الترك في التأمين البحري

الترك في التأمين البحري

اهتم المشرعين الوطنيين في جميع دول العالم بتنظيم الأحكام الخاصة بعمليات التأمين، لاسيما التأمين البحري الذي يعد من أهم الموضوعات التي تشغل بال العاملين بمجال التجارة البحرية، خاصة وأن النقل البحري يعد من أخطر أنواع النقل، وذلك لما تتسم به البحار من ظروف جوية غير مستقرة يمكن أن تُعرض السفينة الناقلة وما عليها من بضائع منقولة لأخطار متعددة لا يمكننا أن نحصيها، مما يجعل عقد التأمين أحد أهم ثلاث عقود تستند إليها التجارة الدولية بوجه عام والبحرية بوجه خاص وهي عقد البيع وعقد التأمين وعقد النقل.

وعلى الرغم من أن جوهر عملية التأمين هو التعاون بين أطرافها على بذل الجهد المناسب في حماية المؤمن عليه من أي خطر، والحفاظ عليه بقدر الإمكان حتى يصل إلى ميناء التفريغ، فإن أصابه أي ضرر فإن الطرف المؤمن له يحصل على التأمين، إلا أن هناك بعض الحالات التي أجاز فيها قانون التجارة البحرية الأردني حصول المؤمن له على قيمة التأمين نظير منحه ملكية المؤمن عليه للمؤمن، وهو ما يعرف بنظام الترك، وسيكون هذا النظام هو محور حديثنا في هذا المقال.

أولاً: تعريف نظام الترك

ثانياً: حالات الترك

ثالثاً: إجراءات التمسك بتطبيق الترك

رابعاً: الآثار المترتبة على الترك

خامساً: الخاتمة

 

أولاً: تعريف نظام الترك

يعد نظام الترك نظاماً استثنائياً يقتصر على التأمين البحري فقط دون التأمين البري، وهو بمثابة طريق يستطيع المؤمن له من خلاله أن يتحصل على كامل قيمة التأمين من المؤمن، وذلك نظير ترك الشيء المؤمن عليه للمؤمن، وهذا النظام تم تقريره ليطبق في حالات محددة يكون فيه المؤمن له قد لحقت به كارثة كبرى ترتب عليها أن أصبح الشيء المؤمن عليه غير ذي نفع أو قيمة[1].

وهناك بعض الأنظمة القانونية التي تعرف نظام الترك، ولكن تحت مسمى آخر وهو نظام التخلي، وهو ذاته نظام الترك وإن كان الاختلاف في المسمى فقط، لاسيما وأن الفقه في ظل تلك القوانين قد عرف التخلي حصول المؤمن له على قيمة التأمين بالكامل، وذلك نظير تركه للشيء المؤمن عليه لصالح المؤمن، وهو ذات التعريف الذي عرف به الترك، وبالتالي فالتخلي والترك لهما ذات المدلول والمضمون.

وتعود نشأة نظام الترك في التأمين البحري إلى الأعراف والعادات التي سادت العمل البحري في العصور القديمة، حيث كان السفن في كثير من الأوقات تنقطع أخبارها لفترات طويلة، وهو ما كان يحول دون حصول المؤمن له على قيمة التأمين، وذلك باعتباره قد عجز عن إثبات أن مآلها هو الهلاك، لذلك ظهرت العادة المتمثلة في أن المؤمن له يستحق كامل قيمة مبلغ التأمين في مقابل تركه وتنازله عن جميع حقوقه على الشيء المؤمن عليه والمتمثل في السفينة أو ما تحمله من بضائع لصالح المؤمن، وذلك متى انقطعت أخبارها لفترة زمنية متفق عليها، فإذا ظهرت السفينة بعد حصول المؤمن له على التأمين، فإنها تصبح – أو البضائع – ملكاً خالصاً للمؤمن.

وكان القانون الفرنسي هو أول تشريع قام بتحديد الحالات التي تتيح ترك ملكية الشيء المؤمن عليه للمؤمن، حتى في ظل قيام الإمكانية على إثبات هلاك الشيء المؤمن عليه، سواء كان ذلك في شكل أسر للسفينة أو غرقها في البحر أو حتى حالة الخسائر التي تبلغ حد كبير من الجسامة التي تجعلها في ذات منزلة الهلاك، وقد تبعته في ذلك العديد من القوانين العربية مثل القانون المصري ونظيره اللبناني[2].

ويحتل نظام الترك وحالاته مكانة هامة بين قواعد تنظيم التأمين البحري، خاصة في ظل غياب السفينة في رحلتها البحرية، وعدم تلقي أي أخبار منها أو عنها، والتي تضعها في حالة من الهلاك الحكمي، كما هو الحال في فقد الأشخاص وانقطاع أخبارهم والتي يترتب عليه اعتبارهم متوفين بشكل حكمي، فيكون للمؤمن له أن يحصل على قيمة التأمين كاملة، دون أن يتحمل بعبء إثبات هلاك المؤمن عليه، وهو ما يسهل بشكل كبير من عملية التسوية والحصول على قيمة مبلغ التأمين عن نظيرتها في حالة الخسارة.

ثانياً: حالات الترك

كما سبق وأن أشرنا فإن نظام الترك يعد بمثابة الاستثناء على القاعدة العامة في التأمين، ولذلك فإن هناك حالات محددة له لا يمكن التمسك بتطبيقه إلا في ظل توافر إحدى تلك الحالات، ويحظر عليه ذلك في الظروف العادية التي لا تتوافر فيها أياً من تلك الحالات، وقد حدد المشرع الأردني حالات تطبيق نظام الترك في قانون التجارة البحرية، وذلك في المواد أرقام (366) والتي حدد فيها حالات ترك السفينة، و(371) والتي حدد فيها حالات ترك البضائع المؤمن عليها، و(373) والتي حدد فيها حالات ترك أجرة السفينة، إلا أن ترك أجرة السفينة يخرج عن نطاق هذا المقال باعتباره يناقش حالات الترك المتعلقة بالتأمين البحري، لذلك لن نتعرض لها في هذا المقال، مكتفين بذكرها فقط في هذا المقام.

1- حالات ترك السفينة المؤمن عليها

تمثل هذه الحالات المواقف التي يجوز فيها للمؤمن له الحصول على قيمة مبلغ التأمين على السفينة، وذلك نظير تركه السفينة المؤمن عليها للمؤمن، وهذه الحالات نصت عليها المادة (366) تجارة بحرية، وسنتناول كل حالة منها بشكل منفصل.

أ-انقطاع أخبار السفينة

تعد تلك الحالة من أقدم وأهم حالات الترك التي ظهرت على أرض الواقع العملي في مجال التأمين البحري، يقصد بانقطاع أخبار السفينة ألا يصل منها أي اتصال أو إشارة من أي نوع يستدل منها على حالتها أو مكان تواجدها، ولا يمكن الاتصال بها بأي طريقة من طرق الاتصال، سواء بميناء القيام أو ميناء الوصول، بحيث لا يتمكن أحد من تحديد مكانها أو حالتها لمدة زمنية، وهذه المدة الزمنية حددتها المادة (367) من قانون التجارة البحرية الأردني، حيث قررت مدد زمنية مختلفة في شأن تحديد اعتبار السفينة منقطعة الأخبار، وهذه المدد تختلف باختلاف نوع السفينة على النحو التالي:

  • إذا كانت السفينة التي انقطعت أخبارها هي سفينة بخارية، فإن مدة انقطاع أخبارها المعتبرة في نظام الترك هي أربعة أشهر من تاريخ تسلم آخر خبر منها.
  • إذا كانت السفينة من السفن الشراعية التي لا تعبر رأسي هورن ورأس الرجاء الصالح، فإن مدة انقطاع أخبارها المعتبرة في نظام الترك هي ستة أشهر من تاريخ تسلم آخر خبر منها.

  • أما إذا كانت السفينة من السفن الشراعية التي تعبر رأسي هورن ورأس الرجاء الصالح، فإن مدة انقطاع أخبارها المعتبرة في نظام الترك هي ثمانية أشهر من تاريخ تسلم آخر خبر منها.

فإذا مرت أياً من تلك المدد على السفن المحددة قرين كل منها بدءاً من تاريخ استلام آخر خبر منها، فإنه وبانتهاء تلك المدة يكون من حق المؤمن له أن يطالب بتطبيق نظام الترك عليه، وحصوله على قيمة التأمين بأكمله نظير ترك السفينة للمؤمن، وذلك لكونها قد أصبحت في حكم الهالكة.

ب-اختفاء السفينة

أما اختفاء السفينة فيقصد به عدم ظهورها في أياً من الموانئ التي تقع في طريق رحلتها البحرية، بحيث لا يمكن الوقوف على مصيرها النهائي الذي آلت إليه، ولا يمكن التقاطها عبر أي وسيلة من وسائل المراقبة البحرية كالرادارات، وبوجه عام ألا يمكن تقفي أثرها لا في ميناء القيام ولا الوصول ولا حتى الموانئ الواقعة على طريق رحلتها البحرية، أو التي كان يجب عليها أن ترسو بها خلال رحلتها.

وبالتالي فإنه متى اختفت السفينة ولم يستدل لها على أثر، فإن المؤمن له يحق أن يتحصل على التأمين كاملاً، مع ترك السفينة ونقل حقوقه عليها للمؤمن.

إلا أن هناك ملاحظة هامة تتمثل في أنه وإن كان المشرع الأردني قد أورد اختفاء السفينة كسبب لتطبيق نظام الترك، فإنه لم يحدد المدة التي بمرورها يمكن اعتبار السفينة مختفية، ولم يوضح ما إذا كانت المدد الموضحة لانقطاع الأخبار هي ذاتها المطبقة على المدة التي تعد بمرورها السفينة مختفية؟ أم هي المدة المعقولة التي يكون من سلطة قاضي الموضوع القيام بتقديرها وفقاً لظروف كل حالة؟ أم هي مدة أخرى يتم تحديدها بناء على أسس محددة؟ إلا أن المشرع لم يحدد مدة معينة لذلك.

ج-التلف الكلي

يختلف التلف الكلي عن الهلاك في أن الهلاك يشار به إلى الخسارة الكاملة للسفينة وانعدام وجودها، كوصف للسفن الغارقة أو المتحطمة تماماً، في حين أن التلف الكلي يشار به إلى السفينة الموجودة بالفعل، ولكنها في حالة تعجز معها تماماً عن أداء مهمتها التي وجدت من أجلها، كما لو كانت مشطورة إلى جزئين أو أكثر، أو غرقت بشكل جزئي في المياه بحيث تفوق قيمة إصلاحها قيمة السفينة ذاتها[3]، أو أصبحت في حالة لا يمكن معها أن يتم تعويمها مرة أخرى.

ومتى صدق وصف التلف الكلي على السفينة، فيصبح للمؤمن له الحق في أن يتسلم قيمة التأمين نظير تركه السفينة للمؤمن.

د- عدم صلاحية السفينة للملاحة لتعرضها لحادث قهري

في تلك الحالة نجد أن القانون قد أعطى للمؤمن له الحق في تقاضي قيمة التأمين كاملة نظير تركه للسفينة محل التأمين للمؤمن، وذلك متى تعرضت السفينة لحادث بحري قهري نتج عنه أن أصبحت السفينة غير صالحة للقيام برحلتها البحرية، بحيث تفقد القدرة على الملاحة البحرية.

إلا أن القانون قد تطلب لتحقق هذه الحالة شرطاً إضافياً، وهذا الشرط قوامه أن يكون الحادث البحري الذي تعرضت له السفينة قد تحقق به أحد الأخطار البحرية التي يغطيها التأمين، أي أن يكون أحد أسباب وقوع الحادث خطراً من الأخطار المؤمن ضدها، فإذا كان الحادث قد نتج عن خطر بحري لا يشمله التأمين، فإن المؤمن له لا يحق له التمسك بتطبيق نظام الترك، ولا يحصل على قيمة التأمين باعتبار الخطر البحري المتسبب في الحادث يخرج عن إطار التأمين المبرم على السفينة، كما هو الحال في أن يكون التأمين ضد الغرق، فيشب حريق في السفينة يجعلها غير صالحة للملاحة، فهنا لا يحصل المؤمن له على ميزة الترك.

ونود أن ننوه لنقطة هامة قد لا يلاحظها البعض، وهي أن هذه الحالة تستلزم أن تكون السفينة قد فقدت قدرتها تماماً على الملاحة البحرية، بحيث لا توجد طريقة في الميناء الذي ترسو فيه لإصلاحها، وبالتالي تنتفي حالة تطبيق نظام الترك متى كان هناك طريقة لإصلاح السفينة واستعادة قدرتها على الملاحة في الميناء الذي تتواجد فيه السفينة.

وقد وضع المشرع معياراً لتحديد مدى صلاحية السفينة للملاحة من عدمه في حالات الترك، وذلك فيما نص عليه بالمادة (369) من قانون التجارة البحرية من أن السفينة تعتبر غير صالحة للملاحة البحرية متى كان إجمالي قيمة تصليحها وترميمها من التلفيات التي أحدثها هذا الحادث القهري تتجاوز 75% من القيمة المقبولة للسفينة، وبالتالي إذا كانت قيمة تصليح السفينة وإعادة قدرتها على الملاحة لا تتجاوز 75% من القيمة المقبولة لها، فإن تصليحها لاستكمال رحلتها البحرية يكون واجباً، ولا تتوافر مقومات طلب المؤمن له لتطبيق نظام الترك.

هـ- ضبط السفينة أو توقيفها خلال الحرب

تستلزم هذه الحالة كشرط رئيسي وأساسي لتطبيق نظام الترك أن يكون التأمين المبرم على السفينة يشتمل على تغطية مخاطر الحرب، بحيث إذا لم يكن التأمين مغطياً لمخاطر الحرب، فلا مجال لإعمال هذه الحالة وتطبيق نظام الترك.

وبالتالي فإنه حتى وإن كانت السفينة قد تم ضبطها أو استيقافها من قبل سلطات دولة ما، ولم تكن هناك حالة حرب قائمة، فإن تلك الحالة لا تتحقق، ولا يكون للمؤمن له الحق في الحصول على التأمين لانتفاء عناصر الترك.

2- حالات ترك البضاعة المؤمن عليها

ننتقل إلى الحالات التي يكون فيها التأمين منصباً على البضائع التي تحملها السفينة، ويتم تطبيق نظام الترك عليها، بحيث يكون محل الترك هو البضائع لقاء الحصول على قيمة التأمين، وهذه الحالات نصت عليها المادة (371) تجارة بحرية، والتي نصت في مستهلها على شرط رئيسي يلزم أن يكون قائماً وتقع تلك الحالات في ظل تحقق، ألا وهو أن يكون الأمر متضمناً لخطر من الأخطار المؤمن ضدها، وهو شرط محوري يلزم التأكد من تحققه قبل بحث حالة الترك التي يتم التمسك بها، لأنه متى لم يكن ضمن أسباب تحقق الحالة أياً من الأخطار المؤمن ضدها، فلا يتم بحث توافر تلك الحالة من حيث الأصل لعدم توافر الشرط الرئيسي، وسنتناول كل حالة من حالات جواز ترك البضائع بشكل مستقل.

أ-انقطاع أخبار البضائع

تماثل تلك الحالة حالة انقطاع أخبار السفينة في حالة أن تكون السفينة هي محل التأمين والمستهدفة بالترك، فالبضائع المؤمنة أيضاً يمكن للمؤمن له أن يتركها للمؤمن نظير حصوله على كامل التأمين، وذلك متى اختفت السفينة التي على متنها البضائع المؤمنة، وينطبق على ذلك الانقطاع ذات المدد الزمنية التي استلزم القانون مرورها في حالات انقطاع أخبار السفينة، وعلى ذلك تكون البضائع المؤمنة منقطعة الأخبار على النحو التالي:

  • إذا كانت البضائع التي انقطعت أخبارها تنقلها سفينة بخارية، فإن مدة انقطاع أخبارها المعتبرة في نظام الترك هي أربعة أشهر من تاريخ تسلم آخر خبر منها.
  • إذا كانت البضائع التي انقطعت أخبارها تنقلها سفينة من السفن الشراعية التي لا تعبر رأسي هورن ورأس الرجاء الصالح، فإن مدة انقطاع أخبارها المعتبرة في نظام الترك هي ستة أشهر من تاريخ تسلم آخر خبر منها.

  • أما إذا كانت الضائع التي انقطعت أخبارها تنقلها سفينة من السفن الشراعية التي تعبر رأسي هورن ورأس الرجاء الصالح، فإن مدة انقطاع أخبارها المعتبرة في نظام الترك هي ثمانية أشهر من تاريخ تسلم آخر خبر منها.

  • وبانقضاء المدد الزمنية السابقة وفقاً لكل حالة، فإن البضائع المؤمنة يصدق عليها وصف انقطاع الأخبار، ويحق للمؤمن المطالبة بتطبيق نظام الترك، وتقاضيه لكامل قيمة التأمين، مع تركه للبضائع المؤمنة ونقل ملكيتها للمؤمن.

    ب- عدم صلاحية سفينة النقل للسفر

    قرر القانون أحقية المؤمن له في المطالبة بتطبيق نظام الترك على البضائع المؤمنة، وذلك متى أصاب سفينة النقل أمراً طارئاً جعلها غير صالحة للقيام برحلة النقل البحرية، وذلك متى توافرت الشروط التالية:

    • أن يكون ما طرأ على السفينة وجعلها غير صالحة لنقل البضائع المؤمنة هو سبب بحري طارئ، أي أنه سبب مستحدث ولم يكن قائماً من قبل.
  • أن يكون هناك تعذر في نقل البضائع المؤمنة بعد مرور المدد الزمنية الآتية:

    • أربعة أشهر متى كان الحادث الذي وقع لسفينة النقل قد وقع على شواطئ، أو جزر أوروبا، أو ساحل أفريقيا، أو ساحل آسيا المتاخمين للبحر المتوسط، أو ساحل آسيا المتاخم للبحر الأسود، أو شاطئ من شواطئ الأوقيانوس الأطلسي أو جزيرة من جزره خارج أوروبا.
    • ستة أشهر متى كان الحادث الذي أصاب سفينة نقل البضائع المؤمنة قد وقع في أي شاطئ أو جزيرة خلاف الشواطئ والجزر المبينة سلفاً.

    وإن لم يكن نقل البضائع متعذراً فعلى الأقل أن يكون شحنها على سفينة نقل أخرى لم يبدأ خلال نفس هذه المدد الموضحة.

    على أن يتم البدء في احتساب المدد الزمنية الموضحة أعلاه من التاريخ الذي تم فيه توجيه إخطار من المؤمن له للمؤمن، والذي يبلغه بموجبه أن السفينة أصبحت غير صالحة للملاحة البحرية ولا يمكنها استكمال رحلتها، ووضع المشرع عذراً لامتداد تلك المدة وذلك متى كان الحادث الذي وقع للسفينة التي تنقل البضائع قد وقع في منطقة من مناطق انقطاع الملاحة البحرية، سواء كان بسبب تجمد المياه أو أي قوة قاهرة، فيتم تمديد هذه المدد بذات الفترة التي ظل فيها انقطاع الملاحة وأسبابه قائماً.

    ج- بيع البضائع خلال الرحلة البحرية

    تعد أيضاً من ضمن حالات الترك الحالة التي يضطر فيها المؤمن له لبيع البضائع المؤمنة، وذلك شريطة أن تتوافر ثلاث شروط في هذا البيع، وهذه الشروط هي:

    • أن يكون البيع قد تم بسبب خسائر أو تلفيات مادية طرأت على البضائع، فإذا كان البيع لتحقيق كسب أو قضاء أحد احتياجات تخص السفينة أو الرحلة فلا يعد هذا الشرط متحققاً.
    • أن يتم البيع خلال الرحلة البحرية وأثناء السفر، وبالتالي إذا تم البيع في ميناء القيام قبل السفر أو في ميناء الوصول بعد انتهاء الرحلة البحرية فلا يتحقق هذا الشرط.
    • أن يكون السبب في حدوث الخسائر أو التلفيات التي دعت لبيع البضائع يرجع لخطر من الأخطار التي يغطيها التأمين[4].

    د- التلف والهلاك الجزئي للبضائع

    متى أصاب البضائع المؤمنة تلف أو هلاك جزئي يساوي أو يزيد عن ثلاثة أرباع (75%) من قيمة البضائع، وبالتالي إذا كانت التلفيات التي منيت بها البضائع لا تبلغ ثلاث أرباع قيمتها، فلا يتحقق الشرط الأساسي لقيام تلك الحالة من الحالات التي يجيز فيها القانون للمؤمن له الترك.

    هـ- ضبط السفينة أو استيقافها من السلطات أو اغتصاب القراصنة لها

    وضعت تلك الأسباب جميعها – ضبط السفينة، واستيقافها بأمر السلطات، واغتصابها من قبل القراصنة – في موضع واحد، ويرجع ذلك إلى أنها تتطلب لتحققها شرط مشترك ورئيسي، وهو أن تكون أخطار الحرب ضمن المخاطر التي يغطيها التأمين، وبالتالي إذا تحققت إحدى هذه الأسباب ولم يكن التأمين متضمناً مخاطر الحرب، فلا يحق للمؤمن له التمسك بتطبيق نظام الترك على البضائع.

    ثالثاً: إجراءات التمسك بتطبيق الترك

    يعد نظام الترك من الأنظمة الاختيارية وليس الإجبارية، فلا يتم فرضه بحكم القانون، ولكن متى تحققت إحدى حالاته يكون للمؤمن له أن يتمسك به أو يتركه فالأمر جوازياً له، ولذلك فإن تطبيق نظام الترك يستلزم بداية أن يتم المطالبة به عن طريق صاحب الحق فيه وهو المؤمن له، وبالتالي فإن هذا الأمر يستدعي اتباع بعض الإجراءات التي سنوضحها تباعاً.

    1- إبداء المؤمن له عن رغبته في الترك

    كما سبق وأن أشرنا فإن الترك هو نظام جوازي للمؤمن له، ومتى رغب في تطبيقه حال تحقق شروطه، فإنه يجب عليه بداية أن يوضح عن تلك الرغبة بشكل واضح، وذلك في إخطار يقوم بتوجيهه إلى المؤمن، ويتضمن ذلك الإخطار تصريحاً من المؤمن له برغبته في ترك المؤمن عليه – سفينة أو بضائع – مقابل الحصول على قيمة التأمين.

    2- التصريح ببعض البيانات الإلزامية

    يلزم على المؤمن له في إخطاره للمؤمن برغبته في التمسك بنظام الترك، أن يصرح ببعض البيانات الإلزامية، وقد أورد المشرع بياناً بتلك البيانات في نص المادة رقم (376) من قانون التجارة البحرية، وهذه البيانات تخص كافة ما هو مبرم على الشيء المؤمن عليه من تأمينات أو قروض بحرية، فإذا كان هناك تأمين على السفينة أو البضائع، أو قرضاً تم الحصول عليه بضمان أحدهما، فيجب عليه أن يصرح بجميعها.

    وقد جعل المشرع عقوبة المؤمن له الذي يقوم بالإدلاء بتصريح غير حقيقي وبسوء نية، وذلك بإغفال أحد التأمينات أو القروض المبرمة على المؤمن عليه، أن يتم حرمانه من منافع التأمين، وعدم قدرته على التمسك بتطبيق نظام الترك.

    3- التمسك بالترك بشكل منجز وكلي

    حظر القانون عند التمسك بتطبيق نظام الترك أن يتم ذلك التطبيق بشكل جزئي، أي على جزء من البضائع المؤمن عليهاً مثلاً، حيث ألزم المؤمن له عن التمسك بتطبيق نظام الترك أن يتم استهداف كامل الشيء المؤمن عليه، بحيث يتم تركه بأكمله للمؤمن وليس جزء منه فقط.

    كما حظر أيضاً تعليق الترك على أي شرط بغض النظر عن نوعه أو مضمونه، فيجب أن يكون التمسك بتطبيق نظام الترك طليقاً من أي قيود أو شروط.

    رابعاً: الآثار المترتبة على الترك

    متى أعلن المؤمن له عن رغبته في الترك وأخطر بها المؤمن، وصرح له عن كامل التأمينات والقروض المبرمة على الشيء المؤمن عليه، وتمسك بالترك بصورة منجزة وشاملة، فإن الأمر هنا لا يخرج عن تحقق أثر من أثرين، الأول هو أن يقبل المؤمن الترك، والثاني هو أن يرفضه.

    1- حالة قبول المؤمن للترك

    إذا قوبل إخطار المؤمن له بالترك قبولاً لدى المؤمن، بحيث عبر صراحة عن قبوله لتطبيق نظام الترك مع المؤمن له، فإن هذا القبول يترتب عليه بعض الآثار القانونية التي نجملها في:

    • بمجرد صدور القبول من المؤمن يصبح مالكاً للشيء المؤمن عليه – سفينة كان أم بضائع – بشكل كامل، ولا تبدأ ملكيته له من تاريخ القبول، ولكن تنسحب ملكيته على الشيء المؤمن عليه لتصبح ثابتة بأثر رجعي منذ تاريخ حدوث الكارثة أو الحادث الذي ترتب عليه الترك.
  • يتحصل المؤمن له من المؤمن على كامل قيمة مبلغ التأمين المتفق عليها، وذلك باعتبار أن الشيء المؤمن عليه قد هلك، وبالتالي يستحق المؤمن له التأمين كاملاً.

  • 2- حالة رفض المؤمن للترك

    أما إذا قوبل طلب المؤن له بالرفض من قبل المؤمن، وأبى الأخير أن ينفذ ويطبق نظام الترك، فإن للمؤمن له عندئذ الحق في إقامة دعوى الترك أمام القضاء، وذلك حتى يستطيع إثبات تحقق إحدى الحالات التي تجيز له تطبيق نظام الترك، فيتحصل على حكماً قضائياً بذلك.

    وقد حدد المشرع في نص المادة (374) من قانون التجارة البحرية مدة سقوط حق المؤمن له في إقامة دعوى الترك أمام القضاء، وهي مدة ستة أشهر تحتسب من تاريخ تسلم خبر هلاك أو توقيف أو ضبط الشيء المؤمن عليه، وتحتسب من تاريخ انتهاء المدد المحددة بنص المادة (367) والخاصة بحالات الترك لانقطاع الأخبار، كما تحتسب من تاريخ انتهاء المدد المحددة بنص المادة (371) والخاصة بترك البضائع لعدم صلاحية سفينة النقل لاستكمال رحلتها، وبوجه عام في الحالات الأخرى تحتسب من تاريخ ثبوت حق المؤمن له في المطالبة بتطبيق نظام الترك.

    خامساً: الخاتمة

    باعتبار أن الحالات التي تم تحديدها واشترط القانون تحقق إحداها ليتمكن المؤمن له من تطبيق نظام الترك هي حالات محددة على سبيل الحصر وليس المثال، فهي تعد بمثابة استثناءات على القاعدة العامة، وهو ما حدا بالمشرع إلى تنظيمها بشكل حصري ومحدد في القانون، وقد جاء تنظيمه لها خالياً من أي ثغرات عدا ثغرة وحيدة، وتتمثل تلك الثغرة في عدم ربط اعتبار السفينة مختفية بمدة محددة، والتي يمكن معالجتها بإضافة مادة تعالج مدة الاختفاء لغايات الترك، أسوة بما فعله المشرع في نص المادة (367) حينما حدد مدة انقطاع الأخبار لغايات الترك، وحتى يسهل معرفة متى يحق للمؤمن له بعد اختفاء السفينة أن يستخدم حقه في المطالبة بتطبيق نظام الترك.

    كتابة: أحمد عبد السلام

    [1] – علي بن غانم – التأمين البحري وذاتيته في الجزائر – ط2 – ديوان المطبوعات الجامعية – الجزائر – 2005 – ص66.

    [2] – مصطفى كمال طه – أساسيات القانون البحري: دراسة مقارنة – ط1 – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2006 – ص 472.

    [3] – عبد القادر العطير وباسم ملحم – الوسيط في شرح قانون التجارة البحرية – ط1 – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2009 – ص561.

    [4] – بهجت قايد – العقود البحرية – ط1 – دار النهضة العربية – مصر – 1996 – ص318.

    Scroll to Top