جريمة التعذيب
لم تُعرف ظاهرة التعذيب تاريخًا معينًا ولا مجتمعًا محددًا، كما أنها لم تقتصر على إحدى الأمم دون غيرها، فقد لجأت إليه مختلف الشعوب. وتوجد العديد من المؤشرات على أن التعذيب كان مشروعًا لفترة ليست بقصيرة، إلى أن أصبح واحد من وسائل التحقيق المشروعة للحصول على الأدلة، فضلًا عن استخدامه من قِبل بعض الأنظمة كوسيلة للعقاب. وسوف نتناول جميع ما يتعلق بمفهوم جريمة التعذيب في الاتفاقيات الدولية والتشريع الأردني من خلال العناصر الرئيسية التالية:
أولًا: تعريف التعذيب في المواثيق والاتفاقيات الدولية
ثانيًا: تعريف جريمة التعذيب في التشريع الأردني
ثالثًا: أركان جريمة التعذيب في التشريع الأردني
رابعًا: تعويض ضحايا التعذيب في المواثيق والاتفاقيات الدولية
خامسًا: تعويض ضحايا التعذيب في التشريع الأردني
سادسًا: الجهود الدولية لمكافحة جريمة التعذيب
سابعًا: مدى موائمة التشريع الجزائي الأردني للجهود الدولية لمناهضة التعذيب
ثامنًا: السوابق القضائية الخاصة بمفهوم جريمة التعذيب في التشريع الأردني والاتفاقيات الدولية
ونقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة فيما يلي:
أولًا: تعريف التعذيب في المواثيق والاتفاقيات الدولية
اعترفت جميع المواثيق الدولية التي تعني بحقوق الإنسان بتجريم التعذيب وبعدم إخضاع أحد للعقوبات القاسية اللاإنسانية، ولا يقتصر مفهوم التعذيب الوارد في هذه المواثيق على التعذيب البدني، بل يشمل كافة صوره المعنوية والنفسية.
وينصرف مفهوم التعذيب إلى أن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم، وأن العفو العام الصادر في أعقاب النزاعات المُسلحة لا يعفي مرتكبي جريمة التعذيب من المسؤولية، بحيث إنه يجب أن يتم استثنائهم من العفو، كما أن تعذيب السجناء يأتي بالدرجة الثانية بعد القتل وفي كثير من الأحيان يأتي بالدرجة الأولى وذلك عندما ينتح عنه تشويه جسدي أو نفسي أو حتى الموت.
1. اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو الإنسانية، أو المهينة
فقد عرفت (المادة 1) من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة التعذيب على أنه:” 1. لأغراض هذه الاتفاقية: يقصد (بالتعذيب) أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديًا كان أم عقليًا، يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يُشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث -أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيًا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو التي يكون نتيجة عرضية لها”.
والملاحظ من التعريف السابق أنه قد وسّع في نطاق الحماية من خلال شمولها قصدًا آخرًا من التعذيب ألا وهو التعذيب بقصد التمييز بين الأفراد، ليس هذا فحسب، بل قام أيضًا بتوسيع نطاق المساهمة الجنائية من خلال ترتيب المسؤولية ليس فقط على الفاعل والمحرض، وإنما على كل من يوافق على فعل يمثل تعذيبًا أو يسكت عنه.
2. إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو الإنسانية، أو المهينة
تم تعريف التعذيب في (المادة 1) من إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على أنه: “أي عمل ينتج عنه ألم أو عناء شديد، جسديًا كان أو عقليًا، يتم إلحاقه عمدًا بشخص ما بفعل أحد الموظفين العمومين، أو بتحريض منه، لأغراض مثل الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو ثبت في أنه ارتكبه هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو تخويف أشخاص آخرين ولا يشمل التعذيب الألم أو العناء الذي يكون ناشئًا عن مجرد جزاءات مشروعة أو ملازمة لها أو مترتبًا عليها، في حدود تمشي ذلك مع القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء”.
3. المحكمة الجنائية الدولية
حدد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الأفعال التي تشكل جريمة ضد الإنسانية في (المادة 7/1) بما نصها: “لغرض هذا النظام الأساسي يشكل أي فعل من الأفعال التالية جريمة ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد أي مجموعة من السكان المدنيين وعن علم بالهجوم”.
فيما ورد تعريف جريمة التعذيب في الفقرة الثانية من المادة السابقة بنصها على أنه: “تعمد إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة سواء بدنيًا أو عقليًا بشخص موجود تحت إشراف المتهم أو سيطرته، ولكن لا يشمل التعذيب أي ألم أو معاناة ينجمان عن عقوبات قانونية أو يكونان جزءًا منها أو نتيجة لها”.
4. الاتفاقية الأمريكية لمنع التعذيب والعقاب عليه
عرفت الاتفاقية الأمريكية لمنع التعذيب والعقاب عليه التعذيب في (المادة 2) منها بنصها على أنه: “يُفهم التعذيب على أنه استخدام الوسائل التي يُقصد بها طمس شخصية الضحية أو إضعاف قدراته البدنية أو العقلية حتى وإن لم تسبب الألم البدني أو العقلي. ولا يشمل مفهوم التعذيب الألم أو المعاناة التي تلازم أو تكون من آثار الإجراءات القانونية بشرط ألا تشمل ارتكاب أعماله واستعمال وسائل مشار إليها في هذه المادة”.
5. الاتفاقية العربية لمنع التعذيب
ورد تعريف التعذيب في مشروع الاتفاقية العربية لمنع التعذيب على أنه: “كل عمل أو امتناع ينتج عنه معاناة أو ألم شديد جسديًا كان أم عقليًا يرتكبه عمدًا أحد الموظفين العمومين أو المسؤولين الرسميين من أجل إجبار شخص على الاعتراف، أو الحصول منه على معلومات أو معاقبته على عمل ارتكبه، أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو يقصد تخويفه، أو تخويف أشخاص آخرين، أو إرغامه، أو إرغام أشخاص آخرين على شيء ما لأي سبب آخر”.
والملاحظ أن التعاريف السابقة جاءت شاملةً وملمةً بكافة جوانب جريمة التعذيب، حيث إنها بيّنت أمثلة لصورة المساهمة الجنائية، كما بيّنت القصد الجرمي، وجميع البواعث الخاصة التي يهدف الجاني الوصول إليها، والغرض من التعذيب، ولعل هذا يؤكد حرص الدول على مكافحة التعذيب بكافة أشكاله وصوره بحيث لا يستطيع الجاني الإفلات من العقاب.
“ويتضح لنا أيضًا أن للتعذيب صورتين أساسيتين هما: التعذيب الجسدي والتعذيب النفسي أو العقلي، وتتحقق الصورة الأولى بكافة أنواع المساس بالجسد وأعضاء الجسم سواء الخارجية منها أو الداخلية، أما التعذيب النفسي أو العقلي فيقع على مشاعر وتفكير ووعي الإنسان وهي أكثر إيذاءً من النوع الأول”([1]).
ثانيًا: تعريف جريمة التعذيب في التشريع الأردني
تتزعم الدساتير ضمن الأنظمة القانونية الأطر المحددة والضابط لحريات الأفراد وحقوقهم، ومن خلالها تعمل القوانين على تفصيل تلك الحقوق وحمايتها، فبالإضافة إلى المعاهدات الدولية التي أصبحت جزءً من التشريع الداخلي فإن الضوابط الدستورية والنصوص القانونية تضفي الحماية على تلك الحقوق والحريات.
“وبموجب التعديلات الدستورية التي شهدتها المملكة الأردنية عام 2012م وتنفيذًا لالتزاماته الدولية مقتضى تصديقه على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة، والتي أصبحت جزءًا من المنظومة القانونية الأردنية توجه المشرع الأردني إلى إقرار الحماية للمتهم من أي تعذيب مادي أو معنوي وأصبح هذا الحظر مبدأً دستوريًا”([2]).
وتنص (المادة 8) من الدستور الأردني على أنه: “1. لا يجوز أن يُقبض على أحد أو يُوقف أو يُحبس أو تُقيد حريته إلا وفق أحكام القانون.
- كل من يُقبض عليه أو يُوقف أو يُحبس أو تُقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ كرامة الإنسان، ولا يجوز تعذيبه، بأي شكل من الأشكال، أو إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، كما لا يجوز حجزه في غير الأماكن التي تجيزها القوانين، وكل قول يصدر عن أي شخص تحت وطأة أي تعذيب أو إيذاء أو تهديد لا يُعتد به”.
وتم تكريس هذا المبدأ الدستوري بموجب (المادة 208) من قانون العقوبات الأردني التي بيّنت المقصود بالتعذيب بنصها على أنه: “1. من سام شخصًا أي نوع من أنواع التعذيب بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.
2- لغايات هذه المادة يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب جسدي ومعنوي يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول منه أو من شخص آخر على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو، أو غيره، أو تخويف هذا الشخص، أو إرغامه هو، أو غيره، أو عندما يلحق بالشخص مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيًا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية.
3- وإذا أفضى هذا التعذيب إلى مرض أو جرح بليغ كانت العقوبة الأشغال المؤقتة.
- على الرغم مما ورد في المادتين (54) مكرر و(100) من هذا القانون لا يجوز للمحكمة وقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها في الجرائم الواردة في هذه المادة كما لا يجوز لها الأخذ بالأسباب المخففة”.
ثالثًا: أركان جريمة التعذيب في التشريع الأردني
بالرجوع إلى تعريف جريمة التعذيب في قانون العقوبات الأردني فإننا نجدها كغيرها من الجرائم تقوم على ركنيين أساسيين هما: الركن المادي والركن المعنوي، وذلك على النحو التالي:
1. الركن المادي
“يتكون الركن المادي في أي جريمة من ثلاثة عناصر تتمثل في: السلوك الجرمي والنتيجة الجرمية والعلاقة السببية، كذلك الحال بالنسبة إلى الركن المادي في جريمة التعذيب والذي يقوم على ثلاثة عناصر، وهي فعل يأتيه الجاني ويؤدي إلى المساس بحق المجني عليه في سلامة جسده، ونتيجة تترتب على هذا الفعل تتمثل في المساس بالسير الطبيعي لوظائف الحياة في الجسم، أو الاعتداء على سلامة مادة الجسم وتكامله الجسدي، أو تحررها من الآلام البدنية والنفسية، وعلاقة سببية تربط بين الفعل والنتيجة الجرمية لسلوك التعذيب”.([3]).
2. الركن المعنوي
بيّن المشرع الأردني الركن المعنوي لجريمة التعذيب في (المادة 208) من قانون العقوبات الأردني بفقرتيها الأولى والثانية أن جريمة التعذيب جريمة عمدية بنصها على أن التعذيب “أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديًا كان أو عقليًا يلحق عمدًا بشخص ما..”.
ويتضح لنا من نص (المادة 208) أن القصد العام لجريمة التعذيب يتمثل في إيقاع ألم شديد بالمجني عليه، في حين يتمثل القصد الخص في “قصد الحصول من المجني عليه على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها، أو الحصول منه أو من شخص آخر على معلومات أو اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يُشتبه في أنه ارتكبه هو، أو غيره، أو تخويف هذا الشخص، أو إرغامه هو، أو غيره، أو عندما يلحق بالشخص مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيًا كان نوعه”.
ونرى من جانبنا أن المشرع الأردني خير فعل بنصه على القصد الخاص في جريمة التعذيب وتوسيعه من نطاق الباعث والدافع لدى الجاني، بما يتوافق مع ما جاء في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة.
رابعًا: تعويض ضحايا التعذيب في المواثيق والاتفاقيات الدولية
ألزمت اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهنية كل دولة طرف فيها بسن تشريعات وطنية تعترف بحق ضحايا التعذيب في التعويض، ووضع الإجراءات والآليات والوسائل التي تكفل إنصاف من يتعرض لعمل من أعمال التعذيب، وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادي ومناسب بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله، وفي حالة وفاة الشخص المعتدى عليه جراء عمل من أعمال التعذيب، فإن الحق في التعويض يؤول إلى الأشخاص الذين كان يعولهم.
وقد أكد الميثاق العربي لحقوق الإنسان على هذا الحق عندما ألزم كل دولة طرف أن تكفل إنصاف كل من يتعرض للتعذيب في النظام القانوني لها فضلًا عن حقه في رد الاعتبار والتعويض. ويعتبر الحق في التعويض الجانب الأساسي للحق في إنصاف ضحايا الجرائم، ويتضمن أشكالًا عديدة من التعويض منها([4]):
- رد الحق: يُقصد بهذا النوع من التعويض وضع الضحية في الحالة التي كانت عليها قبل وقوع الانتهاك.
- التعويض: ويُقصد به التعويض المالي عن الأضرار والخسائر التي لحقت بالضحية.
- إعادة التأهيل: وتكون إعادة التأهيل شاملة وتهدف إلى استعادة استقلال الضحايا البدني والعقلي والاجتماعي والمهني، والاندماج الكامل والمشاركة في المجتمع، بحيث يجب على الدول أن تعتمد على بعض الإجراءات للتأكد من إتاحة إعادة التأهيل للضحايا بشكل مناسب وفعال، مثل إنشاء برنامج لإعادة التأهيل لدى وزارة الصحة ووزارة التنمية الاجتماعية، ومؤسسات المجتمع المحلي.
- الرضا: يشمل هذا الشكل من أشكال التعويض الإجراءات القضائية وغير القضائية التي تتخذها الدول من أجل الاعتراف بوقوع بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان، وتشمل هذه الإجراءات التحقيق والمحاكمة لملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن هذه الحالات جزائيًا وتأديبيًا وفقًا للمعايير الدولية المقبولة، كما تشمل أيضًا الاعتذار العلني من قِبل مرتكب الجريمة أو الدولة والبحث عن جثث الضحايا القتلى من جراء التعذيب وسوء المعاملة، واستعادتها والكشف عن هويتها ودفنها وغيرها من الإجراءات المتاحة.
- ضمانات عدم التكرار: المقصود هنا أن تتخذ الدول عدد من الإجراءات للتأكد من أن جرائم التعذيب لن تحدث في المستقبل، ويشمل ذلك تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والعسكريين والقضائيين في مجال حقوق الإنسان، وحظر التعذيب بشكل خاص، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، وإقامة نظام للمراقبة المستقلة لأماكن الاحتجاز، ومراجعة قواعد السلوك، وحماية المهنيين (القانونيين والأطباء وغيرهم) ممن يقدمون المساعدة لضحايا التعذيب.
خامسًا: تعويض ضحايا التعذيب في التشريع الأردني
لقد خلا التشريع الأردني من وجود نص خاص بتعويض ضحايا التعذيب، وأمام ذلك فلا بد لنا من الرجوع للقواعد العامة للمسؤولية المدنية عن الفعل الضار. ونظم المشرع في القانون المدني الأردني أحكام المسؤولية المدنية عن الفعل الضار الذي يلحق بالإنسان ورتب على ذلك المسؤولية المدنية للفاعل سندًا لنص (المادة 256) على أنه: “كل إضرار بالغير يُلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر”.
كما نصت (المادة 274) من القانون ذاته على أنه: “كل من أتى فعلًا ضارًا بالنفس من قتل أو جرح أو إيذاء يلزم بالتعويض عما أحدثه من ضرر للمجتي عليه أو ورثته الشرعيين أو لمن يعولهم وحرموا من ذلك بسبب الفعل الضار”.
“وأساس المسؤولية هنا هي المسؤولية التقصيرية التي يضعها القانون على عاتق الشخص بتعويض الضرر الذي أصاب شخصًا آخر، ويكون التعويض غالبًا في صورة مبلغ مالي معادل لقيمة الضرر، ومتى ارتكب الجاني جريمة التعذيب ونتج عنها ضررًا خاصًا للمجني عليه ينشأ له الحق بالتعويض، وصاحب الحق في المطالبة بالتعويض هو المضرور الذي يملك حد رفع دعوى أمام المحاكم المختصة للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به كما يملك التنازل عنه أو التصالح عليه بعد وقوعه، ويجوز للمتضرر الذي يُطالب بالتعويض ما يلي([5]):
- إقامة دعوى الحق الشخصي تبعًا لدعوى الحق العام أمام المرجع القضائي المقامة لديه دعوى الحق العام، وفي هذه الحالة يتوقف الحكم بالتعويض على ثبوت الجرم محل دعوى الحق العام.
- إقامة دعوى مدنية للمطالبة بالتعويض أمام المحكمة المدنية وفي هذه الحالة يشترط لقيام المسؤولية المدنية إثبات الفعل الضار الذي نجم عنه الضرر ويقع عبء الإثبات على من يدعيه.
والمسؤولية المدنية وفقًا للقانون المدني الأردني تقوم على ثلاثة أركان: الفعل الضار والضرر والعلاقة السببية بينهما، وعليه فإن تحميل الفاعل لعواقب فعله يقتضي التأكد من ثبوت هذه الأركان، فتخلف أي منها يعني إفلاته من الجزاء المدني.
سادسًا: الجهود الدولية لمكافحة جريمة التعذيب
يُمكن اعتبار القاعدة التي تحظر التعذيب بمثابة قاعدة دولية عُرفية، بل ويمكن الذهاب إلى القول بأن هذه القاعدة أصبحت قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، وتتمثل أهم المؤتمرات والاتفاقيات التي حرمت التعذيب ولو بشكل غير مباشر فيما يلي:
1. اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة
تنص (المادة 2) من الاتفاقية على أنه: “1. تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية، أو إدارية، أو قضائية فعالة، أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.
- لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيًا كانت، سواء كانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدًا بالحري أو عدم استقرار سياسي داخلي، أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب.
- لا يجوز التذرع بإطاعة الأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب.
كما نصت (المادة 4) منها على أنه: “1. تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي ويطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يُشكل تواطؤ ومشاركة في التعذيب.
- تجعل كل دولة طرف هذه الجرائم مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار طبيعتها الخطرة”.
ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب فقد أوجدت الاتفاقية نظامًا رقابيًا، حيث تنص (المادة 17) منها على إنشاء “لجنة مناهضة التعذيب” وهي تتكون من (10) خبراء على مستوى عالي من الأخلاق ومشهود لهم بالكفاءة في مجال حقوق الإنسان، ومن ذوي الخبرة القانونية، يتم انتخابهم لمدة (4) سنوات من قِبل الدول الأطراف في الاتفاقية. بحيث تلتزم الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بتقديم تقارير عن التدابير التي اتخذتها أو تتخذها في سبيل منع وحظر جريمة التعذيب وغيرها إلى اللجنة كل (4) سنوات، فيما تبدي اللجنة ملاحظتها وتعليقاتها على هذه التقارير ويكون للدول الحق في الرد على ذلك.
2. إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو الإحاطة بالكرامة 1975م
أكدت (المادة 11) من الإعلان على أهمية إنصاف وتعويض المجني عليه وفقًا للقانون القومي في حال تعرضه لأي عمل من أعمال التعذيب المرتكب بفعل موظف عمومي أو بموجب تعويض منه فنصت على أنه: “إذا ثبت أن عملًا من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة قد ارتكب بفعل موظف عمومي أو بتحريض منه، كان من حق المجني عليه الإنصاف والتعويض وفقًا للقانون الوطني”.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الإعلان مثل خطوة هامة لإعداد اتفاقية منهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي استمدت معظم قواعدها من هذا الإعلان.
2. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
تنص (المادة 5) من الإعلان على أنه: “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو الإحاطة بالكرامة”.
كما نصت (المادة 8) على أنه: “لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون”.
3. اتفاقيات جينيف لعام 1949
جاءت الاتفاقيات الأربع في أعقاب المآسي التي أسفرت عنها الحرب العالمية الثانية بهدف حماية ضحايا الحرب وحظر التعذيب، وكانت هذه الاتفاقيات تتعلق بمكافحة جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وخاصةً ما جاء فيها من الأحكام التي تنص على الولاية القضائية العالمية إزاء الخروقات الجسيمة بما في ذلك التعذيب والمعاملة اللاإنسانية عن سابق قصد.
4. المؤتمر الدولي لمقاومة التعذيب بباريس سنة 1974
أوصى المؤتمر أن تعذيب المتهم لا يعد أمرًا مرفوضًا فحسب، بل محرمًا ومحظورًا، تم تجريمه بمقتضى قواعد دولية آمرة لا يجوز الإخلال بمقتضاها، وهذا التجريم قُصد به صون وحفظ الذات الآدمية والكرامة الإنسانية وإعلاء الحقيقة في مجال العدالة الجنائية. وتمثلت أهم مقترحات المؤتمر في ضرورة منع وحظر تقديم المعونات للدول التي تمارس التعذيب، وإنشاء محكمة دولية لمحاكمة مرتكبي جرائم التعذيب أو مقري ممارستها.
سابعًا: مدى موائمة التشريع الجزائي الأردني للجهود الدولية لمناهضة التعذيب
بالرجوع إلى نص (المادة 208) من قانون العقوبات الأردني نجد عبارة “أي نوع من أنواع التعذيب التي لا يجيزها القانون” وهذه الجملة تدل بمفهوم المخالفة على أن هناك أنواع أخرى من التعذيب يجيزها القانون، وهذا لا يتفق بتاتًا مع الطابع المطلق لتجريم التعذيب “مبدأ الحظر المطلق” كما هو وارد في (المادة 4/ 1) من اتفاقية الأمم المتحدة التي تنص على أن: “تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال جرائم التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي”.
كما يُلاحظ أيضًا أن جريمة التعذيب بموجب نص (المادة 208) من قانون العقوبات لا تُعامل باعتبارها جريمةً على قدر عال من الخطورة التي تستوجب عقوبة رادعة، إذ إن المشرع الأردني اعتبرها من الجرائم الجنحية، فالعقوبة المحددة لها -أي السجن مدة تتراوح بين (6) أشهر و(3) سنوات- لا تتناسب مع خطورة الجريمة، وذلك على عكس معظم التشريعات العربية الأخرى التي اعتبرت جريمة التعذيب جناية.
“وجاء في الملاحظات الختامية المقدمة من لجنة مناهضة التعذيب على التقرير الدوري الثالث للأردن بأن اللجنة لا تزال تشعر بالقلق بأن تعريف التعذيب في قانون العقوبات (المادة 208) لا يتوافق مع (المادة 1) و(المادة 4) من الاتفاقية على وجه الخصوص فيما يتعلق بأن التعذيب يعتبر جنحة وبان العقوبات لا تناسب جسامة الفعل وموضوع العفو العام وموضوع العفو العام بالإضافة إلى الخضوع للتقادم. وتلاحظ اللجنة بأنه لا يوجد فقرة واضحة بتشريعات الدولة الطرف لضمان أن الحظر ضد التعذيب مطلق. وطالبت لجنة مناهضة التعذيب من الأردن ضمان أن التعذيب يعد جناية، وبأن العقوبات يجب أن تتناسب مع خطورة هذه الجريمة، وأنها لا تخضع للعفو العام أو الخاص، ولا تخضع للتقادم ويجب على الدولة أن تكفل مبدأ الحظر المطلق للتعذيب وفقًا (للمادة 2/2) من الاتفاقية”([6]).
ثامنًا: السوابق القضائية الخاصة بمفهوم جريمة التعذيب في التشريع الأردني والاتفاقيات الدولية
لقد ورد في الحكم رقم (3575) لسنة 2015م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ 18/02/ 2016م، بما نصه: “1- يجب على كل دولة طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لسنة 2006 أن تضمن قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملًا من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية، كما يحق لأي فرد يدعي بأنه قد تعرض للتعذيب في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية، الحق في ان يرفع شكوى الى سلطاتها المختصة، وفق أحكام المادتين (12) (13) من الاتفاقية”.
لقد ورد في الحكم رقم (1752) لسنة 2018م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الجزائية بتاريخ 25/07/ 2018م، بما نصه: “نصت المادة 208 من قانون العقوبات بما يلي: 1- من سام شخصًا أي نوع من أنواع التعذيب بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. 2- لغايات هذه المادة يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب جسدي أو معنوي يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول منه أو من شخص آخر على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو، أو غيره، أو تخويف هذا الشخص، أو إرغامه هو، أو غيره، أو عندما يلحق بالشخص مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيًا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية. 3- وإذا أفضى هذا التعذيب إلى مرض أو جرح بليغ كانت العقوبة الأشغال المؤقتة. 4- على الرغم مما ورد في المادتين (54) مكرر و(100) من هذا القانون لا يجوز للمحكمة وقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها في الجرائم الواردة في هذه المادة كما لا يجوز لها الأخذ بالأسباب المخففة”.
إعداد/ محمد محمود
([1]) سجى محمد وفاطمة مصطفى، جريمة التعذيب كجريمة ضد الإنسانية، (ص115).
([2]) هلال خليف هلال، المواجهة التشريعية لجريمة التعذيب: دراسة مقارنة في التشريع الجزائي الأردني، (ص27).
([3]) جلال محمود سليمان، جريمة التعذيب في التشريع الجزائي الأردني والاتفاقيات الدولية دراسة مقارنة (ص64).
([4]) جلال محمود سليمان، جريمة التعذيب في التشريع الجزائي الأردني والاتفاقيات الدولية دراسة مقارنة، (ص98-99).
([5]) جلال محمود سليمان، جريمة التعذيب في التشريع الجزائي الأردني والاتفاقيات الدولية، (ص100-101).
([6]) الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب على التقرير الدوري الثالث للأردن، (ص2).

