استحقاق السفينة لأجرة نقل البضائع
من الآثار الرئيسية والأساسية لإبرام عقد النقل هو نشوء التزامات تعاقدية على طرفيه، وذلك باعتباره عقداً ملزماً للطرفين، فينشأ التزام رئيسي على عاتق الناقل قوامه التعهد بنقل البضائع بسلام من ميناء الشحن إلى ميناء التفريغ، كما ينشأ التزام رئيسي مقابل على عاتق المتعاقد مع الناقل قوامه سداد أجرة النقل إلى الناقل.
وبالاطلاع على نصوص مواد قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته، فقد تبين لنا أن هناك حالات أوردها القانون قرر بموجبها لمؤجر السفينة أن يطالب بأجرتها، وحالات أخرى حظر فيها عليه أن يطالب بها، وحالات يفرضها الواقع العملي ويخلو القانون من تنظيم لها، ونظراً لأهمية هذا الموضوع فقد ارتأينا أن نتخذه موضوعاً لهذا المقال.
أولاً: أجرة السفينة وأجرة النقل
ثانياً: حالات استحقاق أجرة السفينة
ثالثاً: حالات سقوط حق المؤجر في المطالبة بأجرة السفينة
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: أجرة السفينة وأجرة النقل
بداية يلزم أن نوضح ماهية أجرة السفينة في نقل البضائع التي ينصب عليها هذا المقال، والتي تصدى لها الفقه القانوني بأكثر من تعريف، ولعل من أهم وأبرز هذه التعاريف أن الأجرة هي قيمة عملية نقل البضائع على السفينة، أو قيمة تأجير السفينة، وذلك بغض النظر عن الشكل الذي تم إبرام العقد عليه[1]، وأيضاً تعريفها بأنها المقابل الذي يقع على عاتق الشاحن أو المرسل إليه أن يؤديه إلى الناقل، نظير قيام الأخير بنقل البضائع إليه من ميناء القيام إلى ميناء الوصول.
كما عرفها الجانب الأكبر من الفقه القانوني الأردني تعريفاً مزدوج، حيث عرفها بأنها المقابل الذي يتحمل الطرف المستفيد من عملية النقل – سواء كانت صفته مستأجر أو شاحن أو مرسل إليه – الالتزام بسدادها للناقل، وذلك في مقابل أن يقوم الأخير بنقل البضائع محل النقل عبر البحر من ميناء إلى ميناء آخر، أما إذا كان الالتزام بسدادها موجهاً للمؤجر باعتبارها بدلاً لانتفاعه بالسفينة لفترة محددة، أو لرحلة محددة أو أكثر[2].
ولعل السبب في تعريف الفقه الأردني للأجرة تارة على أنها أجرة النقل، وتارة أخرى على أنها أجرة الانتفاع بالسفينة، هو أن المشرع الأردني قد جمع بين مصدر هذين النوعين من الأجرة في نص قانوني واحد، وهو نص المادة (177) من قانون التجارة البحرية الأردني، حيث تضمن هذا النص عقدي إيجار السفينة والنقل البحري، وهو ما رسخ في أذهان الجميع وحدة هذين العقدين، ونتج عنه خلط بين هذين العقدين وبالتالي انتقل هذا الخلط إلى الأجرة المستحقة نظير الانتفاع بالسفينة، ونظيرتها المستحقة عن عملية النقل ذاتها.
إلا أننا نود أن نوضح منعاً للخلط أن المستهدف بالمناقشة في هذا المقال هي أجرة السفينة نظير الانتفاع بها، وليس الأجرة الخاصة بعملية النقل ذاتها، فالسفينة لها أجرة تسدد من مستأجرها إلى مالكها، بينما عملية النقل ذاتها تسدد أجرتها من الشاحن أو المرسل إليه للناقل، وكمثال توضيحي إذا كان الناقل البحري لا يمتلك سفينة، ولكنه يستأجرها من مالكها للقيام بعمليات النقل، فإن الأجرة التي يسددها الناقل كمستأجر لمالك السفينة هي الأجرة المستهدفة، وهذه الأجرة لا تظهر في حالة أن يكون الناقل البحري هو مالك سفينة النقل.
وبالطبع فإن استحقاق مؤجر السفينة لأجرتها، وثبوت أحقيته في المطالبة بها، يستلزم أن تكون الأجرة واجبة ونافذة، أي أنها لم تصب بأي سبب من أسباب سقوطها أو عدم استحقاقها، وبالتالي فإن حالات استحقاق المؤجر لأجرة السفينة، وثبوت أحقيته في مطالبة مستأجر السفينة – الناقل – بأدائها، لا تقتصر على الحالات التي يكون المؤجر فيها قد نفذ التزامه، بل هناك حالات يحق للمؤجر أن يطالب بأجرة السفينة حتى وإن لم يكن المستأجر قد انتفع بها فعليا، لذلك فقد حدد قانون التجارة البحرية الأردني حالات استحقاق المؤجر لأجرة السفينة التي تستخدم في نقل البضائع، وسوف نتعرض إليها تباعاً في الجزء التالي من المقال.
ثانياً: حالات استحقاق أجرة السفينة
يقصد بها الحالات التي قرر فيها القانون أحقية مؤجر السفينة في أن يطالب مستأجرها بالأجرة المستحقة عليه نظير تأجيرها له، وهذه الحالات قررها المشرع الأردني في نصوص ومواد قانون التجارة البحرية، وسوف نتناول كل حالة من تلك الحالات بشكل منفصل، وبصورة فيها بعض الإيجاز الذي لا يخل بالمضمون.
1- قيام المؤجر بوضع السفينة المستأجرة رهن تصرف المستأجر
قرر المشرع الأردني أحقية المؤجر في مطالبة المستأجر بقيمة الأجرة المستحقة عن استئجاره للسفينة، وذلك متى وضعها تحت تصرف المستأجر، بحيث يكون في إمكان واستطاعة الأخير أن ينتفع بها متى شاء.
وهذه الحالة لم يرد النص عليها بشكل صريح، ولكنه تم بصورة ضمنية يستدل عليها من سياق المادة رقم (178) تجارة بحرية، والتي قررت ما يلي (على السفينة أن تكون مستعدة لتقبل البضائع في الوقت المعين وفي مكان التحميل المتفق عليه أو العادي، ……..)، وذلك مع ما جاء بصدر نص المادة (176) من ذات القانون، والتي قررت أن (تلزم الأجرة السفينة من يوم وضعها تحت تصرف مستأجرها …..)، ومن مضمون هذين النصين يتبين لنا أن أجرة استئجار السفينة تصبح مستحقة للمؤجر ويستطيع أن يطالب بها المستأجر، وذلك منذ اليوم الذي يقوم فيه المؤجر وفي المكان والزمان المحددين بالعقد بوضع السفينة المستأجرة رهن تصرف المستأجر، وأن يصبح الأخير قادراً على الانتفاع بها، على أن تكون السفينة صالحة ومعدة للاستخدام الذي تم تأجيرها من أجله، وهو أن تكون مستعدة لتقبل البضائع المنقولة على ظهرها.
وبالتالي فإن تخلف المؤجر عن وضع السفينة رهن تصرف المستأجر في المكان والزمان المتفق عليه فيما بينهما بعقد استئجار السفينة، أو فعل، ولكن كانت السفينة غير مستعدة لتقبل البضائع المنقولة على ظهرها، فإن حقه في المطالبة بالأجرة يسقط، وتصبح ذمة المستأجر بريئة من قيمة تلك الأجرة، ويمكننا القول إن الأجرة تستحق بالتسليم الحكمي للسفينة، والتسليم الحكمي هو وضعها رهن تصرف المستأجر سواء استخدمها أم لم يستخدمها.
2- تخلف المستأجر عن وضع البضائع تحت روافع السفينة
ثاني حالات استحقاق المؤجر لأجرة السفينة وقدرته على المطالبة بها هي حالة أوردها قانون التجارة البحرية بشكل صريح، وذلك بنص المادة (183) منه، والتي نصت على أنه (إذا لم يأت الواسق إلى تحت الروافع بكمية البضائع المتفق عليها فتلزمه الأجرة لكامل السفرة عن هذا الوسق ……..)، والمقصود بالواسق هنا هو الشاحن، وهو الشخص القائم على عملية شحن البضائع وصولاً إلى ظهر السفينة أو عنابر التخزين في السفينة[3].
وبالتالي فإنه متى تخلف المستأجر عن إحضار البضائع محل النقل تحت روافع السفينة المستأجرة بميناء التحميل والشحن، وذلك في الزمان المحدد والمتفق عليه مع المؤجر، وأحضر المؤجر سفينته في الموعد بينما لم تصل البضائع تحت روافع السفينة، فإن ذلك يعتبر عدولاً ورجوعاً من المستأجر يمثل إخلالاً بالتزاماته التعاقدية، وبالتالي يصبح ملتزماً بأداء أجرة السفينة للمؤجر، ويكون للأخير المطالبة بتلك الأجرة التي أصبحت مستحقة له، وذلك جميعه يصدق فقط على مستأجر السفينة بالرحلة فقط دون سواه من مستأجري السفن بالمدة الزمنية أو غيرها.
ونود أن ننوه هنا إلى أن المشرع قد اشترط أن يكون رجوع المستأجر – الشاحن – في الإيجار بالرحلة عن إيجار السفينة ثابتاً ومؤكداً، وذلك في شكل عدم إحضاره للبضائع المنقولة تحت روافع السفينة في الزمان المتفق عليه، فلا يعتبر التأخر في إحضار البضائع بمثابة رجوع عن الإيجار، بل يدخل في إطار التأخر المسبب للضرر والذي يستوجب التعويض.
3- أن يتسبب المستأجر أو من يخلفه بخطأ أو إهمال منه في عدم تمام تسليم البضائع للمرسل إليه
تعتبر القاعدة العامة هي أن أجرة السفينة لا تستحق للمؤجر، وذلك متى لم يتم تسليم البضائع المنقولة على السفينة للمرسل إليه سواء تسليماً فعلياً أو حكمياً، والتسليم الحكمي هو وضعها تحت تصرف المرسل إليه، بحيث لا يحول دون استلامه لها أي مانع، فإذا لم يتم تسليمها وفقاً لما هو متفق عليه فلا يحق للمؤجر المطالبة بالأجرة، وقد رسخت المادة (184/أ) تجارة بحرية لهذه القاعدة.
كما رسخت أيضاً ذات المادة في ذات فقرتها استثناء يرد على تلك القاعدة، ويتمثل هذا الاستثناء في استحقاق المؤجر لأجرة السفينة متى كان عدم تسليم البضائع المنقولة للمرسل إليه عائداً إلى خطأ أو إهمال صدر من المستأجر الواسق نفسه، أو إلى أياً ممن يخلفونه في هذا الحق، ونرى هنا أن هذه القاعدة واستثنائها تتمحور حول تسليم البضائع، وذلك باعتباره هو محور عملية النقل، والذي بتمامه ينتهي التزام الناقل البحري[4]، وبالتالي عدم تمام التسليم بوجه عام يجعل الأجرة غير ملزمة، بينما إذا كان عدم التسليم يرجع بوجه خاص إلى خطأ المستأجر الواسق أو أياً ممن يخلفه فإن الأجرة تصبح لازمة، ويحق للمؤجر المطالبة بها.
4- أن يتم الالتجاء لبيع البضائع خلال نقلها بشكل اضطراري لتعيبها
وفقاً لما ورد بقانون التجارة البحرية بالمادة (184/ ب) منه، فإن إصابة البضائع المنقولة بأية عيوب أثناء الرحلة البحرية، ونتج عن ذلك أن أصبحت هناك ضرورة ملحة لبيع تلك البضائع بشكل سريع منعاً لتلفها أو فسادها، وهو ما ترتب عليه عدم تسليمها للمرسل إليه، فإن ذلك جميعه يجعل أجرة السفينة لازمة، ويحق للمؤجر عندئذ أن يطالب بها.
فتلك الحالة يلزم لقيامها ولاستحقاق المؤجر لأجرة السفينة أن يتوافر بعض الشروط وهي:
- ألا تكون البضائع قد سلمت إلى المرسل إليه، كما أنها لا تكون قد وضعت رهن تصرفه أيضاً.
- أن يصيب البضائع تلف أو عيب يقضي بضرورة بيعها حتى لا تفسد أو تتلف بالكامل.
- أن يكون تعيب البضائع أو تلفها قد تم أثناء رحلة النقل البحرية.
5- أن يدخل هلاك البضائع ضمن الخسائر البحرية المشتركة
قرر المشرع الأردني بنص المادة (184/ج) تجارة بحرية حالة تستحق فيها الأجرة للمؤجر، حتى لو لم يتم تسليم البضائع للمرسل إليه تسليماً فعلياً أو حكمياً، وهذه الحالة قوامها يعتمد على شرطين، الأول هو أن تكون البضائع التي يتم نقلها قد هلكت قبل التسليم، والثاني هو أن تدخل تبعة هذا الهلاك ضمن ما يعرف بالخسائر المشتركة.
والخسائر المشتركة تكفل المشرع الأردني بتعريفها في المادة (262) من ذات القانون، حيث عرفها بأنها “الخسائر البحرية المشتركة هي ما ينتج من أضرار وهلاك أشياء ونفقات استثنائية عن هلاك أقدم عليه الربان قصداً للمنفعة المشتركة ومجابهة لخطر تعرضت له الرحلة، …….).
ومثال لتوضيح تلك الحالة ان تتعرض السفينة المؤجرة خلال رحلة النقل إلى ظروف جوية صعبة وخطيرة، والتي تقتضي من الربان أن يقوم بالتخلص من جزء أو كل البضائع التي يتم نقلها لتخفيف حمولة السفينة تجنباً لغرقها أو لتلف البضائع بأكملها، فهنا يعد الجزء الذي تم التخلص منه بمنزلة الخسائر المشتركة، ويستحق المؤجر أجرة السفينة عن هذا الجزء من البضائع المنقولة والذي تم التخلص منه.
6- أن يكون هلاك البضائع قبل التسليم يرجع لعيب خاص بها
يقصد بهذه الحالة أن يكون هلاك البضائع المنقولة على السفينة المؤجرة قبل تسليمها للمرسل إليه عائداً إلى عيب ذاتي أو خفي فيها، أو عائداً للطبيعة الخاصة بتلك البضائع، وهو ما أورده المشرع بالمادة (184/د) تجارة بحرية، وقرر للمؤجر في تلك الحالة استحقاق أجرة السفينة عن تلك الرحلة بغض النظر عن عدم تمام التسليم.
فعلى سبيل المثال إذا كانت البضائع المنقولة عبارة عن حبوباً قابلة للاستنبات، فأدى هواء البحر وما يحمله من رطوبة في استنباتها، أو كانت جلوداً غير معالجة لمواجهة ظروف الرطوبة، مما أدى إلى إصابتها بالعفونة، أو كان ذلك التلف والعفونة راجعاً إلى المستأجر لخطئه في تغليفها وحفظها بالشكل الصحيح، فيبقى التزام سداد أجرة السفينة قائماً في حق المستأجر قبل المؤجر[5].
وقد أورد المشرع بذات المادة ونفس الفقرة حكماً يخص الحالة التي تكون فيها البضائع المنقولة عبارة عن حيوانات حية، ثم تموت هذه الحيوانات أثناء النقل، فإن الأجرة الخاصة بالسفينة لا تسقط إلا في الحالة التي يكون موت هذه الحيوانات راجعاً لخطأ صدر من الناقل، أما إذا كان سبب وفاتها هو أي سبب آخر لا يرجع إلى الناقل.
7- وقف السفينة خلال سفرها بأمر من السلطات أو حادث طارئ لا يد للربان أو المؤجر فيه
قررت المادة (187) من قانون التجارة البحرية الأردني حالة أخرى تستحق فيها أجرة للمؤجر، حتى لو لم يتم التسليم الفعلي أو الحكمي للبضائع المنقولة، وهذه الحالة هي أن تتوقف السفينة عن استكمال رحلة النقل البحرية لأحد سببين:
- السبب الأول: هو أن يتم توقيف السفينة بناء على أمر تصدره السلطة التابعة لدولة من الدول، وبناء عليه لا تستكمل رحلتها البحرية.
- السبب الثاني: أن يكون توقف السفينة عن استكمال رحلتها البحرية هو حادث لا يرجع إلى خطأ الربان أو مؤجر السفينة.
فإذا ما تحقق أحد هذين السببين، ونتج عن ذلك أن توقفت السفينة عن استكمال رحلتها البحرية، فإن أجرة السفينة تستحق للمؤجر، ويصبح له الحق في المطالبة بها فقط، دونما أي زيادة عن المتفق عليه أو استحقاق لأي تعويض.
8- أن تتوقف السفينة عن استكمال رحلة النقل بسبب قوة قاهرة
جاء ذكر هذه الحالة في المادة رقم (188) تجارة بحرية، والتي تضمنت استحقاق المؤجر لأجرة السفينة حتى وإن لم تستكمل الرحلة البحرية المؤجرة من أجلها، وذلك متى كان عدم استكمالها لرحلتها قد حدث بسبب قوة قاهرة قد طرأت عليها بعد أن بدأت بالفعل في تلك الرحلة، وتسببت في عودتها إلى ميناء الشحن مرة أخرى، وفي تلك الحالة لا يستحق المؤجر أجرة الرحلة كاملة ذهاباً وعودة، بل يستحق فقط أجرة الذهاب، ولا يستحق أجرة العودة.
ويجدر بنا أن ننوه إلى أن توقف السفينة هنا لا يقصد به التوقف المؤقت، كما لو كانت القوة القاهرة قد أصابت السفينة بتلف يمكن إصلاحه في وقت بسيط، فعندئذ يلزم إصلاحها واستكمال الرحلة، فالتوقف المقصود هنا هو التوقف الذي يعوق اكتمال الرحلة البحرية وعملية نقل البضائع بشكل كلي.
ثالثاً: حالات سقوط حق المؤجر في المطالبة بأجرة السفينة
بعد أن انتهينا من الحالات التي قرر فيها المشرع استحقاق المؤجر لأجرة السفينة حتى وإن لم يتمكن مستأجرها من الانتفاع بها، فسوف ننتقل إلى الحالات التي قرر فيها المشرع عدم وجود أحقية للمؤجر في أن يطالب بأجرة السفينة، وتلك الحالات تعتبر بمثابة حالات سقوط لحق المؤجر في المطالبة بالأجرة.
1- عدم صلاحية السفينة للملاحة البحرية
يعتبر الالتزام الرئيسي الواقع على عاتق المؤجر في عقد إيجار السفينة هو أن يوفر للمستأجر السفينة المتفق على استئجارها، وهذه السفينة يجب أن تكون صالحة لخوض رحلات الملاحة البحرية، وأن تتوافر فيها كافة ما يتفق عليه بينهما في عقد الإيجار من مواصفات، فإذا لم تكن حالة السفينة على نحو يسمح لها بالملاحة البحرية، أو كانت تصلح لذلك ولكنها لا تتمتع بالمواصفات المتفق عليها في العقد أو التي تتطلبها ضرورة الرحلة وطبيعة البضائع التي يتم نقلها، فإن المؤجر يعد مخلاً بالتزامه التعاقد، وتسقط أحقيته في المطالبة بقيمة الأجرة.
2- تقديم سفينة تختلف عن السفينة المتفق عليها
تقتصر هذه الحالة على الحالة التي يكون فيها المشتري قد حدد سفينة معينة بالاسم، وهذه الحالة نص عليها قانون التجارة البحرية في مادته رقم (171)، حيث جعل التزام المؤجر الأساسي هو توفير سفينة معينة ومحددة بالاسم والذات، وذلك متى تضمن عقد الإيجار ذكراً لاسم السفينة المستأجرة، فلا تبرأ ذمة المؤجر من التزامه إلا بعد أن يضع هذه السفينة بعينها تحت تصرف المستأجر.
إلا أن المشرع في ذات المادة قد أجاز للمؤجر أن يبرئ ذمته من التزامه بالتسليم وذلك إذا قام باستبدال السفينة المسماة بسفينة أخرى، إلا أن تلك الإجازة يستلزم لسريانها تحقق شرطاً أساسياً، وهو أن تكون السفينة المسماة في العقد قد هلكت أو أصبحت في حالة لا تصلح معها للملاحة البحرية، وأن يكون ذلك الهلاك أو العطب قد طرأ عليها بعد بدء رحلتها البحرية كنتيجة لقوة قاهرة.
3– التخلف عن تسليم البضائع للمرسل إليه فعلياً أو حكمياً
وفقاً لمستهل نص المادة (184) تجارة بحرية فإن المشرع قد أسقط أحقية المؤجر في أجرة السفينة، وذلك متى لم يتم تسليم البضائع المنقولة للمرسل إليه – المستلم – أو التخلف عن تسليمها له حكمياً بوضعها رهن تصرفه، ففي الحالتين يعد المؤجر مخلاً بالتزامه بالتسليم هذا بالطبع ما لم يكن عدم التسليم راجعاً لأياً من الاستثناءات الواردة بتلك المادة، والتي تعرضنا لها بإسهاب في البند (ثانياً) من هذا المقال.
4- فسخ عقد إيجار السفينة لاستحالة التنفيذ بسبب قوة قاهرة
قرر المشرع الأردني بنص المادة (195) تجارة بحرية الحكم الخاص بمصير أجرة السفينة متى تم فسخ عقد إيجار السفينة لكون تنفيذه قد أصبح مستحيلاً، حيث اعتبر المشرع أن المؤجر في تلك الحالة لا يستحق أي أجرة عن السفينة متى تحقق ثلاث شروط:
- الشرط الأول: أن يكون تنفيذ العقد – سواء الإيجار أو النقل – قد أصبح مستحيلاً، والمقصود بالاستحالة هنا هو الاستحالة في صورتها المطلقة وليست النسبية، فإذا كانت الاستحالة مؤقتة كما لو أصيبت محركات السفينة بعطل يمكن إصلاحه خلال فترة بسيطة، فيظل عقد الإيجار قائماً، وتظل الأجرة بذات القيمة المتفق عليها دون أي زيادة، ولكن إذا كان ذلك التأخير حتى وإن كان بسيطاً ينتج عنه فسخ للعملية التجارية التي يتم النقل بشأنها والتي أبرم عقد إيجار السفينة من أجلها، ففي هذه الحالة يكون عقد الإيجار منفسخ حكماً، ولا يحق للمؤجر المطالبة بالأجرة[6].
- الشرط الثاني: أن تكون الاستحالة في التنفيذ قد نشأت كنتيجة لقوة قاهرة، فلا تكون راجعة لأحد أطراف العقد، ولكنها تقع نتيجة لتأثير قوة قاهرة تطرأ على العقد بعد إبرامه، والمقصود بالقوة القاهرة هنا الحادث المفاجئ والعرضي الذي يحدث دون أن يكون متوقعاً.
- الشرط الثالث: أن تكون الاستحالة في تنفيذ العقد قد نشأت قبل البدء في تنفيذه بالفعل، أما إذا كانت الاستحالة قد ظهرت بعد البدء في تنفيذ العقد وتحديداً خلال تنفيذه حتى وإن كانت السفينة لم تبدأ رحلتها البحرية بعد، فإن العقد ينفسخ، ولكن يحق للمؤجر هنا الحصول على التعويض إذا كان له مقتضى.
فإذا ما تحققت هذه الشروط الثلاث فإن عقد الإيجار أو النقل ينفسخ، ويسقط حق المؤجر في المطالبة بأي أجرة عن السفينة المؤجرة.
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 549 لسنة 1988، والصادر بجلسة 20/9/1988 والمتضمن أنه (عقد ايجار السفينة هو خلاف عقد النقل البحري، ولابد من لترتب مسؤولية الناقل على مستأجر السفينة من ثبوت ان المستأجر هو طرف في عقد النقل، وذلك لأن مجرد وجود مستأجر أو عقد إيجار للسفينة لا يكفي لاعتبار المستأجر هو الناقل بما ينفي مسؤولية مالك السفينة وانحصار المسؤولية بالمستأجر).
-
حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1288 لسنة 2013، والصادر بجلسة 18/7/2013 والمتضمن أنه (يمكن التعرف على ماهية عقد إيجار السفينة من التصنيف الذي نصت عليه المادتان 173، 177 من القانون ذاته بأن تأجير السفينة يكون على إحدى الصور التالية: عقد إيجار السفينة غير مجهزة وهو (عقد يؤجر فيه المالك سفينته بهيكلها فقط)، وعقد إيجار السفينة مجهزة وهو (عقد تؤجر فيه السفينة بموظفيها وربانها وبحارتها ويتولى المستأجر استثمارها بدلاً من المؤجر)، أي أن عقود إيجار السفن ذات طبيعة خاصة تختلف في جوهرها عن العقود المعروفة في القانون المدني لأن عقد إجارة السفن ينصب على السفينة وخدمة طاقمها في عقود تأجير السفن مجهزة وعلى السفينة وحدها في عقود تأجيرها غير مجهزة فهي ليست عقود إيجار أعيان فقط ولا عقود إيجار خدمة فقط، وعلى ضوء ما تقدم فإن عقد إيجار السفينة لا يتمتع بأي صفة من صفات عقد النقل البحري لأن العقد الأخير كما قدمنا عقد يتعهد فيه الناقل لقاء أجرة أن يوصل إلى مكان معين أمتعة أو بضائع على أن ينقلها بطريق البحر في كل مدة السفر أو في بعضها).
خامساً: الخاتمة
تتعدد حالات استحقاق المؤجر لأجرة السفينة، كما تتعدد أيضاً حالات عدم استحقاقه لها، إلا أن المشرع الأردني قد تكفل بتنظيم هذه الحالات بطريقة واضحة بنصوص قانون التجارة البحرية، إلا أن أهم ملاحظة جذبت الانتباه هو ضرورة الفصل التشريعي بين تعريف وتنظيم عقد إيجار السفينة المستخدمة في عملية النقل والأجرة المستحقة عن إيجارها، وبين تعريف وتنظيم عقد النقل البحري والأجرة المستحقة عن عملية النقل ذاتها، لاسيما وأنهما عقدين يمثلان علاقتين منفصلتين ومستقلتين، خاصة في الحالة التي لا يكون فيها الناقل مالكاً للسفينة الناقلة بل مستأجراً لها، فيستدعي الأمر أن يبرم الناقل مع المؤجر عقداً لاستئجار السفينة، وأن يبرم أيضاً عقد النقل مع الشاحن، وهو ما يستلزم الفصل بين تنظيم هذين لكونهما وإن كانا يتكاملان في عملية النقل البحري، إلا أن ذلك التكامل لا ينفي ذاتية واستقلالية كلاً منهما عن الآخر.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – أحمد حسني – عقود إيجار السفن – مطابع أطلس – مصر – 1985 – ص 54.
[2] – بسام الطراونة – أجرة النقل البحري – رسالة ماجستير غير منشورة – جامعة بغداد – العراق – 1997 – ص14.
[3] – عادل المقدادي – القانون البحري – الطبعة الخامسة – دار الثقافة – الأردن – 2011 – ص 113.
[4] – هاني دويدار – إشكاليات تسليم البضائع في ظل قانون التجارة البحرية المصري – دار الجامعة الجديدة – مصر – 1996 – ص137.
[5] – بسام الطراونة – المرجع السابق – ص107.
[6] – عبد القادر العطير – الوسيط في شرح قانون التجارة البحرية – الطبعة الأولى – دار الثقافة للنشر – الأردن – 1999 – ص264.

