مصادر القاعدة القانونية في قانون التجارة الأردني

مصادر القاعدة القانونية في قانون التجارة الأردني

القانون التجاري عبارة عن مجموعة من القواعد التجارية التي تقوم بتنظيم المعاملات الخاصة بالتجارة، ولكل قاعدة قانونية مصدر تستمد منه، وقد تكون هذه المصادر رسميةً أو عرفية، ويختلف ترتيب هذه المصادر من دولة لأخرى، وقد تكون مصدر القاعدة القانونية وسيلة القاضي في تفسير القاعدة القانونية أي مصدرًا استرشاديًا؛ لذا سوف نتناول في هذا المقال مصادر القاعدة القانونية في قانون التجارة الأردني من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

أولًا: مفهوم القانون التجاري

ثانيًا: مفهوم مصادر القاعدة القانونية في قانون التجارة الأردني

ثالثًا: المصادر الرسمية في قانون التجاري الأردني

رابعًا: المصادر الاسترشادية

خامسًا: الأحكام القضائية المتعلقة بمصادر القاعدة القانونية في قانون التجارة الأردني

ونُقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة، فيما يلي:

أولًا: مفهوم القانون التجاري

يُعرف القانون التجاري بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تخضع لها جميع المعاملات التجارية، ويخضع لها التجار، وتفرض هذه القواعد عليهم القيام ببعض الالتزامات التي تفتضيها طبيعة المعاملات التجارية، كالتسجيل في السجل التجاري.

ثانيًا: مفهوم مصادر القاعدة القانونية في قانون التجارة الأردني

يُقصد بمصادر القانون التجاري بأنها هي المصادر التي يرجع إليها القاضي عندما يرغب بالحكم على واقعة معينة من الوقائع القانونية التي تعرض عليه أثناء حدوث منازعة تجارية، ويمكن تقسيم مصادر القانون التجاري الأردني إلى مصادر رسمية، أو مصادر استرشادية على النحو التالي:

١- إذا انتفى النص في هذا القانون فتطبق على المواد التجارية أحكام القانون المدني، على أن تطبيق هذه الأحكام لا يكون إلا على نسبة اتفاقها مع المبادئ المختصة بالقانون التجاري، وذلك وفقًا لنص (المادة ٢) من قانون التجارة الأردني.

٢- إذ لم يوجد نص قانوني يمكن تطبيقه، فللقاضي أن يسترشد بالسوابق القضائية، واجتهاد الفقهاء وبمقتضيات الأنصاف، والعرف التجاري، وذلك وفقًا لنص لما ورد في نص (المادة ٣) من قانون التجارة الأردني.

٣- على القاضي عند تحديد آثار العمل التجاري، أن يطبق العرف السائد إلا إذا ظهر أن المتعاقدين قصدوا مخالفة أحكام العرف، أو كان العرف متعارضًا مع النصوص القانونية الإلزامية، ويعد العرف الخاص، والعرف المحلي مرجحين على العرف العلم، وذلك وفقًا لنص لما ورد في نص (المادة ٤) من قانون التجارة الأردني.

ثالثًا: المصادر الرسمية في قانون التجاري الأردني

هي المصادر التي من خلالها تخرج القاعدة القانونية إلى حيز الوجود وتكتسب الصفة الإلزامية، والمصادر الرسمية في القانون التجاري الأردني تنقسم إلى مصادر رسمية أصلية، ومصادر رسمية احتياطية على النحو التالي:

1.    المصادر الرسمية الأصلية:

تتمثل المصادر الرسمية الأصلية في التشريعات التجارية، وهي عبارة عن مجموعة من النصوص التي وردت في القانون التجاري، وهو المصدر البالغ في الأهمية من بين مصادر القانون، حيث يحتل التشريع في الوقت الحالي المرتبة الأولى من بين مصادر القانون، وتجعله في مرتبة متقدمة عن العرف، لما له من مزايا عديدة تتمثل في الآتي:

١- سن القواعد القانونية، ودقة صياغتها؛ لوجود سلطة مختصة تقوم على إصدار التشريع وفقًا لإجراءات محددة، ولكل قانون تشريعي سلطة خاصة به، وأحكام قانونية لا يطبَق إلا بالاعتماد عليها، كما أنه يمكن إلغاء وتعديل التشريع بنفس سرعة وسهولة إصداره.

٢- كما يعمل التشريع على وحدة القانون في الدولة فيطبق في كل إقليم الدولة، وليس جزءًا خاصًا منها.

٣- التشريع يكون مكتوبًا، ويرجع ذلك إلى صياغة مضمون القاعدة القانونية صياغة محكمة من قبل سلطة مختصة؛ وبالتالي فإن مضمون القاعدة القانونية تكون واضحةً وصريحةً، فيمكن الأفراد من معرفة حقوقهم، وواجباتهم فيسود الاستقرار والأمن في المجتمع، وذلك بخلاف القاعدة العرفية التي تكون غير واضحة؛ لأنها تكون بمثابة فكرة تستقر في أذهان الناس، ويتعاملون بها دون كتابتها، وعلى الرغم من هذا المزايا التي يتمتع بها التشريع، نرى أن هناك بعض العيوب للتشريع، فقد يأتي التشريع مخالفًا لرغبات الجماعة؛ لأنه يوضع من قِبَل سلطة مختصة، لا من قَبِل الجماعة، ولكن هذا العيب يُمكن تفاديه بدراسة حاجات، ورغبات الجماعة قبل إصدار أي تشريع .

وتنقسم التشريعات التجارية إلى قانون التجارة، والقوانين ذات العلاقة بالنشاط التجاري على النحو التالي:

أ‌.       قانون التجارة:

يعد قانون التجارة الأردني رقم (12) لسنة 1966م المصدر الرسمي الأول للقانون التجاري، الذي يجب على القاضي تطبيقه في حال قيام أي نزاع على المعاملات التجارية، ويتضمن هذا القانون من جهة القواعد المختصة بالأعمال التجارية التي يقوم بها أي شخص مهما كانت صفته القانونية، ويتضمن من جهة أخرى الأحكام التي تطبق على الأشخاص الذين اتخذوا التجارة مهنة، وذلك وفقًا لما ورد في نص (المادة ١) من قانون التجارة الأردني.

ب‌.    القوانين ذات العلاقة بالنشاط التجاري:

تُعد القوانين ذات العلاقة بالنشاط التجاري المصدر الرسمي الأصلي للقانون التجاري بعد قانون التجارة ، فقد لا يتضمن قانون التجارة جميع الأحكام المتعلقة بالتجارة؛ مما اقتضت الحاجة إلى وجود قوانين مكملة له تنظم مجالات مختلفة من الحياة التجارية ومن أهم هذه القوانين، قانون الغرف التجارية والصناعية رقم (41) لسنة 1949م، وقانون العلامات التجارية رقم (33) لسنة 1952م، والقانون المعدل لقانون العلامات التجارية رقم (34) لسنة 1999م، وقانون تسجيل الأسماء التجارية رقم (3) لسنة1953م، وقانون براءات الاختراع رقم( ٣٢) لسنة ١٩٩٩م، وقانون الحرف والصناعات رقم (١٦) لسنة ١٩٥٣م.

هذا بالإضافة إلى قانون البنوك رقم( 4) لسنة ١٩٧١م، وقانون المراكز التجارية رقم (21) لسنة 1972م، وقانون التجارة البحرية رقم (12) لسنة 1972م، وقانون الوكلاء والوسطاء التجاريين رقم (44) لسنة 1985، وقانون أعمال الصرافة رقم (26) لسنة 1992، وقانون الشركات رقم (22) لسنة 1997، وقانون الأوراق المالية المؤقت رقم (23) لسنة 1997، وإلى بالإضافة إلى هذه القوانين توجد بعض الأنظمة، والقرارات التي تنظم الأعمال التجارية، كنظام المرابحة العثماني، الذي يحدد مقدار الفائدة على الديون المدنية والتجارية، ونظام العلامات التجارية رقم (1) لسنة ١٩٥٢م، والنظام المعدل لنظام العلامات التجارية رقم (17) لسنة 2000م، ونظام سجل التجارة رقم (13) لسنة 1966م. ( انظر مقال محامي تحصيل ديون )

2.    المصادر الرسمية الاحتياطية:

تُعد المصادر الرسمية الاحتياطية هي المصادر التي تأتي في المرتبة الثانية، والتي يلجأ إليها القاضي في حالة عدم وجود نص في قانون التجارة، أو القوانين ذات العلاقة بالنشاط التجاري، ويمكن تطبيقه على النزاع المعروض على القاضي، ويوجد مصدر رسمي احتياطي واحد يتمثل في أحكام القانون المدني الأردني، حيث يعتبر القانون المدني الشريعة العامة التي تنظم جميع العلاقات القانونية.

وذلك وفقًا لنص (المادة ٢) من قانون التجارة الأردني التي تحيل لأحكام القانون المدني في حالة عدم وجود نص في قانون التجارة أو القوانين ذات العلاقة بالنشاط التجاري، على أن تطبيق هذه الأحكام لا يكون إلا على نسبة اتفاقها مع المبادئ المختصة بالقانون التجاري، وبالتالي إذا تعارضت أحكام القانون المدني مع المبادئ العامة التي يقوم عليها القانون التجاري، كقاعدة حرية الإثبات في المواد التجارية، وقاعدة الفائدة في المواد التجارية، من حيث أنه على الوكيل أن يدفع الفائدة عن الأموال العائدة للموكل وذلك من اليوم الذي كان يجب عليه تسليمها، أو إيداعها بحسب أمر الموكل، وذلك وفقًا لنص (المادة ٨٤) من قانون التجارة الأردني.

كما أنه للوكيل بالعمولة امتياز على قيمة البضائع المرسلة إليه، أو المخزونة لأجل استيفاء جميع القروض والسلف والمدفوعات التي قام بها سواء قبل تسلمه البضائع أم في مدة وجودها في حيازته، وينشأ هذا الالتزام بمجرد إرسال البضائع، أو خزنها، أو إيداعها، ويدخل في الامتياز مبلغ الدين الأصلي مع الفوائد، والعمولات، والنفقات، وذلك وفقًا لنص (المادة ٩٦) من قانون التجارة الأردني.

ومن الحالات التي أحال إليها قانون التجارة الأردني لأحكام القانون المدني الأردني الآتي:

أ- أحال قانون التجارة الأردني إلى أحكام القانون المدني في كل ما يتعلق بتنظيم موضوع الأهلية التجارية، والتي تخضع الأهلية التجارية لأحكام القانون المدني، وذلك وفقًا لما ورد في نص (المادة 15).

ب- أحال قانون التجارة الأردني حقوق والتزامات الوكيل التجاري إلى أحكام القانون المدني عندما يجب على الوكيل أن يعمل باسم موكله، وذلك وفقًا لما ورد في نص (المادة ٨٠).

ت- تسري قواعد إجارة الأشياء في القانون المدني على الودائع التي تودع في الصناديق الحديدية أو في خانات منها، وذلك وفقًا لنص (المادة ١١٧) من قانون التجارة الأردني.

ث- “كما يرجع إلى قواعد عقد الشركة في القانون المدني بخصوص شركة الأشخاص، أو شركة الأموال، ويرجع بخصوص البيوع التجارية، وبيع المتجر إلى أحكام عقد المبيع، كما أن السند القانوني لدعوى المنافسة غير المشروعة يوجد في المسؤولية التقصيرية المنظمة في القانون المدني”([1]).

“وهناك رأي يذهب إلى تغليب حكم القانون التجاري بقواعده الآمرة والمكملة إذا ما تعارضت مع النصوص المدنية حتى ولو كانت آمرة، وحجة هذا الرأي أن الحكم الخاص مقدم على الحكم العام، والقانون التجاري قانون خاص بقواعده الآمرة والمكملة معًا، ومن غير المعقول إيراد النصوص التجارية المفسرة ومنع العمل بأحكامها إذا ما تعارضت مع النصوص المدنية الآمرة، كما أن المشرع التجاري قد قيد الرجوع لحكم القانون المدني بقدر اتفاقها مع المبادئ المختصة بالقانون التجاري؛ وبالتالي لا يجوز الرجوع للقواعد المدنية حتى الآمرة فيما إذا لم تتفق مع النصوص التجارية ولو كانت مفسرة” ([2]).

ويذهب البعض إلى إذا كان النص المدني آمرًا، والنص التجاري مفسرًا؛ وجب تقديم النص المدني الآمر، ونؤيد من جانبنا الاتجاه الأول الذي يذهب إلى أنه إذا ما تعارضت أحكام القانون التجاري بقواعده الآمرة مع النصوص المدنية حتى ولو كانت آمرة، بتقديم القواعد التجارية الآمرة والمكملة؛ وبالتالي إذا عرض نزاع تجاري أمام القاضي يجب عليه أن يطبق النصوص التجارية الآمرة والمكملة إن وجدت، فإن لم توجد يرجع القاضي إلى قواعد القانون المدني، ويرجع ذلك إلى أن القانون التجاري بقواعده الآمرة والمكملة قانون خاص انفصل عن القانون المدني لمبررات البيئة التجارية التي لا تتفق مع البيئة المدنية.

رابعًا: المصادر الاسترشادية

تتمثل المصادر الاسترشادية في السوابق القضائية، واجتهاد الفقهاء، ومقتضيات الإنصاف، والعرف التجاري، وذلك وفقًا لنص (المادة ٣) من قانون التجارة الأردني، وذلك على النحو التالي:

1.    السوابق القضائية:

تعد السوابق القضائية من المصادر الاسترشادية التي يجوز للقاضي في حالة عدم وجود نص قانوني يمكن تطبيقه على النزاع المعروض على المحاكم، أن يسترشد بها، وذلك وفقًا لما ورد في (المادة ٣) من قانون التجارة الأردني.

ويمكن تعريف السوابق القضائية على أنها الأحكام التي تصدر عن المحاكم الأردنية بمختلف درجاتها في المنازعات التي تعرض عليها، وفي المملكة الأردنية نأخذ بالنظام اللاتيني، الذي يقتصر دور القاضي فيه على تطبيق القانون وليس وضعه، فالقاضي غير ملزم بأن يحكم استنادا إلى أحكام قضائية سابقة حتى ولو كانت صادرة عن ذات المحكمة أوعن محكمة أعلى.

بل ويستعين القاضي بالسوابق القضائية كمصدر استرشادي أو تفسيري؛ لتوضيح النص القانوني، وذلك بخلاف النظام الأنجلوسكسوني، حيث كانت تشكل السوابق القضائية فيه مصدرًا رسميًا للقانون، كما يلزم القاضي في هذا النظام بالرجوع للأحكام القضائية السابقة لاستخلاص القاعدة القانونية الواجبة التطبيق على النزاع المعروض عليه، واتباع السوابق القضائية الصادرة عنه وعن المحاكم الأعلى درجة، وفي المملكة الأردنية من الممكن أن يتجاوز دور القاضي حدود تفسير القواعد القانونية إلى إكمال النقص في تلك القواعد، وذلك وفقًا لمقتضيات العدالة، ولكن لا يمكن القيام بذلك دون الرجوع إلى الفقه القانوني الذي يقوم ببناء النظريات العامة.

فإذا ما عُرِّض على القاضي نشاط تجاري جديد كتحصيل الديون التجارية وهو غير مذكور ضمن الأعمال التجارية الواردة في المادة السادسة، فالقاضي في هذا الحالة يكون ملزمًا بالرجوع للفقه القانوني فيما يتعلق بتعداد الأعمال التجارية، والضوابط التي وضعها لتحديد تلك الأعمال التجارية، وذلك للوقوف على مدى تجارية هذا النشاط الجديد من الناحية القانونية من أجل خضوعه لأحكام قانون التجارة، وذلك لأن نص المادة السادسة من قانون التجارة الأردني التي قامت بتعداد الأعمال التجارية البرية بحكم ماهيتها الذاتية وردت على سبيل المثال لا الحصر.

2.    اجتهاد الفقهاء:

“يقصد باجتهاد الفقهاء مجموع الآراء التي تصدر عن فقهاء القانون، سواء وردت في كتاب، أو بحث، أو محاضرة، أو ندوة، أو تعليق على حكم قضائي، أو بتدريسه، وذلك بهدف تفسير القانون وتوضيح الغامض منه، والتعرض لأوجه النقص الذي ينتاب التشريعات”([3]).

ويُعد اجتهاد الفقهاء من المصادر الاسترشادية التي نص عليها قانون التجارة الأردني، ويلعب اجتهاد الفقهاء دورًا هامًا كمصدر استرشادي وتفسيري في تطبيق القانون من قِبَل القاضي الذي يكون غير ملزم بالرجوع إليها، وعلى الرغم من أن الفقه القانوني يعد مصدر استرشادي غير ملزم للقاضي بالرجوع إليه، غير أنه في الواقع يتضح أن القاضي يستعين باجتهاد الفقهاء في توضيح نصوص القانون، وكذلك المشرع عند صياغة أو تعديل قانون.

3.    مقتضيات الإنصاف:

إن مقتضيات الإنصاف أو قواعد العدالة تُعد من المصادر الاسترشادية التي نص عليها قانون التجارة الأردني أيضًا؛ وبالتالي في حالة عدم وجود حكمًا في المصادر السابقة يستطيع الرجوع لمقتضيات الإنصاف، والسبب في النص على مقتضيات الإنصاف هو حرص المشرع على قطع الطريق على القضاة بعدم الحكم في قضية، وذلك بحجة عدم وجود النص القانوني المنظم لها؛ لذلك كان لا بد من وجود قواعد الإنصاف أو العدالة.

4.    العرف التجاري:

يُعد العرف التجاري من المصادر الاسترشادية الهامة جدًا التي نص عليها قانون التجارة الأردني، ونُبين ذلك فيما يلي:

أ- مفهوم العرف التجاري:

” يقصد بالعرف التجاري مجموعة القواعد التجارية التي درج عليها التجار لمدة طويلة في تنظيمهم لمعاملاتهم التجارية معتقدين بإلزامها وضرورتها كما هو الحال في القواعد التشريعية”([4]).

“ولقد كانت بدايات القانون التجاري قواعد عرفية منذ العصور القديمة التي عرفت بعض الأعراف التجارية الخاصة بالتجارة البحرية”([5])، وكذلك الحال في العصور الوسطى فإن الأعراف التي سادت بين التجار في المدن الإيطالية، طبقها رؤساء طوائف التجار من أجل الفصل في المنازعات التي كانت تثور بين التجار كانت تشكل نواة قانون التجارة.

ب- أنواع العرف التجاري:

وفيما يتعلق بأنواع العرف التجاري، فقد يكون عرفًا خاصًا، أو عرفًا محليًا، أو عرفاً عامًا، ويقصد بالعرف الخاص هو ذلك العرف المتبع في مهنة، أو في تعامل تجاري معين، ويقصد بالعرف المحلي هو العرف المتبع في منطقة معينة، أما العرف العام فهو العرف السائد في الدولة، وفي حالة تعدد أنواع العرف القابل للتطبيق على نزاع تجاري، فيطبق العرف الخاص، ثم العرف المحلي، ثم العرف العام، ويرجع ذلك إلى أن العرف كلما كان مطبقًا في نطاق ضيق كلما كان أدق في تنظيم معاملات الأفراد، وذلك وفقًا لنص (المادة ٤) من قانون التجارة الأردني.

ت- التمييز بين العرف التجاري والعادة الاتفاقية التجارية:

وينبغي التمييز بين العرف والعادة الاتفاقية التجارية من حيث الآتي:

١- أركان كلًا منهما:

يتكون العرف من الركن المادي والركن المعنوي، ويتمثل الركن المادي في اعتياد الناس على إتباع سلوك معين، والركن المعنوي في اعتقاد الناس بإلزامية إتباع هذا السلوك واحترامه، أما العادة الاتفاقية يتوافر فيها الركن المادي للعرف، دون أن تكون ملزمةً بذاتها؛ وإنما تطبق لاتجاه إرادة المتعاقدين إلى إتباع حكمها، ومثال للعادة الاتفاقية ما تعارف عليه التجار من إنقاص الثمن بدلًا من فسخ عقد البيع، في حال إذا كانت البضاعة المسلمة للمشتري من صنف أقل من المتفق عليه، أو كانت كمية البضاعة أقل من الكمية المتفق عليها، وذلك لما يترتب علي الفسخ من أضرار كبيرة للبائع والمشتري .

٢- من حيث تطبيق كلًا منهما واثباته:

العرف التجاري في منزلة القانون فيجب على القاضي أن يطبقه من تلقاء نفسه على النزاع المعروض أمامه دون أن يطلبه الخصوم، وبالتالي يقع عبء إثبات وجود العرف على القاضي، وإذا أراد أحد الخصوم في نزاع ما أن يطلب تطبيق قاعدة عرفية يجهلها القاضي، يمكن للقاضي أن يطلب من الخصم إثبات وجود هذه القاعدة العرفية، ويرجع ذلك إلى أن القاضي لا يمكن أن يكون على علم بالعرف، كعلمه بالتشريع؛ لأن التشريع مكتوب ويتطلع الناس عليه، بخلاف القاعدة العرفية فهي غير مكتوبة، ولا يفترض علم جميع الناس بها.

أما العادة الاتفاقية التجارية، فهي شرط من شروط العقد، فلا يطبقها القاضي إلا إذا تمسك بها من له مصلحة في ذلك من الخصوم، وهو الذي يقع عليه عبء اثبات العادة الاتفاقية.

٣- من حيث رقابة محكمة التمييز:

“العرف التجاري في منزلة القانون فيخضع لرقابة محكمة التمييز التي تراقب صحة تطبيق القانون، أما العادة الاتفاقية التجارية، فلا تخضع لرقابة محكمة التمييز لأنها مسألة واقع”([6])، إلا إذا كان تطبيقها مخالفًا للنظام العام.

ث- اختلاف الآراء حول مكانة العرف التجاري كمصدر للقانون التجاري:

وفيما يتعلق بمكانة العرف التجاري كمصدر للقانون التجاري، ذهب البعض إلى أن العرف التجاري يعد مصدرًا رسميًا عند تحديد آثار العمل التجاري فقط، إلا إذا ظهر أن المتعاقدين قصدوا مخالفة أحكام العرف، أو كان العرف متعارضًا مع النصوص القانونية الالزامية، وذلك وفقًا لنص (المادة ٤) من قانون التجارة الأردني.

كما يُعتبر العرف التجاري مصدرًا استرشاديًا بالنسبة للمسائل التي لا تدخل ضمن إطار آثار العمل التجاري، وذلك وفقًا للمادة الثالثة من قانون التجارة الأردني.

“وذهب البعض إلى أن العرف التجاري مصدر رسمي للقانون التجاري يأتي بعد النصوص التشريعية، وقد برهنوا رأيهم بالنصوص القانونية التجارية التي تعطي للعرف مكانه الصحيح، إذ تخضع (المادة ٥٩) من قانون التجارة الأردني عقود البيع، والقرض، والتأمين، وجميع العقود التي لم تحدد قواعدها في قانون التجارة لأحكام القانون المدني، والعرف، وتحيل (المادة ١١٣) من قانون التجارة الأردني إلى العرف لأغراض وقف الحساب الجاري وتصفيته في آجال الاستحقاق المعينة في حال عدم تطرق العقد لهذه المسائل” ([7]).

في حين يذهب الدكتور علي البارودي إلى اعتبار العرف التجاري المصدر الرسمي الثاني بعد النصوص التجارية وقبل النصوص المدنية، ويرى أن القضاء الأردني يستطيع أن يتبنى هذا الاتجاه بالاعتماد على الفقرة الثانية من المادة الثانية من قانون التجارة الأردني، والتي تقضي بأن تطبيق أحكام القانون المدني على النزاعات التجارية لا يكون إلا على نسبة اتفاقها مع المبادئ المختصة بالقانون التجاري. ولا مانع من أن يطلق على العرف التجاري “المبادئ المختصة بالقانون التجاري”، ذلك كمحاولة للخروج من عدم الدقة والغموض الذي يعتري النصوص القانونية الخاصة بمصادر القاعدة التجارية في قانون التجارة الأردني.

ج- قوة العرف في مواجهة النصوص التشريعية:

إذا تعارض العرف التجاري مع النص التجاري الآمر، فلا يجوز للعرف التجاري مخالفة نص تجاري آمر؛ لأنها قاعدة آمرة تمس النظام العام؛ وبالتالي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، ولكن إذا تعارض العرف التجاري مع نص تجاري مفسر، فيقدم العرف التجاري على النص التجاري المفسر؛ لأن النص التجاري المفسر يجوز الاتفاق على خلافه لعدم تعلقه بالنظام العام والآداب.

أما في حال تعارض العرف التجاري مع النص المدني الآمر، فذهب البعض على أنه لا يجوز للعرف التجاري مخالفة النص المدني لآمر، كما هو الحال عند مخالفته للنص التجاري الآمر؛ لأن كلًا من النص التجاري الآمر، والنص المدني الآمر من النظام العام؛ فلا يجوز الاتفاق على مخالفته، وأنه وإن كان صحيحًا أن الحكم الخاص يقدم على الحكم العام، غير أن هذا التقديم مشروط بعدم مخالفة الحكم الخاص للنظام العام، في حين ذهب البعض إلى تقديم العرف التجاري على النص المدني الآمر، واستندوا إلى أن الرجوع للقانون المدني مرتبط بعدم وجود حكم خاص في القانون التجاري سواء في النصوص التشريعية، أم في القواعد العرفية، حيث يشمل القانون التجاري النصوص التجارية، والأعراف التجارية معًا، وعليه لا مجال لتطبيق القانون المدني حتى نصوصه الآمرة في حالة توافر العرف التجاري كونه المقصود بالتشريع التجاري.

خامسًا: الأحكام القضائية المتعلقة بمصادر القاعدة القانونية في قانون التجارة الأردني

لقد جاء في الحكم رقم (4449) لسنة 2020م الصادر من محكمة التمييز بصفتها الحقوقية بتاريخ ٩/٦/٢٠٢١م، بما نصه: “وحيث إن (المادة 2) من قانون التجارة أحالت إلى القانون المدني، وإن هذا القانون المدني هو موطن القواعد العامة التي تحكم جميع العلاقات القانونية بين أشخاص القانون الخاص فيرجع له في كل مسألة سكت عن تنظيمها القانون التجاري بشرط اتفاقها مع المبادئ المختصة في القانون التجاري، ويقصد بها القواعد التجارية الخاصة التي أملتها البيئة التجارية، والتي تقوم على السرعة والائتمان ولما لم يرد في قانون التجارة نص ينظم تقادم دفع غير المستحق إذا نشأ عن عقد تجاري، فإن ذلك يستدعي منا النظر إلى عجز (المادة ٥٨) من قانون التجارة وهي عبارة ( إن لم يعين أجل أقصر)، ومن ثم أصبح لزامًا علينا الرجوع إلى القواعد العامة في القانون المدني”

كما ورد في الحكم رقم (8211) لسنة 2022م الصادر من صلح حقوق عمان بتاريخ ٢٧/٤/٢٠٢٢م، بما نصه: “وبالرجوع إلى أحكام قانون التجارة تجد المحكمة أن المشرع لم ينظم أحكام خطاب الضمان فيه، وقد نصت (المادة 2) من هذا القانون أنه في المسائل التي لم ينظمها القانون يحال بشأنه، وتطبيق أحكامها إلى القانون المدني، وعند عدم وجود نص قانوني يمكن تطبيقه يتم الاسترشاد بالسوابق القضائية، والفقه، والأعراف التجارية التي تحكم ذلك العمل التجاري، وبالرجوع إلى القانون المدني تجد المحكمة أنه لم ينظم أحكام خطاب الضمان؛ وبالتالي يتم الاسترشاد بالسوابق القضائية، واجتهاد الفقهاء، ومقتضيات الإنصاف، والعرف التجاري”

كما ورد في الحكم رقم( 8026) لسنة ٢٠١٩م الصادر من محكمة صلح حقوق اربد بتاريخ ٢٥/٩/٢٠١٩م، بما نصه: “أنه فيما يتعلق بما ورد في الشيك من اختلاف قيمته بين ما هو مكتوب بالأرقام عما هو مكتوب بالأحرف، فتجد المحكمة أن المشرع الأردني لم يورد حكم في قانون التجارة بخصوص ذلك، وحيث تجد المحكمة أن خلو قانون التجارة من نص يعالج حالة الاختلاف بقيمة الشيك بالأحرف عنها بالأرقام، يدعو القاضي للاسترشاد بالسوابق القضائية إن وجدت ،واجتهاد الفقه، والعرف التجاري عملا (المادة ٣) من قانون التجارة، وحيث إن الاجتهاد القضائي لمحكمة التمييز مستقر على أن المبلغ المدون بالأحرف هو المعتبر، كون الكتابة بالأحرف تلقي عناية أكثر من الشخص الذي قام بتدوين المبالغ بأية ورقة، الامر الذي يقتضي معه إلزام المدعى عليه بقيمة المبلغ الوارد كتابة بالشيك موضوع الدعوى، والبالغ (6500) دينارًا، ورد المطالبة بما زاد على ذلك”.

إعداد/ محمد محمود

[1] د. محمد حسين اسماعيل، القانون التجاري، (ص٢٤).

[2] د. أميرة صدقي، دروس في القانون التجاري، (ص١٤).

[3] د. أحمد محرز، القانون التجاري، (ص٣٩).

[4] د. أحمد زيادات، وإبراهيم العموش، الوجيز في التشريعات التجارية الأردنية، (ص٣٥٢).

[5] د. زكي العشراوي، الوجيز في القانون التجاري، (ص١٢).

[6] د. فوزي محمد سامي، شرح القانون التجاري الأردني، (ص49).

[7] د. عزيز العكيلي، شرح القانون التجاري، (ص٣٢).

Scroll to Top