأن في العديد من الأحكام الصادرة منها، باحثة مدي تدخل سلوك المجني عليه في التأثير على رابطة السبب وبالتالي انعدام إسناد الاتهام للمتهم في تلك الجرائم.

حيث ذهبت في حكم لها أنه: ” من المقرر أنه يجب قانوناً لصحة الحكم في جريمة القتل أو الإصابة الخطأ أن يبين فيه وقائع الحادث وكيفية حصوله وكيفية الخطأ المنسوب إلى المتهم وما كان عليه موقف كل من المتهم والمجني عليه حين وقوع الحادث. لما كان ذلك، وكانت رابطة السببية كركن من أركان هذه الجريمة تتطلب إسناد النتيجة إلى خطأ الجاني ومساءلته عنها طالما كانت تتفق والسير العادي للأمور، كما أن خطأ المجني عليه يقطع رابطة السببية متى استغرق خطأ الجاني وكان كافيا بذاته لإحداث النتيجة. لما كان ذلك، وكان الحكم لم يبين مؤدى الأدلة التي اعتمد عليها في ثبوت عنصر الخطأ المرتكب مردودا إلى أصل صحيح ثابت في الأوراق كما أن ما أورده في مدوناته لا يبين منه عناصر هذا الخطأ إذ لا يوفره مجرد احتكاك السيارة قيادة الطاعن بالسلم المتحرك دون استظهار كيفية حدوث هذا الاحتكاك وبحث موقف المجني عليهم الراكبين على سلم السيارة وكيفية سلوكهم ليتسنى من بعد بيان مدى قدرة الطاعن في الظروف التي وقع فيها الحادث على تلافي وقوعه وأثر ذلك كله في قيام أو عدم قيام ركني الخطأ ورابطة السببية، فإنه لا يكون قد بين الواقعة وكيفية حصولها بيانا كافيا يمكن محكمة النقض من إعمال رقابتها على تطبيق القانون تطبيقا صحيحاً على واقعة الدعوى “.[4]

وهديا بما سلف يتضح لدينا بما لا يقطع مجالا للشك بأن سلوك المجني عليه من أحد أهم الأسباب الأجنبية التي تقطع علاقة السببية بين سلوك المجني عليه وبين النتيجة الإجرامية الحاصلة في تلك الحالة وهي الوفاة.

2- أثر العوامل الأجنبية على علاقة السببية:

لا شك بأن العوامل الأجنبية المؤدية إلى النتيجة الإجرامية الحاصلة من أحد أهم قواطع علاقة السببية في جرائم القتل، والتي قد تحدد مصير المتهم ونوعية العقاب الذي سوف يطبق عليه جراء بحث تدخل العوامل الأجنبية في الجريمة، وتنقسم العوامل الأجنبية عن سلوك المتهم إلى عوامل طبيعية وعوامل شاذة أو غير مألوفة، مثل حدوث الوفاة نتيجة إلى إهمال طبي أو نتيجة انقلاب سيارة الإسعاف التي تنقل المجني عليه، فتحدث بعد ذلك عملية الوفاة جراء هذا السبب الأجنبي وليس بسبب فعل المتهم.

ولقد أشرنا سلفا لبعض النظريات الفقهية السائدة الخاصة بعلاقة السببية في مجال الإثبات الجنائي،  فنظرية السبب الملائم على سبيل المثال تجعل من العامل الأجنبي الغير مألوف الحدوث قاطعا لعلاقة السببية في جرائم القتل، حيث إنه على سبيل المثال من غير المألوف نشوب حريق في المستشفى التي يتلقى فيها المجني عليه العلاج ويتوفى متأثرا بذلك الحريق، فجعلت من ذلك العامل الأجنبي الغير مألوف قاطعا لعلاقة السببية بين فعل المتهم والوفاة، وبالتالي انقطاع المسؤولية عن الفعل الإجرامي للمتهم، وهناك أيضا نظرية السبب المباشر والتي لا تعترف إلا بالسبب المباشر الذي أدى للوفاة.

فنجد أنه وفى العديد من الحالات يُعد تتدخل العوامل الأجنبية في حدوث النتيجة الإجرامية قاطعا لعلاقة السببية، خاصة في تلك البلدان التي تأخذ بنظرية السبب المباشر والسبب الأخير وكذلك نظرية السبب الملائم وفقا للضوابط التي يراعيها المشرع في التشريعات المقارنة، وكذلك أيضا وفقا لاتجاهات القضاء في ذلك الشأن، ولمزيد من إيضاح الفكرة نتعرض لموقف المشرع المصري كمثال مهم في مجال رابطة السبب في جرائم القتل، وذلك على النحو التالي:

رابعا: موقف المشرع المصري من نظرية السببية في جريمة القتل:

لا شك بعد أن تعرضنا إلى النظريات الفقهية الخاصة بعلاقة السببية والأسباب القاطعة لها في جرائم القتل بأنواعه المختلفة، يثور التساؤل عن موقف المشرع المصري من تلك النظريات، وكيفية تطبيق علاقة السببية على أرض الواقع خاصة في حال تعدد العوامل التي تسببت في وفاة المجني عليه.

والباحث في القانون المصري يجد بأن المشرع المصري لم ينص في أي نص خاص عن النظرية المنوط بالقضاء تطبيقها على علاقة السببية، ولكن وبعد استقراء المبادئ التي أرستها محكمة النقض المصرية والتي تعتبر مصدرا هاما يرجع إليه القضاء بمختلف درجاته، نجد بأن نظرية السبب الملائم هي التي اتخذها القضاء المصري كمرجع في تطبيق علاقة السببية،[5] وفي هذا الصدد استقرت محكمة النقض المصرية في حكم لها على الآتي:  ” علاقة السببية في المواد الجنائية علاقة مادية تبدأ بالفعل الضار الذي قارفه الجاني وترتبط من الناحية المعنوية بما يجب أن يتوقعه من النتائج المألوفة لفعله إذا ما أتاه عمدًا ، وثبوت قيام هذه العلاقة من المسائل الموضوعية التي ينفرد قاضي الموضوع بتقديرها [6].

وبالرجوع والنظر في التشريعات العربية المقارنة يتضح لدينا بأن الاتجاه السائد بينها أيضا هو الأخذ بنظرية السبب الملائم، ولكن يثور السؤال هنا عن المبدأ والنظرية التي أخذ بها المشرع الأردني لحل معضلة تعدد الأسباب المؤدية إلى النتيجة الإجرامية في جريمة القتل بمختلف أنواعه، لذلك نتعرض في النقطة التالية إلى موقف المشرع الأردني من نظريات علاقة السببية في جريمة القتل على النحو التالي ذكره:

 خامسا: موقف المشرع الأردني تجاه نظرية السببية في جريمة القتل:

نصت المادة (345) والتي جاءت تحت عنوان القتل والإيذاء الناجمين عن تعدد الأسباب على:” إذا كان الموت أو الإيذاء المرتكبان عن قصد نتيجة أسباب متقدمة جهلها الفاعل وكانت مستقلة عن فعله، أو لانضمام سبب منفصل عن فعله تماما عوقب كما يأتي:

  • بالأشغال مدة لا تقل عن عشر سنوات إذا كان فعله يستلزم عقوبة الإعدام أو الأشغال المؤبدة.
  • بتخفيض أية عقوبة مؤقتة أخرى حتى نصفها إذا كان فعله يستلزم عقوبة غير الإعدام أو الأشغال المؤبدة “.

وفيما دون هذا النص سالف البيان، لم نجد المشرع الأردني قد تحدث عن إطار ملزم بخصوص علاقة السببية بشكل عام، وترك وأفسح المجال لاجتهاد الفقه والقضاء، ولكن وباستقراء النص سالف الذكر نجد بأن المشرع الأردني قد تبني نظرية تعادل الأسباب، والتي جعلت كل الأسباب في حالة تعاون مع بعضها البعض للوصول إلى النتيجة الإجرامية، ولكن هناك استثناء، وهو حالة الجهل بالأسباب الأخرى المستقلة عن الفعل الإجرامي، مثل مرض المجني عليه، ذلك الجهل لا ينفي المسؤولية ولكن يخفض من العقاب ويؤخذ بعين الاعتبار في حالة توقيع الجزاء، والجدير بالذكر بأن تلك النظرية قد تعرضت للعديد من الانتقادات من جانب فقهاء القانون، لذلك سنجد فيما يلي من اتجاه محكمة التمييز بأنها قد اتخذت أيضا نظرية السبب الملائم بجانب تعادل الأسباب كأساس لأحكامها، ومن أجل إيضاح اتجاه القضاء الأردني، نتعرض إلى اجتهادات محكمة التمييز فيما يخص السببية في جريمة القتل على النحو التالي:

سادسا: اجتهادات محكمة التمييز فيما يخص السببية في جريمة القتل:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 333 لسنة 2020 ما يلي:

وعليه فإن المتهم المميز ضده لم يكن قاصداً قتله وإنما كان موت المجني عليه نتيجة حادث الدعس الذي تعرض له وليس نتيجة العيار الناري الذي أطلقه المتهم أو نتيجة الطعن بالآلية اليسرى حيث تضافرت عوامل أخرى مع فعل المتهم ومستقلة عنه وتوافرت رابطة السببية بينها وأن العامل المستقل وهو التعرض للدعس متوقع في مثل هذه الظروف ولا يتصور حصول النتيجة دون فعل المتهم وبالتالي فإن المتهم يسأل عن النتيجة الحاصلة وفق نظرية السببية الملائمة ويعاقب بنفس العقوبة المقررة للجريمة الحاصلة وهي التسبب بالوفاة الناتج عن حادث الدعس وجنحة التهديد باستعمال سلاح ناري كما انتهى لذلك القرار المطعون فيه مما يتعين معه رد هذين السببين.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1325 لسنة 2018 ما يلي:

متى اشترك عاملان أو أكثر في إحداث النتيجة النهائية وكان أحد العاملين مألوفاً أو منتجاً يصلح في العادة لإحداث مثل هذه النتيجة والآخر عارضاً أو غير مألوف لا يصلح بحسب طبيعته لإحداثها في المعتاد حتى وإن اشترك في إحداثها لظروف شاذه فإنه ينبغي استبعاد العامل المنتج لها في المألوف من الأمور باعتباره مسؤولاً عنها. وإن اجتهاد محكمة التمييز استقر في هذه المسألة على الأخذ بنظرية تعادل الأسباب. بمعنى أنه يجب أن يكون هناك رابطة سببية بين أفعال الجاني وبين الأسباب والعوامل الأخرى التي يجهلها الفاعل والتي أدت إلى الوفاة.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 2698 لسنة 2017 ما يلي:

أخذ اجتهاد محكمة التمييز بنظرية تعادل الأسباب، أي أن الجاني يسأل طبقاً لهذه النظرية عن النتيجة النهائية لاعتدائه متى كان هذا الاعتداء هو السبب المحرك لعوامل أخرى ولا يسأل عن هذه النتيجة متى كان من المؤكد أنها ستحدث حتى لو لم يقع الاعتداء ، بمعنى أن يكون هناك رابطة سببيه بين فعل الجاني وبين الأسباب والعوامل الأخرى التي يجهلها الفاعل والتي أدت إلى الوفاة بحيث لا يسأل عن هذه التهمة متى كان من المؤكد أنها ستحدث حتى لو لم يقع الاعتداء.

إعداد/ عماد محمد.

[1] الدكتور محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم العام، نادي القضاة، 1979، ص293.

[2] أونور، محمد أحمد، علاقة السببية في القانون الجنائي: دراسة مقارنة، جامعة النيلين كلية القانون،2005، ص 38.

[3] أنظر في تفصيل تلك النظرية الأستاذ الدكتور/ فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات: القسم العام، الكتاب الأول، 2018، دار المطبوعات الجامعية، ص 266 وما بعدها.

[4] الطعن رقم ١٠٦٣ لسنة ٤٩ قضائية، الصادر بجلسة ١٩٧٩/١٢/٠٢، مكتب فني ( سنة ٣٠ – قاعدة ١٨٥ – صفحة ٨٦٥ ).

[5] أنظر الأستاذ الدكتور/ سليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات، 2014، دار المطبوعات الجامعية، ص 428 وما بعدها.

[6] الطعن رقم ٦٤٧٥ لسنة ٨٢ قضائية، الدوائر الجنائية – جلسة 1/1/2014، مكتب فني (سنة ٦٥).

Scroll to Top