مسؤولية مباشر الضرر

مسؤولية المباشر في القانون المدني الأردني

تُعد نظرية الالتزام أو الحق الشخصي من أقدم النظريات وأهمها، وهي من النظريات التي تتطور بتطور القانون، وهي الأساس الذي يبني عليه النظام القانوني للدول والمجتمعات، وعلى الرغم من قدم وأهمية هذه النظرية إلا أن هناك خلاف فقهي وتشريعي في العديد من المجتمعات حول تكييف هذه النظرية فقد اعتبر البعض أن نظرية الالتزام تقوم على الاعتبار الشخصي، والبعض الأخر اعتبرها  قائمة على الاعتبار الموضوعي، وهذا الخلاف يُسار في كافة نواحي القانون بصفه عامة، وفي المسؤولية التقصيرية بصفه خاصة، وما يهمنا هنا هو ما أقره القانون المدني الأردني حيث اعتبر القانون نظرية الالتزام قائمة على أساس موضوعي فاعتبر الضرر هو أساس المسؤولية التقصيرية بغض النظر عن الأشخاص ومسمياتهم، حيث نصت المادة (256) من القانون المدني الأردني على أن ” كل إضرار بالغير يلزم فاعله بالتعويض ولو كان غير مميز”، ومن ثم فإن مرتكب الفعل الضار مسؤول عن تعويض المضرور بغض النظر عن تمييز وإدراك هذا الفاعل، هذا وقد قسم القانون المدني الأردني الفعل الضار إلى مباشرة وتسبب، وجعل من تحقق المسؤولية في حق مرتكب الفعل الضار بالمباشرة بدون شروط، ومن ثم فقد جعل القانون الفعل الضار المباشر في حد ذاته كافياَ للمسؤولية دون شرط، ودون الحاجة للأركان الأساسية للمسئولية، وهو ما سوف نحاول توضيحه من خلال التعرف بالمباشر، وأركان المسؤولية الخاصة به، وأحكامها، والفرق بين المباشر والمتسبب، وذلك على النحو التالي:[1]

أولا: التعريف بالمباشرة وشروطها:

ثانيا: أحكام مسؤولية المباشر ومتي تنتفي مسؤوليته:

ثالثا: الفرق بين المباشر والمتسبب ومدي المسؤولية حال اجتماعهما:

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بمسؤولية المباشر:

 

أولا: التعريف بالمباشرة وشروطها:

1ـ التعريف بالمباشرة:

بداية نود أن نشير إلى ما تضمنته المادة (257) من القانون المدني الأردني والتي نصت على أن “يكون الإضرار بالمباشرة والتسبب. فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له وإن كان بالتسبب فيشترط التعدي أو العمد أو يكون الفعل مفضياَ إلى الضرر”.

هذا وقد خلت نصوص القانون المدني الأردني من نص صريح يُعرف المباشر أو المباشرة وجاءت نصوصه متضمنه هذه الكلمة دون تحديد مفهومها، بشكل واضح مما دفع الفقه للاتجاه نحو تحديد مفهومها. غير أن المذكرات الإيضاحية للقانون المشار إليه عالية في الجزء الأول منها تضمنت تعريف للمباشر بقولها: ” إن المباشر هو الذي يحصل التلف من فعله دون أن يتخلل بينه وبين التلف فعل فاعل آخر “. كما عرفت المادة (887) من مجلة الأحكام العدلية المباشرة بأنها: ” الإتلاف مباشرة هو إتلاف الشيء بالذات ويقال لمن فعله فاعل مباشر”.

وقد عرفها البعض بأنها: ” الذي يحصل الأثر بفعله أي من يباشر عملاَ مضراَ بغيره، أو أن يكون فعله الذي قام به بنفسه قد أحدث الضرر وكان سبباَ له دون وساطة بين الفعل والضرر”.[2]

ومن هنا يمكن القول إن المباشر هو الشخص الذي يقوم بالفعل الذي يؤدي لإحداث ضرر للغير بصورة مباشرة من فعل هذا الشخص. فمثلاً قيام قائد مركبة بالقيادة بصورة متهورة وبسرعة زائدة عن السرعة المقررة باصطدام سيارة أخرى متوقفة والتي بدورها اصطدمت بسيارة ثالثة، فإن قائد المركبة الأولي المسرعة يكون هو المباشر، وهو ما أيدته محكمة التمييز الأردنية في حكمها رقم (245/ 1986).

2ـ شروط المباشرة:

هناك شرطان أساسيان يجب توافرهما في الفعل لكي يكون بالمباشرة وبالتالي يكون المباشر مسؤول عن الضمان، وهاذان الشرطان هما علاقة السببية بين فعل المباشر والضرر الواقع على المضرور، وهذا الشرط مشترك بين المباشر والمتسبب، والشرط الثاني عدم وجود فعل أخر يفصل بين فعل المباشر والضرر الواقع على شخص المضرور.

أ ـ علاقة السببية:

يجب كي يسأل المباشر عن الضمان أن يكون هناك علاقة سببية بين فعله وما أصاب المضرور من ضرر فبدون حدوث هذا الفعل لما أصاب المضرور أيه أضرار، والواقع الذي يفرض نفسه والمعمول به داخل المملكة بصفه عامة وفي حوادث السير بصفه خاصة أن قائد المركبة مرتكبة الحادث من الأمام هو المباشر ويكون مسؤول عن الضمان، وذلك متي كان قائد المركبة المتوقفة أو التي تم صدمها من الخلف اتخذ كافه التدابير ووسائل الحماية المتوجب عليه اتخاذها وفقاَ لقانون السير، أما حال كونه لم يتخذ مثل هذه التدابير فهو أيضاَ مباشر للضرر ومن ثم يكون مسؤول بالضمان وفق ما يترتب علي فعله من ضرر، وهو ما تستقل محكمة الموضوع في تقديره، وما يجدر ذكره في هذا المقام أن علاقة السببية هي أمر مشترك بين المباشر والمتسبب بمعني أنها أمر يجب توافره حتى يكون المباشر مسؤول، وكذلك يجب توافرها في المتسبب كي يثبت مسؤوليته عن فعله الضار والربط بين ما قام به من فعل وما ترتب عليه من ضرر.

ب ـ عدم وجود فعل أخر يفصل بين فعل المباشر والضرر الواقع على شخص المضرور:

أما الشرط الثاني الواجب توافره كي يكون المباشر مسؤول عن الضمان هو ألا يتخلل فعل أخر بين فعل المباشر والضرر الواقع على المضرور.

وهو ما يعني أن الفعل الذي قام به الشخص هو الذي تسبب مباشراَ في الحاق الضرر بالمضرور ولم يكن هناك فاصل أو تدخل لفعل أخر بينهما فهذا الضرر نتيجة طبيعية للفعل ومن ثم يكون المباشر مسؤول عن الضمان.

ثانيا: أحكام مسؤولية المباشر ومتي تنتفي مسؤوليته:

1ـ حدود مسؤولية المباشر:

طبقاَ لنص المادة (256) من القانون المدني فإن كل إضرار بالغير يلزم فاعلة ولو غير مميز بضمان الضرر، بمعني أن أي فعل يقوم به الشخص سواء كان هذا الفعل مشروع أو غير مشروع ونتج عنه ضرر للغير فإن صاحبه ملزم بالتعويض عن هذا الضرر ولو كان الفاعل غير مميز، مع العلم بأن غير المميز يفتقد لركن من أركان المسؤولية وهو الإدراك إلا أن القانون ألزمه بالضمان عن الضرر.

كما أن المادة (61) من القانون المدني تضمنت أن: ” الجواز الشرعي ينافي الضمان فمن استعمل حقه استعمالاَ مشروعاَ لا يضمن ما ينشأ عن ذلك من ضرر”. بالإضافة إلى أن المادة (291) من ذات القانون نصت على: ” استعمال الحق العام مقيد بسلامة الغير فمن استعمل حقه العام وأضر بالغير ضرراَ يمكن التحرز منه كان ضامناَ “. وهو ما يعني أن القانون المدني الأردني وحرصاَ على المصلحة والشرعية فقد مكن صاحب الحق من استعمال حقه بشرط المحافظة على الغير، وأنه متي كان في مقدور صاحب المصلحة تفادي حدوث ضرر للغير ولم يقم بذلك لزم الضمان، أما إذا كان الضرر الذي تحقق للغير لم يكن لصاحب الحق المشروع القدرة على تفاديه أو دفعه فإنه يكون غير مسؤول عن الضمان.

كما أن مجلة الأحكام العدلية نصت في المادة (918) منها على أنه: ” إذا هدم واحد بغير حق عقار غيره الحانوت والخان، فصاحبه بالخيار إن شاء ترك أنقاضه للهادم وضمنه قيمته مبنياَ، وإن شاء حط من قيمته مبنياَ قيمة الأنقاض وضمنه القيمة الباقية وأخذ هو الأنقاض”.

وهناك العديد من النصوص التي تضمنتها مجلة الأحكام العدلية والتي تقود لنفس المعني من أن المعتدي على ملك وحرمه غيره ملزم بالضمان، وما يؤخذ على القانون المدني الأردني أن نصوصه تضمنت أنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب فإن الحكم يُضاف للمباشر، حتي لو كان المتسبب هو المعتدي، وهو ما يعني أن المباشر ولو عند قيامة بفعل مشروع ووقع تعدي أو ضرر من شخص ثالث (المتسبب) على الغير وكان في مقدور المباشر تفاديه ولم يفعل فإن المتسبب لا يسأل عن ضرره بينما يسأل المباشر عن ذلك، وكان على المشرع أن يجعل الضمان على كل من المباشر والمتسبب كل منهم على قدر فعله، وإنما جعل المتسبب في هذه الحالة يفلت من المسؤولية ويتحملها المباشر وحده، وهو ما لا يتفق مع قواعد المسؤولية المعروفة قانوناَ والتي فرضت التعويض على مرتكب الخطأ، وعلى مقدار الضرر.

كما نود أن نشير في إلى ما جاء به نص المادة (266) من القانون المدني والتي نصت على: ” يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر. وما فاته من كسب بشرط أن يكون نتيجة طبيعية للفعل الضار”.

2ـ الحالات التي يجوز الدفع فيها بانتفاء مسؤولية المباشر:

جاء القانون المدني الأردني وأورد ثلاث حالات لا يسأل فيها المباشر عن الضرر الذي لحق بالغير، وهذه الحالات وردت في المواد (261، 262، 263) وهي على التوالي حالة وقوع الضرر بسبب أجنبي لا دخل للشخص به، والحالة الثانية هي حالة الدفاع الشرعي عن النفس أو المال، أما الحالة الثالثة وهي حالة قيام الشخص بتنفيذ أوامر رئيسة، ويمكن بيان هذه الحالات على النحو التالي:

أ ـ وقوع الضرر بسبب الغير:

إذا وقع ضرر للغير بسبب خارج عن إرادة الشخص ولا يد له فيه ولم يكن في استطاعته دفعه فإنه غير مسؤول عن الضمان، حيث نصت المادة (261) من القانون المدني الأردني على: ” إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كآفة سماوية، أو حادث فجائي، أو قوة قاهرة، أو فعل الغير، أو فعل المتضرر كان غير ملزم بالضمان ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك”.

وهو ما يعني أن حدوث أمر لم يكن الشخص متوقعة ولم يكن في استطاعته دفعه عن الغير ولم يقوم بفعل يساعد على قيام الضرر، كنشوب رياح، أو أعاصير، أو هطول المطر بغزارة، أو حدوث زلازل وبراكين وهذه الأفعال تعد بمثابة أمر قهري وفجائي لا يسأل عنه الشخص ويجوز الدفع به عند توجيه المسؤولية له.

ب ـ وقوع الضرر حال قيام المباشر بالدفاع الشرعي:

إذا قام المباشر بإصابة الغير بالضرر نتيجة الدفاع عن نفسه أو ماله فلا يسأل عن الضمان ولكن شرط ذلك أن لا يكون هذا الدفاع بشكل مبالغ فيه، وأن انتظار المباشر للجوء للجهات المختصة لدفع الخطر عنه قد يعرض نفسه أو ماله للخطر أو التلف إن لم يدفعه فوراَ، كما أن قيام المباشر بدفع الخطر عن الغير أو ماله يعامل نفس المعاملة وبنفس الشروط وهي عدم تجاوز المباشر في دفع الخطر بشكل يزيد عن الضرر الذي أصاب الغير، فقيام المباشر بالدفاع عن نفسه أو الغير  بضرب شخص كان رافع سكين أو سلاح لقتله أو قتل الغير وترتب على فعل المباشر هذا قتل الغير صاحب السكين أو السلاح فلا يسأل المباشر عن ذلك ولا ضمان عليه كونه في حالة دفاع شرعي، وهو ما أكدت عليه المادة (262 من ذات القانون حيث نصت على أنه: ” من أحدث ضرر وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله كان غير مسئول على ألا يجاوز قدر الضرورة وإلا أصبح ملزماَ بالضمان بقدر ما جاوزه”.

جـ ـ وقوع الضرر من المباشر تنفيذاَ لأوامر رئيسه أو الغير:

نفرق هنا بين حالتين الحالة الأولى وهي وقوع الضرر من المباشر كموظف عام وأن الضرر وقع منه نتيجة قيامة بتنفيذ أمر صدر له من رئيسه في العمل، وفي هذه الحالة لا يكون المباشر مسؤولاَ عن الضمان، ولكن شرط ذلك أن الواجب الوظيفي وسلوكياته تملي عليه إطاعة رؤسائه في العمل، مع اعتقاده أن العمل الذي قام به مشروع وأنه قد اتخذ كل وسائل الحيطة والحذر، وهذا التقدير من الأمور التي تختص وتستقل بها محكمة الموضوع في تقديره ومدي توافقه مع مقدار الضرر وملابسات وظروف الواقعة،  أما الحالة الثانية وهو الشخص العادي غير الموظف العام، وهو أن يقوم شخص أخر بإصدار أمر إلى المباشر بفعل عمل معين يترتب على هذا العمل ضرر للغير فإن كان المباشر غير مجبر على هذا الفعل وكان في استطاعته عدم تنفيذه ولم يفعل ذلك كان المباشر مسؤولاَ عن الضمان ولا يسأل الآمر عن ذلك، أما إذا كان المباشر مجبر على هذا الفعل ووقع تحت تهديد الآمر تهديداَ محققاَ فمن ثم يكون الآمر هو المسؤول عن الضمان، ولا مسؤولية على المباشر في ذلك كونه مكره على هذا الفعل.

وقد أكد على ذلك نص المادة (263) من ذات القانون بالنص على أن: ” يضاف الفعل للفاعل لا الآمر مالم يكن مجبراَ، على أن الإجبار المعتبر في التصرفات الفعلية هو الإكراه الملجئ وحده. ومع ذلك لا يكون الموظف العام مسئولاَ عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذاَ لأمر صدر إليه من رئيسه متي كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه أو كان يعتقد أنها واجبة وأقام الدليل على اعتقاده بمشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنياَ على أسباب معقولة وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر “.

ثالثا: الفرق بين المباشر والمتسبب ومدي المسؤولية حال اجتماعهما:

1ـ الفرق بين المباشر والمتسبب:

فرق القانون المدني الأردني بين الضرر المباشر والضرر بالتسبب، فلو وقع الضرر بالمباشرة لزم الضمان دون شرط، أما حال وقوع الضرر بالتسبب فيجب أن يكون هناك تعدي أو تعمد أو وجود فعل أدي إلى الضرر، فكلما كان الضرر ناتج عن فعل حدث بصورة مباشرة بين الفاعل والمضرور كانت مباشرة، أما التسبب فتكون عن طريق غير مباشر أو بواسطة معينة تكون سبب للفعل الضار.

وفي هذا المجال جاءت مجلة الأحكام العدلية لتنص على: ” قيام شخص بقطع حبلاَ في نهايته قنديلاَ معلق فنتج عن فعل الشخص أمران قطع الحبل وهو الضرر المباشر، وانكسار القنديل وهو الضرر بالتسبب “.

ومن هنا يمكن القول إن أساس التمييز بين المباشر والمتسبب هو أن المباشر يقوم بالفعل مباشراَ دون تدخل من أحد، ودون أن يتخلل هذا الفعل والضرر شيء أخر، ومن ثم فالفعل المتسبب في الضرر في المباشرة يؤدى للنتيجة دونه واسطة بين الفعل والضرر، ومن ثم يكون المباشر هو المسؤول عن الضمان بصرف النظر إن كان الشخص مميز أم غير مميز، أما المتسبب فهو يعني أن الفعل المتسبب في الضرر قد تخلله فعل أخر بينه وبين الضرر الواقع على المضرور.[3]

هذا وقد جاءت المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني بالنص على: ” إن المباشرة علة مستقلة وسبب للإضرار بذاته فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد أو عدم التعدي”.

كما أن الأساس القانوني لمسؤولية المباشر يختلف عن الأساس القانوني لمسؤولية المتسبب، حيث أنه في المباشر هو الضرر الواقع على المضرور دون اشتراط وجود تعدي من قبل المباشر، ومن ثم فإن مجرد إقامة الدليل من قبل المضرور على إصابته بالضرر من جانب المباشر وارتباط فعل الأخير بالضرر الواقع عليه (علاقة السببية) لهو قرينة على مسؤولية المباشر عن الضمان، في حين أن الأساس القانوني للمتسبب  هو ضرورة توافر التعدي من قبل الفاعل، وأن قيام المضرور بإثبات وقوع ضرر عليه نتيجة فعل المتسبب لا يرقي للضمان دون توافر الاعتداء من جانب المتسبب.

هذا إذا جاء فعل كل من المباشر والمتسبب على حدا، فماذا لو اجتمع المباشر والمتسبب في إلحاق الضرر، فهل تقع المسؤولية على المباشر وحده أم على المتسبب وحده أم علي كل منهما، وهو ما سوف نحاول الإجابة عليه من خلال البند التالي.

2 ـ المسؤولية الواقعة على المباشر والمتسبب حال اجتماعهما:

إن القاعدة العامة وفقا لنصوص القانون المدني أنه إذا اجتمع المباشر والتسبب كان المباشر ملزم بالضمان، وهو ما أكدت عليه المادة (258) من القانون المدني الأردني بالنص على: ” إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر “.

كما أن المادة (900) من مجلة الأحكام العدلية نصت على: ” لو حفر رجل بئراَ في الطريق العام فألقي أحد حيوان شخص في ذلك البئر، ضمن الذي ألقي الحيوان ولا شيء على حافر البئر”، وذلك كون حافر البئر متسبب، وأن من ألقى الحيوان مباشر، ومن ثم يتحمل الأخير المسؤولية، إلا أن هناك استثناءات على هذه القاعدة العامة وهي كالتالي:

أ ـ الحالة الأولي: المباشر والمتسبب مسؤولان بالتساوي عن الضمان:

وذلك باشتراك المباشر والمتسبب في إحداث الضرر بشكل متساوي، حيث يقوم كل من المباشر والمتسبب بفعل ترتب عليه إلحاق ضرر بالغير وأن هذا الاشتراك كان متساوياَ في إلحاق الضرر، وكان دور كل منهما واضحاَ بشكل يتساوى معه الأثر المترتب على الفعل، أو أن فعل المتسبب كان من الممكن أن يحدث نفس الضرر وحده دون تدخل من المباشر، ومن ثم فإن المسؤولية تكون مشتركة بينهما ويشتركان في الضمان، وذلك على خلاف الأصل وهو مسؤولية المباشر عن الضمان، ويكون تقدير هذه الأمور من اختصاص محكمة الموضوع ويدخل في السلطة المستقلة لها في تقدير الأمور بقدرها وفق ما تحويه الأوراق.[4]

ب ـ الحالة الثانية المتسبب مسؤول عن الضمان دون المباشر:

فلو أن فعل المتسبب تجاوز فعل المباشر وكان هو العامل الأساسي في إحداث الضرر، ومن ثم يكون المتسبب هو المسؤول عن الضمان، كما أن توافر سوء النية لدي المتسبب دون المباشر يرتب على الأول الضمان، كما أن عدم معرفة المباشر تؤدي حتماَ إلى إلزام المتسبب بالضمان، ووجود إكراه أو تهديد من المتسبب للمباشر وترتب على هذا التهديد قيام المباشر بالحاق الضرر فإن المتسبب مسؤول عن الضمان.

رابعا: بعض اجتهادات محكمة التمييز المتعلقة بمسؤولية المباشر:

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 3232 لسنة 2016 ما يلي:

في ذلك نجد إن المدعي أسس دعواه للمطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي والكسب الفائت الذي لحق بمنزله الذي تعرض للحريق باعتبار أن هذا المنزل كان تحت الحراسة الأمنية أي أسسها على المسؤولية التقصيرية من جانب الجهات الأمنية المسؤولة وإنه وفقاً لأحكام المادة (256) من القانون المدني أن كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر، وإن عناصر هذا النص قوامها ثلاثة فعل وضرر وعلاقة سببية بينهما وإن الضرر إما أن يكون بالمباشرة أو التسبيب وفقاً للمادة (257) من القانون ذاته فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له وإذا وقع بالتسبيب يشترط التعدي أو التعمد أو أن يكون الفعل مفضياً إلى الضرر وإنه وفقاً للمادة (258) من القانون ذاته إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر وإن المشرع أسقط مسؤولية المتسبب إذا اجتمع مع المباشر بصورة مطلقة والمطلق يجري على إطلاقه وفقاً للمادة (218) من القانون ذاته.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 816 لسنة 1994 ما يلي:

إن تعدد المسؤولين عن فعل ضار كان كل منهم مسؤولا بنسبة نصيبة وللمحكمة أن تقضي بالتساوي أو بالتضامن والتكافل فيما بينهم عملا بالمادة 265 من القانون المدني وبما أنه قد تبين من الحكم الجزئي الصلحي مسؤولية السائقين عن حادث التصادم فيكون كل منهما مسؤولاَ عن إلحاق الضرر بالسيارة المؤمنة لدى الشركة المميز ضدها (شركة التأمين) باعتبارهما مباشرين للضرر”.

ورد في حكم محكمة التمييز بصفتها الحقوقية رقم 208 لسنة 1987 ما يلي:

وإذا نشأ حادث الصدم عن خطأ مشترك من سائقي الباص والشاحنة بحيث يتحمل سائق الباص 30% ويتحمل سائق الشاحنة 70% فيستحق لصاحب الباص 70% من مجموع المستحق عن بدل نقص القيمة وبدل تعطيل الباص الثابت في تقرير الكشف”.

إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.

[1] محمد يحيى عبد الرحمن المحاسنة، مدى الاستغناء بالمباشرة والتسبيب في الفعل الضار عن علاقة السببية، مجلة جامعة الزيتونة الأردنية للدراسات القانونية، المجلد (2)، العدد (1)، 2021، صـ 32.

[2] محمد يوسف الزعبي، مسؤولية المباشر والمتسبب في القانون المدني الأردني، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، المجلد الثاني، العدد الأول، 1987، صـ 4 ـ5.

[3] أحمد عبد الكريم أبو شنب، تطبيق أحكام المباشرة والتسبب على الإضرار الناجم عن فيروسات الحاسب الآلي، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، المجلد السابع، العدد (1/ب)، 2011، صـ 17.

[4] مصطفي الزرقا، الفعل الضار والضمان فيه، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولي، 1988، صـ 86.

Scroll to Top