حماية المستهلك من الدعاية الكاذبة
أدى الانفتاح الاقتصادي وما ترتب عليه من كثرة السلع والخدمات على مستوى العالم، في الوقت الذي واكب التطور الكبير في تكنولوجيا الاتصالات وما ترتب عليه من تقدم في وسائل التواصل الاجتماعي والدعاية والإعلان إلى التصارع بين المنتجين والسباق الشديد نحو الوصول إلى القمة وتحقيق الربح الكبير والسريع.
ولقد أدى هذا التسابق والتصارع إلى اتباع طرق ووسائل مضللة عن طريق الدعاية الكاذبة من أجل تحقيق أرباح كبيرة رغم ما تتضمنه من تزوير لإرادة ورضا المستهلك.
ثانيا: الطبيعة القانونية للدعاية التجارية
خامسا: أوجه حماية المستهلك من الدعاية الكاذبة
أولا: مفهوم الدعاية الكاذبة
تختلط بعض المفاهيم بعضها البعض لذلك سنقوم ببيان هذه المفاهيم:
1- الدعاية: ويقصد بالدعاية بوجه عام بأنها” أحد أنواع الاتصالات التي تهدف إلى التأثير على سلوك القارئ أو المستمع من خلال وسائل الاتصال العامة”([1]).
كما عرف البعض الدعاية التجارية بأنها” النشاط المبذول من قبل فرد أو أفراد (مؤسسة تجارية) معروف المصدر يهدف إلى تسويق وبيع سلعة ما إلى الأفراد عن طريق شدهم وجذبهم بطرق شتى وذلك باستخدام وسائل الاتصال المتاحة والملائمة لذلك”([2]).
2- الإعلان: عرف البعض الإعلان بأنه” شكل من أشكال الاتصال غير الشخصي بواسطة وسائل الاتصال العامة مقابل أجر بهدف إقناع المستهلك بشراء منتج”([3]).
ويمكن ملاحظة الاختلاف بين الدعاية والإعلان على النحو الاتي:
أ- أن الدعاية تقوم على الإقناع، بأن يحاول المنتج إقناع المستهلك بمنتجاته أما الإعلان فيقوم على الأعمال التي يقوم بها المنتج من أجل الترويج لمنتجاته، وإن كانت الدعاية تعتبر صورة من صور الإعلان ([4]).
ب- أن الإعلان يكون صراحة ويقوم فيه المعلن بالإعلان عن اسمه أما الدعاية فلا يقوم المنتج بالإعلان عن اسمه.
ثانيا: الطبيعة القانونية للدعاية التجارية
لقد تناول المشرع الأردني الدعاية التجارية وبين طبيعتها، فنص في المادة \94 من القانون المدني الصادر سنة1976على أنه” 1- يعتبر عرض البضائع مع بيان ثمنها إيجابا.
2- أما النشر والإعلان وبيان الأسعار الجاري التعامل بها وكل بيان آخر متعلق بعرض أو بطلبات موجهة للجمهور أو للأفراد فلا يعتبر عند الشك إيجابا وإنما دعوة إلى التفاوض”.
وبذلك فقد اعتبر المشرع الأردني الدعاية التجارية دعوة إلى التفاوض وليس إيجابا من المنتج ينتظر قبول له من المستهلك.
وتعتبر القواعد الدولية، الدعاية مجرد دعوة غلى التفاوض ولا تعتبر إيجابا إلا إذا كانت واضحة محددة ببيانها للمنتجات محل الدعاية من حيث ثمنها وكميتها وأية بيانات أخرى تلزم لتحديد تلك المنتجات وكانت قاطعة الدلالة على نية من صدرت عنه على الالتزام بها في حالة تلقيه قبول بشأنها وسواء صدرت تلك الدعاية لأشخاص معينين أو لأشخاص غير معينين ([5]).
وهو ما نصت عليه المادة \14من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع على أنه” 1- يعتبر إيجابا أي عوض لإبرام عقد إذا كان موجها إلى شخص أو عدة أشخاص معينين وكان محددا بشكل كاف وتبين من اتجاه قصد الموجب إلى الالتزام به في حالة قبوله.2- ولا يعتبر العرض الذي يوجه إلى شخص أو أشخاص غير معينين إلا دعوة إلى الإيجاب ما لم يكن الشخص الذي صدر عنه العرض قد أبان بوضوح عن اتجاه قصده إلى خلاف ذلك”.
ونصت المادة \11من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باستخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية على أنه” أي اقتراح يقدم لإبرام عقد بواسطة خطاب إلكتروني ….. يعتبر مجرد دعوة إلى تقديم عروض ما لم يدل بوضوح على أن مقدم الاقتراح ينوي الالتزام به في حال قبوله”.
ثالثا: وسائل الدعاية الكاذبة
تتعدد وتتنوع الوسائل التي يمكن للمنتج أن يتبعها من أجل ترويج منتجاته، ومن هذه الوسائل:
1- النشر
ويكون النشر بالكتابة في الصحف والمجلات المنتشرة بين الناس سواء كانت يومية أو أسبوعية أو شهرية ([6])، وسواء كانت هذه المجلات ربع سنوية أو نصف سنوية ([7])، وسواء كانت هذه الصحف محلية أو قومية أو مهنية كالتي تصدرها النقابات المهنية لأعضائها.
وتكون الكتابة هي الطريقة التي يتم تنفيذ المنتج بها في تلك الصحف، وتعد هذه الوسيلة هي من أهم وأشهر الوسائل للدعاية لانتشارها بين جميع الأوساط الاجتماعية وكذلك لرخصها.
2- اللوحات المثبتة
ويقوم المنتج بعمل لوحات مثبته وكتابة الدعاية عليها، وقد يكون هذا في الطرق العامة أو على الحائط أو في الشوارع العامة وواجهات المباني، وهي تعد أيضا من الوسائل المؤثرة التي تجذب عدد كبير من المستهلكين.
3- الرسائل الدعائية
وتأخذ هذه الرسائل أشكال مختلفة كالرسائل البريدية لبعض المستهلكين أو خطابات أو بطاقات بريدية والعينات من تلك المنتجات التي ترسل لأشخاص معينين بدون مقابل، وقد تكون تلك الرسائل عن طريق الهاتف المحمول أو الرسائل النصية أو الرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
4- المنشورات الدعائية
وق يلجأ بعض المنتجين لأسلوب المنشورات التي يكتبون فيها عبارات جذابة من أجل التأثير على المستهلك بمجرد قراءته وجذب انتباهه إلى المنتج.
ولقد نص المشرع الأردني في قانون حماية المستهلك الصادر سنة 2017 في المادة\ 8منه على أنه” أ- يحظر نشر أي إعلان يضلل المستهلك أو يوقعه في الخطأ بخصوص السلعة أو الخدمة ويعتبر الإعلان مضللا إذا اشتمل على بيانات، أو معلومات خاطئة، أو غير صحيحة، أو غير كاملة تتعلق بما يلي: …………….. “.
وبذلك فان المشرع لم يحدد أي إعلان وإنما تركها على العموم فشمل النص أي إعلان كان من شأنه أن يضلل المستهلك أو يوقعه في الخطأ بخصوص السلعة أو الخدمة.
هذا بالإضافة إلى الوسائل السمعية والمرئية المتمثلة في التليفزيون الوسائل الإلكترونية ([8])، كالبريد الإلكتروني وأسماء النطاق ومحركات البحث ([9]).
رابعا: أركان جرم الدعاية الكاذبة
وتقوم جريمة الدعاية الكاذبة لتوافر ركنين هما الركن المادي والركن المعنوي شانها شان أي جريمة:
1- الركن المادي
ويتمثل الركن المادي المكون لهذه الجريمة في الفعل المكون للجريمة وهو إخفاء حقيقة أي سلعة أو منتج من أجل ترويجه أو بيعه أو تصويره في صورة تخالف حقيقته التي هو عليها.
ويمكن تعريفه بأنه القيام بأي فعل من شأنه الإخلال بأي حق من حقوق المستهلك.
ولقد نص المشرع الأردني في قانون حماية المستهلك رقم \ 7لسنة 2017 في المادة \3 منه على أنه” للمستهلك الحق في:
1- الحصول على سلع أو خدمات تحقق الغرض منها دون إلحاق أي ضرر بمصالحه أو صحته عند الاستعمال العادي أو المتوقع لهذه السلع أو الخدمات.
2- الحصول بصورة واضحة على المعلومات الكاملة والصحيحة عن السلعة أو الخدمة التي يشتريها وشروط البيع لها.
3- الحصول على معلومات كاملة وواضحة قبل إتمام عملية الشراء عن الالتزامات التي تترتب في ذمته للمزود وحقوق المزود في مواجهة المستهلك.
4- اختيار السلعة أو الخدمة التي يرغب في شرائها دون ضغط أو تقييد غير مبرر.
5- الحصول على ما يثبت شراءه للسلعة أو الخدمة والتفاصيل الأساسية الخاصة بعملية الشراء.
6- إقامة الدعاوى عن كل ما من شانه الإخلال بحقوقه أو الإضرار بها أو تقييدها بما في ذلك اقتضاء التعويض العادل عن الأضرار التي تلحق به جراء ذلك.
7- الحصول على المعلومات الكاملة والصحيحة عن المزود وعنوانه.
ب- يحظر على المزود القيام بأي فعل أو امتناع يؤدي إلى الإخلال بأي حق من حقوق المستهلك”.
وبالتمعن في نص هذه المادة نجد أن المشرع الأردني قد قام أولا في الفقرة الأولى منها بتحديد ما يحق للمستهلك في الحصول عليه من معلومات صحيحه وكاملة عن السلعة أو الخدمة التي يشتريها قبل إتمام عملية البيع، ثم جاء في الفقرة الثانية من ذات المادة وحظر على المزود القيام بأي فعل من شأنه الإخلال بأي حق من حقوق المستهلك.
بمعنى إذا قام المزود بمخالفة ما يتوجب عليه عمله أو امتنع عن أي فعل من الأفعال الواردة في الفقرة الأولى فانه يكون قد أتى فعلا من شأنه الإخلال بحق من حقوق المستهلك وبالتالي يكون قد ارتكب الفعل المكون لجريمة الدعاية الكاذبة.
ولا يكفي لقيام الجريمة إتيان المزود بفعل من هذه الأفعال، ولكن يجب أن يكون هذا الفعل من شأنه خداع المستهلك وتضليله والتغرير به لكي يقوم بشراء هذه السلعة أو المنتج.
وهو ما أكد عليه المشرع الأردني في المادة\ 8 من ذات القانون على أنه” أ- يحطر نشر أي إعلان يضلل المستهلك أو يوقعه في الخطأ بخصوص السلعة أو الخدمة ويعتبر الإعلان مضللا إذا اشتمل على بيانات، أو معلومات خاطئة، أو غير صحيحة، أو غير كاملة تتعلق بما يلي:
1- طبيعة السلعة، أو جودتها، أو تركيبها، أو صفاتها الجوهرية، أو العناصر التي تتكون منها وكميتها.
2- مصدر السلعة، أو وزنها، أو حجمها، أو طريقة صنعها، أو تاريخ انتهاء صلاحيتها، أو شروط استعمالها، أو محاذير هذا الاستعمال.
3- نوع الخدمة أو المكان المتفق عليه لتقديمها أو محاذير تلقيها أو صفاتها الجوهرية.
4- شروط التعاقد ومقدار الثمن الإجمالي وطريقة تسديده.
5- التزامات المعلن.
6- هوية مزود الخدمة ومؤهلاته إذا كانت محل اعتبار عند لتعاقد.
ب- يحظر نشر أي إعلان لسلعة أو خدمة ضارة بصحة المستهلك أو سلامته أو مجهولة المصدر”.
2- الركن المعنوي
ويتمثل الركن المعنوي لجريمة الدعاية الكاذبة في العلم والإرادة أي علم المزود بأن فعله مؤديا لهذه الجريمة، وأن سلوكه المادي يؤدي إلى حدوث هذه الجريمة، كما يشترط أن تتجه إرادته إلى ارتكاب مثل هذه الجريمة وأن فعله هو المكون لها.
وقد يكون الفعل المكون لجريمة الدعاية الكاذبة عمدا وذلك عندما يعمد المزود إلى إتيان فعل من شأنه الإخلال بحق من حقوق المستهلك أو يمتنع عن الإدلاء بأي بيانات صحيحة عن سلعة معينة أو منتج معين، وهو ما يجعل الجريمة عمدية.
وقد تكون جريمة غير عمدية وذلك إذا لم يقصد المزود أو لم تكن له النية لارتكاب مثل هذه الأفعال، ففي هذه الحالة تكون جريمة غير عمدية أو خطأ.
خامسا: أوجه حماية المستهلك من الدعاية الكاذبة
ونظرا لما قد يترتب على الدعاية الكاذبة من أضرار تلحق بالمستهلك فقد وضع المشرع الأردني آليه لحماية المستهلك من خطر الدعاية الكاذبة:
1- إجراءات وقائية
لقد نص المشرع الأردني على تشكيل مجلس حماية المستهلك ليجتمع مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل أو حسب الحاجة، تكون مهمته الأساسية التعاون مع الجهات المختصة من أجل التوعية وتثقيف المستهلك ولفت انتباهه إلى خطر الدعاية الكاذبة وما تتسبب له في أضرار، وكذلك العمل على تحسين جودة السلع والخدمات.
وهو ما نص عليه المشرع الأردني في المادة \10 من ذات القانون على أنه” يتولى المجلس المهام الآتية:
…. 3- المساهمة مع الجهات الرسمية في تطوير مستوى الإعلام بهدف توعية المستهلك وتثقيفه بحقوقه بصفته مستهلكا.
6- المساهمة في وضع السياسة العامة لتحسين جودة السلع والخدمات. ………….. “.
كما أوجب المشرع على الموظفين المختصين والذين لهم صفة الضبطية القضائية الدخول لأماكن المزودين وتفتيشها والاطلاع على السجلات وضبط المخالفات وذلك للقضاء عليها في المهد.
وهو ما نص عليه المشرع في المادة \12من ذات القانون على أنه” يكون لموظفي المديرية المفوضين من الوزير خطيا صفة الضابطة العدلية أثناء قيامهم بأعمالهم وضمن حدود اختصاصهم ولهم بهذه الصفة دخول أماكن عمل المزودين وتفتيشها والاطلاع على سجلاتهم وضبط المخالفات وفق تعليمات يصدرها الوزير”.
كما أوجب المشرع على الموظفين المختصين بعمل مخالفات في حالة الامتناع عن تصويب المخالفة من المزودين أو لجسامتها أو تكرارها، وإذا قام بإزالتها فتسقط المخالفة ما لم تشكل جريمة في قنون آخر، ويتم إنزال العقوبة إلى النصف عن المزود الذي يقوم بإزالة المخالفة وتصويب أوضاعه، وهو ما نص عليه المشرع في المادة \13 من ذات القانون.
2- المطالبة بالتعويض
وإلى جانب ما قرره المشرع من إجراءات وقائية وإجراءات قانونية في سبيل ردع المزود عن مخالفة أحكام القانون حتى لا يتسبب في أضرار للمستهلك، فإنه قد حمله المسئولية عن الأضرار التي تلحق بالمستهلك من جراء مخالفاته وما يتسبب به من دعاية كاذبة تلحق ضررا بالمستهلك، لذلك لقد نص المشرع في المادة \19 على تلك المسئولية على أنه” يكون المزود مسئولا عن الضرر الناجم عن السلعة أو الخدمة المعيبة باستثناء أي من الحالتين التاليتين:
أ- إذا لم يقم بوضع السلعة أو الخدمة للتداول.
ب- إذا وقع الضرر بسبب خطأ المتضرر أو لسبب لا علاقة للمزود به”.
وتكون المسئولية تضامنية تكافلية في حالة تعدد المزودين الذين تسببوا في إلحاق الضرر بالمستهلك.
ولقد قرر المشرع الأردني عقوبة الغرامة أو الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بكلتا هاتين العقوبتين، وفي حالة تكرار المخالفة يوقف المزود عن ممارسة نشاطه بشكل دائم أو مؤقت.
وهو ما نص عليه المشرع في المادة \ 25من القانون سالف الذكر على أنه” ما لم يرد نص على عقوبة أشد في أي تشريع آخر نافذ يعاقب م
كل من يخالف أي حكم من أحكام هذا القانون أو الأنظمة الصادرة بمقتضاه بغرامة لا تقل عن (250) مائتين وخمسون دينارا ولا تزيد على (10000) عشرة آلاف دينا أو بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بكلتا عاتين العقوبتين.
ب- في حال تكرار المخالفة للمحكمة منع المزود من ممارسة النشاط موضوع المخالفة بشكل دائم أو مؤقت”.
كتابة دكتور \ عبد المنعم حسن الشرقاوي
دكتوراه القانون المدني
([1]) د. أحمد إبراهيم عطية، النظام القانوني للإعلانات في القانون المدني، ط1، مصر، دار النهضة العربية، 2006، ص18.
([2]) د. رفيق سكري، مدخل إلى دراسة الدعاية والإعلان التجاري، ط1، بيروت، المؤسسة الحديثة للكتاب، 2014، ص24.
([3]) د. حسام فتحي أبو طعيمه، الإعلان وسلوك المستهلك، ط1، عمان، دار الفارق للنشر، 2008، ص22.
([4]) د. أحمد السعيد الزقرد، الحماية المدنية من الدعاية التجارية الكاذبة والمضللة، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2007، ص3.
([5]) خالد عبدالناصر بدوي، مرجع سابق، ص18.
([6])د. عقيل عزيز عودة، آمنه كاظم سعدون، المسئولية الجنائية عن الإعلانات التجارية الخادعة، بحث منشور ، مجلة القانون للدراسات والبحوث القانونية، ع17،2018، ص335.
([7]) د. أنطوان الناشف، الإعلانات والعلامات التجارية بين القانون والاجتهاد، بيروت، منشورات الحلبي الحقوقية، 1999، ص79.
([8])د. عقيل عزيز عودة، آمنه كاظم سعدون، المسئولية الجنائية عن الإعلانات التجارية الخادعة، بحث منشور، مرجع سابق، ص335
([9]) خالد عبدالناصر بدوي، مرجع سابق، ص30 وما بعدها.

